المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر]: - حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - جـ ١

[محمد بن أحمد الدسوقي]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم

- ‌ترجمة جلال الدين القزوينى صاحب" التلخيص

- ‌اسمه ونسبه:

- ‌ولادته ونشأته:

- ‌صفته:

- ‌طلبه للعلم ومشايخه:

- ‌مصنفاته:

- ‌وفاته:

- ‌ترجمة سعد الدين التفتازاني صاحب" مختصر السعد شرح التلخيص

- ‌مولده:

- ‌منزلته وشهرته:

- ‌مصنفاته:

- ‌مذهبه الفقهي:

- ‌عبقرية التفتازاني:

- ‌ذكر وفاته- رحمه الله تعالى

- ‌كتاب" مختصر السعد

- ‌ترجمة محمد بن عرفة الدسوقى صاحب" حاشية الدسوقى

- ‌اسمه وكنيته

- ‌مولده وحياته:

- ‌صفاته:

- ‌شيوخه:

- ‌تلاميذه:

- ‌ وفاته

- ‌مؤلفاته:

- ‌منهج التحقيق

- ‌مقدمة مختصر السعد

- ‌كلمة الافتتاح للدسوقي

- ‌[القول فى البسملة]:

- ‌[القول فى الحمد]:

- ‌[الكلام فى الشكر]:

- ‌[مقدمة فى بيان معنى الفصاحة والبلاغة]:

- ‌[المقدمه ما هي

- ‌ الفصاحة

- ‌[تقسيم الفصاحة بالمفرد والكلام]

- ‌[يوصف المتكلم بالفصاحه كما يوصف بها الكلام]

- ‌[البلاغة]

- ‌[يوصف الكلام والمتكلم بالبلاغه]

- ‌[الفصاحه في المفرد خلوها عن]

- ‌[عن التنافر]

- ‌[الضابط في التنافر]

- ‌[والغرابه]

- ‌[والمخالفة]

- ‌[من الكراهة فى السمع]

- ‌[الفصاحة فى الكلام خلوها عن: ]

- ‌[الضعف]

- ‌[(والتعقيد)]

- ‌بلاغة الكلام

- ‌[تعريف الحال]

- ‌[مقتضى الحال]

- ‌ أعلى

- ‌لبلاغة الكلام (طرفان:

- ‌[أسفل]

- ‌بلاغة المتكلم

- ‌الفن الأول علم المعاني

- ‌[عله تقديمه علي البيان]

- ‌[تعريف علم المعاني]

- ‌[انحصار الخبر فى الصادق والكاذب]:

- ‌تنبيه حول «تنبيه»

- ‌[الباب الاول] (أحوال الإسناد الخبرى):

- ‌[الحقيقة والمجاز العقليان]:

- ‌[المجاز العقلي]:

- ‌[أقسام المجاز العقلي]:

- ‌[[الباب الثانى] أحوال المسند إليه]:

- ‌ ذكر المسند إليه

- ‌‌‌[تعريف المسند اليه]

- ‌[تعريف المسند اليه]

- ‌[أغراض التعريف]:

- ‌[تعريفه بالإضمار]:

- ‌[تعريفه بالعلمية]:

- ‌[تعريفه بالموصولية]:

- ‌[تعريفه بالإشارة]:

- ‌ تعريف المسند إليه باللام

- ‌ تعريف المسند إليه بالإضافة

- ‌[أغراض التنكير]:

- ‌ تنكير المسند إليه

- ‌أغراض الوصف

- ‌[أغراض التوكيد]:

- ‌[أغراض عطف البيان]

- ‌[بيان المسند إليه]:

- ‌[أغراض البدل]:

- ‌[الإبدال من المسند إليه]:

- ‌[أغراض العطف]:

- ‌[العطف على المسند إليه]:

- ‌[أغراض ضمير الفصل]:

- ‌[أغراض التقديم]:

- ‌ تقديم المسند إليه

- ‌[رأى عبد القاهر]:

- ‌[موافقة السكاكى لرأى عبد القاهر]:

- ‌ تأخير المسند إليه

- ‌[تخريج المسند إليه على خلاف مقتضى الظاهر]

- ‌[وضع المضمر موضع المظهر]:

- ‌[إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر]:

- ‌[التعبير بالمستقبل بلفظ الماضى]:

- ‌خاتمة

الفصل: ‌[إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر]:

أى: الذى ذكر من الحذف والذكر والإضمار وغير ذلك من المقامات المذكورة (كله مقتضى الظاهر) من الحال.

[إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر]:

===

(قوله: الذى ذكر إلخ) فيه إشارة إلى أن إفراد اسم الإشارة مع أن المشار إليه متعدد لتأوله بالمذكور، ولقد أعجب المصنف حيث صدر بحث خلاف مقتضى الظاهر بما هو خلاف مقتضى الظاهر حيث وضع اسم الإشارة موضع المضمر، والمفرد موضع الجمع تنبيها على أن جعل الأحوال المتقدمة بحسن البيان، ولطف المزج واحدا ونهاية الإيضاح كالمحسوس وعدل عن صيغة البعد وهى ذاك إلى صيغة القرب إيماء إلى أن مقتضى الظاهر قريب، ولك أن تجعل هذا فصل الخطاب وما بعده كلاما مبتدأ به

(قوله: فى المقامات) متعلق بذكر وفى بمعنى مع أو أنها للظرفية المجازية، إذ المراد بالمقامات الأحوال الباعثة على الذكر وغيره مما ذكره المصنف، ومقابله المقامات بالذكر والحذف والإضمار وغير ذلك من مقابلة الجمع بالجمع، فتقتضى القسمة على الآحاد، فلكل واحد مما ذكر مقام

(قوله: كله مقتضى الظاهر من الحال) نبه بإيراد كله تأكيدا أو مبتدأ على أن المشار إليه متعدد.

واعلم أن المحال هو الأمر الداعى إلى إيراد الكلام مكيفا بكيفية ما، سواء كان ذلك الأمر الداعى ثابتا فى الواقع أو كان ثبوته بالنظر لما عند المتكلم، وظاهر الحال هو الأمر الداعى إلى إيراد الكلام مكيفا بكيفية مخصوصة بشرط أن يكون ذلك الأمر ثابتا فى الواقع فقط، فعلم من هذا أن ظاهر الحال أخص من الحال، وحينئذ فيكون مقتضى ظاهر الحال أخص من مقتضى الحال فكل مقتضى ظاهر حال مقتضى حال، ولا ينعكس إلا جزئيا، واعترض على المصنف فى تأكيده هنا بكل المقتضى كون كل فرد مما تقدم مقتضى لظاهر الحال مع أن من جملة ما تقدم ما ليس مقتضى ظاهر حال كتوجيه الخطاب لغير المعين وكتنزيل غير المنكر منزلة المنكر وعكسه، وأجيب بأن هذا الذى تقدم إنما هو فى الإسنادى الخبرى والكلام فى المسند إليه ولم يتقدم تخريجه على

ص: 699

(وقد يخرج الكلام على خلافه) أى: على خلاف مقتضى الظاهر لاقتضاء الحال إياه (فيوضع المضمر موضع المظهر، كقولهم: نعم رجلا) زيد (مكان: نعم الرجل) فإن مقتضى الظاهر فى هذا المقام هو الإظهار دون الإضمار لعدم تقدم ذكر المسند إليه وعدم قرينة تدل عليه، وهذا الضمير عائد إلى متعقل

===

خلاف مقتضى الظاهر فلا تسامح فى التأكيد- كذا قيل، وفيه أنه تقدم فيه توجيه الخطاب لغير معين وهذا خلاف مقتضى الظاهر

(قوله: وقد يخرج الكلام) أى: وقد يورد الكلام ملتبسا بمخالفة مقتضى ظاهر الحال، وأتى بكلمة قد مع المضارع إشارة لقلة ذلك بالنسبة لمقابله

(قوله: لاقتضاء الحال إياه) أى: لاقتضاء باطن الحال إياه لعروض اعتبار آخر ألطف من ذلك الظاهر

(قوله: كقولهم) أى: العرب ابتداء من غير جرى ذكر المسند إليه لفظا أو تقديرا

(قوله: نعم رجلا مكان نعم الرجل) أى: ونعم رجلين مكان نعم الرجلان، ونعم رجالا مكان نعم الرجال

(قوله: وعدم قرينة تدل عليه) أى: بخصوصه، وفيه إشارة إلى أن الموجب للإضمار أحد أمرين إما تقدم المرجع، أو قرينة تدل عليه، فإذا فقدا كان مقتضى الظاهر الإتيان بالاسم الظاهر لا بالضمير، فمقام نعم الرجل مقام إظهار لعدم وجود الأمرين اللذين يقتضيان الإضمار، فإذا قلت:

نعم رجلا زيد بإضمار المسند إليه كان الكلام مخرجا على خلاف مقتضى الظاهر لعروض اعتبار آخر ألطف من ذلك الظاهر وهو حصول الإبهام، ثم التفسير المناسب لوضع هذا الباب للمدح والذم العامين أى: من غير تعيين خصلة.

(قوله: عائد إلى متعقل معهود فى الذهن) أى: إلى شىء معقول فى الذهن مبهم باعتبار الوجود فهو بمعنى شىء صادق بأن يكون رجلا أو أكثر أو امرأة أو أكثر، فإذا أتى برجل مثلا الذى هو تمييز وتفسير له علم جنس ذلك المتعقل دون شخصه فما زال الإبهام حاصلا فى الجملة، فإذا ذكر المخصوص بعد ذلك تعين شخصه، وإنما اعتبر فى ذلك المتعقل كونه مبهما لأجل أن يحصل الإبهام، ثم التفسير المناسب لوضع هذا الباب أعنى باب نعم، وقوله عائد إلى متعقل إلخ فى كلام غير واحد من النحاة: كالدمامينى أنه عائد على التمييز، وعليه فيكون التمييز مفسرا له بلا واسطة وعلى كلام الشارح يكون

ص: 700

معهود فى الذهن، والتزم تفسيره بنكرة ليعلم جنس المتعقل، وإنما يكون هذا من وضع المضمر موضع المظهر (فى أحد القولين)

===

تفسيرا له بواسطة تفسيره لمرجعه

(قوله: معهود فى الذهن) أى: لا فى الخارج وهذا أحد قولين فى الضمير، والقول الثانى أنه للجنس، والقولان مبنيان على القولين فى أل من قولنا: نعم الرجل الواقع فاعلا لنعم الحال محل الضمير فقيل: إنها للعهد، وقيل: إنها للجنس، واعترض القول بأن الضمير للجنس بثلاثة أشياء الأول: أن الجنس لا إبهام فيه فلا يناسب تمييزه، الثانى: أن الجنس لا يثنى ولا يجمع مع أنه يقال: نعم الرجلان الزيدان ونعم الرجال الزيدون، الثالث: أنه يخصص بمعين كزيد مثلا وهو غير الجنس، وأجيب بأن من جعلها للجنس أراد الجنس الادعائى لا حقيقة، وحينئذ فالإبهام موجود كما فى المعهود الذهنى وصح تفسيره بمعين، وأما نعم الرجلان ونعم الرجال فالمراد به جنس التثنية وجنس الجمع فلا إشكال؛ لأنه ثنى أولا أو جمع، ثم عرف بلام الجنس

(قوله: والتزم تفسيره بنكرة) أى: لا بمعرفة، وما فى صحيح مسلم من حديث جابر من أن (1) إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، وساق الحديث إلى أن قال: ثم يجىء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته قال فيدنيه منه ويقول نعم أنت، فيخرج ذلك الحديث على أن يكون فاعل نعم ضميرا مستترا فيها مميزا بنكرة محذوفة يدل عليها السياق أى: نعم فاتنا أو نعم شيطانا، وأنت هو المخصوص بالمدح

(قوله: ليعلم جنس المتعقل) أى: فقط دون شخصه فيحصل الإبهام فإذا أتى بالمخصوص بعد ذلك تعين شخصه؛ وذلك لأن النكرة إنما تفيد بيان الجنس، ولا تفيد التعيين الشخصى بخلاف المعرفة، فإن بها يعلم شخص المتعقل كما يعلم جنسه فيفوت الإبهام، ثم التعيين- كذا قيل وتأمله.

(قوله: وإنما يكون هذا) أى: نعم رجلا

(قوله: فى أحد القولين) أى: المشهورين فلا ينافى أن هناك قولا آخر وهو جعل المخصوص مبتدأ خبره محذوف

(1) رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله كتاب التوبة- باب تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس برقم 2813.

ص: 701

أى: قول من يجعل المخصوص خبره مبتدأ محذوف، وأما من يجعله مبتدأ ونعم رجلا خبره- فيحتمل عنده أن يكون الضمير عائدا إلى المخصوص وهو متقدم تقديرا، ويكون التزام إفراد الضمير حيث لم يقل: نعما، ونعموا: من خواص هذا الباب لكونه من الأفعال الجامدة (وقولهم: هو أو هى زيد عالم

===

(قوله: أى قول إلخ) تفسير لأحد القولين لا للقولين

(قوله: أى قول من يجعل إلخ) أى:

وكذا على قول من يجعله مبتدأ خبره محذوف، والتقدير زيد الممدوح ففى المخصوص أقوال ثلاثة فى إعرابه

(قوله: خبر مبتدأ محذوف) أى: لأنه لما تقدم ذكر الفاعل مبهما قدر سؤال عنه بمن هو، فأجيب بقوله: هو زيد.

(قوله: فيحتمل عنده أن يكون إلخ) أى: وعليه فلا يكون نعم رجلا زيد من هذا الباب أعنى: باب وضع المضمر موضع المظهر أى: ويحتمل أن يكون الضمير عائدا إلى المتعقل الذهنى، لا على زيد المبتدأ، وعليه فيكون من هذا الباب- كذا قيل، وفيه نظرة: إذ هو على هذا الاحتمال إنما يكون من باب وضع المضمر المبهم العائد على غير معين مكان المضمر العائد على معين، لا من باب وضع المضمر موضع المظهر- كذا قال يس.

وفى الأطول ما يوافقه، فإن قلت: على هذا الاحتمال أين الرابط الذى يربط الجملة الواقعة خبرا بالمبتدأ قلت: الرابط العموم الذى فى الضمير الشامل للمبتدأ كما فى صورة الفاعل المظهر، فكأنه قيل زيد نعم هو أى: مطلق شىء الذى زيد من جملته فزيد ذكر مرتين أولا بخصوصه وثانيا من حيث دخوله فى جملة مرجع الضمير

(قوله: ويكون التزام إلخ) جواب عما يقال إذا كان الضمير عائدا على المخصوص، فيلزم تثنية الضمير وجمعه إذا كان المخصوص مثنى أو مجموعا مع أنه ليس كذلك

(قوله: حيث لم يقل نعما) أى: فى قولك نعم رجلين الزيدان، (وقوله: نعموا) أى فى قولك: نعموا رجالا الزيدون

(قوله: لكونه من الأفعال الجامدة) المشابهة للأسماء الجامدة فهى ضعيفة، وإذا كانت كذلك فلا تتحمل بارزا لئلا يثقلها، ويرد على هذا التعليل: أن ليس من الأفعال الجامدة مع أنه يجب مطابقة الضمير المتصل بها لمرجعه- فتأمل.

ص: 702

مكان الشأن أو القصة) فالإضمار فيه أيضا خلاف مقتضى الظاهر لعدم التقدم.

واعلم أن الاستعمال على أن ضمير الشأن إنما يؤنث إذا كان فى الكلام مؤنث غير فضلة فقوله: هى زيد عالم

===

(قوله: مكان الشأن أو القصة) لف ونشر مرتب يعنى كقولهم: هو مكان الشأن وهى مكان القصة فهو راجع إلى الشأن المعقول وهى راجعة للقصة المعقولة يفسرهما الجملة بعد؛ لأن القصة والشأن وهو مضمون الجملة بعدهما فقول المصنف مكان إلخ يشير إلى أن التذكير باعتبار الشأن والتأنيث باعتبار القصة فإن قلت: كيف يصح هو زيد عالم مثلا مع أنه لا رابط فى الجملة الواقعة خبرا قلت الجملة الواقعة خبرا عن ضمير الشأن لا تحتاج لرابط، لأن فائدة الرابط أن يربط الخبر بالمبتدأ، لأن الجملة من حيث هى جملة مستقلة بالإفادة فما لم يوجد فيها رابط لم تربط بالمبتدأ، والجملة المفسرة لضمير الشأن عين المبتدأ فهى فى حكم المفرد، فلا تحتاج لرابط فالمعنى الشأن أى: الحديث هذا اللفظ، وكذا لا يحتاج للرابط فى كل جملة تكون عين المبتدأ نحو قولى: زيد منطلق

(قوله: لعدم التقدم) أى: فعدم التقدم للمسند إليه يقتضى إيراده اسما ظاهرا، فإيراده ضمير مخالف لمقتضى الظاهر، إلا أن الحال يقتضيه لعروض اعتبار الإبهام، ثم التفسير

(قوله: واعلم إلخ) قصد الشارح بهذا الاعتراض على قول المصنف، وقولهم هو أو هى زيد عالم المقتضى استعمال هى زيد عالم

(قوله: على أن إلخ) متعلق بمحذوف أى: جار على أن ضمير الشأن إنما يؤنث إلخ، وفيه إشارة إلى أن ضمير الشأن والقصة واحد فى المعنى وإنما اصطلحوا على أن الجملة المفسرة للضمير إذا كان فيها مؤنث غير فضلة ولا شبيها بالفضلة، فإن الضمير يؤنث، ويقال له ضمير القصة وإلا ذكر، ويقال له ضمير الشأن

(قوله: إذا كان فى الكلام) أى: فى الجملة المفسرة للضمير

(قوله: غير فضلة) أى: ولا شبيها بالفضلة، وذلك كقولك: هى هند مليحة، فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ (1)، وإنما أنث الضمير لقصد المطابقة اللفظية، لا لأن مفسره ذلك المؤنث لما عرفت أن مرجعه القصة المعقولة فمفسره الجملة بتمامها، واحترز بالفضلة والشبيه بها من نحو: إنها بنيت غرفة، وإنها كان القرآن معجزة؛ لأن معجزة شبيه بالفضلة

(1) الحج: 46.

ص: 703

مجرد قياس ثم علل وضع المضمر موضع المظهر فى البابين بقوله: (ليتمكن ما يعقبه) أى: يعقب الضمير؛ أى: يجىء على عقبه (فى ذهن السامع لأنه) أى: السامع (إذا لم يفهم منه) أى: من الضمير (معنى انتظره) أى: انتظر السامع ما يعقب الضمير ليفهم منه معنى فيتمكن بعد وروده فضل تمكن لأن الحصول بعد الطلب

===

لنصبه فلا يؤنث الضمير فيهما، بل يقال إنه فى المثالين وإنما اشترط كون المؤنث غير فضلة ولا شبيها بها؛ لأن الضمير مقصود مهم فلا تراعى مطابقته للفضلات:

(قوله: مجرد قياس) أى: قياس على قولهم هى هند مليحة بجامع عود الضمير فى كل إلى القصة مجرد عن الاستعمال والسماع، وحينئذ فلا يصح قول المصنف وقولهم إلخ:

المقتضى أن ذلك مسموع

(قوله: فى البابين) أى: باب نعم وباب ضمير الشأن

(قوله: ليتمكن ما يعقبه فى ذهن السامع) إن قلت هذا التمكن الحاصل فى ضمير الشأن يحصل بقولك الشأن زيد عالم من غير التزام خلاف الظاهر فلا يختص الإضمار بالتشوق قلت: هذا ممنوع إذ السامع متى سمع الاسم المظهر فهم منه مدلوله ولو إجمالا بخلاف الضمير الغائب، فإنه لا يفهم منه إلا أن له مرجعا فى ذهن المتكلم وأما إن ذلك المرجع ما هو فلا يفهم من نفس ذلك الضمير بحسب الوضع فلم يشتد الإبهام فى الاسم المظهر مثل الضمير، وحينئذ فلم يتحقق فيه التشوق، ثم إن ما عللوا به التمكن من الانتظار والتشوق إنما يتحقق عند وقوع مهلة بين ذكر الضمير ومفسره مثلا ولا قائل بأن مفسر الإضمار قبل الذكر يتوقف على السكوت بعد ذكر الضمير، وبه يعلم أن هذه ملح وظرف تجب مراعاتها، ولو لم تحصل بالفعل، ويؤخذ من هذا أن ما يراعيه البليغ يكفى تخيل وجوده

(قوله: أى يجىء على عقبه) إنما عبر بعلى، ولم يقل أى يجىء عقبه لإشعار على بشدة اللصوق؛ لأنها تشعر بالاستعلاء والتمكن، وبيان ذلك أن عقب حال جرها بعلى ليست ظرفا، بل اسم بمعنى الآخر والطرف فالمعنى على أخره وطرفه فيفيد على اتصال المتعاقبين والتصاقهما، وأنه لا فاصل بينهما، بخلاف لو تركها، فإنه وإن أشعر باللصوق لكن لا يشعر بشدته

(قوله: فضل تمكن) أى: تمكنا فاضلا أى: زائدا

(قوله: لأن الحصول) أى: لأن ذا الحصول أو الحاصل

ص: 704

أعز من المنساق بلا تعب، ولا يخفى أن هذا لا يحسن فى باب: نعم؛ لأن السامع ما لم يسمع المفسر لم يعلم أن فيه ضميرا فلا يتحقق فيه التشوق والانتظار (وقد يعكس) وضع المضمر موضع المظهر؛ أى: يوضع المظهر موضع المضمر (فإن كان) المظهر الذى وضع موضع المضمر (اسم إشارة فلكمال العناية بتمييزه) أى: تمييز المسند إليه (لاختصاصه بحكم بديع، كقوله (1):

===

(قوله: أعز من المنساق بلا تعب) وجه الأعزية أن فيه أمرين لذة العلم، ولذة دفع ألم التشوق، بخلاف المنساق بلا تعب، فإن فيه الأول فقط، ولا شك أن اللذة المشتملة على دفع الألم أحلى من اللذة الموجودة بدونه

(قوله: أن هذا) أى: التعليل (وقوله: فى باب نعم) أى: وكذا فى ضمير الشأن المستتر نحو: كان زيد قائم.

(قوله: ما لم يسمع المفسر) أى: أن السامع مدة عدم سماعه المفسر لم يعلم أن فيه ضميرا لأنه قبل سماعه للمفسر يجوز أن الفاعل اسم ظاهر يأتى به المتكلم بعد ذلك فإذا سمع التمييز علم جنس الضمير فلا يتشوق ولا ينتظر لشىء لأنه حصلت له معرفة جنس الضمير ابتداء

(قوله: فلا يتحقق فيه التشوق إلخ) أى: وحينئذ فتعليل وضع المضمر موضع المظهر فى باب نعم بما ذكره من البيان غير سديد وقد يجاب بأن مراد المصنف ليتمكن فى ذهن السامع ما يعقبه بعد العلم بالضمير والعلم بالضمير لا ينحصر فى سماع المفسر لجواز أن يعلم بالقرينة ولعله لذلك لم يقل الشارح لا يصح فى باب نعم كذا فى عبد الحكيم

(قوله: فلكمال العناية) أى: فلأجل إفادة أن المتكلم اعتنى بتمييز المسند إليه اعتناء كاملا حيث أبرزه فى معرض المحسوس

(قوله: لاختصاصه) أى وإنما يعتنى المتكلم اعتناء كاملا بتمييزه لاختصاصه أى لاختصاص مدلوله أى لكون مدلوله مختصا فى العبارة بحكم أى بأمر محكوم به عليه بديع أى عجيب

(قوله: كقوله) أى:

(1) البيتان لأحمد بن يحيى المعروف بابن الرّاوندىّ، وكان يرم ى بالزندقة، وكان على مذهب المعتزلة، ألحد وتزندق، وتوفى سنة 250 هـ. أوردهما بدر الدين بن مالك فى المصباح: 29، وهما فى المفتاح: 294، وشرح عقود الجمان 1/ 104، ومعاهد التنصيص 1/ 147، والإيضاح 76، وقد أورد الإمام الطيبى فى التبيان 1/ 158 فى جوابه بيتين لطيفين هما:

كم من أديب فهم قلبه

مستكمل العقل مقلّ عديم

ومن جهول مكثر ماله

" ذلك تقدير العزيز العليم"

والشطر الثانى مقتبس من سورة الأنعام، الآية:96.-

ص: 705

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

قول أحمد بن يحيى بن إسحق الراوندى بفتح الواو نسبة إلى راوند بفتح الواو قرية من قرى ساسان قريبة من أصبهان والأكثر على أنه كان زنديقا فقد كان يعلم اليهود الحيل والشبه اتفق أنه أخذ منهم ألف دينار وألف لهم كتابا رد فيه على القرآن وسماه الدامغ للقرآن وقيل إنه كان من الأولياء أهل الدلال على الله وأن ما نقل عنه من تعليم اليهود الشبه وغير ذلك لم يصح كما قال الفنرى وقبل البيت المذكور:

سبحان من وضع الأشياء موضعها

وفرّق العزّ والإذلال تفريقا

ومن قبيل كلام ابن الراوندى قول بعضهم:

أعطيتنى ورقا لم تعطنى ورقا

قل لى بلا ورق ما تنفع الحكم

فخذ من العلم شطرا واعطنى ورقا

ولا تكلنى إلى من جوده عدم

ولما قال هذا القائل ما ذكر سمع هاتفا يقول له

لو كنت ذا حكم لم تعترض حكما

عدلا خبيرا له فى خلقه قسم

هلّا نظرت بعين الفكر معتبرا

فى معدم ما له مال ولا حكم

وقد رد العلامة عبد الرحمن عضد الملة والدين على ابن الراوندى بقوله:

كم عاقل عاقل قد كان ذا عسر

وجاهل جاهل قد كان ذا يسر

تحيّر الناس فى هذا فقلت لهم

هذا الذى أوجب الإيمان بالقدر

ولبعضهم فى هذا المعنى

كم من قوىّ قوى فى تقلّبه

مهذّب الرأى عنه الرزق منحرف

كم من ضعيف ضعيف فى تقلبه

كأنه من خليج البحر يغترف

هذا دليل على أن الإله له

فى الخلق سرّ خفىّ ليس ينكشف

ولبعضهم

كم عالم يسكن بيتا بالكرا

وجاهل له قصور وقرى

- وعاقل الثانية وصف للأولى، والتحرير: الفطن الحاذق المجرب، والزنديق: الكافر والشاهد فى اسم الإشارة؛ لأنه يعود إلى الحكم السابق عليه، وهو كون العاقل محروما والجاهل مرزوقا، فالمقام للضمير؛ لأن هذا الحكم غير محسوس، واسم الإشارة موضوع للمحسوس. [راجع حاشية الإيضاح ص 76 تحقيق د/ عبد الحميد هنداوي].

ص: 706

كم عاقل عاقل) هو وصف عاقل الأول بمعنى: كامل العقل متناه فيه (أعيت) أى:

أعيته وأعجزته أو أعيت عليه وصعبت (مذاهبه) أى: طرق معاشه

(وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا

هذا الذى ترك الأوهام حائرة

===

لما قرأت قوله سبحانه

نحن قسمنا بينهم زال المرا

(قوله: كم عاقل إلخ) كم خبرية مبتدأ وعاقل المضاف إليها مميز لها وعاقل الثانى نعت للأول بمعنى كامل العقل لأن تكرار اللفظ لقصد الوصفية يفيد الكمال ولو فى الجوامد كمررت برجل رجل أى كامل فى الرجولية والخبر جملة أعيت.

(قوله: هو وصف) أى وليس تأكيدا لفظيا كما يسبق إلى الوهم إذ لا محل للتأكيد هنا لأنه إنما يكون لدفع توهم سهو أو تجوز ولا يتأتى شىء من ذلك هنا ثم إن مغايرته للموصوف بحمل الإبهام المستفاد من التنكير على الكمال وكأنه قيل كم عاقل كامل العقل

(قوله: أى أعيته) أشار بذلك إلى أنه يستعمل متعديا (وقوله: وأعجزته) تفسير أى أنه لم ينل منها إلا قليلا وقوله أو أعيت عليه أشار بذلك إلى أنه يستعمل أيضا لازما فهو هنا محتمل لأن يكون متعديا أو لازما

(قوله: وصعبت) تفسير لما قبله

(قوله: وجاهل جاهل) أى: وجاهل كامل الجهل وفى إيقاعه جاهل جاهل مقابلا لعاقل عاقل مع أن المقابل للعاقل حقيقة المجنون والمقابل للجاهل العالم إشارة إلى أن العقل بلا علم كالعدم وأن الجهل يلزمه الجنون فالعاقل ينبغى له أن يتحلى بالعلم ويحترز عن الجهل لئلا يتعطل عقله والجاهل مجنون لتباعده عن اكتساب الكمالات فاندفع ما يقال كان الأولى أن يقول فى الأول كم عالم عالم أو يقول فى الثانى ومجنون مجنون

(قوله: هذا) أى: الحكم السابق وهو كون العاقل محروما والجاهل مرزوقا

(قوله: ترك) أى صير لأن ترك إذا تعدى لمفعولين كان بمعنى صير كما فى التسهيل

(قوله: الأوهام) أى: العقول أى أهل العقول فسمى المحل باسم الحال فيه وحذف المضاف وإنما لم يعبر بالعقول للإشارة إلى أن الحيرة فى ذلك إنما تقع للعقلاء من طريق الوهم أى بسبب غلبة القضايا الوهمية على العقل لا من طريق العقل من حيث هو عقل تأمل. اهـ يس.

ص: 707

وصير العالم النحرير) أى: المتقن، من: نحر الأمور علما: أتقنها (زنديقا) كافرا نافيا للصانع العدل الحكيم، فقوله: هذا إشارة إلى حكم سابق غير محسوس وهو كون العاقل محروما والجاهل مرزوقا فكان القياس فيه الإضمار فعدل إلى اسم الإشارة

===

(قوله: حائرة) أى: متحيرة فى ثبوت الصانع ونفيه؛ لأن مقتضى المناسبة العقلية أن الصانع الحكيم يرزق ذا التدبير والعقل دون العكس إن قلت إذا كان هذا الأمر يصير الأوهام ذوات حيرة فغاية أمر العالم أن يتحير فمن أين يصيره زنديقا أى جازما بنفى الصانع قلت الزندقة لا تتوقف على الجزم بنفى الصانع بل تحصل بالتردد فيه اللازم لذلك التحير غالبا

(قوله: وصير العالم إلخ) قيل أراد بالعالم وزنديقا نفسه وقد أخطأ فى الأول وأصاب فى الثانى أما فى الأول فلأن مقتضى كونه عالما لا يعترض عليه تعالى فإنه العليم بما يخفى على العباد المتصرف فى ملكه بما يريد ولأنه لو كان عالما تحريرا ما اعترض على الله بذلك وغفل عن كون الرزق حسيا ومعنويا وأن الثانى أفضل لأنه رزق العلوم والمعارف والحكم وأما فى الثانى فلأنه زنديق ملحد. اهـ.

وفيه أن هذا يبعده قوله سبحان من وضع الأشياء موضعها إلخ فإنه يقتضى أنه غير زنديق فلعله أراد غيره

(قوله: من نحر الأمور علما) تمييز محول عن المفعول والأصل نحر علم الأمور أى أتقنه ففعل به كما فعل بقوله تعالى وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً (1) ثم إن النحر فى الأصل هو الذكاة على وجه مخصوص فتفسيره بالإتقان مجاز علاقته المشابهة فى إزالة ما به الضرر فإن الذبح يزيل الدماء والرطوبات التى فى الحيوان والإتقان يزيل الشكوك والشبهات

(قوله: نافيا للصانع) قائلا لو كان له وجود لما كان الأمر كذلك وكان على الشارح أن يزيد ومنكرا للآخرة لقول القاموس الزنديق هو من لا يؤمن بالآخرة والربوبية ولعل الشارح اقتصر على ما ذكره وترك إنكار الآخرة لأنه يلزم من نفى الصانع إنكار الآخرة

(قوله: إشارة إلى حكم سابق) أى: إلى أمر محكوم عليه سابق

(قوله: فكان القياس فيه الإضمار) أى: بأن يقال هما مثلا وإنما كان القياس الإضمار

(1) القمر: 12.

ص: 708

لكمال العناية بتمييزه ليرى السامعين أن هذا الشىء المتميز المتعين هو الذى له الحكم العجيب؛ وهو جعل الأوهام حائرة والعالم النحرير زنديقا، فالحكم البديع هو الذى أثبت للمسند إليه المعبر عنه باسم الإشارة (أو التهكم) عطف على كمال العناية (بالسامع كما إذا كان) السامع (فاقد البصر)

===

لتقدم ذكره مع كونه غير محسوس والإشارة حقيقة فى المحسوس

(قوله: لكمال العناية إلخ) أى: لإفادة الاعتناء الكامل بتمييزه حيث أبرزه فى معرض المحسوس

(قوله: إن هذا الشىء) أى: الذى هو كون العالم محروما والجاهل مرزوقا

(قوله: وهو جعل إلخ) الضمير للحكم العجيب وفيه إشارة إلى أن المراد بترك الأوهام حائرة جعلها كذلك

(قوله: فالحكم البديع هو الذى أثبت) أى: وهو جعل الأوهام حائرة وأشار بذلك لرد قول بعضهم إن الحكم البديع هو كون العاقل محروما والجاهل مرزوقا فمعنى اختصاص المسند إليه بحكم بديع على هذا القول كونه عبارة عنه ومعنى كون هذا الحكم بديعا أنه ضد ما كان ينبغ ى وهذا تعسف لأنه يلزم عليه اختصاص الشىء بنفسه فالحق ما قاله الشارح من اختلاف المسند إليه المعبر عنه باسم الإشارة والحكم البديع المختص به فالمسند إليه هو كون العالم محروما والجاهل مرزوقا والحكم البديع المختص به أى الثابت له جعل الأوهام حائرة والعالم زنديقا

(قوله: عطف على كمال العناية) أى: لا على قوله لاختصاصه لإفادته أن التهكم بمن لا بصر له يقتض ى كمال العناية بتمييز المسند إليه كما أن اختصاصه بحكم بديع يقتض ى ذلك مع أن التهكم بمن لا بصر له إنما يقتض ى إيراد المسند إليه اسم إشارة سواء قصد كمال العناية بالتمييز أو لا. قال عبد الحكيم: وفيه تعريض بصاحب المفتاح حيث جعل التهكم داخلا تحت كمال العناية مقابلا للاختصاص بالحكم البديع فإنه قال إذا كملت العناية بتمييزه إما لأنه اختص بحكم بديع عجيب الشأن وإما لأنه قصد التهكم بالسامع

(قوله: كما إذا كان السامع إلخ) كما لو قال لك الأعمى من ضربنى فقلت له هذا ضربك فكان مقتضى الظاهر أن يقال له هو زيد لتقدم المرجع فى السؤال لكنه عدل عن مقتضى الظاهر وأتى بالاسم الظاهر محل الضمير قصدا للتهكم والاستهزاء به حيث عبرت له بما هو موضوع للمحسوس بحاسة البصير فنزلته منزلة البصير تهكما به.

ص: 709

أو لا يكون ثم مشار إليه أصلا (أو النداء على كمال بلادته) أى: بلادة السامع بأنه لا يدرك غير المحسوس (أو) على كمال (فطانته) بأن غير المحسوس عنده بمنزلة المحسوس

===

(قوله: أو لا يكون إلخ) هذا مقابل لمحذوف والأصل سواء كان ثم مشار إليه محسوس أو لم يكن مشار إليه أصلا أى محسوس فالمنفى المشار إليه المحسوس لا المشار إليه مطلقا كما إذا قال لك الأعمى من ضربنى فقلت له هذا ضربك مشيرا للخلاء مثلا استهزاء به مكان هو زيد لتقدم المرجع فى السؤال كذا قرر بعض الأشياخ وقرر شيخنا العدوى أن قوله أو لا يكون مقابل لقوله فاقد البصر أى أو لم يكن فاقد البصر لكن لم يكن ثم مشار إليه أصلا يعنى محسوس كما إذا قال لك البصير من ضربنى فقلت هذا ضربك مشيرا لأمر عدمى كالخلاء وإنما كان التعبير باسم الإشارة مفيدا للتهكم والاستهزاء لأن الإشارة إلى الأمر العدمى بما يشار به إلى المحسوس مما يدل على عدم الاعتناء بذلك الشخص وقد علم من هذا أن كون المشار إليه غير حاضر حسا لا يمنع من كون المقام مقام إضمار لتقدم المرجع فى السؤال وبهذا اندفع ما يقال إذا لم يكن ثم مشار إليه أصلا لم يكن هناك مرجع للضمير فلا يكون المقام للضمير لتوقفه على المرجع فلا يصح جعل ذلك من وضع الظاهر موضع المضمر

(قوله: أصلا) تمييز محول عن اسم كان أى: أو لا يكون أصل المشار إليه ثمة

(قوله: أو النداء) عطف على التهكم أى يوضع اسم الإشارة موضع المضمر لأجل النداء أى الإعلام والتنبيه على بلادة السامع وذلك لأن فى اسم الإشارة الذى أصله أن يكون لمحسوس إيماء إلى أن السامع لا يدرك إلا المحسوس فإذا قال قائل: من عالم البلد، مثلا؟ فقيل له: ذلك زيد، كان ذلك القول مكان هو زيد لأن المحل للضمير لتقدم المرجع فالإتيان باسم الإشارة خلاف مقتضى الظاهر وعدل لذلك الخلاف إيماء إلى كمال بلادة ذلك السائل

(قوله: أو على كمال فطانته) أى: السامع وحاصله أن المتكلم يستعمل اسم الإشارة الذى أصله المحسوس فى المعنى الغامض الخفى إيماء إلى أن السامع لذكائه صارت المعقولات عنده كالمحسوسات وذلك كقول المدرس بعد تقرير مسألة غامضة وهذه عند فلان ظاهرة مدحا له وتعريضا بغيره

ص: 710

(أو ادعاء كمال ظهوره) أى: ظهور المسند إليه (وعليه) أى: على موضع اسم الإشارة موضع المضمر لادعاء كمال الظهور (من غير هذا الباب) أى: باب المسند إليه (: تعاللت (1)) أى: أظهرت العلة والمرض (كى أشجى) أى: أحزن؛ من: شجى بالكسر؛ أى: صار حزينا، لا من شجا العظم؛ بمعنى: نشب فى حلقه (وما بك علّة

===

فكان مقتضى الظاهر أن يقال وهى ظاهرة عند فلان لتقدم المرجع لكنه عدل عن مقتضى الظاهر لخلافه للتنبيه على كمال فطانة ذلك السامع وأن المعقولات صارت عنده كالمحسوس

(قوله: أو ادعاء كمال ظهوره) أى: يوضع اسم الإشارة مكان المضمر فى باب المسند إليه لادعاء كمال ظهوره عند المتكلم حتى كأنه محسوس بالبصر ولو لم يكن ظاهرا فى نفسه ومن ذلك قول القائل عند الجدال وتقرير مسألة أنكرها الخصم هذه ظاهرة أو مسلمة فكان مقتضى الظاهر أن يقال وهى ظاهرة لكنه عدل إلى خلاف مقتضى الظاهر ادعاء لكمال الظهور.

(قوله: وعليه) خبر مقدم وتعاللت مبتدأ مؤخر وقوله من غير هذا الباب حال من تعاللت

(قوله: تعاللت إلخ) هو من كلام عبد الله بن دمينة من قصيدة مطلعها:

قفى قبل وشك البين يا ابنة مالك

ولا تحرمينى نظرة من جمالك

وبعد هذا البيت المذكور تعاللت إلخ وبعده:

فإن ساءنى ذكراك لى بمساءة

فقد سرّنى أنّى خطرت ببالك

ووشك البين قرب التفرق والخطاب للمحبوبة

(قوله: أى أظهرت العلة) أى:

لأن التفاعل يستعمل فى إظهار ما لم يكن كتعارج أى أظهر العرج ولم يكن به عرج

(قوله: أى أحزن) لما طبعت عليه من التوجع لتوهم علتك وإن كان التوهم فاسدا

(قوله: لا من شجا العظم) هو بالفتح وإنما لم يكن أشجى هنا مأخوذا منه لعدم المناسبة

(قوله: نشب فى حلقه) بكسر الشين أى وقف العظم فى حلقه (قوله وما بك علة)

(1) البيت لابن الدمينة فى: ديوانه ص 16، والمفتاح ص 179، والإيضاح ص 166، ونهاية الإيجاز ص 110.

ص: 711

تريدين قتلى قد ظفرت بذلك) أى: بقتلى. كان مقتضى الظاهر أن يقول به لأنه ليس بمحسوس فعدل إلى ذلك إشارة إلى أن قتله قد ظهر ظهور المحسوس.

(وإن كان) المظهر الذى وضع موضع المضمر (غيره) أى: غير اسم الإشارة (فلزيادة التمكين)

===

حال من التاء فى تعاللت مؤكدة لأن المراد وما بك علة فى الواقع ولا شك أنه يفهم من التعالل عدم العلة فى الواقع

(قوله: تريدين قتلي) أى: بإظهار العلة وه ى حال من التاء فى تعاللت أيضا أو بدل اشتمال من تعاللت أو استئناف وكان الظاهر أن يقول أردت إلا أنه عبر بالمضارع إرادة لحكاية الحال الماضية

(قوله: قد ظفرت بذلك) مستأنف استئنافا بيانيا جوابا عما يقال قد ظفرت بذلك المراد وهو قتلك أولا فأجاب بقوله قد ظفرت بذلك وإنما صح ترتيب قتله على إظهار العلة مع جزم المقتول بانتفائها لأنه يدع ى موته بتوهم العلة ولو كان التوهم فاسدا بل يتصورها فكيف به لو حققت العلة وهذا من الظرافة بمكان

(قوله: كان مقتضى الظاهر أن يقول به لأنه) أى: القتل ليس بمحسوس أى وأصل الإشارة أن تكون لمحسوس وقوله لأنه ليس بمحسوس أى: ولكونه متقدما والحاصل أن المحل للضمير لتقدم المرجع ولكون القتل غير محسوس

(قوله: فعدل إلى ذلك) بكسر الكاف أى إلى لفظ ذلك

(قوله: إشارة إلى أن قتله قد ظهر ظهور المحسوس) اعترض بأنه كان الأولى أن يقول قد ظهر كمال الظهور المحسوس لأجل أن يطابق قول المصنف أو ادعاء كمال ظهوره ورد بأنه لا حاجة لذلك لأن كمال ظهور المعانى كالقتل أن يكون كالمحسوس فظهورها ظهور المحسوس كمال فى ظهورها غاية الأمر أن هذا الكمال الذى هو ظهور المحسوس له مراتب متفاوتة وليس فى قوله أو ادعاء كمال ظهوره أعلى مراتب الكمال بل حاصله اعتبار نفس الكمال الصادق بكل مرتبة من مراتبه

(قوله: إشارة إلى أن قتله إلخ) أى: ويحتمل أن يكون إنما عدل إلى لفظ ذلك إشارة إلى بعد القتل لأنه لكمال شجاعته يبعد عن قتله كل أحد وه ى قد ظفرت به بمجرد التعلل

(قوله: أى غير اسم الإشارة) أى: بأن كان علما أو معرفا بأل أو بالإضافة

(قوله: فلزيادة التمكين) أى:

فوضع ذلك المظهر موضع المضمر يكون لزيادة التمكين.

ص: 712

أى: جعل المسند إليه متمكنا عند السامع (نحو: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ (1)) أى: الذى يصمد إليه ويقصد فى الحوائج، لم يقل هو الصمد لزيادة التمكن (ونظيره) أى: نظير قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ فى وضع المظهر موضع المضمر لزيادة التمكن (من غيره: ) أى: من غير باب المسند إليه (وَبِالْحَقِّ)

===

(قوله: أى جعل المسند إليه متمكنا عند السامع) لم يقل أى: جعل المسند إليه زائدا فى التمكن عند السامع إشارة إلى أن إضافة زيادة للتمكن بيانية أى زيادة هى التمكن أى قوة الحصول فى ذهن السامع وبيان ذلك أن المسند إليه يفيد فهم معناه فى الجملة وكونه مظهرا فى موضع المضمر يفيد زيادة على ذلك وهى التمكن وهذا وجه تسمية التمكن زيادة ووجه إفادة الظاهر التمكن دون المضمر أن المضمر لا يخلو عن إبهام فى الدلالة بخلاف المظهر لا سيما ما يقطع الاشتراك من أصله كالعلم فإذا ألقى للسامع ما لا إبهام فيه تمكن من ذهنه أو لأن الظاهر لما وقع فى غيه موقعه كان كحدوث شىء غير متوقع فأثر فى النفس تأثيرا بليغا وتمكن منها زيادة تمكن أو لأن فى الإظهار من الفخامة والتعظيم ما ليس فى الضمير واعلم أن المقام الذى يقتضى التمكن هو كون الغرض من الخطاب تعظيم المسند إليه وإفراده بالحكم ولا شك أن ما لا يخل بالفهم والتعيين يناسب ذلك بخلاف ما قد يخل بذلك فلا يناسب التعظيم والإفراد

(قوله: اللَّهُ الصَّمَدُ) عرف الصمد لإفادة الحصر المطلوب ولعلم المخاطبين بصمديته ونكر أحد لعدم علمهم بأحديته. اهـ. فنرى.

ولم يؤت بالعطف بين الجملتين لكمال الازدواج بين الجملتين فإن الثانية كالتتمة للأولى

(قوله: ويقصد فى الحوائج) تفسير لما قبله

(قوله: لم يقل هو الصمد) أى: مع أنه مقتضى الظاهر لتقدم: المرجع

(قوله: لزيادة التمكن) أى: لأنه لو قال هو الصمد لكان فيها استحضار للذات بالضمير لكن لم يكن فيه تمكن وتقرر؛ لأن فى الضمير إبهاما ما بخلاف المظهر فإنه أدل على التمكن لا سيما إذا كان علما لأنه قاطع للاشتراك من أصله أى: والتمكن يناسب التعظيم والإفراد بالصمدية اللذين هما الغرض من هذا الخطاب

(قوله: ونظيره) مبتدأ وقوله وبالحق خبر وقوله من غيره حال منه أى حال

(1) الإخلاص: 1، 2.

ص: 713

أى: بالحكمة المقتضية للإنزال (أَنْزَلْناهُ) أى: القرآن (وَبِالْحَقِّ نَزَلَ (1)) حيث لم يقل: وبه نزل.

(أو إدخال الروع) عطف على زيادة التمكين (فى ضمير السامع وتربية المهابة) عنده؛

===

كون تلك الآية من غيره وهى حال مؤكدة إذ كونها من غيره معلوم من كونها نظيرا

(قوله: أى بالحكمة المقتضية إلخ) وهى هداية الخلق لكل خير وصلاح معاشهم ومعادهم وسمى هذه الحكمة حقا لأنها أمر ثابت محقق (قوله أنزلناه) أى: أردنا إنزاله

(قوله: حيث لم يقل وبه نزل) أى: مع أنه مقتضى الظاهر لتقدم المرجع وكون هذا من قبيل وضع الظاهر موضع المضمر إذا كان المراد من الحقين معنى واحدا كما يدل عليه قاعدة إعادة المعرف معرفة وأن المعنى وما أردنا إنزال القرآن إلا مقرونا بالحكمة المقتضية لإنزاله وما نزل إلا متلبسا بالحكمة أى: الهداية لكل خير ولما كان إرادة الإنزال ملتبسا بالحق لا تستلزم مصاحبة الحق فى النزول لجواز أن يعرض خلل حال النزول أكد بذكر وبالحق نزل وتقدير الجار والمجرور فى الموضعين لإفادة الحصر أما إذا كان المراد منهما معنيين فلا يكون مما نحن بصدده أعنى وضع الظاهر موضع المضمر لعدم تقدم المرجع وذلك كما لو حمل الحق الثانى على الأوامر والنواهى كما قيل والمعنى وأنزلنا القرآن ملتبسا بالحق أى الحكمة المقتضية لإنزاله وبالأوامر والنواهى نزل أو أريد به جبريل عليه السلام كما قيل أيضا قيل إنه لا حاجة لهذا الاشتراط لأنه إذا اختلف معناهما كان القياس الإتيان بالضمير أى ليكون من باب الاستخدام ورد بأن هذا الاستخدام خلاف الظاهر فلا يكون من وضع المضمر موضع الظاهر والكلام فيه

(قوله: أو إدخال الروع) بفتح الراء الخوف وأما بالضم فهو القلب فلو قال بدل فى ضمير فى روع لكان أحسن لما فيه من الجناس المحرف

(قوله: ضمير السامع) أى: فى قلبه فأطلق الحال وأراد المحل

(قوله: وتربية المهابة) أى: زيادتها وإنما عطف بالواو المفيدة للجمع بين الأمرين إشارة إلى قوة ذلك الداعى

(1) الإسراء: 105.

ص: 714

هذا كالتأكيد لإدخال الروع.

(أو تقوية داعى المأمور مثالهما) أى: مثال التقوية وإدخال الروع مع التربية (قول الخلفاء: أمير المؤمنين يأمرك بكذا)

===

والباعث؛ وذلك لأن الخوف خشية لحوق الضرر كالحالة التى تحصل للإنسان من مخاطبة الملوك والمهابة والتعظيم والإجلال القلبى الناشىء من الخوف كالحالة التى تكون فى قلوب الناظرين للملوك والسلاطين والجمع بينهما أبلغ فى المقصود

(قوله: هذا كالتأكيد) أى: لأن خشية لحوق الضرر من شىء يلزمها إجلاله وتعظيمه فى القلب فهو من عطف اللازم وهو بمنزلة التأكيد؛ لأنه يدل على الملزوم ولذا قال الشارح كالتأكيد ولم يقل تأكيد كذا قيل وفى جعل العطف من عطف اللازم على الملزوم نظر؛ لأن المعطوف التربية لا المهابة وتربية المهابة غير لازمة لإدخال الخوف إنما اللازم نفس المهابة تأمل.

(قوله: أو تقوية داعى المأمور) لما كانت تقوية الداعى قد توجد من غير إدخال الروع عطف بأو وإضافة داعى للمأمور من إضافة اسم الفاعل لمفعوله أى تقوية ما يكون داعيا لمن أمرته بشىء إلى الامتثال والإتيان به وذلك الداعى حالة نفسانية تقوم بالمأمور كظن الانتقام منه عند مخالفته فذات الخليفة مثلا تقتضى الداعى المذكور والتعبير عنها بأمير المؤمنين الدال على السلاطة والتمكن من فعل المكروه بالمأمور يقوى ذلك الداعى كذا قرر بعض- وقرر شيخنا العلامة العدوى أن المراد بالداعى نفس الآمر وحينئذ فالمراد بتقويته كون تلك الذات قوية متصفة بالصفات العظيمة أى أن الاسم الظاهر غير اسم الإشارة قد يوضع موضع المضمر لأجل الدلالة على قوة الذات الآمرة للشخص المأمور بشىء

(قوله: أمير المؤمنين يأمرك بكذا) أى: فإسناد الأمر إلى لفظ أمير المؤمنين دون الضمير الذى هو أنا موجب لدخول الخوف فى قلب السامع لدلالة لفظ الأمير على السلطان والقهر يشعر بالخوف منه وأنه يهلك العاصى بقوته وموجب لازدياد المهابة الحاصلة من رؤيته ومشافهته وموجب لتقوية داعى المأمور فذات الخليفة تقتضى حالة نفسانية تدعو المأمور على الامتثال والتعبير عنها بأمير المؤمنين الدال على السلاطة والبطش بالمأمور لو خالف يقوى ذلك الداعى هذا على أن المراد بالداعى حالة

ص: 715

مكان: أنا آمرك (وعليه) أى: على وضع المظهر موضع المضمر لتقوية داعى المأمور (من غيره: ) أى: من غير باب المسند إليه (فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ (1)) لم يقل: علىّ؛ لما فى لفظ الله من تقوية الداعى إلى التوكل لدلالته على ذات موصوفة بالأوصاف الكاملة من القدرة الباهرة وغيرها.

(أو الاستعطاف) أى: طلب العطف والرحمة (كقوله: إلهى عبدك العاصى أتاكا (2))

===

نفسانية وأما على أن المراد بالداعى نفس الآمر فنقول إن لفظ أمير المؤمنين يدل على قوة ذلك الداعى أى الآمر وأنه ذات عظيمة لاتصافها بذلك الوصف الدال على القوة بخلاف أنا آمرك فإنه لا يدل على أن تلك الذات الآمرة عظيمة

(قوله: مكان أنا آمرك) أى الذى هو مقتضى الظاهر؛ لأن المقام للتكلم

(قوله: لتقوية داعى المأمور) أى: دون إدخال الروع وذلك لأن التعبير بالتوكل لا يناسب الروع؛ من المطمأن إليه وأيضا لو كان المراد أن الآية من قبيل تقوية الداعى وإدخال الروع لقال المصنف وعليهما والحاصل أن إفراد ضمير عليه ورجوعه لأحد المذكورات مع كون سياق الآية للترغيب فى التوكل مناسب لتقوية داعى المأمور دون إدخال الروع

(قوله: فإذا عزمت) أى: بعد المشاورة وظهور الأمر

(قوله: لم يقل على) أى: مع أن المقام يقتضيه؛ لأن المقام مقام تكلم

(قوله: لما فى لفظ الله إلخ) حاصله أن الذات العلية تقتضى الداعى أى: تقتضى حالة نفسانية قائمة بالنبى داعية له على امتثاله الأمر بالتوكل والأوصاف المدلول عليها بلفظ الجلالة تقوى ذلك الداعى أو تقول النبى مأمور بالتوكل والداعى له على ذلك هو الذات العلية وقد عبر عن تلك الذات بالاسم الظاهر الدال على قوة تلك الذات وعظمتها؛ لأن لفظ الجلالة موضوع للذات الموصوفة بالقدرة وسائر الكمالات بخلاف ضمير المتكلم فإنه لا يدل على قوة الذات المدلول عليها؛ لأنه موضوع لكل متكلم

(قوله: العطف) بفتح العين والرحمة عطف تفسير

(قوله: أتاكا) أى: أتى باب توبتك

(1) آل عمران: 159.

(2)

انظر المصباح ص 30، والبيت لإبراهيم بن أدهم، والمفتاح ص 198، الإيضاح ص 67، والإشارات ص 55، معاهد التنصيص 1/ 170، شرح عقود الجمان 1/ 92.

ص: 716

مقرّا بالذنوب وقد دعاك، لم يقل: أنا لما فى لفظ عبدك من التخضع واستحقاق الرحمة وترقب الشفقة.

===

وهو الرجوع عن معصيتك إلى طاعتك أو أتى باب سؤالك

(قوله: مقرا) حال من فاعل أتاكا أى: حال كونه معترفا بالذنوب ولا عذر له فى ارتكابها

(قوله: وقد دعاكا) أى: سألك غفرانها. وبعد هذا البيت:

فإن تغفر فأنت لذاك أهل

وإن تطرد فمن يرحم سواكا (1)

وهذا البيت الثانى موجود فى بعض النسخ، وقوله: فأنت لذاك أى: الغفران المفهوم من الفعل وقوله فمن يرحم من استفهامية مبتدأ وجملة يرحم خبر وتسكين الفعل للوقف المقدر إجراء للوصل مجرى الوقف على حد قراءة الحسن وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (2) بالسكون فى الوصل، أو أنه سكنه للوزن لما ذكروا فى كتب النحو أنه يقدر رفع الحرف الصحيح للضرورة كقوله (3):

فاليوم أشرب غير مستحقب

إثما من الله ولا واغل

وسواكا ظرف نصب على الحال أى كائنا مكانك فى الرحمة

(قوله: لم يقل أنا) أى: أنا العاصى أتيتك على أن العاصى بدل من ضمير المتكلم كما هو مذهب الأخفش والجمهور يأبون إبدال الظاهر من ضمير المتكلم والمخاطب مستدلين بأنه يلزم أنقصية البدل عن المبدل منه وهو لا يجوز ورد عليهم بجواز إبدال المعرف باللام من ضمير الغائب بالإجماع مع كون المعرف باللام أنقص من الضمير مطلقا وعلى كلامهم فيقال إن مقتضى الظاهر فى البيت أنا أتيتك عاصيا وعبارة الشارح هنا توافق كلا من المذهبين.

(قوله: واستحقاق الرحمة) عطف مسبب على سبب وكذا قوله وترقب الشفقة وهو بمعنى الاستعطاف المذكور فى المتن وإنما زاد الشارح التخضع واستحقاق الرحمة؛ لبيان

(1) البيت لإبراهيم بن أدهم، انظر شرح المرشدى 1/ 92.

(2)

المدثر: 6.

(3)

البيت لامرئ القيس فى ديوانه ص 122، والأصمعيات ص 130، وحماسة البحترى ص 36.

ص: 717

قال (السكاكى هذا) أعنى: نقل الكلام عن الحكاية إلى الغيبة (غير مختص بالمسند إليه ولا) النقل مطلقا مختص (بهذا القدر)

===

سبب الاستعطاف بلفظ العبد فظهر توافق كلامى المصنف والشارح

(قوله: أعنى نقل إلخ) هذا التفسير مصرح به فى كلام السكاكى ولو لاه لأمكن جعل المشار إليه مطلق النقل دفعا للتسامح الآتى فالشارح نقل عبارة السكاكى وتفسيره ولذا قال أعنى ولم يقل يعنى وأفاد بهذا التفسير أن الإشارة لما يفهم ضمنا إيراد قوله تعالى فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ (1) وقوله:

إلهى عبدك العاصى أتاكا

...

مثالا لوضع الظاهر موضع المضمر فإنه يتضمن نقل الكلام من الحكاية إلى الغيبة

(قوله: عن الحكاية) أى: التكلم لأن المتكلم يحكى عن نفسه

(قوله: إلى الغيبة) أى: المستفادة من الاسم الظاهر؛ لأنه عندهم من قبيل الغيبة

(قوله: غير مختص بالمسند إليه) أى: بل تارة يكون فى المسند إليه كما مر فى قوله:

إلهى عبدك العاصى أتاكا

وفى قول الخلفاء أمير المؤمنين يأمرك بكذا، مكان أنا العاصى، وأنا آمرك بكذا، وتارة يكون ذلك النقل فى غير المسند إليه كما مر فى قوله فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ مكان: فتوكل علىّ، فهذا كله من الالتفات عند السكاكى. واعلم أن قوله غير مختص بالمسند إليه غير محتاج له لا فى كلام المصنف ولا فى كلام السكاكى؛ لأنه قد علم مما سبق فى التمثيل عدم الاختصاص نعم لو عبر بفاء التفريع كان ظاهرا هكذا اعترض أرباب الحواشى وأجاب العلامة عبد الحكيم بأن المفهوم صريحا مما تقدم فى كلام المصنف والسكاكى عدم اختصاص وضع المظهر موضع المضمر بالمسند إليه لا عدم اختصاص نقل الكلام من الحكاية إلى الغيبة وإن كان ذلك مفهوما منه ضمنا والتصريح بما علم ضمنا ليس من التكرار

(قوله: ولا بهذا القدر) ظاهره أن المعنى وليس النقل من الحكاية إلى الغيبة مختصا

(1) آل عمران: 159.

ص: 718

أى: بأن يكون عن الحكاية إلى الغيبة، ولا تخلو العبارة عن تسامح (بل كل من التكلم والخطاب والغيبة مطلقا) أى: سواء كان فى المسند إليه أو غيره، وسواء كان كل منها واردا فى الكلام، أو كان مقتضى الظاهر إيراده (ينقل إلى الآخر) فتصير الأقسام ستة؛ حاصلة من ضرب الثلاثة فى الاثنين. ولفظ مطلقا ليس فى عبارة السكاكى، لكنه مراد بحسب ما علم من مذهبه فى الالتفات

===

بأن يكون من الحكاية إلى الغيبة ولا يخفى فساده لاستلزامه سلب اختصاص الشىء بنفسه لأن محصله أن النقل المذكور لا يختص بنفسه بل يوجد فى غيره ومحال أن توجد نفس الشىء فى غيره وهذا حاصل التسامح الذى فى العبارة وحاصل الجواب الذى أشار له الشارح بقوله ولا النقل مطلقا أنّا نجرد النقل الأول عن قيده أى: أن النقل حال كونه مطلقا عن التقييد يكون من التكلم إلى الغيبة غير مختص بهذا القدر أعنى النقل من التكلم إلى الغيبة بل يكون النقل فى غيره ككونه من الخطاب إلى التكلم أو الغيبة إلى التكلم أو الخطاب أو من التكلم إلى الخطاب

(قوله: ولا النقل مطلقا) أى:

عن التقييد بكونه من الحكاية إلى الغيبة وإن كان التقييد ظاهر العبارة ويدل على هذا المراد قول المصنف بل كل من التكلم إلخ

(قوله: بأن يكون إلخ) هذا تفسير لهذا القدر

(قوله: ولا تخلو العبارة) أى: عبارة المصنف عن تسامح أى: قبل التأويل السابق وأما بعده فلا

(قوله: أى سواء كان إلخ) لا يعكر على تفسير الإطلاق بما ذكره قوله: بعد عند علماء المعانى لأنه من جملة مقول السكاكى بحسب زعمه وفهمه عن علماء المعانى

(قوله: واردا فى الكلام) أى: بأن عبر به أولا كما فى الأمثلة الآتية وقوله: أو كان إلخ أى: كما فى الأمثلة التى مضت

(قوله: ستة) أى: وإن ضربت هذه الستة فى الحالتين وهما أن يكون قد أورد كلّ منهما فى الكلام ثم عدل عنه أو لم يورد لكن كان مقتضى الظاهر إيراده صارت اثنى عشر قسما فإن ضربتها فى المسند إليه وغيره صارت أربعة وعشرين

(قوله: حاصلة من ضرب الثلاثة فى الاثنين) أى: من نقل كل واحد من الثلاثة إلى الآخرين فالثلاثة هى التكلم والخطاب والغيبة والاثنان ما بقى من الثلاثة بعد اعتبار أخذ واحد منها منقولا إلى غيره

(قوله: بحسب ما علم من مذهبه) أى: من أنه لا يشترط

ص: 719

بالنظر إلى الأمثلة (ويسمى هذا النقل عند علماء المعانى: التفاتا) مأخوذ من التفات الإنسان من يمينه إلى شماله وبالعكس (كقوله: ) أى: قول امرئ القيس (تطاول ليلك)(1)

===

تقدم التعبير ولا اختصاصه بالمسند إليه وإن كان عدم الاختصاص به على مذهب الجمهور أيضا

(قوله: بالنظر إلى الأمثلة) لأنه مثل بالمسند إليه وغيره ما سبقه تعبير وما لا فقوله بالنظر إلى الأمثلة متعلق بعلم وفى بعض النسخ وبالنظر عطف على بحسب أى بحسب ما علم من مذهبه أنه لا يشترط تقدم التعبير وبالنظر إلى الأمثلة حيث مثل بالمسند إليه وغيره وبما تقدمه التعبير وما لم يتقدمه فيكون الإطلاق مأخوذا من مجموع الأمرين ما علم من مذهبه والأمثلة

(قوله: ويسمى هذا النقل) أى: نقل الكلام من كل واحد من الثلاثة إلى غيره منها مطلقا التفاتا

(قوله: عند علماء المعاني) اعترض بأن فائدة الالتفات كما يأتى أنه يورث الكلام ظرافة وحسن تطرية أى: تجديد وابتداع فيصغى إليه لظرافته وابتداعه ولا يكون الكلام بذلك مطابقا لمقتضى الحال فلا يكون البحث عنه من علم المعانى بل من علم البديع وحينئذ فالذى يسميه بهذا الاسم أهل البديع لا أهل المعانى وأجيب بأنه من مباحث علم المعانى باعتبار اقتضاء المقام لفائدته من طلب مزيد الإصغاء لكون الكلام سؤالا أو مدحا أو إقامة حجة أو غير ذلك ومن مباحث علم البديع من جهة كونه يورث الكلام ظرافة فتسمية ذلك النقل بالالتفات عند علماء المعانى لا تنافى تسميته بذلك أيضا عند غيرهم.

(قوله: مأخوذ) أى: منقول من التفات الإنسان إلخ أى: أن لفظ التفات نقل من التفات الإنسان من يمينه إلى يساره إلى التعبير عن معنى بطريق بعد التعبير عنه بطريق آخر

(قوله: وبالعكس) فيه نظر؛ لأنه يقتضى أن الالتفات الحس ى لا بد فيه من تحويل بدنه عن الحالة الأصلية إلى جهة يمينه ثم إلى جهة يساره وأن الالتفات الاصطلاح ى لا بد فيه من انتقالين ولا يتحقق ذلك إلا بثلاث تعبيرات مع أنه يكفى فى الأول تحويل واحد وفى الثانى انتقال واحد فالأولى أن يقول أو بالعكس ويجاب بأن الواو بمعنى أو

(قوله: قول امرئ القيس)

(1) البيت لامرئ القيس فى ديوانه ص 344، فى المصباح ص 35، والأثمد: هو موضع [بفتح الهمزة وضم الميم].

ص: 720

خطابا لنفسه التفاتا، ومقتضى الظاهر: ليلى (بالأثمد) بفتح الهمزة وضم الميم:

اسم موضع

===

أى: فى مرثية أبيه

(قوله: خطابا لنفسه) أى: لذاته وشخصه فليس الخطاب على حقيقته إذا لم يرد بالمخاطب من يغايره بل أراد ذاته أى: فهو بكسر الكاف لأن الشائع فى خطاب النفس التأنيث ويصح الفتح نظرا لكون النفس شخصا أو بمعنى المكروب ألا ترى إلى قوله ولم ترقد (1) بالتذكير وقوله التفاتا أى: على جهة الالتفات أى: إن لم يجعل تجريدا وإلا لم يكن التفاتا إذ مبنى التجريد على المغايرة والالتفات على اتحاد المعنى هذا هو التحقيق خلافا لمن قال لا منافاة بينهما

(قوله: ومقتضى الظاهر ليلى) أى: لأن المقام مقام تكلم وحكاية عن نفسه

(قوله: بالأثمد) وبعده: ونام الخلى ولم ترقد

وبات وباتت له ليلة

كليلة ذى العائر الأرمد

وذلك من نبأ جاءني

وخبّرته عن أبى الأسود

واعلم أن فى هذه الأبيات التفاتين باتفاق فى بات لعدوله إلى الغيبة بعد الخطاب وفى جاءنى لعدوله بعدها إلى التكلم وأما قوله تطاول ليلك فالسكاكى يجعله التفاتا من التكلم للخطاب إن لم يكن تجريدا وأما الجمهور فيتعين عندهم أن يكون تجريدا إذ لم يقع قبله التعبير بطريق التكلم وقوله تطاول ليلك كناية عن السهر وقوله وبات تامة بمعنى أقام ليلا ونزل به نام أو لم ينم فلا ينافى لم ترقد وباتت إما ناقصة وله خبرها أو تامة وله حال وعطف باتت على بات من عطف المباين على المباين من حيث اللفظ ومن عطف المقيد على المطلق من حيث المعنى والخلى: هو الخالى عن الهم والحزن والعائر بمهملة وهمزة قذى العين ومن لابتداء الغاية أو للتعليل والنبأ خبر فيه فائدة عظيمة متضمنا لعلم أو ظن فهو أخص من مطلق الخبر.

(1) البيت فى ديوانه ص 344.

ص: 721

(والمشهور) عند الجمهور (أن الالتفات هو التعبير عن معنى بطريق من) الطرق (الثلاثة) التكلم والخطاب والغيبة (بعد التعبير عنه) أى: عن ذلك المعنى (وآخر منها) أى: بطريق آخر من الطرق الثلاثة بشرط أن يكون التعبير الثانى على خلاف ما يقتضيه الظاهر، ويترقبه السامع، ولا بد من هذا القيد ليخرج مثل قولنا: أنا زيد وأنت عمرو،

===

(قوله: والمشهور إلخ) هذا من كلام المصنف مقابل لقول السكاكى ويسمى إلخ

(قوله: أى عن ذلك المعنى) هذا صريح فى أنه لا بد من اتحاد معنى الطريقين والمراد الاتحاد فى المصداق فيدخل فيه نحو أنا زيد ويحتاج إلى إخراجه بالقيد الذى ذكره الشارح

(قوله: ويترقبه) أى: ينتظره عطف على قوله يقتضيه من عطف اللازم على الملزوم وقوله بشرط أن يكون على خلاف ما يقتضيه الظاهر أى: ظاهر الكلام أى:

ولو كان موافقا لظاهر المقام كما فى قوله تعالى وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (1) فإنه خطاب موافق لظاهر المقام الذى هو مقام الخطاب لكنه مخالف لظاهر الكلام؛ لأنه عبر عنه أولا بالغيبة فى قوله تعالى عَبَسَ وَتَوَلَّى. أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (2) على خلاف مقتضى ظاهر المقام لأن مقتضاه الخطاب فى الموضعين فالتعبير بالخطاب المناسب للمقام بالأصالة التفات؛ لأنه مخالف لظاهر السوق وذلك ظاهر والسر فى العدول عن الخطاب إلى الغيبة أولا تعظيم النبى- صلى الله عليه وسلم لما فيه من التلطف فى مقام العتاب بالعدول عن المواجهة فى الخطاب

(قوله: ولا بد من هذا القيد) أى: وهو قوله بشرط أن يكون إلخ وإنما تركه المصنف لفهمه من المقام؛ لأن كلامه فى إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر. اهـ سم.

(قوله: ليخرج مثل قولنا أنا زيد وأنت عمرو) أى: لأنه وإن كان يصدق على كل منهما أنه قد عبر فيه عن معنى وهو الذات بطريق الغيبة بعد التعبير عنه بطريق آخر وهو التكلم فى الأول والخطاب فى الثانى إلا أن التعبير الثانى يقتضيه ظاهر الكلام

(1) عبس: 3.

(2)

عبس: 2، 1.

ص: 722

" ونحن الّذون صبّحوا الصّباحا"(1)، وقوله تعالى: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (2) واهْدِنَا وأَنْعَمْتَ

===

ويترقبه السامع؛ لأن المتكلم إذا قال أنا أو أنت ترقب السامع أن يأت ى بعده باسم ظاهر خبرا عنه؛ لأن الإخبار عن الضمير إنما يكون بالاسم الظاهر فالإخبار بالاسم الظاهر وإن كان من قبيل الغيبة عن ضمير المتكلم أو المخاطب إلا أنه جار على ظاهر ما يستعمل فى الكلام

(قوله: ونحن اللذون إلخ) أى: فقد انتقل من ضمير التكلم وهو نحن إلى الغيبة وهو اللذون إلا أنه يقتضيه الظاهر؛ لأن الإخبار بالظاهر وإن كان من قبيل الغيبة عن ضمير التكلم أو الخطاب جار على ظاهر ما يستعمل فى الكلام فلم يجر على خلاف ما يترقبه السامع فلولا هذا الشرط لحكم بأن هذا التفات وقوله صبحوا جار على مقتضى الظاهر لأن اللذون اسم غيبة فالمطابق له الغيبة والظاهر أن الصباحا تصريح بجزء معنى صبحوا تأكيدا من صبحه إذا أتاه صباحا ويجوز أن يراد الإتيان المطلق بقرينة الصباح فنصبه فى الوجهين على الظرفية ويحتمل أن يكون الصباحا مفعولا مطلقا لصبحوا من قبيل أنبت نباتا وتبتل تبتيلا ومفعول صبحوا محذوف أى: صبحوهم وتمام البيت:

... يوم النّخيل غارة ملحاحا

والنخيل بضم النون وبالخاء المعجمة موضع بالشام والغارة اسم مصدر نصب على التعليل أى: لأجل الإغارة والملحاح صيغة مبالغة من الإلحاح. اهـ. فنرى.

(قوله: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) أى: فإنه وإن عبر عنه المعنى وهو الذات العلية بطريق الخطاب بعد التعبير عنها بآخر وهو الغيبة فى قوله مالِكِ إلا أن هذا التعبير على مقتضى الظاهر لأن الالتفات حصل أولا بقوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ والثانى وهو إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ

(1) الرجز لرؤية فى ملحق ديوانه ص 172، ولليلى الأخيلية فى ديوانها ص 61، ولليلى أو لرؤبة أو لأبى حرب الأعلم فى الدرر 1/ 259، ولأبى حرب الأعلم أو لليلى فى خزانة الأدب 6/ 173، والدرر 1/ 187.

(2)

الفاتحة: 5.

ص: 723

فإن الالتفات إنما هو فى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ والباقى جار على أسلوبه. ومن زعم أن فى مثل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا* التفاتا- والقياس: آمنتم- فقد سها؛ على ما يشهد به كتب النحو (وهذا) أى: الالتفات بتفسير الجمهور

===

أتى على أسلوبه كما قال الشارح

(قوله: فإن الالتفات إنما هو فى إِيَّاكَ نَعْبُدُ) أى: لأنه انتقل من التعبير عن معنى بالغيبة وهو مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إلى الخطاب فى قوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ وأما قوله: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فليس فيه التفات؛ لأنه انتقال من خطاب وهو إِيَّاكَ نَعْبُدُ إلى خطاب آخر وهو وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فكل واحد من قوله: وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وإهدنا وأنعمت إذا نظرت له مع قوله مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يصدق عليه أنه انتقال من طريق إلى طريق آخر لكنه ليس على خلاف مقتضى الظاهر بل جار على مقتضى الظاهر لأنه لما التفت للخطاب صار الأسلوب له فهو خارج بهذا القيد وإن دخل فى كلام المصنف

(قوله: والباقى جار على أسلوبه) أى: على طريقة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإن صدق عليه أن تعبير عن معنى بطريق بعد التعبير عنه بطريق آخر لكن ليس على خلاف مقتضى الظاهر؛ لأنه لما التفت للخطاب صار الأسلوب له

(قوله: التفاتا) أى: لأن الذين هو المنادى فى الحقيقة فهو مخاطب والمناسب له آمنتم

(قوله: على ما يشهد به كتب النحو) أى: من أن عائد الموصول قياسه أن يكون بلفظ الغيبة؛ لأن الموصول اسم ظاهر فهو من قبيل الغيبة وإن عرض له الخطاب بسبب النداء وحينئذ فآمنوا جار على مقتضى الظاهر كما أن حق الكلام بعد تمام المنادى أن يكون بطريق الخطاب نحو يا زيد قم ويا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ (1) وأما قبل تمامه فحقه الغيبة والصلة متممة للمنادى الذى هو الموصول فهى كالجزء منه فلا يراعى فى الكلام حكم الخطاب العارض بالنداء إلا بعد تمامه ولا يرد قول الشاعر وهو سيدنا على:

أنا الذى سمّتنى أمّى حيدره

أكيلكم بالسيف كيل السّندره (2)

لأنه قبيح كما فى المطول لكن فى المغنى فى بحث الأشياء التى تحتاج إلى رابط أن نحو أنت الذى فعلت مقيس لكنه قليل. اهـ.

(1) المائدة: 6.

(2)

هو للإمام على بن أبى طالب فى ديوانه ص 77، 78.

ص: 724

(أخص منه) بتفسير السكاكى؛ لأن النقل عنده أعم من أن يكون قد عبر عنه بطريق من الطرق، ثم بطريق آخر، أو يكون مقتضى الظاهر أن يعبر عنه بطريق فترك وعدل عنه إلى طريق آخر؛ فيتحقق الالتفات بتعبير واحد، وعند الجمهور مخصوص بالأول حتى لا يتحقق الالتفات بتعبير واحد، فكل التفات عندهم التفات عنده من غير عكس، كما فى: تطاول ليلك (مثال الالتفات من التكلم إلى الخطاب:

وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) ومقتضى الظاهر: أرجع،

===

لكن مقيسيته على هذا القول لا تنافى كونه مقتضى الظاهر؛ لأن قلته تفيد كونه خلافه

(قوله: أخص منه) أى: من نفسه

(قوله: لأن النقل عنده) أى: المسمى بالالتفات

(قوله: من غير عكس) أى: لغوى بحيث يقال كل التفات عند السكاكى التفات عند الجمهور والمراد من غير عكس لغوى عكسا صحيحا وأما عكسه عكسا منطقيا وهو بعض الالتفات عند السكاكى التفات عند الجمهور فهو صحيح

(قوله: وما لى لا أعبد إلخ) هذا حكاية عم حبيب النجار موعظة لقومه لتركهم الإيمان

(قوله: ومقتضى الظاهر أرجع) حاصله أن الشارح ذكر قولين فى تقرير الالتفات فى هذه الآية الأول منهما أن الضميرين للمتكلم ولكنه عبر ثانيا عن الذات المتكلمة بضمير المخاطبين ففيه التفات ومقتضى الظاهر أرجع وحاصل القول الثانى أن الضميرين للمخاطبين فكان مقتضى الظاهر أن يقال وما لكم لا تعبدون الذى فطركم وإليه ترجعون فعدل عن مقتضى الظاهر فى الأول وأوقع ضمير التكلم موقع ضمير الخطاب ثم عبر بعد ضمير التكلم بضمير الخطاب فقد اتحد المعبر عنه واختلفت العبارة فعبر أولا بطريق التكلم ثم عبر ثانيا بطريق الخطاب وهذا التفات وهذا القول هو التحقيق كما قال الشارح؛ وذلك لأن قوله وَما لِيَ لا أَعْبُدُ (1) إلخ تعريض بالمخاطبين؛ لأن المقصود وعظهم وزجرهم على عدم الإيمان فهم المقصودون بالذات من ذلك القول وعلى هذا التحقيق ففى قوله وما لى التفات على مذهب السكاكى فقط؛ لأنه تعبير على خلاف مقتضى الظاهر وفى قوله وإليه ترجعون التفات على المذهبين كذا قيل ولا وجه للتخصيص

(1) يس: 22.

ص: 725

والتحقيق أن المراد: ما لكم لا تعبدون، لكن لما عبر عنهم بطريق التكلم كان مقتضى ظاهر السوق إجراء باقى الكلام على ذلك الطريق فعدل عنه إلى طريق الخطاب فيكون التفاتا على المذهبين (و) مثال الالتفات من التكلم (إلى الغيبة:

إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (1)) ومقتضى الظاهر: لنا (و) مثال الالتفات (من الخطاب إلى التكلم)

===

بالسكاكى بل فى قوله وما لى التفات عند الجمهور أيضا إذ قد سبق طريق الخطاب فى قوله اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ. اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً (2) وأما على خلاف التحقيق ففى الكلام التفات واحد على المذهبين فى قوله وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.

(قوله: أن المراد ما لكم لا تعبدون) أى: لأن المتكلم حبيب النجار وهو من المؤمنين فالعبادة حاصلة منه بالفعل إلا أنه أقام نفسه مقام المخاطبين فنسب ترك العبادة إلى نفسه تعريضا بالمخاطبين إشارة إلى أنه لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه وأن ما يلزمهم فى ترك العبادة يلزمه فى جملتهم على تقدير تركه لها وهو من الملاطفة فى الخطاب فالفائدة المختصة بموقع هذا الالتفات التعريض والإعلام بأن المراد المخاطبون من أول الكلام ثم إن كون الكلام من باب التعريض بالمخاطبين لا ينافى الالتفات إذ لا يشترط فيه التعبير بالمطابقة بل يصح باللزوم أيضا كما فى التعريض، والتعريض عند المصنف والشارح، إما مجاز أو كناية وهاهنا مجاز لامتناع إرادة الموضوع له فيكون اللفظ مستعملا فى غير ما وضع له فيكون المعبر عنه فى الأسلوبين واحدا نعم على ما حققه العلامة السيد من أن المعنى التعريض من مستتبعات التركيب واللفظ ليس بمستعمل فيه بل اللفظ بالنسبة إلى المعنى المستعمل فيه إما حقيقة أو مجاز أو كناية يرد أن اللفظ ليس مستعملا فى المخاطبين فلا يكون المعنى المعبر عنه فى الأسلوبين واحدا فلا التفات أفاده عبد الحكيم

(قوله: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ) أى: الخير الكثير أو نهرا فى الجنة يسمى بالكوثر

(قوله: ومقتضى الظاهر لنا) أى: لإنّا أعطيناك تكلم، وقوله: لِرَبِّكَ غيبة لأن الاسم الظاهر من قبيل الغيبة كما مر وفائدة الالتفات فى الآية أن فى لفظ الرب حثّا على فعل

(1) الكوثر: 2، 1.

(2)

يس: 21، 20.

ص: 726

قول الشاعر (طحا)(1) أى: ذهب (بك قلب فى الحسان طروب) ومعنى طروب فى الحسان: أن له طروبا فى طلب الحسان

===

المأمور به؛ لأن من يربيك يستحق العبادة وفيه إزالة الاحتمال أيضا؛ لأن قوله إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ليس صريحا فى إفادة الإعطاء من الله وأيضا كلمة إنا تحتمل الجمع كما تحتمل الواحد المعظم نفسه فلما التفت بقوله فَصَلِّ لِرَبِّكَ زال هذان الاحتمالان.

اه. فنارى

(قوله: قول الشاعر) هو علقمة بن عبدة العجلى من قصيدة يمدح بها الحارث بن جبلة الغسانى وكان أسر أخاه فسافر إليه يطلب فكه، وبعد البيتين (2):

ممنعة ما يستطاع كلامها

على بابها من أن تزار رقيب

إذا غاب عنها البعل لم تفش سرّه

وترضى إياب البعل حين يئوب

فإن تسألونى بالنساء فإنني

خبير بأدواء النساء طبيب

إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله

فليس له فى ودّهنّ نصيب

(قوله: أى ذهب بك) الباء للتعدية على ذهبت بزيد أى: أذهبك وأتلفك قلب طروب فى طلب الحسان والكاف مفتوحة وإن كانت لخطاب النفس باعتبار أن نفسه المخاطبة ذاته وشخصه ومقتضى الظاهر أن يقول طحا بى ففيه التفات عند السكاكى وفى الأطول جواز فتح الكاف وكسرها.

(قوله: أن له طربا فى طلب الحسان) أى: وفى طلب وصالهن وأشار الشارح بذلك إلى أن قوله فى الحسان متعلق بطروب وأن فى الكلام حذف مضاف لا متعلق بطحا وحينئذ فتقديم المعمول لإفادة الحصر وقوله طروب صفة لقلب والطرب خفة تعترى الإنسان لشدة سرور أو حزن أى: أذهبنى وأتلفنى قلب موصوف بأن له طربا

(1) انظر ديوان علقمة الفحل ص 33، المفتاح ص 107، الإيضاح 68، شرح عقود الجمان 1/ 118، معاهد التنصيص 1/ 173، طبقات فحول الشعراء 1/ 139، الشعر والشعراء 221، العمدة 1/ 57.

وهو علقمة بن عبدة بن ناشرة؛ شاعر جاهلى من الطبقة الأولى وكان معاصرا لامرئ القيس.

(2)

ذكر ابن رشيق بعضا من تلك القصيدة فى كتاب العمدة ص 31.

ص: 727

ونشاطا فى مراودتهن (بعيد الشباب) تصغير بعد للقرب؛ أى: حين ولى الشباب وكاد يتصرم (عصر) ظرف مضاف إلى الجملة الفعلية؛ أعنى قوله: (حان) أى:

قرب (مشيب يكلّفنى ليلى) فيه التفات من الخطاب فى: بك إلى التكلم، ومقتضى الظاهر: يكلفك، وفاعل يكلفنى: ضمير القلب، وليلى: مفعوله الثانى؛ والمعنى يطالبنى القلب بوصل ليلى،

===

ونشاطا فى طلب وصال الحسان دون غيرهن

(قوله: ونشاطا فى مراودتهن) عطف تفسير على ما قبله فنشاطا تفسير لطربا تفسير مراد وقوله فى مراودتهن أى: مطالبتهن بالوصال تفسير لقوله فى طلب الحسان

(قوله: بعيد الشباب) ظرف لطروب أو لطحا

(قوله: للقرب) أى: للدلالة على أن زمان إذهابه أو طرب قلبه قريب من زمان ذهاب شبابه

(قوله: أى حين ولى إلخ) فيه نظر؛ لأن قوله حين ولى يقتضى أن الشباب ذهب بالمرة وقوله وكاد يتصرم أى ينقطع يقتضى أنه بقى منه بقية وأن المراد بقول الشاعر بعيد الشباب بعيد معظمه ففيه تناف وأجيب بأن قوله حين ولى بيان لظاهر المعنى وقوله وكاد يتصرم بيان للمراد فيكون قد جعل بعيد الأكثر بعيدا لكله ونزل ذهاب الغالب منزلة ذهاب الجميع والقرينة على ذلك قوله عصر حان مشيب وهذا إنما يحتاج له إذا اعتبر أن الشباب والمشيب متصلان بلا فصل بزمن الكهولة وجعله من المشيب كما ذهب إليه بعض أهل اللغة وأما على تقدير الفصل بذلك وجعله واسطة كما هو مذهب الجمهور فلا يحتاج إلى هذا الاعتبار بل يحمل الكلام على المتبادر منه وهو أن المراد ببعيد الشباب زمان ذهابه بالمرة وتصرمه بالكلية وزمن هذه البعيدية هو زمن الكهولة ولا ينافيه قوله عصر حان مشيب لأن زمن الكهولة قريب من زمن المشيب وعلى هذا فقول الشارح وكاد يتصرم غير ظاهر فالأولى حذفه فتأمل

(قوله: عصر) بمعنى زمان أو حين بدل من قوله بعيد

(قوله: إلى التكلم) أى: لأن ياء يكلفنى للتكلم فالالتفات من المجرور الذى فى بك إلى المفعول الذى فى يكلفنى

(قوله: وليلى مفعوله الثاني) أى: بتقدير الباء والمفعول الأول الياء وإنما قلنا بتقدير الباء لأن كلف لا يتعدى

ص: 728

وروى: تكلفنى بالتاء الفوقانية على أنه مسند إلى ليلى، والمفعول محذوف؛ أى:

شدائد فراقها؛ أى: على أنه خطاب للقلب فيكون التفاتا آخر من الغيبة إلى الخطاب

===

للمفعول الثانى بنفسه بل بالباء يقال كلفت زيدا بكذا وإلى تقديرها يشير قول الشارح والمعنى يطالبنى إلخ كما أنه يشير إلى أن فى الكلام حذف مضاف وأن التكليف على هذا المعنى بمعنى الطلب فالمفاعلة على غير بابها

(قوله: وروى تكلفني) أى: وعليه فالالتفات حاصل أيضا من الخطاب إلى التكلم إذ مقتضى الظاهر تكلفك ليلى وعلى هذه الرواية فالتكليف بمعنى التحميل

(قوله: والمفعول محذوف) أى: المفعول الثانى وأما الأول فهو الياء وقد يقال حيث كان تكلفنى مسندا لليلى فالأنسب أن يكون بين تكلفنى وشط تنازع فى وليها ويكون المعنى تكلفنى ليلى أى حبها المفرط وليها وقد شط وليها ولا حذف

(قوله: أى شدائد فراقها) أى: أنها تحمله الشدائد المترتبة على فراقها

(قوله: أو على أنه خطاب للقلب) أى: والمفعول على هذا أيضا ليلى أى: وصل ليلى والتكليف على هذا الثالث بمعنى الطلب

(قوله: فيكون التفاتا آخر) أى: غير المقرر أولا فيكون فى البيت على هذا الاحتمال الأخير التفاتان وقوله من الغيبة إلى الخطاب أى:

لأنه عبر أولا عن القلب بطريق الغيبة حيث عبر عنه بالاسم الظاهر وثانيا بطريق الخطاب حيث عبر بتكلفنى أى: أنت يا قلب وهذا غير الالتفات السابق من الخطاب فى بك إلى التكلم فى يكلفنى وهذا تفريع على قوله أو على أنه خطاب للقلب والحاصل أنه على رواية يكلفنى بالياء التحتية ليس فيه الالتفات واحد عند الجمهور والسكاكى من الخطاب إلى التكلم وكذا على رواية تكلفنى بالتاء الفوقية إن جعل الفاعل ليلى وأما إن جعل الفاعل ضمير القلب كان فيه التفاتان باتفاق الجمهور والسكاكى أحدهما فى الكاف فى بك مع ياء المتكلم فى تكلفنى ثانيهما فى قلب مع فاعل تكلفنى المقدر بأنت يا قلب وفى البيت التفات غير ما ذكر عند السكاكى على كل حال الاحتمالات فى قوله طحا بك فإن مقتضى الظاهر طحا بى قلب أى: أذهبنى وأفنانى قلب موصوف بأن له طربا ونشاطا وفرحا فى طلب وصال الحسان وإنما لم يجعل الخطاب فى طحا بك

ص: 729

(وقد شطّ) أى: بعد (وليّها) أى: قربها (وعادت عواد بيننا وخطوب) قال المرزوقى: عادت يجوز أن يكون فاعلت من المعاداة؛ كأن الصوارف والخطوب صارت تعاديه، ويجوز أن يكون من عاد يعود؛ أى: عادت عواد وعوائق كانت تحول بيننا إلى ما كانت عليه قبل.

===

للحبيبة أعنى ليلى أى ذهب بك قلب حتى يكون فى قوله يكلفنى التفات من الخطاب إلى الغيبة لأنه مخالف للاستعمال الشائع وهو طحا به قلبه، قاله الفنرى.

(قوله: قد شط وليها) جملة حالية من ليلى سواء كانت فاعلا أو مفعولا ليكلفنى وقوله وليها أى أيام وليها

(قوله: أى قربها) أى: أيام القرب منها أى وقد صارت أيام القرب من وصال ليلى بعيدة لأمور أوجبت ذلك وبين أسباب البعد بقوله وعادت إلخ

(قوله: عواد) جمع عادية وهى ما يصرفك عن الشىء ويشغلك عنه كما فى القاموس

(قوله: وخطوب) جمع خطب وهو الأمر العظيم وعطف الخطوب على العوادى مرادف لأن العوادى والصوارف والخطوب ألفاظ مترادفة معناها واحد وهو ما ذكر

(قوله: أن يكون فاعلت) أى: بوزنها فى الأصل فأصل عادت عادوت تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين فالفعل محذوف اللام فوزنه الآن فاعت

(قوله: من المعاداة) أى: مأخوذ من المعاداة التى هى مفاعلة من الجانبين

(قوله: كأن الصوارف والخطوب) تفسير للعوادى والمراد بها العوائق وقوله تعاديه هذا لا يفيد المفاعلة إلا أن يقال تركها من جانب القائل لظهورها منه والأصل تعاديه وهو يعاديها فتحققت المفاعلة من الجانبين والمعنى على هذا الاحتمال عادتنا عواد أى صارت العوادى الحائلة بيننا وبينها أعداء لنا فتمنعنا من الوصول إليها

(قوله: ويجوز أن يكون من عاد) أى: مأخوذا من مصدر عاد بمعنى رجع وهو العود بمعنى الرجوع وعلى هذا فلا حذف فيه ووزنه فعلت وأصله عودت تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفا فالألف منقلبة عن واو وهى عين الكلمة

(قوله: أى عادت عواد) أى: رجعت العوادى التى تحول بيننا إلى ما كانت عليه أولا من الحيلولة فقول الشارح إلى ما كانت تتعلق

ص: 730

(و) مثال الالتفات من الخطاب (إلى الغيبة) قوله تعالى: (حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ (1)) والقياس: بكم.

(و) مثال الالتفات (من الغيبة إلى التكلم) قوله تعالى: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ (2)) ومقتضى الظاهر: فساقه؛ أى: ساق الله ذلك السحاب، وأجراه (إِلى بَلَدٍ) مَيِّتٍ (و) مثال الالتفات من الغيبة (إلى الخطاب) قوله تعالى:(مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. إِيَّاكَ نَعْبُدُ (3)) ومقتضى الظاهر: إياه (ووجهه) أى: وجه حسن الالتفات (أن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان) ذلك الكلام (أحسن تطرية) أى: تجديدا وإحداثا؛ من: طريت الثوب

===

بقوله عادت وقوله قبل أى من الحيلولة بيننا

(قوله: والقياس إلخ) تعبيره تارة بقوله ومقتضى الظاهر وتارة بقوله والقياس تفنن

(قوله: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وهو وصف ظاهر وهو من قبيل الغيبة والموصوف ظاهرا أيضا

(قوله: أى وجه حسن الالتفات) أى:

فى أى تركيب كان وأشار الشارح بتقدير حسن إلى أن فى كلام المصنف حذف مضاف ثم إن قوله ووجهه مرتبط بمحذوف والأصل والالتفات حسن ووجه حسنه أن الكلام إلخ

(قوله: إذا نقل) أى: حول من طريق كالغيبة إلى طريق آخر كالخطاب وهذه الفائدة فى غاية الظهور بالنسبة للنقل الحقيقى كما هو مذهب الجمهور وكذا فى النقل التقديرى كما هو مذهب السكاكى لأن السامع إذا سمع خلاف ما يترقبه من الأسلوب حصلت له زيادة نشاط ووفور رغبة فى الإصغاء إلى الكلام إلا أن هذه الفائدة التى ذكرت للالتفات لا تنطبق على مادة يكون المخاطب فيها حضرة البارى جل وعلا كما فى إياك نعبد لتنزهه عن النشاط والإيقاظ والإصغاء فلو ذكر المصنف فائدة غير هذه تصلح حتى بالنسبة فى حقه تعالى لكان أحسن وقد يقال المراد أن الكلام الالتفاتى أينما وقع صالح لأن يراد به هذه الفائدة بالنظر لنفسه مع قطع النظر عن العوارض الخارجية ككون المخاطب به المولى سبحانه أو غيره

(قوله: أحسن تطرية) التطرئة بالهمز:

(1) يونس: 22.

(2)

فاطر: 9.

(3)

الفاتحة: 5، 4.

ص: 731

(لنشاط السامع و) كان (أكثر إيقاظا للإصغاء إليه) أى: إلى ذلك الكلام؛ لأن لكل جديد لذة وهذا وجه حسن الالتفات على الإطلاق (وقد تختص مواقعه

===

الإحداث من طرأ عليهم أمر إذا حدث وبالياء المثناة التحتية: التجديد من طريت الثوب إذا عملت به ما يجعله طريا كأنه جديد إذا علمت ذلك فجمع الشارح بين التجديد والإحداث فى مادة الياء حيث قال أى: تجديدا وإحداثا من طريت الثوب خلاف النقل كذا اعترض وهو ظاهر على النسخة التى فيها الواو فى قوله وإحداثا وفى بعض النسخ أو إحداثا بأو وهذه ظاهرة لأن المراد من التطرية التجديد إن قرئت بالياء أو الإحداث إن قرئت بالهمز لكن قوله بعد ذلك من طريت الثوب راجع لقوله تجديدا وهو ما قبل أو فقط ولو قال من طريت الثوب أو من طرأ عليهم لكان ذلك أظهر هذا محصل ما ذكره أرباب الحواشى وفى عبد الحكيم أن قوله تجديدا بيان للمعنى اللغوى وقوله وإحداثا بيان للمرادفان إحداث هيئة أخرى لازم لتجديد الثوب ولم يذكر الشارح هنا أخذه من طرأ بالهمز بمعنى ورد؛ لأن بناء التطرية من طرأ مجرد قياس غير مذكور فى الكتب المشهورة من اللغة

(قوله: لنشاط السامع) اللام للتعليل أى: كان ذلك الكلام الذى فيه النقل المذكور أحسن تطرية لأجل نشاط السامع أى تحريك سروره وحاصله أن الكلام عند النقل من طريق إلى أخرى أحسن تجديدا مما ليس فيه نقل وإن كان فى إيراد كل كلام تجديد لما يسمع وإنما كان أحسن تجديدا لأجل نشاط السامع أى تحريك سروره

(قوله: وكان أكثر إيقاظا) أى: وكان أكثر الكلام تنبيها

(قوله: للإصغاء) أى: لأجل الإصغاء أى الاستماع إليه وهذه العلة أعنى الإصغاء مغايرة للعلة الأولى أعنى النشاط فى المفهوم لكنهما متلازمان؛ لأن النشاط للكلام يلزمه الإصغاء إليه

(قوله: لأن لكل جديد إلخ) علة للعلة أى: وإنما كان السامع يحصل له نشاط وإصغاء للكلام عند النقل المذكور لأن إلخ

(قوله: على الإطلاق) أى: فى كل موضع سواء كان فى الفاتحة أو غيرها

(قوله: وقد تختص إلخ) قد للتحقيق وتختص بصيغة المجهول أو المعلوم لأنه يستعمل لازما ومتعديا يقال اختصه فاختص أفاده عبد الحكيم وقوله مواقعه أى:

ص: 732

بلطائف) غير هذا الوجه العام (كما فى) سورة (الفاتحة؛ فإن العبد إذا ذكر الحقيق بالحمد عن قلب حاضر يجد) ذلك العبد (من نفسه محركا للإقبال عليه) أى: على ذلك الحقيق بالحمد (وكلما أجرى عليه صفة من تلك الصفات العظام قوى ذلك المحرك إلى أن يئول الأمر إلى خاتمتها)

===

مواقع الالتفات أى: المواضع التى يقع ويوجد فيها الالتفات واختصاص مواقعه كناية عن اختصاصه هو كما يشير إليه كلام الشارح فى المطول

(قوله: بلطائف) أى:

بمحاسن ودقائق وجمع اللطائف باعتبار تعدد المواضع فهو من مقابلة الجمع بالجمع فتقتضى القسمة على الآحاد أى: أن بعض المواضع التى يقع فيها الالتفات تارة تختص بلطيفة زائدة على اللطيفة السابقة وتلك اللطيفة الزائدة تختلف باختلاف المواضع وليس المراد أن كل موضع يقع فيه جملة من اللطائف ولا أن كل موضع يقع فيه لطيفة زائدة وإلا لأوجب ذلك أن لا يكتفى فى الالتفات بالنكتة العامة كذا قيل لكن قد يقال أى مانع من أن يكون لك موضع نكتة تختص به ونكتة تعمه وغيره ثم إن الباء فى قوله بلطائف داخلة على المقصور

(قوله: كما فى سورة) أى: كالالتفات الذى إلخ أو كاللطيفة التى فى سورة إلخ

(قوله: إذا ذكر الحقيق بالحمد) أى: إذا ذكر المستحق للحمد وهو الله بقوله الحمد لله وأخذ الحقيق من اعتبار كون اللام فى لله للاستحقاق

(قوله: عن قلب) أى: ذكرا ناشئا عن قلب لا ذكرا بمجرد اللسان.

(قوله: يجد ذلك العبد إلخ) العبد بدل من اسم الإشارة وقوله من نفسه ظرف لغو متعلق بيجد أو مستقر حال من قوله محركا كالذى هو صفة لمحذوف أى: معنى محركا للإقبال كائنا ذلك المحرك من نفسه

(قوله: وكلما أجرى عليه) أى: على المستحق للحمد أى: وكلما وصف بصفة من تلك الصفات العظام التى هى قوله رب العالمين إلخ وإنما كانت تلك الصفات عظاما لإفادة الأولى أنه المتولى لتربية جميع العالمين وتدبير أمورهم ولإفادة الثانية أنه المنعم بجميع النعم الدنيوية والأخروية ولإفادة الثالثة أنه مالك جميع الأمور فى يوم الجزاء

(قوله: إلى أن يؤول) أى: إلى أن ينتهى الأمر أى: أمر إجراء الصفات أو أمر العبد وحاله ولو قال حتى يؤول إلخ لكان أولى وذلك؛ لأن تضاعف

ص: 733

أى: خاتمة تلك الصفات؛ يعنى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (المفيد أنه) أى: ذلك الحقيق بالحمد (مالك الأمر كله يوم الجزاء) لأنه أضيف مالِكِ إلى يَوْمِ الدِّينِ على طريق الاتساع، والمعنى على الظرفية؛ أى: مالك فى يوم الدين،

===

المحرك إنما حصل من إجراء الصفات وإجراؤها تدريجى لكونه حاصلا بالقراءة فالتضاعف تدريجى لا دفعى وحتى تدل على التدريج دون إلى أفاده السيرامى

(قوله: أى خاتمة تلك الصفات إلخ) اعترض بأنه إن أراد الصفة المعنوية فالأمر ظاهر وإن أراد الصفة النحوية فلا يتم بالنظر لمالك يوم الدين لأنه بدل من لفظ الجلالة ولا يصح جعله صفة؛ لأن مالك وصف عامل فلا يتعرف بالإضافة فلا يكون نعتا للمعرفة وأجيب بأن المراد من ذلك الوصف الثبوت والاستمرار كالصفة المشبهة لا الحدوث وحينئذ فيتعرف بالإضافة؛ لأن الصفة المشبهة عند المحققين تتعرف بالإضافة فيصح نعت المعرفة بها

(قوله: على طريق الاتساع) متعلق بمحذوف أى وجعل اليوم مملوكا على طريق الاتساع أى التوسعة فى الظرف فإنهم وسعوه فجوزوا فيه ما لم يجز فى غيره حيث نزلوه منزلة المفعول به فى قوله:

ويوما شهدناه سليما وعامرا

أو المراد بالاتساع المجاز العقلى وهو هنا واقع فى النسبة الإضافية حيث أضيف اسم الفاعل إلى الظرف وحقه أن يضاف للمفعول به لكن لما كان بين الظرف والمفعول به ملابسة نزل الظرف منزلته فظهر لك من هذا أن الإضافة على معنى اللام وإنما لم تجعل حقيقية على معنى فى كضرب اليوم لأجل تحصيل غرض المبالغة لأن قولك فلان مالك الدهر وصاحب الزمان أبلغ من قولك مالك فى الدهر وصاحب فى الزمان إن قلت حيث جعلت الإضافة بمعنى اللام فلم لم تجعل حقيقية قلت أجابوا عن ذلك بأن اليوم أمر اعتبارى لأنه عبارة عن مقارنة متجدد موهوم لمتجدد معلوم إزالة للإبهام والأمور الاعتبارية لا تتعلق بها قدرة المولى فلا يكون اليوم مملوكا بل ما يقع فيه أفاده شيخنا العدوى

(قوله: والمعنى) أى: الحقيقى على الظرفية فحاصله أن التوسع

ص: 734

والمفعول محذوف دلالة على التعميم

===

فى مجرد حذف فى

(قوله: والمفعول محذوف) أى: وهو الذى قدره المصنف بقوله الأمر كله.

وأوجب الإقبال عليه وخطابه بتخصيصه بغاية الخضوع والاستعانة فى المهمات وكما فى قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ (1) لم يقل واستغفرت لهم وعدل عنه إلى طريق الالتفات تفخيما لشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيما لاستغفاره وتنبيها على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان وذكر السكاكى لالتفات امرئ القيس فى الأبيات الثلاثة على تفسيره وجوها أحدها أن يكون قصد تهويل الخطب واستفظاعه فنبه فى التفاته الأول على أن نفسه وقت ورود ذلك النبأ عليها ولهت وله الثكلى فأقامها مقام المصاب الذى لا يتسلى بعض التسلى إلا بتفجع الملوك له وتحزنهم عليه وخاطبها بتطاول ليلك تسلية أو على أنها لفظاعة شأن النبأ أبدت قلقا شديدا ولم تتصبر فعل الملوك فشك فى أنها نفسه فأقامها مقام مكروب وخاطبها بذلك تسلية وفى الثانى على أنه صادق فى التحزن خاطب أولا وفى الثالث على أنه يريد نفسه أو نبه فى الأول على أن النبأ لشدته تركه حائرا فما فطن معه لمقتضى الحال فجرى على لسانه ما كان ألفه من الخطاب الدائر فى مجارى أمور الكبار أمرا ونهيا وفى الثانى على أنه بعد الصدمة الأولى أفاق شيئا فلم يجد النفس معه فبنى الكلام على الغيبة وفى الثالث على ما سبق أو نبه فى الأول على أنها حين لم تتثبت ولم تتبصر غاظه ذلك فأقامها مقام المستحق للعتاب فخاطبها على سبيل التوبيخ والتعبير بذلك وفى الثانى على أن الحامل على الخطاب والعتاب لما كان هو الغيظ والغضب وسكت عنه الغضب بالعتاب الأول ولى عنها الوجه وهو يدمدم قائلا وبات وباتت له وفى الثالث على ما سبق هذا كلامه ولا يخفى على المنصف ما فيه من التعسف

(قوله: دلالة على التعميم) إما علة لحذف المفعول أى حذف المفعول دلالة على

(1) النساء: 64.

ص: 735

(فحينئذ يوجب) ذلك المحرك لتناهيه فى القوة (الإقبال عليه) أى: إقبال العبد على ذلك الحقيق بالحمد (والخطاب بتخصيصه بغاية الخضوع والاستعانة فى المهمات) فالباء فى: بتخصيصه متعلق بالخطاب؛ يقال: خاطبته بالدعاء- إذا دعوت له مواجهة. وغاية الخضوع

===

التعميم لأنه يتوسل بالإطلاق فى المقام الخطابى إلى العموم لئلا يلزم الترجيح بلا مرجح كما يأتى وأورد عليه أنه لو قال مالك الأمر كله لحصلت الدلالة على التعميم وأجيب بالمنع مستندا باحتمال حمل الأمر على المعهود والتأكيد بكل بالنسبة لذلك المعهود ولو سلم فالمراد دلالة على التعميم مع الاختصار وإما علة لقوله أضيف على طريق الاتساع؛ لأنه إذا جعل الزمان مما وقع عليه الملك أفاد شمول الملك لكل ما فيه بالدلالة العقلية بحيث لا يقبل التخصيص بخلاف ما إذا قيل مالك الأمر كله فى يوم الدين

(قوله: فحينئذ) أى: حين إفادة الخاتمة أنه مالك الأمر كله فى يوم الجزاء أو حين ازدياد قوة المحرك

(قوله: والخطاب) أى: ويوجب ذلك المحرك أن يخاطب العبد ذلك الحقيق بالحمد بما يدل على تخصيصه بغاية إلخ

(قوله: والاستعانة) أى: وخطابه بما يدل على تخصيصه بالاستعانة وأورد على التخصيص أن الاستعانة كثيرا ما تقع بغيره تعالى وأجيب بأوجه أحدها: أن الحصر إضافى بالنسبة للأصنام ونحوها والثانى: أن المراد بالاستعانة طلب تحصيل الأسباب وتيسيرها وكل من التيسير والتحصيل مختص به سبحانه وتعالى والثالث: أن المقصود بالاستعانة إنما هو الله تعالى وإن حصلت بالغير صورة حتى أن قولهم يا فلان أعنى بمنزلة يا الله أعنى بواسطة فلان وأما الاستعانة بأسمائه تعالى فى قولهم باسم الله على تقدير الباء للاستعانة فإما أنه استعانة به تعالى لأن كل حكم ورد على لفظ فهو وارد على مدلوله وإما أنها استعانة تبرك لا أنها استعانة يقصد بها تحصيل الأسباب وقول المصنف فى المهمات التقييد بذلك للاهتمام لا للاحتراز عن غيرها إذ لا فرق

(قوله: متعلق بالخطاب) أى: كما أن الباء فى بغاية متعلق بالتخصيص

(قوله: يقال إلخ) قصده بذلك الاستدلال على كون الخطاب يتعدى بالباء (قوله وغاية الخضوع إلخ) أى: وحينئذ فالمعنى يوجب ذلك المحرك أن يخاطب العبد ذلك الحقيق بالحمد بما يدل

ص: 736

هو معنى العبادة، وعموم المهمات مستفاد من حذف مفعول: نَسْتَعِينُ والتخصيص مستفاد من تقديم المفعول. فاللطيف المختص بها موقع هذا الالتفات هى أن فيه تنبيها على أن العبد إذا أخذ فى القراءة يجب أن تكون قراءته على وجه يجد من نفسه ذلك المحرك، ولما انجر الكلام إلى خلاف مقتضى الظاهر- أورد عدة أقسام منه،

===

على تخصيصه بأن العبادة هى غاية الخضوع والتذلل له لا لغيره وبأن الاستعانة فى جميع المهمات منه لا من غيره

(قوله: هو معنى العبادة) الإضافة بيانية

(قوله: من حذف مفعول نستعين) أى: حذف مفعوله الثانى.

(قوله: فاللطيفة المختص بها إلخ) أى: فاللطيفة الداعية للالتفات فى هذا الموقع وهو الفاتحة التنبيه على أن العبد إذا أخذ فى قراءة الفاتحة يجب أن تكون قراءته إلخ أى يتأكد عليه ذلك

(قوله: أن فيه تنبيها) أى: من الله تعالى وقوله يجب أن تكون قراءته على وجه أى: مشتملة على وجه وهو حضور القلب والتفاته لمستحق الحمد لأجل أن يجد من نفسه ذلك المحرك هذا حاصل كلام الشارح وفيه أن المأخوذ من كلام المتن أن اللطيفة الداعية للالتفات فى هذا المقام قوة المحرك الحاصلة من إجراء الصفات عليه لا التنبيه على أن القارئ ينبغى أن تكون قراءته كذلك وذكر العلامة عبد الحكيم أن الشارح أشار بقوله فاللطيفة إلخ إلى أن ما ذكره المصنف قاصر؛ لأن حاصله أن إجراء تلك الصفات موجب لوجود المحرك الذى يوجب أن يخاطب العبد ذلك الحقيق ولا تفهم نكتة الخطاب الذى وقع فى كلامه تعالى فلا بد من ضم مقدمة وهى أن العبد مأمور بقراءة الفاتحة ففيه تنبيه على أن العبد ينبغى أن تكون قراءته بحيث يجد ذلك المحرك لتكون قراءته بالخطاب واقعة موقعها

(قوله: ولما انجر إلخ) أشار الشارح بذلك إلى أن قول المصنف ومن خلاف إلخ كلام استطرادى ذكر فى غير محله لمناسبة وذلك؛ لأن كلامه كان أولا فى أحوال المسند إليه على مقتضى الظاهر وانجر الكلام على خلاف مقتضى الظاهر فى المسند إليه فأورد عدة أقسام منه وإن لم تكن من المسند إليه

(قوله: أورد عدة أقسام) هى ثلاثة: تلقى المخاطب بغير ما يترقب والتعبير عن المستقبل

ص: 737

وإن لم تكن من مباحث المسند إليه فقال: (ومن خلاف المقتضى) أى: مقتضى الظاهر (تلقى المخاطب) من إضافة المصدر إلى المفعول أى: تلقى المتكلم المخاطب (بغير ما يترقب) المخاطب، والباء فى: بغير- للتعدية، وفى (بحمل كلامه) للسببية؛ أى إنما تلقاه بغير ما يترقب بسبب أنه حمل كلامه؛ أى: الكلام الصادر عن المخاطب (على خلاف مراده) أى: مراد المخاطب، وإنما حمل كلامه على خلاف مراده (تنبيها) للمخاطب (على أنه) أى ذلك الغير هو (الأولى بالقصد)

===

بلفظ الماضى والقلب وأما قوله أو السائل إلخ فهو من جملة تلقى المخاطب فعطفه عليه من عطف الخاص على العام

(قوله: وإن لم تكن من مباحث المسند إليه) أى: ولذا قال ومن خلاف المقتضى ولم يقل منه وفى تعبيره بمن إشارة إلى أن أقسامه لا تنحصر فيما ذكره فإن المجاز والكناية أيضا من خلافه.

(قوله: تلقى المخاطب) بفتح الطاء فيه وفيما بعده أى تلقى المتكلم بالكلام الثانى المخاطب به وهو المتكلم بالكلام الأول والتلقى المواجهة يقال: تلقاه بكذا واجهه به

(قوله: بغير ما يترقب المخاطب) أى: بغير ما ينتظره المخاطب من المتكلم

(قوله: والباء فى بغير إلخ) دفع بهذا ما يقال إن فى كلام المصنف تعلق حرفى جر متحدى اللفظ والمعنى بعامل واحد وهو ممنوع وحاصل ذلك الدفع أنهما مختلفان فى المعنى فلا اعتراض ونوقش هذا الجواب بأنه إن أراد التعدية العامة وهى إيصال معنى العامل إلى المعمول فهذا لا يعد معنى مستقلا وإن أراد بها الخاصة فهى غير موجودة هنا؛ لأن شرطها أن يكون مجرورها مفعولا به فى المعنى والتلقى إنما يتعدى لواحد ولا يتعدى للثانى لا بنفسه ولا بالحرف وأجيب بأنه ضمن التلقى معنى المواجهة وهو يتعدى للثانى بالحرف

(قوله: على خلاف مراده) فمراد الحجاج وهو المخاطب بالأدهم القيد وخلافه هو الفرس الأدهم

(قوله: تنبيها) أى من ذلك المتكلم

(قوله: ذلك الغير) أل للعهد الذكرى أى:

على أن ذلك الغير الذى هو خلاف مراده ولو عبر به كان أوضح لأنه العنوان المذكور فى المعلل وإن لم يشترط فى العهد الذكرى اتحاد العنوان وإنما حملنا الغير على خلاف مراده ولم نحمله على غير ما يترقبه المخاطب كما هو المتبادر ليوافق قول الشارح فيما

ص: 738

والإرادة (كقول القبعثرى للحجاج وقد قال) أى الحجاج (1)(له) أى: للقبعثرى حال كون الحجاج (متوعدا إياه): (لأحملنك على الأدهم)

===

بعد فنبه على أن الحمل على الفرس الأدهم هو الأولى بأن يقصده الأمير لدلالته على أن المنبه على كونه أولى بالقصد وهو الحمل على الفرس الأدهم الذى هو خلاف مراد الحجاج وهو مغاير لغير ما يترقبه كما يفهم من جعل الشارح حمل الكلام على خلاف المراد سببا لتلقى المخاطب بغير ما يترقب فتأمل

(قوله: والإرادة) عطف تفسير

(قوله: متوعدا إياه) أى: لأن القبعثرى كان جالسا فى بستان مع جماعة من إخوانه فى زمن الحصرم أى: العنب الأخضر فذكر بعضهم الحجاج فقال القبعثرى اللهم سود وجهه واقطع عنقه واسقنى من دمه فبلغ ذلك الحجاج فقال له أنت قلت ذلك فقال نعم ولكن أردت العنب الحصرم ولم أردك فقال له لأحملنك على الأدهم فقال القبعثرى مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب فقال له الحجاج ويلك إنه لحديد فقال إن يكن حديدا خير من أن يكون بليدا فحمل الحديد أيضا على خلاف مراده فإن الحجاج أراد بالحديد المعدن المعروف فحمله القبعثرى على ذى الحدة فقال الحجاج لأعوانه احملوه فلما حملوه قال سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا (2) الآية فقال اطرحوه على الأرض فلما طرحوه قال مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ (3) فصفح عنه الحجاج فقد سحر الحجاج بهذا الأسلوب حتى تجاوز عن جريمته وأحسن إليه على ما قيل والقبعثرى كان من رؤساء العرب وفصحائهم وكان من جملة الخوارج الذين خرجوا على سيدنا على- كرم الله وجهه- وقوله إنما أردت العنب الحصرم أى: والمراد بتسويد وجهه استواؤه وبقطع عنقه قطفه وبدمه الخمر المتخذ منه

(قوله: لأحملنك على الأدهم) إن قلت كان المناسب لغرض الحجاج أن يقول لأحملن الأدهم عليك؛ لأن القيد يوضع على الرجل لا

(1) الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفى أبو محمد: قائد، داهية، سفاك، خطيب، ولد ونشأ فى الطائف (بالحجاز)، مات بواسط، وأجرى على قبره الماء. فاندرس. وفاته 95 هـ. انظر الأعلام: 2/ 168.

(2)

الزخرف: 13.

(3)

طه: 55.

ص: 739

يعنى: القيد؛ هذا مقول قول الحجاج (- مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب) هذا مقول قول القبعثرى؛ فأبرز وعيد الحجاج فى معرض الوعد وتلقاه بغير ما يترقب بأن حمل الأدهم فى كلامه على الفرس الأدهم؛ أى: الذى غلب سواده حتى ذهب البياض، وضم إليه الأشهب؛ أى: الذى غلب بياضه، ومراد الحجاج إنما هو القيد فنبه على أن الحمل على الفرس الأدهم هو الأولى بأن يقصد الأمير (أى: من كان مثل الأمير فى السلطان) أى: الغلبة (وبسطة اليد) أى: الكرم والمال والنعمة (فجدير بأن يصفد) أى: يعطى

===

العكس قلت هذا الاستعمال والتعدية أمر وضعى يقال حمل على الأدهم أى: قيد به ولو سلم فليكن من قبيل القلب كما ستعرفه أو أنه شبه القيد بمركوب بجامع التمكن فى كل على طريقة الاستعارة بالكناية وإثبات الحمل تخييل هذا وقرر شيخنا العلامة العدوى أن معنى قوله لأحملنك إلخ لألجئنك إلى القيد أى: إلى أن تصير مقيدا به فعلى بمعنى إلى ولا قلب ولا شىء وهذا غير الوجه الأول

(قوله: يعنى القيد) أى: يعنى الحجاج فى هذا القول بالأدهم القيد الحديد

(قوله: وعيد الحجاج) أى: بالحمل على الأدهم الذى هو القيد الحديد

(قوله: فى معرض الوعد) أى: فى صورة الوعد بالحمل على الأدهم الذى هو الفرس

(قوله: وتلقاه) أى: وواجهه بغير ما يترقب يجوز أن يفسر ما يترقبه الحجاج بوقوع العقوبة به كما فى سم. والأظهر أن المراد بما يترقبه الكلام الدال على العفو وترك العقوبة به؛ لأن الذى يترقبه الحجاج مراجعته فى الحمل على القيد الحديد والمراد بغيره الكلام الدال على مدح الأمير

(قوله: بأن حمل الأدهم) الباء للسببية

(قوله: الذى غلب سواده إلخ) أى: أنه يولد وفيه شعرات بيض ثم يكثر الشعر الأسود حتى يغلب على الأبيض ويذهب الأبيض بالمرة بأن ينقلب البياض سوادا ولا مانع من ذلك كما أن السواد ينقلب بياضا فى مثل الشعر ويحتمل أن المراد ويذهب البياض فى رأى العين وبادئ الرأى لقلته.

(قوله: وضم إليه الأشهب) أى: قرينة على أن مراده هو بالأدهم الذى يحمله عليه الفرس لا القيد

(قوله: أى الغلبة) أشار إلى أن المراد بالسلطان السلطنة

(قوله: أى الكرم)

ص: 740

من أصفده (لا أن يصفد) أى: يقيد من صفده (أو السائل) عطف على المخاطب؛ أى: تلقى السائل (بغير ما يتطلب؛ بتنزيل سؤاله منزلة غيره) أى: غير ذلك السؤال (تنبيها) للسائل (على أنه) أى ذلك الغير (هو الأولى بحاله،

===

تفسير لبسطة اليد فالمراد ببسطة اليد سعتها أى: الكرم، وقوله والمال والنعمة عطف على السلطان لا من بقية التفسير وذكر النعمة بعد المال من ذكر العام بعد الخاص

(قوله: من أصفد) أى: مأخوذ من أصفد وكذا ما بعده فأصفد يدل على الخير لأنه من الصفد بالتحريك وهو الإعطاء بخلاف صفد فإنه يدل على الشر لأنه من الصفاد بالكسر وهو ما يوثق به وهذا عكس وعد وأوعد والنكتة فى ذلك أن صفد للقيد وهو ضيق فناسب أن تقلل حروفه الدالة عليه وأصفد للإعطاء المطلق المطلوب فيه الكثرة فناسب فيه كثرة الحروف ووعد للخير والخير سهل مقبول للأنفس فناسب قلة حروفه وخفة لفظه وأوعد للشر وهو صعب شاق على النفوس فناسب ثقل لفظه بكثرة حروفه

(قوله: أو السائل) الفرق بين تلقى السائل وتلقى المخاطب أن تلقى السائل مبنى على السؤال بخلاف تلقى المخاطب

(قوله: بغير ما يتطلب) فى الصحاح التطلب هو الطلب مرة بعد أخرى فالأولى بغير ما يطلب لأن ذلك التلقى لا يختص بمن يبالغ فى الطلب وكأنه عبر به لأجل حسن الازدواج بين يتطلب ويترقب فرجح رعاية جانب اللفظ على جانب المعنى أو أنه عبر به إشارة لمزيد الشوق الحاصل عند السائل فكأن ذلك السائل لمزيد الشوق الحاصل عنده كالطالب للجواب مرة بعد أخرى بقى شىء آخر وهو أن الجواب يجب أن يكون مطابقا للسؤال وإذا أجيب السائل بغير ما يتطلب لم يكن الجواب مطابقا للسؤال وأجيب بأن السؤال ضربان جدلى وتعليمى والأول يجب أن يطابقه جوابه والثانى يبنى المجيب فيه جوابه على الأمر اللائق بحال السائل كالطبيب يبنى علاجه على حال المريض دون سؤاله فتجوز المخالفة فيه والسؤال عن الأهلة والنفقة من هذا القبيل لأنه من المسلمين للنبى

(قوله: تنبيها) أى: من المجيب للسائل

(قوله: أى ذلك الغير) أى: غير سؤاله فالضمير راجع للغير الأول وقوله الأولى بحاله إما

ص: 741

أو المهم له، كقوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ (1))

===

لعدم أهليته لجواب ما يسأله أو لعدم الفائدة فيه بالنسبة إليه

(قوله: أو المهم له) الأولى الأهم له؛ لأن السائل له سؤالان أحدهما ما سأل عنه ولم يجب عنه والآخر ما لم يسأل عنه وأجابه المجيب عنه وكل من السؤالين للسائل اهتمام به لكن اهتمامه بالأول أقوى فإذا أجيب عنه بغير ما يتطلب علم أن الأولى أن يكون الأهم عنده هو الثانى لا الأول الذى سأل عنه وإنما يستفاد هذا المعنى من التعبير بالأهم وعطف المهم على ما قبله من عطف الملزوم على اللازم لأن كونه هو المهم يستلزم كونه أولى أى أنسب بحاله دون العكس لأن الشىء قد يكون أولى بالحال على تقدير التوجه لطلبه أولا ولا يكون فى نفسه من جملة المهمات التى يتأكد طلبها

(قوله: كقوله تعالى (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ) مثال للتنبيه على أنه الأولى بدليل قوله فى شرحه للتنبيه على أنه الأولى والأليق إلخ والآية الآتية أى: يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ (2) إلخ مثال للتنبيه على أنه الأهم بدليل قوله فى شرحه تنبيها على أن المهم ففى كلامه نشر على ترتيب اللف

(قوله: سألوا عن سبب اختلاف إلخ) المراد بالجمع ما فوق الواحد فقد روى أن معاذ بن جبل وربيعة بن غنم الأنصارى قالا يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوى ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا وهذا بظاهره سؤال عن السبب وقد أجيبوا ببيان الثمرة والحكمة المترتبة على ذلك فى قوله هى مواقيت إلخ وذلك؛ لأن الاختلاف يتحقق به نهاية كل شهر فيتميز به كل شهر عما سواه ويجتمع من ذلك اثنا عشر شهرا هى مجموع العام ويمتاز كل واحد عن الآخر باسمه وخاصته فيتعين به الوقت للحج والصيام ووقت الحرث والآجال وغير ذلك ولم يجابوا بالسبب الذى هو أن القمر جرم أسود مظلم ونوره مستفاد من نور الشمس فإذا سامت القمر الشمس لم يظهر فيه شىء من نورها لحيلولة الأرض بينهما فإذا انحرف القمر عن الشمس قابله شىء منها فيبدو فيه نورها ولذا يرى دقيقا منعطفا كالقوس ثم كلما ازداد البعد من المسامتة ازدادت المقابلة فيعظم النور ثم إذا أخذ القمر فى القرب من الشمس فى سيره

(1) البقرة: 189.

(2)

البقرة: 215.

ص: 742

سألوا عن سبب اختلاف القمر فى زيادة النور ونقصانه، فأجيبوا ببيان الغرض من هذا الاختلاف؛ وهو أن الأهلة بحسب ذلك الاختلاف معالم يوقت بها الناس أمورهم من المزارع والمتاجر ومحال الديون والصوم وغير ذلك، ومعالم الحج يعرف بها وقته؛

===

كان الانتقاص بمقدار الزيادة حتى يسامتها فيضمحل جميعا

(قوله: سألوا عن سبب اختلاف القمر) أى: عن السبب الفاعلى فى اختلافه إن قلت لم لم يحمل السؤال الواقع منهم على أن المسئول عنه فيه السبب الفائى ولم يكن الكلام من تلقى السائل بغير ما يتطلب قلت أن تصديرهم السؤال بما بال يدل على أن المسئول عنه السبب الفاعلى لأنها إنما تستعمل فى السؤال عن ذلك لا فى السؤال عن السبب الغائى كذا ذكر بعض أرباب الحواشى وعبارة عبد الحكيم، اعلم أن ما يسال بها عن الجنس فالمسئول عنه هاهنا حقيقة أمر الهلال وشأنه وهو اختلاف تشكلاته النورية ثم عوده لما كان عليه وذلك الأمر المسئول عن حقيقته يحتمل أن يكون غايته وحكمته وأن يكون سببه وعلته فسبب النزول لا اختصاص له بأحدهما وكذا لفظ القرآن إذ يجوز أن يقدر ما سبب اختلاف الأهلة وأن يقدر ما حكمة اختلاف الأهلة فاختار صاحب الكشاف والراغب والقاضى أنه سؤال عن الحكمة كما يدل عليه الجواب إخراجا للكلام على مقتضى الظاهر؛ لأنه الأصل واختار السكاكى أنه سؤال عن السبب لما أن الحكمة ظاهرة لا تستحق السؤال عنها والجواب من الأسلوب الحكيم. اهـ.

ويرد على السكاكى أنه حيث كانت الحكمة ظاهرة لا تستحق السؤال عنها والجواب لم يكن الأولى بحال السائلين السؤال عن الحكمة فكيف علل العدول إلى الجواب بالحكمة بالتنبيه على أن السؤال عنها أولى بحالهم

(قوله: ببيان الغرض) أى:

الغاية والفائدة المآلية والحكمة المترتبة على ذلك فاندفع ما يقال أن كبر القمر وصغره وزيادة نوره ونقصانه من أفعال الله وهى لا تعلل بالأغراض عندنا وحاصل الجواب أن الشارح شبه الحكمة بالغرض باعتبار أن كلا منهما مترتب على طرف الفعل وأطلق عليها اسمه على جهة الاستعارة وقوله ببيان الغرض أى: لا ببيان السبب وإلا قيل مثل ما تقدم

(قوله: معالم) أى: علامات، وقوله يوقت أى: يعين الناس إلخ

(قوله: ومحال الديون)

ص: 743

وذلك للتنبيه على أن الأولى والأليق بحالهم أن يسألوا عن ذلك لأنهم ليسوا ممن يطلعون بسهولة على دقائق علم الهيئة، ولا يتعلق لهم به غرض، (وكقوله تعالى:

يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ (1)) سألوا عن بيان ما ينفقون فأجيبوا ببيان المصارف تنبيها على أن المهم هو السؤال عنها لأن النفقة لا يعتد بها

===

أى: زمن حلولها

(قوله: وغير ذلك) أى: كمدة الحمل والحيض والنفاس والعدة

(قوله: وذلك) أى إجابتهم ببيان الغرض والحكمة لا ببيان السبب الفاعلى للتنبيه إلخ

(قوله: عن ذلك) أى عن الغرض والحكمة المترتبة على ذلك الاختلاف

(قوله: لأنهم ليسوا إلخ) فيه أن السائل بعض الصحابة وهم لذكائهم يطلعون على ذلك ويدفع هذا بقول الشارح بسهولة أى: أنهم ليسوا ممن يطلعون على ذلك بسهولة أى: لعدم تحصيل الآلات لأنها ليست موجودة عندهم لا لنقص فى طبيعتهم أو يقال إن الاطلاع على دقائق علم الهيئة بسهولة إنما يكون بالوحى والوحى إنما يكون للأنبياء

(قوله: وكقوله تعالى (يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ إلخ) محل كون هذه الآية من قبيل تلقى السائل بغير ما يتطلب إذا كان السؤال عن المنفق فقط أما إذا كان السؤال عن المنفق وعن المصرف معا كما قيل إن عمرو بن الجموع جاء إلى النبى صلى الله عليه وسلم وهو شيخ كبير له مال عظيم فقال ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها فنزلت هذه الآية فلا تكون الآية من تلقى السائل بغير ما يتطلب بل من قبيل الجواب عن البعض وهو المصرف صراحة وعن البعض الآخر ضمنا لأن فى ذكر الخبر إشارة إلى أن كل مال نافع ينفق منه

(قوله: عن بيان ما ينفقون) يحتمل أن المراد عن بيان مقداره ويحتمل أن المراد عن جنس ما ينفقون ويحتمل أن المراد عن كليهما

(قوله: فأجيبوا ببيان المصارف) أى: لا بيان المنفق ولو أنهم أجيبوا ببيانه لقيل أنفقوا مقدار كذا وكذا أو أنفقوا من كذا وكذا أو مقدار كذا وكذا

(قوله: لأن النفقة لا يعتد بها إلخ) اعترض بأنه إن كان المراد بالنفقة صدقة الفرض أشكل ذكر الوالدين لأنه تجب نفقتهما ولا يجوز دفعها لمن تجب النفقة

(1) البقرة: 215.

ص: 744