المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[[الباب الثانى] أحوال المسند إليه]: - حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - جـ ١

[محمد بن أحمد الدسوقي]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم

- ‌ترجمة جلال الدين القزوينى صاحب" التلخيص

- ‌اسمه ونسبه:

- ‌ولادته ونشأته:

- ‌صفته:

- ‌طلبه للعلم ومشايخه:

- ‌مصنفاته:

- ‌وفاته:

- ‌ترجمة سعد الدين التفتازاني صاحب" مختصر السعد شرح التلخيص

- ‌مولده:

- ‌منزلته وشهرته:

- ‌مصنفاته:

- ‌مذهبه الفقهي:

- ‌عبقرية التفتازاني:

- ‌ذكر وفاته- رحمه الله تعالى

- ‌كتاب" مختصر السعد

- ‌ترجمة محمد بن عرفة الدسوقى صاحب" حاشية الدسوقى

- ‌اسمه وكنيته

- ‌مولده وحياته:

- ‌صفاته:

- ‌شيوخه:

- ‌تلاميذه:

- ‌ وفاته

- ‌مؤلفاته:

- ‌منهج التحقيق

- ‌مقدمة مختصر السعد

- ‌كلمة الافتتاح للدسوقي

- ‌[القول فى البسملة]:

- ‌[القول فى الحمد]:

- ‌[الكلام فى الشكر]:

- ‌[مقدمة فى بيان معنى الفصاحة والبلاغة]:

- ‌[المقدمه ما هي

- ‌ الفصاحة

- ‌[تقسيم الفصاحة بالمفرد والكلام]

- ‌[يوصف المتكلم بالفصاحه كما يوصف بها الكلام]

- ‌[البلاغة]

- ‌[يوصف الكلام والمتكلم بالبلاغه]

- ‌[الفصاحه في المفرد خلوها عن]

- ‌[عن التنافر]

- ‌[الضابط في التنافر]

- ‌[والغرابه]

- ‌[والمخالفة]

- ‌[من الكراهة فى السمع]

- ‌[الفصاحة فى الكلام خلوها عن: ]

- ‌[الضعف]

- ‌[(والتعقيد)]

- ‌بلاغة الكلام

- ‌[تعريف الحال]

- ‌[مقتضى الحال]

- ‌ أعلى

- ‌لبلاغة الكلام (طرفان:

- ‌[أسفل]

- ‌بلاغة المتكلم

- ‌الفن الأول علم المعاني

- ‌[عله تقديمه علي البيان]

- ‌[تعريف علم المعاني]

- ‌[انحصار الخبر فى الصادق والكاذب]:

- ‌تنبيه حول «تنبيه»

- ‌[الباب الاول] (أحوال الإسناد الخبرى):

- ‌[الحقيقة والمجاز العقليان]:

- ‌[المجاز العقلي]:

- ‌[أقسام المجاز العقلي]:

- ‌[[الباب الثانى] أحوال المسند إليه]:

- ‌ ذكر المسند إليه

- ‌‌‌[تعريف المسند اليه]

- ‌[تعريف المسند اليه]

- ‌[أغراض التعريف]:

- ‌[تعريفه بالإضمار]:

- ‌[تعريفه بالعلمية]:

- ‌[تعريفه بالموصولية]:

- ‌[تعريفه بالإشارة]:

- ‌ تعريف المسند إليه باللام

- ‌ تعريف المسند إليه بالإضافة

- ‌[أغراض التنكير]:

- ‌ تنكير المسند إليه

- ‌أغراض الوصف

- ‌[أغراض التوكيد]:

- ‌[أغراض عطف البيان]

- ‌[بيان المسند إليه]:

- ‌[أغراض البدل]:

- ‌[الإبدال من المسند إليه]:

- ‌[أغراض العطف]:

- ‌[العطف على المسند إليه]:

- ‌[أغراض ضمير الفصل]:

- ‌[أغراض التقديم]:

- ‌ تقديم المسند إليه

- ‌[رأى عبد القاهر]:

- ‌[موافقة السكاكى لرأى عبد القاهر]:

- ‌ تأخير المسند إليه

- ‌[تخريج المسند إليه على خلاف مقتضى الظاهر]

- ‌[وضع المضمر موضع المظهر]:

- ‌[إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر]:

- ‌[التعبير بالمستقبل بلفظ الماضى]:

- ‌خاتمة

الفصل: ‌[[الباب الثانى] أحوال المسند إليه]:

[[الباب الثانى] أحوال المسند إليه]:

أى: الأمور العارضة له من حيث إنه مسند إليه، وقدم المسند إليه على المسند لما سيأتى.

[أحوال المسند إليه]:

===

(قوله: من حيث إنه مسند إليه) هذه حيثية تقييد واحترز بذلك عن الأمور العارضة له لا من هذه الحيثية ككونه حقيقة أو مجازا، فإنهما عارضان له لا من هذه الحيثية، بل من حيث الوضع وككونه كليا أو جزئيا فإنهما عارضان له من حيث كونه لفظا، وككونه جوهرا أو عرضا فإنهما عارضان له من حيث ذاته، وككونه ثلاثيا أو رباعيا مثلا، فإن ذلك عارض له من حيث عدد حروفه فلا تذكر هذه العوارض فى هذا المبحث، وإنما لم تجعل الحيثية للتعليل لصيرورة المعنى الأمور العارضة له من أجل كونه مسندا إليه فيفيد أن الحذف والذكر والتعريف والتنكير وغير ذلك من الأحوال عارضة له من أجل كونه مسندا إليه مع أنه ليس كذلك، بل الحذف إنما عرض له لأجل الاحتراز عن العبث ولتخييل العدول إلى أقوى الدليلين إلى آخر ما قال المتن، وكذا الذكر إنما عرض له لكونه الأصل إلى آخر ما قال المصنف أيضا، وأيضا جعلها للتعليل يرد عليه أن العلة ككونه مسندا إليه لا تقتضى أمرين متنافيين: كالذكر والحذف. إن قلت من جملة الأمور العارضة له من حيث كونه مسندا إليه الرفع؛ فمقتضاه أن يذكر هنا مع أن محله كتب النحو. قلت: إضافة أحوال للمسند إليه للعهد أى الأحوال المعهودة للمسند إليه وهى التى بها يطابق اللفظ مقتضى الحال، وحينئذ فقول الشارح:

أى الأمور العارضة له أى: التى بها يطابق اللفظ مقتضى الحال، فخرج الرفع في: قام زيد وزيد قائم، فإنه وإن كان عارضا له من حيث إنه مسند إليه، لكن لا يطابق به اللفظ مقتضى الحال، وحينئذ فلا يذكر هنا، كذا ذكر بعضهم قال عبد الحكيم: ولا حاجة لذلك؛ لأن المقصود أن الأمور المذكورة فى هذا الباب عارضة للمسند إليه لذاته لا أن كل ما هو عارض له لذاته فهو مذكور فى هذا الباب

(قوله: وقدم المسند إليه) أى: من حيث أحواله، وقوله على المسند أى: من حيث أحواله أيضا

(قوله: لما سيأتى) أى: من أنه الركن الأعظم فى قوله تنبيها على أن المسند إليه هو الركن الأعظم.

ص: 467

[حذف المسند اليه](أما حذفه) قدمه على سائر الأحوال

===

(قوله: أما حذفه إلخ)(1) قاعدة المصنف أن الواقع بعد أما هو مقتضى الحال، والواقع بعد لام التعليل هو الحال، فالاحتراز عن العبث، وكذا ما بعده أحوال تقتضى الحذف، وهذا كالصريح فى أن مقتضى الحال هو الخصوصية، فظهر لك أن أحوال المسند إليه مثلا مقتضيات للأحوال أى: للأمور الداعية لإيراد الكلام مكيفا بكيفية مخصوصة، ثم إن المعلوم أن الحذف فعل الفاعل؛ لأنه مصدر، وحينئذ فهو من أوصاف الشخص لا من أوصاف المسند إليه العارضة له، وأجيب بأن المصنف أطلق الحذف، وأراد به الحاصل بالمصدر وهو الانحذاف، وكذا يقال فيما بعده، أو تجعل هذه الأمور مصدر المبنى للمفعول بناء على مذهب من يجوز مجىء المصدر من المبنى للمفعول، وحينئذ فتكون هذه الأمور أحوالا للمسند إليه، ثم إن المراد حذفه لقرينة معينة من غير إقامة شىء مقامه، وحينئذ يكون لغرض معنوى كما هو اللائق بالفن لا لمجرد أمر لفظى، وبهذا يظهر وجه اقتصار المصنف على حذف المبتدأ من المسند إليه؛ لأن الفاعل إذا حذف إما أن يقوم شىء مقامه كما فى باب النيابة، وباب الاستثناء المفرغ، وباب المصدر- ولا يحتاج الحذف حينئذ لقرينة، بل الحذف للأمر الداعى له، - وإما لغرض لفظى كالتقاء الساكنين فى نحو: اضربن يا قوم، واضربوا الرجل.

(1) وقال الطيى فى" التبيان": باب فى المسند إليه وفيه أبحاث: البحث الأول فى كونه متروكا، وهو إما لضيق المقام: كقوله:

قال لى كيف أنت؟ قلت عليل

سهر دائم وحزن طويل

أو لصون العبث، كقول المستهل" الهلال" أو للتعويل على أقوى الدليلين من العقل والنقل، قال تعالى:

وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ* نارٌ حامِيَةٌ [القارعة: 10، 11].

أو لتطهير اللسان عنه، ومنه قول القائل:

وإذا ذكرتكم غسلت فمى

ولقد علمت بأنه نجس

أو لتطهيره عن اللسان، ومنه قول القائل:

وإياك ورسم العامريّة إننّى

أغار عليه من فم المتكلم

أو لأن الخبر لا يصلح إلا له، وله شواهد. أو لأن فى عدم التصريح احتياطا ليس فيه نحو: يفجر، ويفسق. أو لتكثير الفائدة نحو: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ [يوسف: 18] أو لمجرد الاقتصار نحو: نعم الرجل زيد انظر: التبيان فى المعانى والبيان تحقيق د/ عبد الحميد هنداوى بتصرف (1/ 146).

ص: 468

لكونه عبارة عن عدم الإتيان به، وعدم الحادث سابق على وجوده، وذكره هاهنا بلفظ الحذف، وفى المسند بلفظ الترك تنبيها على أن المسند إليه هو الركن الأعظم الشديد الحاجة إليه حتى إنه إذا لم يذكر فكأنه أتى به ثم حذف بخلاف المسند فإنه ليس بهذه المثابة فكأنه ترك من أصله

===

(قوله: لكونه عبارة عن عدم الإتيان به) هذا تفسير له بحسب الاصطلاح، وإن كان لفظه من حيث مفهومه اللغوى أعنى: الإسقاط مشعرا بأنه العدم بعد الإتيان، وإنما لم يفسر الحذف بالعدم اللاحق المتأخر عن الذكر مع أن الحذف إسقاط فمناسبته للعدم اللاحق أقوى؛ لأن الواقع هنا فى نفس الأمر هو العدم السابق؛ لأنه لم يؤت بالمسند إليه أصلا، لا أنه أتى به ثم أسقط

(قوله: وعدم الحادث سابق على وجوده) أى: وحينئذ فالحذف مقدم على الذكر، واعترض بأن هذه العلة إنما تنتج تقدمه على الذكر خاصة دون سائر الأحوال؛ لأن الحذف مقابل له دون بقية الأحوال: كالتعريف والتنكير، إذ ليس مقابلا لها حتى يقال عدم الحادث سابق على وجوده، وأجيب بأن بقية الأحوال متفرعة على الذكر؛ لأنها تفصيل له والمقدم على الأصل يستحق التقديم على الفرع، واعترض بأن التعريف والتنكير يمكن اعتباره كما فى المحذوف، وأجيب بأنه وإن كان كذلك إلا أنه بالقياس على المذكور.

(قوله: وذكره هنا) أى: وذكر عدم الإتيان به، ويجوز أن يرجع الضمير للحذف، ويكون الكلام على حذف مضاف تسامحا أى: معنى الحذف (قوله وفى المسند) أى: فى أحوال المسند

(قوله: الشديد الحاجة إليه) بيان لكونه أعظم. واعترض بأن كلا من المسند والمسند إليه يتوقف عليه الإخبار، وحينئذ فلا معنى لاعتبار كون أحدهما ركنا أعظم دون الآخر، وأجيب بأن المسند إليه كما يتوقف عليه الإخبار يتوقف عليه المسند؛ لأنه صفة له؛ لأن المراد من المسند إليه الذات، ومن المسند الصفة، والصفة تتوقف على الموصوف بخلاف المسند، فإنه وإن توقف عليه الإخبار لا يتوقف عليه المسند إليه

(قوله: حتى إنه إلخ) حتى للتفريع بمنزلة الفاء أى: فإذا لم يذكر فكأنه أتى إلخ أى: يتخيل إنه أتى به ثم حذف، وإن كان الواقع ليس كذلك، وإذا تخيل كذلك علم أنه ملحوظ فى القصد

(قوله: فإنه ليس بهذه المثابة) أى المنزلة أى ليس

ص: 469

(فللاحتراز عن العبث بناء على الظاهر) لدلالة القرينة عليه، وإن كان فى الحقيقة هو ركنا من الكلام

===

بركن أعظم، وقوله فكأنه ترك أى: فإذا لم يذكر تخيل أنه ترك من أصله أى: من أول الأمر واعترض بأن تركه عدم ذكره وهو محقق، وحينئذ فلا يناسب إيراد لفظ كأن، وأجيب بأن المراد بتركه تركه مطلقا أى: حقيقة وحكما بحيث لا يكون مقدرا ومرادا، مع أنه مذكور حكما، ثم إن هذا الكلام يقتضى أن الحذف عبارة عن العدم اللاحق، والنكتة التى ذكرها لتقديم الحذف على غيره تقتضى أن الحذف عبارة عن العدم السابق فيتنافيان، ويدفع التنافى بأن نكتة تقديم الحذف باعتبار الواقع؛ لأن الواقع أن المسند إليه لم يذكر فى الكلام أصلا ونكتة التعبير بالحذف دون الترك باعتبار التخيل والتوهم نظرا إلى شيوع استعمال الحذف فى العدم اللاحق وهو عدم الشىء بعد ذكره

(قوله: فللاحتراز عن العبث) اعلم أن الحذف يتوقف على أمرين: أحدهما: وجود ما يدل على المحذوف من القرائن، والثاني: وجود المرجح للحذف على الذكر. أما الأول فهو مذكور فى غير هذا الفن: كالنحو، وأما الثانى فقد شرع المصنف فى تفصيله بقوله فللاحتراز إلخ، وحاصله أن من جملة مرجحات الحذف على الذكر: قصد التحرز والتباعد عن العبث، وذلك أن ما قامت عليه القرينة وظهر عند المخاطب فذكره يعد عبثا أى: خاليا عن الفائدة فيحذفه البليغ لئلا ينسب إلى العبث أى: الإتيان بشىء زائد عن الحاجة لإتيانه بما هو ظاهر معلوم والعابث لا يلتفت إلى كلامه ولا يتلقى منه بالقبول، فقول المصنف فللاحتراز أى: فلقصد التحرز والتباعد عن العبث أى لو ذكر

(قوله: بناء على الظاهر) خال من العبث أى: حال كون العبث مبنيا على ما هو الظاهر من إغناء القرينة عنه، وقوله وإن كان فى الحقيقة أى: والحال إنه بالنظر للحقيقة، ونفس الأمر ركن من الكلام، فينبغى الالتفات له والتصريح به فلا يكون ذكره عبثا، وإن قامت القرينة؛ لأن الاكتفاء بالقرينة ليس كالذكر فى التنصيص على ما هو المقصود الأهم. اهـ. عبد الحكيم.

وكتب بعضهم ما نصه: واحترز بقوله بناء على الظاهر عن الحقيقة ونفس الأمر، وأورد عليه أن هذا يقتضى أن العبث فى ذكره إنما يكون إذا قطع النظر عن الحقيقة،

ص: 470

(أو تخييل العدول إلى أقوى الدليلين من العقل واللفظ) فإن الاعتماد عند الذكر على دلالة اللفظ

===

وأما مع النظر إلى الحقيقة من أنه ركن للإسناد فلا عبث فى ذكره وليس كذلك؛ لأنه لا تنافى بين كونه ركنا فى الكلام وكونه عبثا، ألا ترى أن الكلام إذا علم بسائر أجزائه يكون ذكره عبثا فبالأولى جزؤه فالمنافى للعبث إنما هو عدم علمه بالقرينة فحق العبارة بناء على القرينة؛ لأنه إذا قطع النظر عن القرينة انتفى العبث، وأجيب بأن قوله بناء على الظاهر احتراز عن عدم علمه بالقرينة لا عن الحقيقة من كونه ركنا للإسناد، ولا شك أنه بالنظر إلى كونه غير معلوم بالقرينة لا عبث فى ذكره؛ لأنه إتيان بما لا يستغنى عنه، ويدل لذلك قول الشارح لدلالة القرينة عليه، فإنه يفيد أن المحترز عنه عدم علمه بالقرينة، وعبارة سم حاصل المراد من كلام المصنف أن للمسند إليه اعتبارين: أحدهما: كونه ركنا، والثاني: كونه معلوما، فبالاعتبار الأول مع قطع النظر عن الثاني، لا يكون ذكره عبثا، وبالاعتبار الثانى مع قطع النظر عن الاعتبار الأول يكون ذكره عبثا؛ لأنه إتيان بما يستغنى عن الإتيان به، وقد اعترض أصحاب الحواشى بأن كونه ركنا لا ينافى العبثية فلعله يندفع بذلك فتأمل. اهـ ..

(قوله: أو تخييل العدول إلخ) عطف على الاحتراز، والتخييل بمعنى: الإيهام، وهو مصدر مضاف لمفعوله الثانى أى: تخييل المتكلم للسامع العدول إلى أقوى الدليلين أى: أن من جملة الأمور التى مراعاتها ترجح الحذف قصد المتكلم أن يخيل للسامع أن يوقع فى خياله وفى وهمه بذلك الحذف أنه عدل إلى أقوى الدليلين اللذين هما العقل واللفظ وأقواهما هو العقل؛ لأن الإدراك به يحصل من اللفظ ومن غيره فعند حذف المسند إليه يتبادر للذهن أن إدراكه بالعقل خاصة، وعند ذكره يتبادر للذهن أن إدراكه باللفظ، وذلك التخييل يوجب نشاط السامع وتوجه عقله نحو: المسند إليه زيادة توجه

(قوله: من العقل واللفظ) بيان للدليلين لا لأقواهما وفى الحقيقة العقل ليس بدال فضلا عن كونه أقوى، وإنما الدال اللفظ والعقل آلة للإدراك منه فوصفه بالدلالة على طريق التجوز من حيث إن النفس تدرك بسببه

(قوله: فإن الاعتماد) أى فإن اعتماد السامع فى فهم المسند إليه، وهذا علة لتخييل العدول

(قوله: عند الذكر) أى: للمسند إليه

ص: 471

من حيث الظاهر، وعند الحذف على دلالة العقل؛ وهو أقوى لافتقار اللفظ إليه.

وإنما قال: تخييل-

===

(قوله: من حيث الظاهر) أى: وفى الحقيقة الاعتماد على العقل واللفظ معا، وهذا جواب عما يقال: كيف يعتمد على اللفظ مع أنه لا بد من دلالة العقل بأن يعلم أن هذا اللفظ موضوع لكذا، وحاصل الجواب أن الاعتماد على اللفظ إنما هو بحسب الظاهر، وإن كان فى الحقيقة ونفس الأمر معتمدا على العقل واللفظ معا؛ لأن الألفاظ ليست إلا آلات وضعها الواضع ولا دلالة لها بحسب ذاتها

(قوله: وعند الحذف على دلالة العقل) أى: من حيث الظاهر بدليل قوله: وإنما قال تخييل؛ لأن الدال حقيقة إلخ، وإنما لم يذكر هذا القيد أعنى: قوله من حيث الظاهر هنا إشارة إلى كثرة مدخلية العقل فكأنه مستقل هـ فنارى.

(قوله: لافتقار اللفظ إليه) أى: لافتقار اللفظ دائما إليه فى الدلالة؛ لأن اللفظ لا يمكن أن يفهم منه شىء بدون واسطة العقل بخلاف العقل، فإنه يمكن أن يدرك بدون توسط لفظ كما فى المعقولات الصرفة، وكما فى دلالة الأثر على المؤثر، والحاصل أن اللفظ لا يمكن أن يفهم منه شىء بدون واسطة العقل بخلاف العقل، فإنه يمكن أن يدرك به بدون توسط لفظ، وإن كان بحسب العادة لا بد من تخييل الألفاظ حتى كأن المفكر يناجى نفسه بألفاظ مخيلة

(قوله: وإنما قال إلخ) هذا جواب عما يقال: لم زاد المصنف تخييل، وهلا قال أو للعدول إلى أقوى الدليلين إلخ، وحاصل الجواب أنه إنما زاد لفظ تخييل؛ لأن العدول ليس محققا، بل أمر متخيل متوهم؛ لأن كونه محققا يتوقف على كون كل من العقل واللفظ مستقلا فى الدلالة على المسند إليه عند حذفه وليس كذلك؛ لأن اللفظ المقدر المدلول عليه بالقرائن مدخلا فى الدلالة عليه عند الحذف بناء على أن المدلول عليه القرائن هو اللفظ المقدر دون ذات المسند إليه، وحاصل ما فى المقام أن الدليل لا يكون دليلا إلا إذا كان مستقلا بالدلالة، وقد علمت أن كلا من العقل، واللفظ لا استقلال له بالدلالة على المسند إليه لا عند الذكر ولا عند الحذف، والدليل مجموعهما فى الحالتين، فليس عندنا دليلان فضلا عن وجود أقوى، نعم إذا حذف

ص: 472

لأن الدال حقيقة عند الحذف هو اللفظ المدلول عليه بالقرائن (كقوله: قال لى:

كيف أنت، قلت: عليل (1)) لم يقل: أنا عليل؛

===

المتكلم المسند إليه فقد خيل للسامع أن هناك دليلين، وأنه عدل عن الأضعف منهما إلى الأقوى وهو العقل وجعله أقوى باعتبار ما علمته مما مر.

واعلم أن تقرير السؤال والجواب اللذين أشار لهما الشارح على الوجه الذى قلناه هو ما يؤخذ من كلام ابن يعقوب (2) وعبد الحكيم وغيره من حواشى المطول، فلا نلتفت لما ذكره بعضهم فى تقريرهما، واعترض على الشارح بما هو غير وارد عليه.

(قوله: لأن الدال حقيقة عند الحذف هو اللفظ) أى: المقدر المدلول عليه بالقرائن لا ذات المسند إليه، واعترض بأنه إذا كان اللفظ عند الحذف هو الدال حقيقة كان هذا مناقضا لقوله السابق والاعتماد عند الحذف على دلالة العقل وهو أقوى وأيضا لا يتأتى إدراك المسند إليه من التركيب بدون العقل كما لا يتأتى إدراكه بالعقل بدون اللفظ، فلا وجه لحصر الدلالة عند الحذف فى اللفظ المقدر، وقد يجاب بأن الحصر المستفاد من ضمير الفصل إضافى أى: ليس الدال عند الحذف العقل وحده، وهذا لا ينافى أن الدلالة لهما معا، وحينئذ فلا ينافى قوله سابقا والاعتماد عند الحذف على دلالة العقل؛ لأن المراد من حيث الظاهر كما قلنا، فإن قلت الحصر غير صحيح فى نفسه لجواز أن يدل بالقرائن على ذات المسند إليه مع قطع النظر عن الألفاظ. قلت:

هذا وإن كان أمرا ممكنا فى نفسه إلا أن ما ذكر بناء على ما استمر فى العادة من أن فهم المعانى قلما ينفك عن تخييل الألفاظ، وقال العلامة عبد الحكيم: ضمير الفصل هنا لمجرد التأكيد لا للقصر، فإنه باطل لمعارضته لما مر من قوله من حيث الظاهر أى:

ولقوله: والاعتماد عند الحذف على دلالة العقل.

(قوله: كقوله قال لى إلخ) تمامه: سهر دائم وحزن طويل

(1) من الخفيف، وهو بلا نسبة فى التبيان للطيى 1/ 146، ودلائل الإعجاز ص 238. وقال الشيخ محمود شاكر: مشهور غير منسوب. والإيضاح ص 38، وشرح عقود الجمان 1/ 52.

(2)

هو صاحب" مواهب الفتاح على تلخيص المفتاح" ابن يعقوب المغربى رحمه الله.

ص: 473

للاحتراز والتخييل المذكورين (أو اختبار تنبه السامع عند القرينة) هل يتنبه أم لا

===

أى: حالى سهر دائم قال العباسى (1) فى الشواهد، ولم أعلم قائله

(قوله: والتخييل المذكورين) فيه إشارة إلى أن (أو فى) قول المصنف: أو تخييل. مانعة خلو فتجوز الجمع، وقوله للاحتراز إلخ: علة لقوله لم يقل إلخ، وهذا البيت يصلح مثالا لادعاء التعين وضيق المقام بسبب ضجر حاصل من شدائد الزمان ومصائب الهوى، بحيث جعلته لا يقدر على التكلم بأزيد مما يفيد الغرض ويصلح مثالا للمحافظة على الوزن أيضا فيصح التمثيل بذلك البيت للكل

(قوله: هل يتنبه أم لا) أى: أم لا يتنبه إلا بالصراحة، وذلك كما لو حضر عندك رجلان أحدهما تقدمت له صحبة دون الآخر، فتقول للمخاطب الذى هو غيرهما: غادر تريد: الصاحب غادر أى: من تقدمت له صحبة غادر فتحذف المسند إليه اختبارا للسامع هل يتنبه أن المسند إليه هو الصاحب بقرينة ذكر الغدر، إذ لا يناسب إلا الصاحب أو لا يتنبه بذلك؟

(قوله: هل يتنبه أم لا) اعترض بأن هل لطلب التصور وأم لطلب التصديق، وحينئذ فلا يصح أن تكون أم معادلة لهل، فالصواب أينتبه أم لا؟ وأجيب بأن فى الكلام حذف همزة الاستفهام، والأصل أهل يتنبه؟ ؛ لأن أم المتصلة لازمة للهمزة فأم إنما عادلت الهمزة ل" أهل"، ولا يقال يلزم على كون الأصل ما ذكر دخول الاستفهام على مثله وهو ممنوع؛ لأن هل هنا بمعنى قد على حد قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ (2) وحينئذ فلم يلزم ما ذكر كذا قال أرباب الحواشى، وعبارة عبد الحكيم: أم هنا منقطعة، وما قيل إن الصواب فى التعبير أيتنبه أم لا؟ ليس بصواب، على أن أم المتصلة قد تجىء معادلة لهل على قلة كما فى الرضى. اهـ. كلامه.

(1) هو أبو الفتح العباسي، عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن أحمد، عالم بالأدب من المشتغلين بالحديث، ولد ونشأ بمصر زار القسطنطينية ودرس بها وتوفى بها بعد عوده إلى مصر ورجوعه إليها مرة ثانية من مصنفاته" معاهد التنصيص فى شرح شواهد التلخيص و" نظم الوشاح على شواهد تلخيص المفتاح" توفى رحمه الله سنة 963 هـ. وانظر الأعلام (3/ 345).

(2)

الإنسان: 1.

ص: 474

(أو) اختبار (مقدار تنبهه) هل يتنبه بالقرائن الخفية أم لا (أو إيهام صونه) أى:

المسند إليه (عن لسانك) تعظيما له

===

وقول الشارح: أم لا. ليس فيه حذف المعطوف وإبقاء العاطف؛ لأن المحذوف جزء المعطوف لا كله؛ لأن لا المذكورة من جملته، والمحكوم عليه بالمنع عند محققى النحاة حذف المعطوف بتمامه مع بقاء العاطف

(قوله: واختبار مقدار تنبهه) أى: مبلغ ذكائه هل يتنبه بالقرائن الخفية أم لا؟ وذلك إذا حضر عندك شخصان أحدهما أقدم صحبة من الآخر، فتقول لمخاطبك: والله حقيق بالإحسان. تريد أقدمهما صحبة وهو زيد مثلا حقيق بالإحسان، فتحذف ذلك المسند إليه اختبارا لمبلغ ذكائه هل يتنبه لهذا المحذوف بهذه القرينة التى معها خفاء، وهى أن أهل الإحسان ذو الصداقة القديمة دون حادثها أو لا يتنبه له وقد حكى عن بعض الخلفاء من بنى العباس أنه ركب سفينة مع واحد من ندمائه فسأل الخليفة ذلك الواحد: أى طعام أشهى عندك؟ فقال مح البيض المسلوق، فاتفق عودهما هنالك فى القابل، فقال له الخليفة: مع أى شىء؟ فأجاب النديم:

مع الملح. فتعجب من استحضاره وكمال تنبهه ويقظته.

ثم اعلم أن القرائن عند الحذف قد تكون فى غاية الوضوح بحيث لا يزيد ذكر اللفظ معها على تركه، وقد تكون خفية. فإذا كانت القرينة فى ذلك لموضوع شأنها الخفاء حذف المسند إليه حينئذ لاختبار مقدار التنبه، بخلاف ما إذا كانت واضحة جدّا فالحذف حينئذ بمنزلة الذكر فلا يناسب حينئذ تلك النكتة، ولذا قيد الشارح القرائن فى هذا الموضع بالخفية، واستشكل بأن المخاطب إن كان عالما بالقرينة فلا معنى للحذف للاختبار، وإن لم يكن عالما فلا يجوز الحذف، والجواب أن القرينة يكفى فيها ظن المتكلم أن المخاطب عالم بالقرينة، فإن قلت حيث كان يكفى فيها ظن المتكلم علم المخاطب بها فما معنى قوله: مقدار؟ أجيب: بأنه إنما أتى به لكون المقصود تيقن التنبه والظن لا يستلزم اليقين كذا فى تجريد نسخة شيخنا الحفنى

(قوله: أو إيهام صونه إلخ) نحو: مقرر للشرائع موضح للدلائل فيجب اتباعه تريد رسول الله- صلى الله عليه وسلم وعبر هنا بالإيهام، وفيما سبق بالتخييل لمحض التفنن، لا أن الأول من الصور

ص: 475

(أو عكسه) أى: إيهام صون لسانك عنه تحقيرا له (أو تأتى الإنكار) أى: تيسره (لدى الحاجة) نحو: فاجر فاسق عند قيام القرينة على أن المراد: زيد؛ ليتأتى أن تقول: ما أردت زيدا، بل غيره (أو تعينه) والظاهر أن ذكر الاحتراز عن العبث يغنى عن ذلك، لكن ذكره لأمرين: أحدهما: الاحتراز عن سوء الأدب فيما ذكروا له من المثال؛

===

الخيالية، والثانى من المعانى الوهمية، وقد يقال أراد بقوله أو إيهام إلخ: أن الصون المذكور أمر وهمى محض لا تحقق له أصلا بخلاف العدول إلى أقوى الدليلين، فإن له شائبة ثبوت فى الجملة- قاله الفنارى، واعترض على المصنف بأن حذفه فيه صون له حقيقة عن مخالطة اللسان، وحينئذ فلا وجه لذكر الإيهام، وأجيب بأن المراد صونه عن تنجيسه بواسطة المرور على اللسان، ولا شك أن صونه عن التنجيس أمر موهوم لا محقق أو المراد بالإيهام إيقاع شىء فى وهم السامع أى: فى ذهنه، ولو كان على سبيل التحقق قاله الشارح فى شرح المفتاح، ومما ينبغى أن يعلم أنه كما يجوز أن يعتبر من مقتضيات حذف المسند إليه إيهام صونه عن لسانك أو عكسه. يجوز أن يعتبر إيهام صونه عن سماع المخاطب أو عكسه.

(قوله: أو عكسه) نحو: موسوس ساع فى الفساد فتجب مخالفته تريد الشيطان

(قوله: أى تيسره) أى: للمتكلم

(قوله: لدى الحاجة) متعلق بتأتى (قوله نحو فاجر) أى:

نحو قولك عند حضور جماعة فيهم عدو فاجر فاسق وتريد زيد الذى هو العدو ومثلا فتحذفه ليتأتى لك الإنكار عند لومه لك على سبه أو تشكيه منك فتقول ما سميتك ما عنيتك

(قوله: عند قيام القرينة) ظرف لمحذوف أى: يقال ذلك عند قيام القرينة

(قوله: ليتأتى إلخ) علة للحذف أى: فتحذفه ليتأتى إلخ

(قوله: تعينه) أى: إما لأن المسند لا يصلح إلا له أو لكماله فيه، بحيث لا يسبق الذهن إلى غيره أو لكونه متعينا بين المتكلم والمخاطب

(قوله: يغنى عن ذلك) أى: عن تعينه لأن العبث بذكره لا يكون إلا بعد تعينه، فالتعين داخل فى الاحتراز المذكور، فمتى تعين المسند إليه كان حذفه احترازا عن العبث، وإذا كان كذلك فلا يصح جعله قسيما له

(قوله: فيما ذكروا له) أى: للتعين

ص: 476

وهو خالق لما يشاء فاعل لما يريد؛ أى: الله تعالى، والثانى: التوطئة، والتمهيد لقوله:(أو ادعاء التعين) له، نحو: وهاب الألوف أى: السلطان (أو نحو ذلك) كضيق المقام عن إطالة الكلام بسبب ضجر، وسآمة، أو فوات فرصة،

===

(قوله: خالق لما يشاء إلخ) أى: فقد مثلوا بهذا الحذف المسند إليه لتعينه لظهور أنه لا خالق سواه، ولا يقال إن الحذف فيه للاحتراز المذكور لما فيه من سوء الأدب، وإن كان صحيحا فى نفسه، وقد يقال هذا البحث ساقط من أصله؛ لأن القصد إلى التعين مغاير للقصد للاحتراز عن العبث، فجاز أن يقصد كل منهما مع الذهول عن الآخر وأن يقصدا معا، وحينئذ فلا يغنى ذكر الاحتراز عن العبث عن ذلك، إذ قد يكون نكتة الحذف المقصودة للبليغ التعين دون الاحتراز، وإن كان ذلك حاصلا من غير قصد وكذا يقال فى سائر النكت التى يمكن اجتماعها، أو يقال: إن الحذف للاحتراز عن العبث ملحوظ فيه العبث بسبب دلالة القرينة على المراد والحذف للتعين ملحوظ فيه العبث من حيث عدم صلاحية المسند لغير المسند إليه المحذوف فتأمل.

(قوله: أو ادعاء المتعين) أظهر فى محل الإضمار لئلا يتوهم عود الضمير على الإنكار من قوله: أو تأتى الأنكار كذا قيل، ويبعده الإضمار فى تعينه مع أنه أقرب إلى الإنكار، فلعل الأولى أن يقال إنما أظهره لتوهم رجوع الضمير للمسند إليه كبقية الضمائر المتقدمة

(قوله: نحو وهاب الألوف إلخ) أى: فيحذف المسند إليه لادعاء تعينه وأنه لا يتصف بذلك غيره من رعيته، وإنما كان تعينه بذلك ادعائيا؛ لأنه يمكن أن غيره من رعيته يعطى ذلك

(قوله: بسبب ضجر وسآمة) هما بمعنى واحد، فالعطف مرادف أو تفسيرى، وذلك كما فى قوله: قلت عليل، فلم يقل: أنا لضيق المقام عن إطالة الكلام بسبب الضجر الحاصل له من الضنى.

(قوله: أو فوات فرصة) عطف على ضجر، وفى الكلام حذف مضاف أى:

خوف فوات فرصة؛ لأن المقتضى للحذف خوف الفوات لا نفس الفوات، والفرصة بضم الفاء ما يغتنم تناوله وقرر بعضهم أنها قطعة من الزمان يحصل فيها المقصود- وانظره.

ص: 477

أو محافظة على وزن، أو سجع، أو قافية،

===

(قوله: أو محافظة على وزن) أى كما فى قولك: قلت عليل، فلم يقل: أنا عليل؛ لضيق المقام عن إطالة الكلام بسبب المحافظة على الوزن؛ لأن ذكر المسند إليه يفسد ذلك الوزن

(قوله: أو سجع) أى: فى النثر وهو كالروى فى الشعر أى، كما فى قولهم: من طابت سريرته: حمدت سيرته، لم يقل حمد الناس سيرته لضيق المقام عن إطالة الكلام بسبب المحافظة على السجع، إذ لو ذكر لكانت الأولى مرفوعة والثانية منصوبة، قال الحفيد محل حذف المسند إليه لضيق المقام عن الإطالة بسبب المحافظة على السجع والقافية إذا كان تقديم المسند الذى يحصل به السجع واجب، كأن كان من أدوات الاستفهام مثل قولك: طلب الحبيب ألفين، فقلت له أين؟ فالمسند إليه محذوف لأجل المحافظة على السجع تقديره أين هما، والخبر واجب التقديم؛ لأنه اسم استفهام، فلو كان المسند جائز التقديم حصلت المحافظة على السجع بتأخيره من غير حاجة لحذف المسند إليه كما إذا قيل طلب الحبيب ألفين فقلت له على العين لصح وحصل السجع ورد ذلك بأنه لا يتم إلا لو شرط فى النكات أن لا يحصل الشىء إلا من هذه الخصوصية وهو ممنوع كما حقق فى محله. اهـ. ابن قاسم.

(قوله: أو قافية) أى فى آخر البيت وذلك كما فى قوله (1):

وما المرء إلّا كالشّهاب وضوئه

يحور رمادا بعد إذ هو ساطع

وما المال والأهلون إلّا ودائع

ولا بد يوما أن تردّ الودائع

فلو قيل: أن يرد الناس الودائع لاختلت القافية، لصيرورتها مرفوعة فى الأول منصوبة فى الثاني، وكما فى قوله:

قد قال عذول مناك أتى

فأجبت وقلت كذبت متى

فقال حبيبك ذو خفر

وكبير السن فقلت فتى

(1) البيت من الطويل وهو للبيد فى ديوانه ص 196 وحماسة البحترى ص 84 والدرر 2/ 53 ولسان العرب (حور) وبلا نسبة فى الأشمونى 1/ 110.

ص: 478

أو ما أشبه ذلك؛ كقول الصياد: غزال؛ أى: هذا غزال، وكالإخفاء عن غير السامع من الحاضرين، مثل: جاء، وكاتباع الاستعمال الوارد على تركه،

===

فالمسند محذوف لأجل المحافظة على القافية تقديره متى الإتيان وهو فتى، ثم إن الغرض من الحذف المحافظة على القافية وإن كان فيه أيضا محافظة على الوزن، إلا أنه غير مقصود، وفرق بين الحاصل قصدا والحاصل من غير قصد، فاندفع ما يقال: إن مقابلة المحافظة على الوزن بالمحافظة على القافية تفيد تباينهما وعدم اجتماعهما، وليس الأمر كذلك.

(قوله: وما (1) أشبه ذلك) عطف على ضجر

(قوله: كقول الصياد) مثال لفوات الفرصة وحينئذ، فالأولى اتصاله به دفعا للإيهام وقوله كقول الصياد أى: مخاطبا للجوارح عند إبصاره للغزال غزال أى: هذا غزال فاصطادوه، فحذف هذا؛ لأن رغبته فى التسارع إليه توهمه أن فى ذكره طولا كثيرا يفيته بحسب زعمه، وفى بعض النسخ:

كقولك للصياد وهى ظاهرة

(قوله: وكالإخفاء عن غير السامع) قال سم: الظاهر أنه عطف على قوله كضيق المقام، وعلى هذا لم يكن الشارح مبينا لما أشبه ذلك الواقع فى كلامه، وبينه بعضهم بقوله كسرعة التنبيه كأن يقال: خطف المال لمن وضع ماله قريبا منه أى: المختلس خطف المال، وكتعجيل المسرة بالمسند نحو: دينار أى: هذا دينار، وكالخوف منه أو عليه، فكل هذا من جملة أسباب ضيق الكلام عن الطول، وفى ابن يعقوب أن الإخفاء المذكور بيان لذلك المشبه، وعليه فهو عطف على قول الصائد، ويكون من جملة أسباب ضيق المقام عن الطول

(قوله: مثل جاء) أى: وتريد زيدا لقيام القرينة عليه عند المخاطب دون غيره، فلو قيل جاء زيد لانتظره كل من كان جالسا لأجل الطلب منه مثلا، ثم إن قوله: كالإخفاء عن غير السامع الأولى أن يقول بدله عن غير المخاطب؛ وذلك لأن الحاضرين إن كانوا سامعين كان الإخفاء عن غيرهم ممن لم يسمع فلا يصح قوله من الحاضرين، وإن كانوا غير سامعين فلا حاجة للإخفاء عنهم، وأجيب بأن المراد بقوله عن غير السامع أى: عن غير من كان مقصودا بسماع ذلك

(1) كذا في المطبوعة، والمذكور بالمتن: أو ما أشبه ذلك.

ص: 479

مثل: رمية من غير رام، أو ترك نظائره، مثل: الرفع على المدح أو الذم أو الترحم

===

الخبر، وحينئذ فهو مساو لقولنا عن غير المخاطب

(قوله: مثل: رمية من غير رام)(1) أى:

هذه رمية مصيبة من غير رام مصيب، بل من رام مخطىء فحذف المسند إليه ولم يقل هذه اتباعا للاستعمال الوارد على تركه؛ لأن هذا مثل يضرب لمن صدر منه فعل حسن وليس أهلا لصدوره منه، والأمثال لا تغير، وأول من قال هذا المثل: الحكم بن عبد يغوث المصرى حين نذر أن يذبح مهاة أى: بقرة وحش على الغبغب- بغين معجمة فباء موحدة ثم غين معجمة أيضا فباء موحدة- وهو جبل بمنى، وكان من أرمى الناس، فصار كلما يرمى مهاة لا يصيبها رميه ولم يمكنه ذلك أياما حتى كاد أن يقتل نفسه، ثم إن ابنه مطعما خرج معه إلى الصيد فرمى الحكم مهاتين فأخطأهما، فلما عرضت الثالثة رماها مطعم فأصابها، وكان إذ ذاك لا يحسن الرمى، فقال الحكم رمية من غير رام.

(قوله: أو ترك نظائره) عطف على تركه أى: وكاتباع الاستعمال الوارد على تركه فى نظائره

(قوله: مثل الرفع) أى: مثل ما فيه الرفع على المدح أى: لأجله كقولك: الحمد لله أهل الحمد أى: هو أهل الحمد

(قوله: أو الذم) أى: ومثل ما فيه الرفع على الذم أى لأجله نحو: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بالرفع أى هو الرجيم (قوله أو الترحم) أى: ومثل ما فيه الرفع على الترحم أى: لأجل إنشائه كقولك: اللهم ارحم عبدك المسكين بالرفع أى: هو المسكين بالرفع فى هذه الأوجه اتباعا لتركه فى نظائره أعنى: قول العرب: اللهم ارحم عبدك الفقير، ومررت بزيد الخبيث أو الكريم، والحاصل أنه ورد عن العرب: الحمد لله الكريم بالرفع مثلا، فلو قلت: الحمد لله أهل الحمد بالرفع فقد تركت المسند إليه اتباعا للاستعمال الوارد فى نظائره وهو الحمد لله الكريم الذى ترك فيه المسند إليه لإفادة إنشاء المدح، وكذا يقال فى الذم والترحم.

(1) قال فى جمهرة أمثال العرب- قولهم" رب رمية من غير رام" يضرب مثلا للمخطئ يصيب أحيانا ومثله قولهم مع الخواطئ سهم صائب. وانظر جمهرة أمثال العرب (1/ 399).

ص: 480