المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الغير الفصيحة فصيحا؛ لأنه يصدق عليه أنه خالص عن تنافر - حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - جـ ١

[محمد بن أحمد الدسوقي]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم

- ‌ترجمة جلال الدين القزوينى صاحب" التلخيص

- ‌اسمه ونسبه:

- ‌ولادته ونشأته:

- ‌صفته:

- ‌طلبه للعلم ومشايخه:

- ‌مصنفاته:

- ‌وفاته:

- ‌ترجمة سعد الدين التفتازاني صاحب" مختصر السعد شرح التلخيص

- ‌مولده:

- ‌منزلته وشهرته:

- ‌مصنفاته:

- ‌مذهبه الفقهي:

- ‌عبقرية التفتازاني:

- ‌ذكر وفاته- رحمه الله تعالى

- ‌كتاب" مختصر السعد

- ‌ترجمة محمد بن عرفة الدسوقى صاحب" حاشية الدسوقى

- ‌اسمه وكنيته

- ‌مولده وحياته:

- ‌صفاته:

- ‌شيوخه:

- ‌تلاميذه:

- ‌ وفاته

- ‌مؤلفاته:

- ‌منهج التحقيق

- ‌مقدمة مختصر السعد

- ‌كلمة الافتتاح للدسوقي

- ‌[القول فى البسملة]:

- ‌[القول فى الحمد]:

- ‌[الكلام فى الشكر]:

- ‌[مقدمة فى بيان معنى الفصاحة والبلاغة]:

- ‌[المقدمه ما هي

- ‌ الفصاحة

- ‌[تقسيم الفصاحة بالمفرد والكلام]

- ‌[يوصف المتكلم بالفصاحه كما يوصف بها الكلام]

- ‌[البلاغة]

- ‌[يوصف الكلام والمتكلم بالبلاغه]

- ‌[الفصاحه في المفرد خلوها عن]

- ‌[عن التنافر]

- ‌[الضابط في التنافر]

- ‌[والغرابه]

- ‌[والمخالفة]

- ‌[من الكراهة فى السمع]

- ‌[الفصاحة فى الكلام خلوها عن: ]

- ‌[الضعف]

- ‌[(والتعقيد)]

- ‌بلاغة الكلام

- ‌[تعريف الحال]

- ‌[مقتضى الحال]

- ‌ أعلى

- ‌لبلاغة الكلام (طرفان:

- ‌[أسفل]

- ‌بلاغة المتكلم

- ‌الفن الأول علم المعاني

- ‌[عله تقديمه علي البيان]

- ‌[تعريف علم المعاني]

- ‌[انحصار الخبر فى الصادق والكاذب]:

- ‌تنبيه حول «تنبيه»

- ‌[الباب الاول] (أحوال الإسناد الخبرى):

- ‌[الحقيقة والمجاز العقليان]:

- ‌[المجاز العقلي]:

- ‌[أقسام المجاز العقلي]:

- ‌[[الباب الثانى] أحوال المسند إليه]:

- ‌ ذكر المسند إليه

- ‌‌‌[تعريف المسند اليه]

- ‌[تعريف المسند اليه]

- ‌[أغراض التعريف]:

- ‌[تعريفه بالإضمار]:

- ‌[تعريفه بالعلمية]:

- ‌[تعريفه بالموصولية]:

- ‌[تعريفه بالإشارة]:

- ‌ تعريف المسند إليه باللام

- ‌ تعريف المسند إليه بالإضافة

- ‌[أغراض التنكير]:

- ‌ تنكير المسند إليه

- ‌أغراض الوصف

- ‌[أغراض التوكيد]:

- ‌[أغراض عطف البيان]

- ‌[بيان المسند إليه]:

- ‌[أغراض البدل]:

- ‌[الإبدال من المسند إليه]:

- ‌[أغراض العطف]:

- ‌[العطف على المسند إليه]:

- ‌[أغراض ضمير الفصل]:

- ‌[أغراض التقديم]:

- ‌ تقديم المسند إليه

- ‌[رأى عبد القاهر]:

- ‌[موافقة السكاكى لرأى عبد القاهر]:

- ‌ تأخير المسند إليه

- ‌[تخريج المسند إليه على خلاف مقتضى الظاهر]

- ‌[وضع المضمر موضع المظهر]:

- ‌[إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر]:

- ‌[التعبير بالمستقبل بلفظ الماضى]:

- ‌خاتمة

الفصل: الغير الفصيحة فصيحا؛ لأنه يصدق عليه أنه خالص عن تنافر

الغير الفصيحة فصيحا؛ لأنه يصدق عليه أنه خالص عن تنافر الكلمات حال كونها فصيحة؛ فافهم.

[الضعف]

(فالضعف) أن يكون تأليف الكلام على خلاف القانون النحوى المشهور بين الجمهور كالإضمار قبل الذكر لفظا ومعنى وحكما

===

أغلبية، وأن النفى منصب على المقيد فقط، وحينئذ فلا يتوجه عليه ما ذكر من النظر لصحة المعنى، لكن قد علمت أنه وإن لم يرد عليه النظر السابق يرد عليه اعتراض آخر وهو الفساد من حيث الإيهام والإلباس.

(قوله: الغير الفصيحة) أى: كلّا أو بعضا.

(قوله: المشهور بين الجمهور) فلا يدفع الضعف تجويز التأليف على مقابل المشهور، وذلك كالإضمار قبل الذكر فى نحو:

ضرب غلامه زيدا، فهو ضعيف التأليف كما قال المصنف، وإن كان بعضهم كالأخفش وابن جنى جوزه؛ لأن قولهم مقابل للمشهور؛ فإن قلت: ضعف التأليف كما يكون بمخالفة القانون المشهور بين الجمهور يكون بمخالفة القانون المجمع عليه:

كتقديم المسند المحصور فيه ب" إنما" فى قولك: إنما قائم زيد؛ فإن تأخيره واجب بالإجماع، وكنصب الفاعل أو جره، وحينئذ فلا وجه للتقييد بالمشهور.

وأجيب بأن الكلام المخالف للقانون المجمع عليه غير معتبر، إذ هو فاسد لا ضعيف، والكلام فى تركيب له صحة واعتبار عند بعض أولى النظر، أو يقال: الكلام المخالف للقانون المجمع عليه ضعفه معلوم بالطريق الأولى، أو يقال: إن المشهور بين الجمهور يتناول المجمع عليه؛ لأنه أشهر وأجلى من المختلف فيه؛ فشهرته عند كل الناس، ومن جملتهم الجمهور.

فقوله: " المشهور بين الجمهور" أى: سواء كان متفقا عليه أو لا.

(قوله: كالإضمار قبل الذكر) أى: قبل ذكر مرجعه، وقوله:" لفظا ومعنى وحكما" هذه أقسام للقبلية أى: كتقديم الضمير على مرجعه لفظا ومعنى وحكما، وهذا مثال لمخالفة القانون المشهور، ومفهوم كلامه أنه لو تقدم المرجع على الضمير لفظا أو معنى أو حكما فلا يكون الكلام ضعيف التأليف، فالتقدم اللفظى أن يتقدم المرجع على الضمير

ص: 177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

لفظا ورتبة أو لفظا فقط؛ فالأول نحو: ضرب زيد غلامه، والثانى نحو: ضرب زيدا غلامه، والتقدم المعنوى ألا يتقدم المرجع على الضمير لفظا، لكن هناك ما يدل على تقدمه معنى كالفعل المتقدم الدال على المرجع تضمنا نحو: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى (1) وكسياق الكلام المستلزم له استلزاما قريبا كقوله تعالى: وَلِأَبَوَيْهِ (2) أى: المورث؛ لان الكلام السابق لبيان الإرث أو بعيدا كقوله تعالى: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (3) فضمير" توارت" للشمس المدلول عليها بذكر العشى أولا، وكون المرجع فاعلا المقتضى لتقدمه على المفعول، أو مبتدأ المقتضى لتقدمه على الخبر، أو مفعولا أوّل فى باب أعطى؛ فإنه فاعل فى المعنى، فالأول نحو: خاف ربه عمر، والثانى نحو: فى داره زيد، والثالث نحو: أعطيت درهمه زيدا، والتقدم الحكمى هو أن يتأخر المرجع عن الضمير لفظا وليس هناك ما يقتضى ذكره قبله إلا حكم الواضع بأن المرجع يجب تقدمه، لكن خولف حكم الواضع لأغراض تأتى- إن شاء الله- فى وضع المضمر موضع المظهر، فالمرجع المتأخر لغرض متقدم حكما، كما أن المحذوف لعلة كالثابت والممتنع إنما هو تأخيره لا لغرض، ومثال التقدم الحكمى: نعم رجلا زيد، وربّه رجلا، وضمير الشأن نحو: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (4) فالمرجع وهو الشأن مذكور، قيل حكما من حيث إن الأصل تقدّم المرجع، لكن خولف هذا لنكتة الإجمال والتفصيل، وكذا توجيه: نعم رجلا زيد، وربه رجلا، فظهر لك من هذا أن الفرق بين الإضمار قبل الذكر الموجب للضعف والإضمار قبل الذكر الذى جعل من قبيل تقدم المرجع حكما وجود النكتة وعدمها، وقد وجدت هذه النكتة فى المواضع الستة التى يعود فيها الضمير على متأخر لفظا ورتبة المجموعة فى قول بعضهم:

ومرجع الضّمير قد تأخّرا

لفظا ورتبة وهذا حصرا

(1) المائدة: 8

(2)

النساء: 11

(3)

ص: 32

(4)

الإخلاص: 1

ص: 178

(نحو: ضرب غلامه زيدا، والتنافر) أن تكون الكلمات ثقيلة على اللسان، وإن كان كل منها فصيحا (كقوله (1):

===

فى باب نعم وتنازع العمل

ومضمر الشأن وربّ والبدل

ومبتدا مفسّر بالخبر

وباب فاعل بخلف فاخبر

قال الغنيمى (2): ويؤخذ مما ذكرناه من الفرق أن تلك النكتة إذا لم تقصد فى المواضع الستة المتقدمة كانت غير فصيحة، وأنها إن قصدت فى مثال المصنف ونحوه كان فصيحا ولا مانع منه. اهـ.

لكن الشأن قصدها فى المواضع المذكورة دون مثال المصنف.

(قوله: نحو ضرب غلامه زيدا) هذا مثال للضعف بالنظر للمتن وللإضمار قبل الذكر لفظا ومعنى وحكما، فالضمير هنا قد تقدم على مرجعه لفظا وهو ظاهر ومتقدم عليه أيضا معنى؛ لأنه لم يتقدم فى الكلام ما يدل عليه؛ ومتقدم عليه أيضا حكما؛ لأن المرجع لم يتأخر لغرض حتى يكون متقدما حكما فهو متأخر بالنظر للحكم، وإذا كان المرجع هنا متأخر حكما كان الضمير العائد عليه متقدما حكما؛ فإن قلت: إن الفاعل والمفعول به متساويان فى اقتضاء الفعل لهما لدخول النسبة إليهما فى مفهومه، فكما جاز الإضمار قبل الذكر فى ورة تقدم المفعول المتصل به ضمير الفاعل المتأخر- نحو: خاف ربه عمر- يجوز فى صورة تقدم الفاعل المتصل به ضمير المفعول المتأخر، نحو: ضرب غلامه زيدا

(1) الرجز أنشده الجاحظ كما فى دلائل الإعجاز ص 57، والإيضاح ص 6، ونهاية الإيجاز لفخر الدين الرازى ص 123.

والرجز مجهول القائل، ويدعى بعض الناسبين أنه لجنّىّ رثى به حرب بن أمية جد معاوية بعد أن هتف به فمات.

(2)

هو أحمد بن محمد بن على شهاب الدين الغنيمى، فقيه باحث من أهل مصر، له شروح وحواشى فى الأصول والعربية ورسائل فى الأدب والمنطق والتوحيد، منها:" حاشية على شرح العصام" فى المنطق، و" ابتهاج الصدور" فى النحو، " حاشية فى التفسير"، " ونقش تحقيق النسب"، وتوفى سنة 1044 هـ.

انظر: " الأعلام"(1/ 237).

ص: 179

وليس قرب قبر حرب) هو اسم رجل (قبر) وصدر البيت: وقبر حرب بمكان قفر؛ أى: خال عن الماء والكلأ. ذكر فى عجائب المخلوقات: أن من الجن نوعا يقال له: الهاتف،

===

والجواب أنهما وإن تساويا فى اقتضاء الفعل إياهما، إلا أن اقتضاءه للفاعل مقدم فى الملاحظة العقلية على اقتضاء المفعول؛ لأن نسبة الوقوع تلاحظ بعد نسبة الصدور، فكان الفاعل مقدما فى الرتبة، فلا يلزم الإضمار قبل الذكر مطلقا بخلاف صورة المفعول، وأما ما قيل من أن اقتضاء الفعل المتعدى للفاعل أشد من اقتضائه للمفعول فلم يظهر وجهه، أفاده العلامة عبد الحكيم.

(قوله: وليس قرب

إلخ) (1) يحتمل أن تكون الواو للحال، ويحتمل أن تكون عاطفة، ثم إن القرب بمعنى المقارب، والإضافة لفظية، وكون إضافة المصدر معنوية فيما إذا كان باقيا على معناه الحقيقى، أو نقول:" قرب" ظرف لخبر ليس أى: ليس قبر كائنا قرب قبر حرب، وحينئذ فلا يلزم ما اتفق على عدم وقوعه فى كلام العرب من كون المسند أعنى: قبر ليس معرفة لإضافته إلى المضاف للعلم وهو حرب، والمسند إليه أعنى: اسمها نكرة، ثم إن ظاهر البيت الإخبار، والمراد منه التأسف والتحزن على كون قبره كذلك، ووضع المظهر موضع المضمر فى قوله:

" وليس قرب قبر حرب" مع أن الأظهر أن يقول: وليس قرب قبره لزيادة التمكين، حيث اعتنى بذكره.

(قوله: قفر) قيل: نعت مقطوع وفيه أن محل صحة قطع النعت إذا تعين المنعوت بدون ذلك النعت وهنا ليس كذلك.

وأجاب الشيخ (2) يس بأن هذا ضرورة ويمكن أن يقال: إن" قفر" خبر" قبر"، وقوله:

" بمكان" أى: مع مكانه ومحله، فإنه أيضا قفر لا القبر فقط.

(قوله: ذكر) أى: المصنف فى

(1) البيت كاملا:

وقبر حرب بمكان قفر

وليس قرب قبر حرب قبر

والتنافر فى الشطر الثانى من البيت، في:(قبر)، و (حرب) و (قرب)

(2)

هو يس بن زين الدين بن أبي بكر بن عليم الحمصي، الشهير بالعليمى شيخ عصره فى علوم العربية، ولد بحمص ونشأ واشتهر وتوفى فى مصر، له حواش كثيرة منها حاشية على شرح التلخيص للسعد-

ص: 180

صاح واحد منهم على حرب بن أمية؛ فمات فقال ذلك الجنى هذا البيت

===

كتابه" عجائب المخلوقات".

(قوله: صاح واحد

إلخ) سبب صياحه عليه أنه داس بنعله على واحد منهم فى صورة حية فقتله، وذكر أبو عبيدة (1) وأبو عمرو الشيباني (2):

أن حرب (3) بن أمية لما انصرف من حرب عكاظ هو وإخوته مروا بغيضة وأشجار ملتفة فقال له مرداس السلمى (4) وكان صاحبا له: أما ترى يا حرب هذا الموضع؟ قال:

بلى، نعم المزدرع فقال له: فهل لك أن نكون شريكين فيه ونحرق هذه الغيضة ثم نزرعها بعد ذلك؟ فقال: نعم، فأضرما النار فى تلك الغيضة، فلما استطارت وعلا لهبها، سمع من الغيضة أنين وضجيج كثير، ثم ظهر منها حيات بيض تطير حتى قطعتها وخرجت منها، فلما احترقت الغيضة سمعوا هاتفا يقول:

ويل لحرب فارسا

مطاعنا مخالسا

ويل لحرب فارسا

إذ لبسوا القوانسا

فلم يلبث حرب ومرداس أن ماتا.

- التفتازانى وحاشية على فتح الرحمن شرح لقطة العجلان فى الأصول، وأخرى على شرح الاستعارات، وحاشية على التصريح شرح التوضيح فى النحو. انظر: الأعلام (8/ 130).

(1)

هو معمر بن المثنى التيمى بالولاء البصرى، أبو عبيدة النحوى، من أئمة العلم بالأدب واللغة، مولده ووفاته فى البصرة، استقدمه هارون الرشيد إلى بغداد سنة 188 هـ، وقرأ عليه أشياء من كتبه، قال الجاحظ: لم يكن فى الأرض أعلم بجميع العلوم منه، وكان إباضيّا شعوبيّا من حفاظ الحديث فال عنه ابن قتيبة: كان يبغض العرب ومع سعة علمه كان يقول البيت فلا يقم وزنه، له نحو 200 مؤلف، منها: نقائض جرير والفرزدق، ومجاز القرآن وأيام العرب ومعانى القرآن، وطبقات الفرسان والقبائل والأمثال، ولد سنة 110 هـ، وتوفى سنة 209 هـ. [" الأعلام" (7/ 272)، " وسير أعلام النبلاء" (9/ 445)].

(2)

اسمه سعد بن إياس الكوفى، من بنى شيبان بن ثعلبة بن عكابة أدرك الجاهلية وكاد أن يكون صحابيّا، عاش مائة عام وعشرين عاما، قال عنه الإمام الذهبي: هو من رجال الكتب الستة، ومات فى خلافة الوليد بن عبد الملك فيما أحسب. وانظر" سير أعلام النبلاء"(4/ 172)، و" الأعلام" للزركلى (3/ 84).

(3)

و (4) من الأعلام المشهورين فى الجاهلية، وذكر نحو هذه القصة ابن كثير فى" البداية والنهاية" فى حديثه عن أمية بن أبى الصلت. وانظر" البداية والنهاية"(2/ 227) ط. دار الفكر.

ص: 181

(وكقوله (1):

كريم متى أمدحه أمدحه والورى

... معى وإذا ما لمته لمته وحدى)

===

(قوله: وكقوله كريم إلخ) أى: قول أبى تمام (2) حبيب ابن أوس الطائى من قصيدة يعتذر فيها لممدوحه أى: الغيث موسى بن إبراهيم الرافعى (3) لما بلغه أنه هجاه فعاتبه فى ذلك، فقال أبو تمام القصيدة معتذرا ومتبرئا مما نسب إليه، وقبل البيت المذكور:

أتانى مع الرّكبان ظنّ ظننته

نكست له رأسى حياء من المجد

وهتّكت بالقول الخنا حرمة العلا

وأسلكت حرّ الشّعر فى مسلك العبد

نسيت إذن كم من يد لك شاكلت

يد القرب أعدت مستهاما على البعد

وأنك أحكمت الذى بين فكرتى

وبين القوافي (4) من زمام ومن عهد

وأصلتّ شعرى فاعتلى رونق الضّحى

ولولاك لم يظهر زمانا من الغمد

أعيذك بالرحمن أن تطرد الكرى

بعتبك عن عين امرئ صادق الود

(1) البيت من الطويل، أورده فخر الدين الرازي فى" نهاية الإيجاز" ص 123 وعزاه لأبي تمام، وهو كذلك فى" الإيضاح" تحقيق د/ عبد الحميد هنداوى ص 6، و" تلخيص مفتاح العلوم" ص 7، و" التبيان للطيى" تحقيق د/ عبد الحميد هنداوى 2/ 496، و" شرح عقود الجمان"(1/ 14).

(2)

هو حبيب بن أوس بن الحارث الطائي، أبو تمام: الشاعر، الأديب، أحد أمراء البيان، ولد فى جاسم" من قرى حوران بسوريه" ورحل إلى مصر، واستقدمه المعتصم إلى بغداد، فأجازه وقدمه على شعراء عصره فأقام فى العراق، ثم ولى بريد الموصل، فلم يتم سنتين حتى توفى بها. كان فصيحا، حلو الكلام، يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة من أراجيز العرب غير القصائد والمقاطيع، له مصنفات منها:" فحول الشعراء"، " ديوان الحماسة"" مختار أشعار القبائل"، نقائض جرير والأخطل"، توفى أبو تمام سنة 231 هـ- 846 م. انظر: " الأعلام" (2/ 165)، و" معجم المؤلفين" (3/ 183).

(3)

هو من يمدحه الشاعر ويعتذر إليه وفى الديوان للشاعر: وقال يمدح موسى بن إبراهيم الرافقى ويعتذر إليه.

(4)

كذا فى الأصل وفى الديوان" الليالى".

ص: 182

والواو فى" والورى" واو الحال، وهو مبتدأ خبره قوله:" معى"، وإنما مثل بمثالين:

لأن الأول متناه فى الثقل والثانى دونه، ولأن منشأ الثقل فى الأول نفس اجتماع الكلمات،

===

أألبس هجر القول من لو هجرته

إذن لهجانى عنه معروفه عندى (1)

ومعنى البيت: هو كريم إذا مدحته وافقنى الناس على مدحه ويمدحونه معى لإسداء إحسانه إليهم كإسدائه إلي، وإذا لمته لا يوافقنى أحد على لومه لعدم وجود المقتضى للوم فيه.

(قوله: والواو فى والورى واو الحال) اختار جعل الواو للحال على جعلها عاطفة، مع أن العطف هو الأصل فى الواو؛ لأنه المتسابق للفهم ولوقوعه فى مقابلة وحدى؛ فإنه حال.

وللخلوص مما يلزم على العطف من توقف مدح الورى على مدحه وفيه قصور فى مقام المدح، ومن اتحاد الشرط والجزاء وبيان لزوم هذين الأمرين للعطف أن المعطوف عليه: إما جملة" أمدحه" والمعطوف جملة" والورى معى"، فيكون من عطف الجمل أو المعطوف عليه الضمير المستتر فى" أمدحه" والمعطوف" الورى" لوجود شرط العطف، وهو هنا الفصل بالمفعول على حد يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ (2) ومعى حال من الورى فيكون من عطف المفردات، ولا يرد أن المضارع المبدوء بالهمزة لا يرفع الظاهر؛ لأنه تابع ويغتفر فى التابع ما لا يغتفر فى غيره؛ فإن كان من عطف الجمل كان قوله:" والورى معى" جملة مستقلة؛ لأن المعطوف على الجزاء جزاء، وجملة أمدحه جزاء الشرط وجزاء الشرط يتوقف على الشرط، وهو هنا بمعنى الشرط، فيلزم الأمران السابقان وإن كان من عطف المفرد كان الورى غير مستقل، بل متعلق بالجملة الأولى،

(1) الأبيات فى ديوانه (1/ 120) ط دار الكتب العلمية، والبيت المذكور فيه الشاهد عجزه" معى، وحتى ما لمته"، وفى المطبوعة:" معى، وإذا ما لمته"، وفى دلائل الإعجاز" تحقيق الشيخ محمود شاكر عجزه:

" جميعا، ومهما لمته لمته وحدى".

(2)

الرعد: 23.

ص: 183

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

فلم يتحد الجزاء والشرط، إذ الشرط مدحه فقط، والجزاء مدحه مع مدح غيره من الورى، ولكن يلزم توقف مدح غيره من الورى على مدحه؛ لأن مدح الورى من جملة الجزاء المعلق على الشرط، والحاصل أنه يلزم على الاحتمال الأول: أعني: جعله من عطف الجمل توقف مدح الورى على مدحه واتحاد الشرط والجزاء، ويلزم على الاحتمال الثانى أعنى: جعله من عطف المفردات توقف مدح الورى على مدحه، ولا يلزم عليه اتحاد الشرط والجزاء بخلاف جعل الواو للحال؛ فإنه لا يلزمه شىء إذ التقدير: متى أمدحه أمدحه فى حال مشاركة الورى لى فى المدح، فالجزاء فى مدحه فى هذه الحالة، وهذا لا ينافى مدحهم له قبل ذلك، كذا قيل وقد يقال: لا نسلم أنه يلزم على جعله من عطف الجمل اتحاد الشرط والجزاء، بل اللازم إنما هو للتوقف فقط اللازم على جعل العطف من قبيل عطف المفردات؛ وذلك لأنه يمكن أن يراد بالجزاء المدح الكامل على حد شعرى شعرى، أو يعتبر العطف قبل الجزائية، ويجعل المجموع جزاء، فالجزاء مجموع مدح الورى ومدح الشاعر، والشرط مدح الشاعر فقط؛ فإن قلت: يرد على هذا الأخير- وهو اعتبار العطف قبل الجزائية- أن مشاركة مدحه لمدح الورى مأخوذ من العطف، فلا حاجة لقوله:" معى"، ويجاب بأن المراد بمشاركة مدحه لمدح الورى المشاركة فى الزمان بحيث لا يتراخى مدحهم عن مدحه ويكون قوله:" معى" تأكيد لما يستفاد من معنى المشاركة، والحاصل أن اللازم على العطف أمور متعددة كلها خلاف الظاهر.

الأول: أنه خلاف المنساق للفهم.

والثاني: توقف مدح الورى على مدحه، وذلك قصور فى مقام المدح سواء جعلته من عطف الجمل أو المفردات.

والثالث: اعتبار تقدم العطف على اعتبار الجزائية لئلا يتحد الشرط والجزاء، إذا جعل من عطف الجمل.

والرابع: حمل" معى" على الاجتماع زمانا؛ لأن المشاركة فى المدح مستفادة من العطف كما قلنا.

ص: 184

وفى الثانى حروف منها؛ وهو فى تكرير" أمدحه" دون مجرد الجمع بين الحاء والهاء لوقوعه فى التنزيل مثل: فَسَبِّحْهُ (1) فلا يصح القول بأن مثل هذا الثقل مخل بالفصاحة

===

(قوله: وفى الثاني) أى: ومنشأ الثقل فى المثال الثانى حروف أى: اجتماع حروف من الكلمات، والمراد كلمتين؛ فأطلق الجمع على ما فوق الواحد، ومجموع الحروف التى فى الكلمتين التى حصل الثقل باجتماعها أربعة: الحاءين والهاءين وجعل الحاءين حروفا ظاهرة دون الهاءين؛ لأنهما ضميران، فهما اسمان إلا أن يقال: جعلهما حروفا تجوزا لكونهما على صورة الحرف.

(قوله: وهو) أى: ما ذكر من مجموع الحروف التى حصل الثقل باجتماعها حاصل ومتحقق مع تكرير أمدحه، ففى بمعنى مع، أو والثقل فى الثانى المخل بفصاحة حاصل بتكرير" أمدحه"، ففى بمعنى الباء، ولو قال الشارح: وفى الثانى تكرير حروف منها، كان أخصر وأوضح.

(قوله: دون مجرد الجمع) أى: دون ثقل مجرد الجمع بين الحاء والهاء، والحاصل أن مجرد الجمع بين الحاء والهاء وإن كان فيه ثقل إلا أنه لا يؤدى للإخلال بالفصاحة، كيف وقد وقع فى القرآن نحو: فَسَبِّحْهُ؟ والقول باشتمال القرآن على كلام غير فصيح مما لا يتجارى عليه مؤمن، بل إذا تكررت الكلمة التى اجتمعا فيها زاد الثقل، فيخرج الكلام بذلك عن الفصاحة، فقول المصنف فى الإيضاح موجها لما فى البيت من تنافر الكلمات، فإن فى أمدحه ثقلا لما بين الحاء والهاء من القرب، مراده أن فيه شيئا من الثقل والتنافر؛ فإذا انضم إليه أمدحه الثانى تضاعف ذلك الثقل وحصل التنافر المخل بالفصاحة، وليس مراده أن مجرد الجمع بين الحاء والهاء موجب للتنافر المخل بالفصاحة لوروده فى القرآن.

(قوله: لوقوعه) أى: مجرد الجمع.

(قوله: فلا يصح القول إلخ) أى: لأنه لا يلزم عليه اشتمال القرآن على غير فصيح.

(قوله: بأن مثل هذا الثقل) أى: بأن هذا الثقل الحاصل بمجرد الجمع بين الحاء والهاء، وما ماثله نحو: أَعْهَدْ (2)، ولا تُزِغْ قُلُوبَنا (3) فهذا وإن كان فيه ثقل لكن لا يخل بالفصاحة.

(1) ق: 40.

(2)

يسّ: 60.

(3)

آل عمران: 8.

ص: 185

ذكر الصاحب إسماعيل بن عباد أنه أنشد هذه القصيدة بحضرة الأستاذ ابن العميد فلما بلغ هذا البيت قال له الأستاذ: هل تعرف فيه شيئا من الهجنة، قال: نعم، مقابلة المدح باللوم؛ وإنما يقابل بالذم أو الهجاء، فقال الأستاذ: غير هذا أريد، فقال: لا أدرى غير ذلك، فقال الأستاذ: هذا التكرير فى" أمدحه أمدحه" مع الجمع بين الحاء والهاء؛ وهما من حروف الحلق، خارج عن حد الاعتدال نافر كل التنافر؛ فأثنى عليه الصاحب.

===

(قوله: ذكر الصاحب)(1) ساق الشارح هذه الحكاية تأييدا لكون هذا التكرير ثقيلا مخرجا عن الفصاحة، والصاحب إسماعيل صحب ابن العميد فى مدة وزارته، وتولى بعده الوزارة لفخر الدولة ابن بويه، ولقب بالصاحب؛ لأن الصاحب غلب على كل من صاحب السلطان.

(قوله: بحضرة الأستاذ ابن العميد) هو الشيخ إسماعيل بن عباد الذى هو شيخ الشيخ عبد القاهر الجرجانى مدون هذا الفن.

(قوله: من الهجنة) بضم الهاء وسكون الجيم أى: العيب.

(قوله: غير هذا أريد) أى: لأن هذه الهجنة يمكن الجواب عن الشاعر بالنسبة إليها بأن يقال: أشار الشاعر بتلك المقابلة إلى أن ذمه الذى هو المقابل الحقيقى لا ينبغى أن يخطر بالبال؛ لعلو مقامه ولو على سبيل التعليق، فلو دعا داع؛ فإنما يفرض لومه دون ذمه، ويؤيد ذلك أن أورد فى جانب اللوم" إذا" التى للإهمال والمهملة فى قوة الجزئية، فتصدق بحصول اللوم مرة واحدة.

وأورد فى جانب المدح" متى" التى هو سور الكلية الدالة على صدور المدح منه فى جميع الأزمان، وكان الأولى للشاعر أن يأتى بإن والمضارع الدالين على عدم تحقق الحصول؛ لأن" إن" للشك دون" إذا" والماضى الدالين على تحقق الوقوع، وفيه شائبة تقصير فى مقام المدح. وما قيل فى الجواب: إنه إنما عبر بإذا والفعل الماضى لنكتة تشعر بالأدب فى حق الممدوح، وهو كون وجود اللوم مع عدم المساعد محققا؛ لأن" إذا" تستعمل فى التحقيق دون" إن"؛ فإنها تستعمل فى الشك ففيه نظر؛ لأنه لا يتم إلا لو كان قوله:" وحدى" قيدا فى الشرط؛ لأن" إذا" إنما تدل على تحقق مدخولها مع أنه قيد فى الجواب.

(قوله: هذا التكرير) مبتدأ، (وقوله: خارج إلخ) خبر، والمراد بكونه نافرا كل التنافر أنه

(1) هو إسماعيل بن عباد المعروف بالصاحب؛ لصحبته ابن العميد.

ص: 186