الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلا أن تقع موقعها.
[التعبير بالمستقبل بلفظ الماضى]:
(ومنه) أى: من خلاف مقتضى الظاهر (التعبير عن) المعنى (المستقبل بلفظ الماضى تنبيها على تحقق وقوعه، نحو: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ (1))
…
===
عليه وإن حملا على من لا تجب نفقتهما ففيه بعد لعموم اللفظ وعموم المخاطب وقد يجاب بأن المراد بهما من لا تجب نفقتهما واللفظ وإن كان عاما لكنه مخصص بالقواعد الشرعية وإن كان المراد بالنفقة صدقة النفل أشكل نفى الاعتداد إذ هى معتد بها مطلقا إلا أن تحمل الصدقة على صدقة النفل ويراد نفى كمال الاعتداد.
(قوله: إلا أن تقع موقعها) أى: لا يعتد بها فى جميع الأوقات إلا وقت وقوعها فى موقعها أى فى محلها بأن صرفت مصارفها فهو استثناء مفرغ فى الظرف فإذا وقعت موقعها كانت معتدا بها قليلة كانت أو كثيرة وإذا لم تقع فى موقعها فلا يعتد بها ولو كانت كثيرة بخلاف المتفق فإنه معتد به إذا وقع فى محله سواء كان قليلا أو كثيرا غاية الأمر أنه إذا دفع دون الواجب عليه فى صدقة الفرض لا تبرأ ذمته مطلقا بل مما دفعه ويبقى الباقى فى ذمته مع إجزاء ما دفع قطعا
(قوله: التعبير عن المستقبل) أى: وكذا عكس هذا وهو أن يعبر عن المعنى الماضى بلفظ المضارع إحضارا للصورة العجيبة وإشارة إلى تجدده شيئا فشيئا كقوله تعالى وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً (2) أى فأثارت وقوله تعالى وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ (3) أى: ما تلت ثم إن التعبير عن المستقبل بلفظ الماضى وعكسه يحتمل أن يكون من المجاز المرسل والعلاقة بينهما من التضاد؛ لأن الضد أقرب خطورا بالبال عند ذكر ضده فبينهما شبه المجاورة لتقارنهما غالبا فى الخيال لكن هذا الاحتمال لا يفيد المبالغة المقصودة وهى الإشعار بتحقق الوقوع وأن هذا المستقبل كالماضى؛ لأن المجاز المرسل لما كانت الدلالة فيه انتقالية لم يكن فيه
(1) الزمر: 68.
(2)
فاطر: 9.
(3)
البقرة: 102.
بمعنى: يصعق (ومثله: التعبير عن المستقبل بلفظ اسم الفاعل،
…
===
أبلغية وإنما هو كدعوى الشىء ببينة على ما يأتى ويحتمل أن يكون من مجاز التشبيه ووجه الشبه تحقق الوقوع فى كل منهما بالنسبة للتعبير عن المعنى الاستقبالى بالماضى وأما وجه الشبه فى عكسه فهو كون كل نصب العين مشاهدا وهو فى الماضى أظهر لبروزه إلى الوجود وهذا الاحتمال يفيد المبالغة السابقة فقول المصنف تنبيها إلخ يشير إلى أن التعبير عن المستقبل بالماضى على وجه الاستعارة بسبب تشبيه المستقبل بالماضى فى تحقق الوقوع وهذا وإن كان من وظيفة البيان لكن من حيث إن الداعى إليه التنبيه المذكور من وظيفة علم المعانى ولا يخفى أن الاستعارة فى الفعل بتبعية استعارة المصدر كما هو مشهور إن قلت أن مصدر الماضى والمستقبل واحد فكون الاستعارة تبعية يؤدى إلى تشبيه الشىء بنفسه قلنا يختلف المصدر بالتقيد بالماضى والاستقبال لكن لا يخفى أن هذا استعارة فى المشتق باعتبار الهيئة ولم يذكره القوم فى مباحث الاستعارة لكن قواعدهم لا تأباه.
(قوله: بمعنى يصعق) أى: فالصعق معنى يقع فى المستقبل وعبر عنه بالماضى تنبيها على تحقق وقوعه ثم إن قول الشارح بمعنى إلخ بناء على ما وقع فى نسخ المتن ويوم ينفخ فى الصور فصعق لكن نظم التنزيل ففزع والموضع الذى فيه فصعق نظمه ونفخ فى الصور فصعق والشاهد موجود فى كل من الآيتين وذلك لأن كلا من الفزع والصعق معنى استقبالى عبر عنه بصيغة الماضى على خلاف مقتضى الظاهر تنبيها على تحقق وقوعه لأن الماضى يشعر بتحقق الوقوع فقد ظهر لك أن ما فى المتن مخالف لنظم القرآن قال الفنرى وقد يقال إن مراد المصنف مجرد التمثيل لا على أنه من القرآن ولذا لم يقل نحو قوله تعالى
(قوله: ومثله التعبير إلخ) المثلية من حيث التعبير عن المعنى المستقبل بغيره لا بالماضى وبهذا يعلم حكمة فصلهما عما قبلهما كذا فى عروس الأفراح وفى بعض الحواشى أن فصلهما عما قبلهما لما فيهما من الإشكال الذى ذكره الشارح وإنما فصل الثانى عن الأول بلفظ نحو إشارة إلى اختلاف معنى الوصفين فى الآيتين
كقوله تعالى: وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (1)) مكان يقع (ونحوه: التعبير عن المستقبل بلفظ اسم المفعول، كقوله تعالى: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ (2)) مكان يجمع، وهنا بحث؛ وهو أن كلا من اسمى الفاعل والمفعول قد يكون بمعنى الاستقبال وإن لم يكن ذلك بحسب أصل الوضع فيكون كل منهما هاهنا واقعا فى موقع، واردا على حسب مقتضى الظاهر. والجواب: أن كلا منهما حقيقة فيما تحقق فيه وقوع الوصف وقد استعمل هاهنا فيما يتحقق
…
===
(قوله: وإن الدين لواقع) أى: وإن الجزاء لحاصل فقد عبر باسم الفاعل وهو لفظ واقع مكان يقع، لأن وقوع الدين أى الجزاء استقبالى هذا إن أريد الجزاء الأخروى وهو ما يحصل فى يوم القيامة وأما إن أريد الدنيوى أمكن كون التعبير على أصله قيل إن التمثيل بالآية غير مستقيم لأن فيها التعبير باسم الفاعل المقرون بلام الابتداء عن الحال ولام الابتداء تخلص المضارع المقدر هنا للحال لأن المعنى على تقدير ليقع وأجيب بأن لام الابتداء هنا فى الآية لمجرد التأكيد كما أشار الشارح بقوله مكان يقع فهى هنا كهى فى قوله تعالى وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ (3) وليست للتأكيد ولتخليص المضارع للحال وإن كانت تفيدهما بحسب أصلها أفاده عبد الحكيم
(قوله: فيكون كل منهما إلخ) تفريع على قوله قد يكون بمعنى الاستقبال أى: وإذا كان يأتى بمعنى الاستقبال يكون إلخ
(قوله: واردا على حسب إلخ) أى: وحينئذ فجعل المصنف التعبير عن المعنى الاستقبالى باسمى الفاعل والمفعول على خلاف مقتضى الظاهر لا يسلم
(قوله: والجواب إلخ) هذا جواب بالمنع لقوله فيكون كل منهما إلخ وحاصله أنا لا نسلم أنه إذا استعمل أحدهما بمعنى الاستقبال على خلاف أصل الوضع يكون واقعا موقعه بل هو واقع على خلاف مقتضى الظاهر.
(قوله: حقيقة فيما) أى: فى زمن تحقق فيه وقوع الوصف وهو الحال اتفاقا والماضى عند بعضهم واعترض هذا الجواب بأنه يفيد أن كلا من اسمي الفاعل والمفعول مدلوله
(1) الذاريات: 6.
(2)
هود: 103.
(3)
النحل: 124.
مجازا تنبيها على تحقق وقوعه (ومنه) أى: من خلاف مقتضى الظاهر (القلب) وهو أن يجعل أحد أجزاء الكلام مكان الآخر والآخر مكانه (نحو: عرضت الناقة على الحوض)
…
===
الزمان ولا قائل بذلك وأجيب بأن فى الكلام حذفا والأصل حقيقة فى ذات متصفة بوصف واقع فى زمان تحقق فيه وقوع ذلك الوصف وهو الحال أو هو والماضى فقوله بعد وقد استعمل هاهنا فيما لم يتحقق إلخ لا بد فيه أيضا من تقدير والأصل وقد استعمل هاهنا فى ذات متصفة بوصف واقع فيما أى: فى زمان لم يتحقق أى: لم يحصل وهو المستقبل والحاصل أن معنى قولهم اسم الفاعل حقيقة فى الحال أى: فى الذات المتصفة بالحدث الحاصل بالفعل فى الحال وقولهم مجاز فى الاستقبال أى: فى الذات المتصفة بالحدث الغير الحاصل بالفعل بل سيحصل بعد ذلك فإذا كان الحدث متحققا حاصلا بالفعل كان الوصف حقيقة لا لأن الزمان حاضر بل لأن الحدث متحقق وإن لزم حضور الزمان وفرق بين الزمن المعتبر فى المفهوم واللازم للمفهوم وإذا لم يكن الحدث حاصلا بالفعل كان الوصف مجازا لا لكون الزمان مستقبلا بل لعدم تحقق الحدث وعدم حصوله بالفعل فى الحال فظهر من هذا أن اسمى الفاعل والمفعول إنما وضعا لما وقع فى الحال والماضى لا أنهما موضوعان له مع الحال والماضى وشتان ما بين الأمرين وحينئذ فلا ينتقص تعريف الاسم والفعل طردا ومنعا
(قوله: مجازا إلخ) أى:
والمجاز خلاف مقتضى الظاهر هذا مراده وفيه أنه يقتضى أن كل مجاز خلاف مقتضى الظاهر وهو لا يسلم بل قد يكون المجاز مقتضى الظاهر إذا اقتضاه المقام كذا بحث أرباب الحواشى وفى عبد الحكيم نقلا عن الشارح فى شرحه على المفتاح أن كل مجاز خلاف مقتضى الظاهر لأن مقتضى الظاهر أن يعبر عن كل معنى بما وضع له
(قوله: مكان الآخر والآخر مكانه) أى: مع إثبات حكم كل للآخر لا مجرد تبديل المكان كما فى عكس القضية وذلك كما فى المثال فإن الناقة والحوض اشتركا فى حكم وهو مطلق العرض إلا أن الحكم الثابت للحوض هو العرض بلا واسطة حرف الجر فيكون معروضا والحكم الثابت للناقة هو العرض بواسطة حرف الجر فتكون معروضا عليها أو
مكان عرضت الحوض على الناقة؛ أى: أظهرته عليها لتشرب (وقبله) أى: القلب (السكاكى مطلقا) وقال: إنه مما يورث الكلام ملاحة
…
===
قد قلب ذلك وأثبت لكل حكم الآخر فصار ما كان حكمه العرض بلا واسطة حكمه العرض بالواسطة وبالعكس وخرج بقولنا مع إثبات حكم كل للآخر بعض أفراد العكس المستوى وقولنا فى الدار زيد وضرب عمرا زيد إلا أنه لم يثبت حكم كل للآخر بل كل منهما باق على حكمه وإنما هذا من باب التقديم والتأخير وخرج أيضا ضرب عمرو بالبناء للمفعول لأنه وإن جعل للمفعول حكم الفاعل وجعل فى مكانه لكن لم يجعل للفاعل حكم المفعول ولم يجعل فى مكانه قال ابن جماعة وانظر هل القلب حقيقة أو مجاز أو كناية وهل هو من مباحث المعانى أو البديع أو يفرق بين اللفظى منه والمعنوى. اهـ.
والظاهر أنه من الحقيقة لأن كل كلمة مستعملة فيما وضعت له ولم يرد من التركيب شىء آخر مغاير لما أريد من الكلمات نعم ربما يدعى أنه من قبيل المجاز العقلى وأنه من مباحث المعانى والبديع باعتبارين مختلفين كما يأتى
(قوله: مكان عرضت إلخ) أى: لأن المعروض عليه يجب أن يكون ذا شعور واختيار لأجل أن يميل للمعروض أو يحجم عنه والسبب فى هذا القلب هو أن المعتاد أن يؤتى بالمعروض للمعروض عليه وهنا لما كانت الناقة يؤتى بها للحوض والحوض باق فى محله نزل كل واحد منهما منزلة الآخر فجعلت الناقة كأنها معروضة والحوض كأنه معروض عليه ومن نظائر هذا قولهم أدخلت الخاتم فى الأصبع والقلنسوة فى الرأس فإنه مكان أدخلت الأصبع فى الخاتم والرأس فى القلنسوة وذلك لأن المدخل هو الأصبع والرأس فالظرف هو المدخول فيه والمظروف هو الداخل والسبب فى ذلك القلب أن العادة أن المظروف ينقل إلى الظرف وهنا نقل الظرف وهو الخاتم والقلنسوة إلى المظروف وهو الرأس والأصبع فنزل أحدهما منزلة الآخر.
(قوله: أظهرته عليها) على بمعنى اللام أى: أظهرته لها بمعنى أريتها إياه
(قوله: مطلقا) أى: سواء تضمن اعتبارا لطيفا أو لا
(قوله: إنه مما يورث الكلام ملاحة) أى:
(ورده غيره) أى: غير السكاكى (مطلقا) لأنه عكس المطلوب ونقيض المقصود (والحق أنه إن تضمن اعتبارا لطيفا) غير الملاحة التى أورثها نفس القلب (- قبل، كقوله: ومهمه (1)) أى: مفازة (مغبرة) أى: مملوءة بالغبرة (أرجاؤه) أى: أطرافه ونواحيه؛ جمع الرجا مقصورا (كأنّ لون أرضه سماؤه) على حذف المضاف (أى:
لونها) يعنى: لون السماء، فالمصراع الأخير من باب القلب، والمعنى: كأن لون سمائه لغبرتها لون أرضه، والاعتبار اللطيف هو المبالغة فى وصف لون السماء بالغبرة حتى كأنه صار بحيث يشبه به لون الأرض فى ذلك مع أن الأرض أصل فيه (وإلا)
===
لأن قلب الكلام مما يحوج إلى التنبه للأصل وذلك مما يورث الكلام ملاحة ثم إنه إن قصد به المطابقة لمقتضى الحال كان من مباحث فن المعانى وإلا صح أن يعد من فن آخر ولذلك يوجد هذا القلب فى التشبيه المعكوس وهو من مبادئ علم البيان وفى علم البديع
(قوله: ورده غيره) أى: وحمل ما ورد من ذلك على التقديم والتأخير
(قوله: كقوله) أى: رؤبة بن العجاج
(قوله: ومهمه) أى: ورب مهمه
(قوله: أى مفازة) هى الأرض التى لا ماء فيها ولا نبت سميت مفازة تفاؤلا بأن السالك فيها يفوز بمقصوده أو بالنجاة من المهالك وإلا فهى مهلكة
(قوله: بالغبرة) بفتح الغين أى: التراب
(قوله: جمع الرجا) المناسب للجمع أن يقول جمع رجا وقوله مقصورا أى: بمعنى الناحية وأما الرجاء بالمد فهو تعلق القلب بمرغوب يحصل فى المستقبل مع الأخذ فى الأسباب
(قوله: على حذف المضاف) أى: لأنه لا مناسبة بين لون الأرض وذات السماء حتى يشبه بها فالمشبه به محذوف هو لون السماء
(قوله: والاعتبار اللطيف) أى: الزائد على لطافة مجرد القلب
(قوله: حتى كأنه) أى لون السماء صار بحيث أى: متلبسا بحالة هى كونه يشبه به لون الأرض فى ذلك أى: فى الغبرة.
(قوله: مع أن الأرض) أى: لون الأرض وقوله أصل فيه أى: فى ذلك التشبيه فحقه أن يجعل مشبها به ولون السماء مشبها بأن يقال كأن لون سمائه لون أرضه واعترض
(1) الرجز لرؤبة فى ديوانه ص 3، والأشباه والنظائر 2/ 296، وخزانة الأدب 6/ 458، وشرح التصريح 2/ 339، والمفتاح ص 113، وشرح عقود الجمان 1/ 98. والمهمه: الأرض القفر والمفازة.
أى: وإن لم يتضمن اعتبارا لطيفا (رد) لأنه عدول عن مقتضى الظاهر من غير نكتة يعتد بها (كقوله (1)
…
===
بأن هذا لا ينبغى إجراء الخلاف فيه لأن قلب التشبيه متفق عليه كيف وقد ورد فى القرآن إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا (2) والأصل إنما الربا مثل البيع فقلب مبالغة فالأولى للمصنف أن يمثل بقول الشاعر:
رأين شيخا قد تحنّى صلبه
…
يمشى فيقعس أو يكبّ فيعثر
أراد أو يعثر فيكب، والقعس خروج الصدر ودخول الظهر ضد الحدب، والإكباب السقوط على الوجه، والعثرة الذلة، أى رأت الغوانى شيخا منحنيا قد صار أحدب إذا مشى يتكلف مشية الأقعس خوف السقوط أو يعثر فيكب، ففى القلب تخييل أنه من غاية ضعفه يسقط على وجهه قبل عثاره، ومن القلب المتضمن لاعتبار لطيف قوله تعالى: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ* فالأصل: ويوم تعرض النار على الذين كفروا لما مر من أن المعروض عليه لا بد أن يكون له إدراك يميل به إلى المعروض، ووجه الاعتبار اللطيف فى الآية الإشارة إلى أن الكفار مقهورون، فكأنهم لا اختيار لهم، والنار متصرفة فيهم، وهم كالمتاع الذى يتصرف فيه من يعرض عليه. (قوله أى وإن لم يتضمن اعتبارا لطيفا) أى زائدا على مجرد لطافة القلب (قوله يعتد بها) أشار بذلك إلى أن الملاحة التى يوجبها القلب غير معتد بها على هذا القول (قوله كقوله) أى قول القطامى عمرو بن سليم الثعلبى من قصيدة يمدح بها زفر بن حارث الكلابى، وقد كان أسيرا له فأطلقه وأعطاه ماله وزاده مائة من الإبل، ومطلع القصيدة:
قفى قبل التفرّق يا ضباعا
…
ولا يك موقف منك الوداعا
(1) البيت من الوافر، وهو للقطامى فى ديوانه ص 40 يصف ناقته، وأساس البلاغة ص 336 (فدن) برواية بطّنت بدلا من طيّنت، وجمهرة اللغة ص 854، والمفتاح ص 211، ومعاهد التنصيص 1/ 179، وعجزه فى المصباح ص 41، ويروى [السياعا].
الفدن: القصر، السياعا: الطين المخلوط تبنا تدهن به الأبنية، يعنى أن ناقته صارت ملساء من السمن كالقصر المطين بالسياع.
(2)
البقرة: 275.
فلما أن جرى سمن عليها (كما طينت بالفدن) أى: القصر (السياعا) أى: الطين بالتبن؛ والمعنى: كما طينت الفدن بالسياع،
…
===
قفى وافدى أسيرك إنّ قومى
…
وقومك لا أرى لهم اجتماعا
أكفرا بعد ردّ الموت عنّي
…
وبعد عطائك المائة الرّتاعا
والألف من ضباعا للإطلاق وهو مرخم ضباعة اسم بنت صغيرة للممدوح
(قوله: فلما أن جرى) أن زائدة وجرى بمعنى ظهر وفى الكلام استعارة بالكناية حيث شبه السمن بالماء الجارى وأثبت له شيئا من خواصه وهو الجرى وقوله سمن بكسر السين وفتح الميم ضد الهزال وما فى قوله كما طينت مصدرية وجواب لما فى البيت الواقع بعده وهو:
أمرت بها الرجال ليأخذوها
…
ونحن نظنّ أن لن تستطاعا
وقوله ليأخذوها أى: لحمل الأثقال والضمير فى قوله عليها وفى يأخذوها للناقة فإن بعض أبيات القصيدة صريح فى أنه يصف ناقته وهو قوله:
فلمّا أن مضت ثنتان عنها
…
وصارت حقّة تعلو الجذاعا
وقلنا مهلّوا لثنيّتيها
…
لكى تزداد للسعر اطّلاعا
عرفنا ما يرى البصراء فيها
…
فآلينا عليها أن تباعا
فلمّا أن جرى سمن عليها
…
كما طينت بالفدن السّياعا
ومما ذكر تعلم أن قول بعضهم إن قصد الشاعر وصف جفنة مملوءة بالثريد المدهن وأن قوله سمن بفتح السين وسكون الميم غلط فاحش أفاده الفنارى
(قوله: السياعا) بفتح السين وكسرها.
(قوله: أى الطين بالتبن) أى: المخلوط بالتبن وهذا المعنى الذى ذكره الشارح هو ما فى الصحاح وفى الأساس أن السياع بالكسر ما يطين به أعنى الآلة وأما بالفتح فهو الطين
(قوله: والمعنى إلخ) أى: المراد فيكون الغرض تشبيه الناقة فى سمنها بالفدن وهو القصر المطين بالسياع أى: الطين المخلوط بالتبن حتى صار متينا أملس لا حفرة فيه ولا وهن وقد قلب الكلام ولم يتضمن هذا القلب مبالغة كما تضمنها فى قوله كأن
يقال: طينت السطح والبيت. ولقائل أن يقول: إنه يتضمن من المبالغة فى وصف الناقة بالسمن ما لا يتضمنه قوله: طينت الفدن بالسياع لإيهامه أن السياع قد بلغ من العظم والكثرة إلى أن صار بمنزلة الأصل، والفدن بالنسبة إليه كالسياع بالنسبة إلى الفدن.
===
لون أرضه سماؤه
(قوله: يقال طينت السطح والبيت) أى: أصلحته وسويته بالطين
(قوله: إنه) أى القلب فى هذا البيت
(قوله: لإيهامه) أى: القلب أن السياع إلخ لا يقال هذا الاعتبار لا حسن فيه فلا اعتداد به وذلك لأن كثرة تطيين القصر لا لطف فى الوصف به لأنّا نقول هو وإن لم يكن فيه لطف فى نفسه لكن فيه لطف بالنسبة للمقصود المترتب عليه وهو إفادة المبالغة فى وصف الناقة بالسمن كما أشار إلى ذلك الشارح بقوله إنه يتضمن من المبالغة إلخ وبيان ذلك أن القلب يدل على عظم السياع وكثرته حتى صار كأنه الأصل وسمن الناقة مشبه بالسياع فيدل القلب حينئذ على عظم السمن حتى صار الشحم لكثرته بالنسبة للأصل من العظم وغيره كأنه الأصل.
(قوله: بمنزلة الأصل) فيدل على عظم سمنها المشبه بالطين حتى صار الشحم لكثرته بالنسبة للأصل من العظم وغيره كأنه الأصل واعلم أن هذا الإيراد الذى ذكره الشارح لا يرد على المصنف إلا على ما ذكره الشارح تبعا للصحاح من أن السياع هو الطين المخلوط بالتبن وأما على ما ذكره الزمخشرى فى الأساس من أن السياع بالكسر الآلة التى يطين بها فلا يرد ولا يتأتى أن يكون فى القلب المذكور معنى لطيف فيحتمل أن يكون المصنف جرى على ما فى الأساس وحينئذ فلا اعتراض عليه تأمل.