الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فعبر عنه) أى: عن عدم الافتراء (بالجنة لأن المجنون لا افتراء له) لأنه الكذب عن عمد، ولا عمد للمجنون، فالثانى ليس قسيما للكذب بل لما هو أخص منه؛ أعنى:
الافتراء فيكون حصرا للخبر الكاذب بزعمهم فى نوعيه؛ أعنى: الكذب عن عمد والكذب لا عن عمد.
[الباب الاول](أحوال الإسناد الخبرى):
===
قسيمه: إن أراد أنه قسيم مطلق الكذب كما هو المتبادر فممنوع، بل هو قسيم الكذب العمد خاصة، وإن أراد أنه قسيمه الكذب عن عمد فمسلم، ولكن لا يلزم منه أن يكون المراد من الثانى غير الكذب إذ لا يلزم من كون الشىء قسيما للأخص أن يكون قسيما للأعم.
(قوله: فعبر عنه إلخ) أى: على طريق المجاز المرسل من إطلاق اسم الملزوم على اللازم؛ لأن من لوازم الإخبار حال الجنة عدم الافتراء، وحاصل هذا الرد أنا لا نسلم أن الإخبار حال الجنة واسطة، بل المراد منه عدم الافتراء، وهو من أفراد الكذب، فقصدهم حصر خبر النبى الكاذب بزعمهم فى نوعية الافتراء وعدمه، وليس قصدهم حصر خبره من حيث هو فى الكذب وغيره
(قوله: فعبر عنه إلخ) أى: فحاصل المعنى على هذا الجواب، أقصد الكذب على الله أم لم يقصد لكونه حصل منه ذلك حال الجنون المنافى للقصد، فمرادهم- لعنة الله عليهم- أن أخباره ليست عن الله على كل حال، بل إما أنه اختلق ذلك بالقصد، أو وقع منه ذلك بلا قصد
(قوله: فالثاني) أى:
وهو الإخبار حال الجنة
(قوله: ليس قسيما للكذب) أى: لمطلق الكذب
(قوله: بل لما هو إلخ) أى: بل هو قسيم لما هو أخص من الكذب وهو الافتراء؛ وذلك لأن الافتراء هو الكذب عن عمد وهو أخص من مطلق كذب
(قوله: فيكون حصرا إلخ) وحينئذ فالثانى كذب أيضا فلا واسطة.
أحوال الإسناد الخبرى:
خبر لمبتدأ محذوف أى: الباب الأول أحوال الإسناد الخبرى، وفيه أن أحوال الإسناد عبارة عن الأمور العارضة له من التأكيد وعدمه، وكونه حقيقة عقلية أو مجازا
وهو ضم كلمة أو ما يجرى مجراها إلى أخرى
…
===
عقليا، وهذه غير الباب الأول؛ لأنه ألفاظ، وحينئذ فالحمل غير صحيح لعدم المطابقة بين المبتدأ والخبر، والجواب أن فى الكلام حذف مضاف أى: مباحث أو عبارات أحوال الإسناد، وأورد على المصنف أن الأمور العارضة للإسناد المسماة بأحواله من الحقيقة العقلية، والمجاز العقلى والتأكيد وعدمه يمكن إجراؤها فى الإنشاء كما إن قلت لشخص:
ابن لى قصرا، فإن كان ذلك الشخص أهلا للبناء بنفسه فالإسناد حقيقة عقلية، وإلا فمجاز عقلى كما سيأتى من أن المجاز العقلى لا يختص بالخبر، وإذا كان المخاطب قريب الامتثال قيل له: اضرب من غير تأكيد، وإن كان شديد البعد عن الامتثال قيل له: اضربنّ بالتأكيد بالنون المشددة، وإذا كان غير شديد البعد قيل له: اضربن بالنون الخفيفة، وحينئذ فلا وجه لتقييد الإسناد بالخبرى، وأجيب بأن وجه التقييد أن الخبر أصل للإنشاء إما باشتقاق:
كالأمر، فإنه مشتق من الماضى عند الكوفيين وكذلك المضارع، أو بنقل كصيغ العقود ونعم وبئس أو بزيادة كالاستقبال والتمنى والترجى، وكما فى لتضرب ولا تضرب؛ ولأن المزايا والخواص المعتبرة عند البلغاء حصولها فيه أكثر من الإنشاء، وبالجملة فالخبر هو المقصود الأعظم فى نظر البلغاء، فلذا قيد به وهذا لا ينافى أن الأحوال العارضة للإسناد الذى فيه تعرض للإسناد الذى فى الإنشاء، ثم إن الإسناد من أوصاف الشخص؛ لأنه مصدر فيؤول بالإسناد الذى هو وصف للطرفين أعنى: انضمام أحدهما للآخر
(قوله: وهو ضم كلمة) أى: انضمام كلمة، فأطلق المصدر وأراد الأثر الناشئ عنه وهو الانضمام؛ لأنه الذى يتصف به اللفظ. كذا فى خسرو، والمراد بالكلمة: المسند.
(قوله: أو ما يجرى مجراها) أى: كالجملة الحالة محل مفرد نحو: زيد قائم أبوه، والمركبات الإضافية والتقييدية
(قوله: إلى أخرى) لم يقل أو ما يجرى مجراها فظاهره أن المسند إليه دائما لا يكون إلا كلمة منفردة، وينقص هذا بمثل:(لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة)(1) وقوله تعالى: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا (2) إلا أن يقال
(1) أخرجاه فى الصحيحين.
(2)
العنكبوت: 51.
بحيث يفيد الحكم بأن مفهوم إحداهما ثابت
…
===
حذفه من الثانى لدلالة الأول، ومثل هذا شائع، أو يقال: إنما لم يزد ذلك لقلة وقوعه فى المسند إليه.
كذا قيل، وقد يقال لا حاجة لذلك كله؛ لأن الكلمة فى قوله: ضم كلمة شاملة للمسند والمسند إليه، فالمسند قسمان كلمة وما جرى مجراها، والمسند إليه كذلك، فالأقسام أربعة، فمثال المسند والمسند إليه إذا كانا كلمتين: زيد قائم، ومثال المسند إليه الجارى مجرى الكلمة قولهم:(تسمع بالمعيدى خير من أن تراه)(1) ومثال المسند الجارى مجراه: زيد قام أبوه، ومثال ما إذا كان كل منهما جاريا مجرى الكلمة:
لا إله إلا الله ينجو قائلها من النار، ولا يأتى ورود الاعتراض على الشارح إلا لو قال ضم كلمة مسندة أو ما جرى مجراها إلى أخرى.
(قوله: بحيث إلخ) الباء للملابسة متعلقة بمحذوف وفاعل يفيد ضمير يعود على الضم أى: ضما ملتبسا بحالة، وهى أن يفيدك ذلك الضم الحكم بأن إلخ، أى: يدل على أن المتكلم حكم بأن إلخ، وعلى هذا فالمراد بالحكم الحكم بالمعنى اللغوى وهو القضاء وهذا القيد مخرج لضم اسم الفاعل لفاعله، ويصح أن يراد به الوقوع أو اللاوقوع، وعلى هذا فقوله بأن إلخ: متعلق بالحكم على أنه تفسير له، فالباء: للتصوير، والمعنى ضما ملتبسا بحالة، وهى أن يفيد ذلك الضم الحكم المصور بثبوت مفهوم إحداهما لمفهوم الأخرى وذلك فى القضية الموجبة، وقوله أو منفى عنه أى: أو منتف عنه وذلك فى القضية السالبة، فإن المحكوم به فيها الانتفاء ولا يصح أن يراد بالحكيم الإيقاع والانتزاع؛ لأن ذلك الضم لا يدل على أن المتكلم أدرك أن ثبوت مفهوم إحداهما لمفهوم الأخرى مطابق أو غير مطابق، ولو قال الشارح وهو ضم كلمة أو ما يجرى مجراها إلى أخرى بحيث يفيد ثبوت مفهوم إحداهما للأخرى: كان أوضح
(قوله: مفهوم إحداهما)
(1) أورده أبو هلال العسكرى فى جمهرة أمثال العرب (1/ 215) وكذلك أورده فى لسان العرب (6/ 4230) مادة (معد) وقال يضرب مثلا لمن خبره خير من مرآته.
لمفهوم الأخرى أو منفى عنه،
…
===
أعنى: المحكوم به، والمراد المفهوم المطابقى أو التضمنى للقطع بأن الثابت في: ضرب زيد، أو زيد ضارب إنما هو الحدث الذى هو جزء المفهوم، والثابت فى قولك: الإنسان حيوان ناطق المفهوم المطابقى.
(قوله: لمفهوم الأخرى) أعنى: المسند إليه، واعترض بأن الأولى أن يقول لما صدق لأخرى؛ لأن الموضوع يراد منه الماصدق، والمحمول يراد منه المفهوم أعنى الوصف الكلى، وأجيب بأن ما عبر به أولى؛ لأنه لو عبر بالماصدق لخرجت القضايا الطبيعية، فإن المراد من الموضوع فيها المفهوم الكلى أعنى: الحقيقة، فمراد الشارح بالمفهوم ما فهم من اللفظ كان حقيقة أو أفراد، وليس المراد بالمفهوم ما قابل الذات والماصدق حتى يرد الاعتراض، ثم إن ما ذكره الشارح من أن الإسناد عبارة عن: الضم المذكور طريقة لبعضهم، قال السكاكى: الإسناد هو الحكم أعنى: النسبة، ولذا عرفه بقوله: الحكم بثبوت مفهوم لمفهوم أو انتفائه عنه، وكل من الطريقتين صحيح؛ وذلك لأن الأمور المعتبرة فى الإسناد من التأكيد والتجريد عنه والحقيقة العقلية والمجاز العقلى كما يوصف بها الحكم يوصف بها ضم إحدى الكلمتين للأخرى على وجه يفيد الحكم بلا ترجيح، إلا أنهما يختلفان من جهة أنه إذا أطلق الإسناد على الحكم كان المسند والمسند إليه من صفات المعاني، ويوصف بهما الألفاظ الدالة على تلك المعانى تبعا، وإذا أطلق الإسناد على الضم المذكور كان الأمر بالعكس، كذا ذكره القرمى.
نعم تعريف الإسناد بما قاله الشارح أولى مما عرف به السكاكى من جهة المسند والمسند إليه فى عرفهم من أوصاف الألفاظ؛ لأن الأحوال المبحوث عنها إنما تعرض للألفاظ كالذكر والحذف وكونه معرفة ضميرا أو اسم إشارة أو علما أو نكرة، وكذلك كون المسند اسما أو فعلا أو جملة اسمية أو فعلية أو ظرفية، وقولهم الفصل:
لتخصيص المسند إليه بالمسند من باب إجراء المدلول على الدال، فالمراد بالمسند إليه والمسند هو اللفظ، وقول السكاكى فى التعريف الحكم بثبوت مفهوم لمفهوم يقتضى أن المسند والمسند إليه من أوصاف المعانى، ولا يقال: إن الخواص والمزايا إنما تعتبر أولا فى
وإنما قدم بحث الخبر لعظم شأنه وكثرة مباحثه، ثم قدم أحوال الإسناد على أحوال المسند إليه والمسند مع تأخر النسبة عن الطرفين؛ لأن البحث فى علم المعانى إنما هو عن أحوال اللفظ
…
===
المعاني، فاللائق باصطلاح أهل المعانى أن يعتبر المسند إليه والمسند من أوصاف المعاني؛ لأنا نقول هذا لا يتم لاستلزامه أن لا يكون علم المعانى باحثا عن أحوال اللفظ فتأمل
(قوله: وإنما قدم بحث الخبر) أى: المذكور فى هذا الباب والأبواب الأربعة بعده على بحث الإنشاء مع أن تلك الأبحاث لا تختص بالخبر
(قوله: لعظم شأنه) أى: شرعا؛ لأن الاعتقاديات كلها أخبار ولغة فإن أكثر المحاورات أخبار
(قوله: وكثرة مباحثه) عطف مسبب على سبب، وإنما كثرت مباحثه بسبب أن المزايا والخواص المعتبرة عند البلغاء أكثر وقوعها فيه
(قوله: ثم قدم أحوال الإسناد) أى: ثم قدم من مباحث الخبر أحوال الإسناد و [ثمّ] للترتيب الإخبارى
(قوله: مع تأخر النسبة) أى: التى هى مرادة بالإسناد على ما مر من الطريقتين، وفيه أن المحل للضمير فكان المناسب أن يقول: مع تأخره أى: الإسناد، إلا أن يقال أظهر فى محل الإضمار إشارة إلى أن مراد المصنف بالإسناد النسبة كذا قرر بعضهم؛ لكن أنت خبير بأن هذا الكلام إنما يتم على طريقة السكاكى، من أن المراد بالإسناد الحكم لا على طريقة الشارح من أن الإسناد ضم كلمة لأخرى، إذ الضم غير النسبة، فالأولى للشارح أن يقول: مع تأخر الإسناد؛ لأن الكلام فيه لا فى النسبة اللهم إلا أن يقال: إنه أراد بالنسبة الإسناد من إطلاق اسم اللازم على الملزوم، أو يقدر مضاف فى قوله سابقا ضم كلمة إلخ أى: أثر ضم إلخ أو لازم ضم والأثر هو النسبة وكذلك اللازم، ويراد بالحكم فى قوله بحيث يفيد الحكم إلخ: الحكم اللغوى وهو القضاء، وحينئذ فيكون كلام الشارح موافقا للسكاكى فى أن الإسناد هو النسبة الكلامية: قرر ذلك شيخنا العدوى.
(قوله لأن البحث فى علم المعانى إنما هو إلخ)(إنما) هنا لمجرد التوكيد، أو يقال:
إن الحصر إضافى أى: إن البحث فى علم المعانى إنما هو عن الطرفين من حيث وصفهما بالمسند إليه والمسند لا من حيث ذاتهما، وحينئذ فلا ينافى أنه يبحث فى علم المعانى عن
الموصوف بكونه مسندا إليه أو مسندا وهذا الوصف إنما يتحقق بعد تحقق الإسناد والمتقدم على النسبة إنما هو ذات الطرفين، ولا بحث لنا عنها (لا شك أن قصد المخبر)؛ أى: من يكون بصدد الإخبار والإعلام،
…
===
متعلقات الفعل وعن القصر وعن الفصل والوصل
(قوله: الموصوف إلخ) أى: فالبحث عنه من حيث وصفه بالإسناد
(قوله: وهذا الوصف) أى: كونه مسندا إليه أو مسندا
(قوله: وهذا الوصف إنما يتحقق) أى: يتعقل فى الذهن
(قوله: بعد تحقق الإسناد) أى: لأنه ما لم يسند أحد الطرفين للآخر لم يصر أحدهما مسندا إليه والآخر مسندا، والحاصل أن المعترض يلاحظ ذات الطرفين، ويقول: إن الإسناد متأخر عنهما فى الوجود طبعا، فالمناسب تأخير الكلام على أحواله وضعا، وحاصل الرد عليه: أنه ليس المنظور له ذات الطرفين حتى يرد ما قلت، بل المنظور له وصفهما بالإسناد، ولا يعقل الوصف إلا بعد وجود الإسناد فهو متقدم طبعا، وحينئذ فينبغى أن يقدم الكلام على أحواله وضعا ليوافق الطبع
(قوله: لا شك إلخ) من هنا لقوله فينبغى إلخ: تمهيد لبيان أحوال الإسناد.
(قوله: إن قصد إلخ) أى: مقصود وفى الكلام حذف حرف الجر أى: فى أن المقصود
(قوله: أى من يكون بصدد الإخبار) أى: من يكون قاصد الإخبار والإعلام لا الآتى بالجملة الخبرية مطلقا، بدليل قوله: وإلا فالجملة إلخ، وهذا إشارة للجواب عن اعتراض خطيب اليمن على المصنف حين ألف هذا الكتاب ورآه الخطيب المذكور، فقال معترضا عليه قوله: لا شك إلخ، فى حصر قصد المخبر فيما ذكر نظر إذ يرد عليه قول أم مريم رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى (1) فإنه ليس قصدها إعلام الله بالفائدة ولا بلازمها، إذ المولى عالم بأنها وضعت أنثى وعالم بأنها تعلم أنها وضعت أنثى، وحاصل الجواب أن قول المصنف: إن قصد المخبر بكسر الباء من الإخبار وهو له معنيان لغوى واصطلاحى، فالأول: الإعلام، والثاني: التلفظ بالجملة الخبرية مرادا بها إفادة معناها، وإن لم يحصل بها العلم، ولذا يعتق كل العبيد فيما إذ قال كل من أخبرنى بقدوم زيد
(1) آل عمران: 36.
وإلا فالجملة الخبرية كثيرا ما تورد لأغراض أخر غير إفادة الحكم أو لازمه مثل:
التحسر، والتحزن فى قوله تعالى- حكاية عن امرأة عمران: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى (1)
…
===
فهو حر، فأخبروه على التعاقب والمخبر هنا بالمعنى اللغوى أى: المعلم، فقول الشارح والإعلام عطف تفسير لا بالمعنى العرفى أى: الآتى بالجملة الخبرية إلا أنه ليس المراد بالمخبر المعلم بالفعل، وإلا لما صح الترديد الآتى بقوله: فإن كان المخاطب خالى الذهن استغنى عن المؤكدات؛ لأنه حيثما أعلمه بالفعل كيف يكون خالى الذهن فتعين أن يكون المراد بالمخبر من كان بصدد الأخبار والإعلام
(قوله: وإلا فالجملة إلخ) أى: وإلا نقل المراد بالمخبر من ذكر، بل المراد به الآتى بالجملة الخبرية مرادا بها معناها، فلا يصح حصر مقصوده فى الأمرين اللذين ذكرهما المصنف؛ لأن الجملة الخبرية إلخ
(قوله: مثل التحسر) مما دخل تحت مثل إظهار الضعف كما فى قوله تعالى حكاية عن نبيه زكريا:
رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي (2) وإظهار الفرح كما فى قولك: قرأت الدرس، وحضرنى الأفاضل، وتذكير ما بين المراتب من التفاوت العظيم كما فى قوله تعالى: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (3) إلخ، فإن اللفظ مستعمل فى معناه، لكن لا للإعلام بالحكم أو لازمه؛ لأن النبى وأصحابه عالمون بالحكم وهو عدم الاستواء، ويعلمونه بأن المولى عالم بعلمهم ذلك، بل لتذكير ما بين الرتبتين من التفاوت العظيم؛ لأجل أن يتباعد القاعد ويرفع نفسه عن انحطاط مرتبته.
(قوله: فى قوله تعالى حكاية إلخ) أى: فإن اللفظ مستعمل فى معناه، لكن لا للإعلام بالحكم أو لازمه؛ لأن المخاطب وهو المولى عالم بكل منهما، بل لإظهار التحسر على خيبة رجائها والتحزن إلى ربها؛ لأنها كانت ترجو وتقدر إنها تلد ذكرا، فأخبرت أنها ولدت أنثى، ولا شك أن إظهار خلاف ما يرجوه الإنسان يلزمه التحسر، فظهر لك من هذا أن استفادة التحسر من الآية بطريق الإشارة والتلويح على ما هو مفاد
(1) آل عمران: 36.
(2)
مريم: 4.
(3)
النساء: 95.
وما أشبه ذلك (بخبره) متعلق بقصد
…
===
عبد الحكيم، وأما قول بعضهم استعمال الكلام فى إظهار التحسر والتحزن والضعف مجاز مركب، وتحقيقه أن الهيئة التركيبية فى مثله موضوعة للإخبار، فإذا استعمل ذلك المركب فى غير ما وضع له، فإن كانت العلاقة المشابهة: فاستعارة وإلا فمجاز مرسل، والآية من قبيل الثاني؛ لأن الإنسان إذا أخبر عن نفسه بوقوع ضد ما يرجوه يلزمه إظهار التحسر فهو من قبيل ذكر الملزوم وإرادة اللازم أ. هـ كلامه.
ففيه نظر إذ يلزم عليه أن الآية إنشاء معنى، وحينئذ لا تصلح شاهدا للشارح، إذ هو بصدد التمثيل لما إذا كان خبر المخبر لم يفد المخاطب الحكم ولا لازمه
(قوله: وما أشبه ذلك) أى: من أفراد أمثلة التحسر كقوله: (1)
هواى مع الرّكب اليمانين مصعد
…
جنيب وجثمانى بمكّة موثق
وكما فى قوله خطابا لامرأة اسمها أميمة تلومه على عدم الانتقام والأخذ بثأر أخيه:
قومى هم قتلوا أميم أخى
…
فإذا رميت يصيبنى سهمى (2)
فلئن عفوت لأعفون جللا
…
ولئن سطوت لأوهنن عظمى
أى: قومى يا أميمة هم الذين فجعونى بقتل أخى، فلو حاولت الانتقام منهم عاد ذلك على بالمضرة؛ لأن عز الرجل بعشيرته، فإن عفوت عنهم بالصفح والتجاوز عفوت عن أمر عظيم وخطب جزيل وأظهرت الإحسان الكامل لهم، وإن قهرتهم بالانتقام عاد الأمر إلى توهين حالى، فلذا تركت الانتقام، فأميمة المخاطبة عالمة بأن القاتلين لأخيه قومه وتعلم بأنه عالم بذلك، وحينئذ فالقصد إظهار التفجع والتحزن على
(1) هو لجعفر بن علبة الحارثى وهو من الطويل وقد ورد فى تاج العروس بلا نسبة وانظر المعجم المفصل فى شواهد اللغة العربية (5/ 141).
(2)
البيتان من الطويل وهما للحارث بن وعلة الذهلى.
وانظر شواهد المغنى (1/ 363) والمعجم المفصل فى شواهد اللغة العربية (7/ 385) ولسان العرب (1/ 663)(مادة جلل).
(إفادة المخاطب: ) خبر أن (إما الحكم، ) مفعول الإفادة (أو كونه) أى: كون المخبر (عالما به) أى: بالحكم،
…
===
موت أخيه، فقوله: وما أشبه ذلك ليس مستدركا مع قوله أولا مثل التحسر؛ لأن الإتيان بمثل لإدخال الأنواع: كالضعف والفرح، وقوله وما أشبه ذلك لإدخال أفراد أمثلة التحسر كما علمت
(قوله: إفادة المخاطب) لو قال إفادة إما الحكم وحذف المخاطب لكان أخصر وشاملا لما إذا وجه الكلام إلى شخص وأريد إفادة غيره
(قوله: إما الحكم) أى: سواء كان مدلولا حقيقيا للخبر أو مجازيا أو كنائيا
(قوله: مفعول الإفادة) أى: الثانى والأول، قوله: المخاطب والفاعل محذوف أى: إفادة المخاطب إما الحكم
(قوله: أو كونه إلخ) أورد على المصنف أن إفادة الحكم ملزوم وإفادة كون المخبر عالما به لازم ولا يصدق الانفصال بينهما لا حقيقيا ولا مانع جمع وهو ظاهر ولا مانع جمع وهو ظاهر ولا مانع خلو؛ لأنهم صرحوا بأن نقيض كل من الطرفين فى مانعة الخلو يجب أن يستلزم عين الآخر ونقيض اللازم لا يستلزم عين الملزوم، بل نقيضه نعم لو كانت أداة الانفصال داخلة على نفس القصد، كأن يقال الثابت فى الخبر إما قصد إفادة الحكم أو قصد إفادة لازمة لم يرد ذلك، إذ لا تلازم بين القصدين، ولا يجوز انتفاؤهما ممن يكون بصدد الإخبار، وأجيب بأن ما ذكر من وجوب الاستلزام المذكور فى مانعه الخلو إذا كانت القضية منفصلة لزومية، والقضية فيما نحن فيه اتفاقية فلا يشترط فيهما ما ذكر، فالحاصل أن القضية هنا اتفاقية مانعة خلو فيجوز الجمع
(قوله: أى كون المخبر عالما به) المراد بالعلم هنا التصديق بالنسبة جزما أو ظنا لا مجرد التصور، إن قلت: الكون المذكور حكم من الأحكام اللازمة للحكم الأصلى الذى هو الوقوع، أو اللاوقوع المفهومة من القضية بطريق المجاز؛ لأن دلالة اللفظ على لازم معناه مجاز، وهذه الأحكام اللازمة كثيرة ككون المتكلم حيا أو موجودا، فما وجه تخصيص هذا الحكم اللازم بالذكر دون غيره من الأحكام اللازمة؟
قلت: لما كان هذا الحكم اللازم مقصودا للمخبر؛ لأن المخبر يقصد إيقاعه فى بعض الأحيان، وذلك فيما إذا كان المخاطب عالما بأصل الحكم دون غيره من الأحكام اللازمة
والمراد بالحكم هنا وقوع النسبة أو لا وقوعها،
…
===
خص بالذكر؛ لأنه لا يوجد هذا المعنى فى غير ذلك اللازم وإن قصد ذلك الغير، كما إذا قال شخص توهمه المخاطب ميتا: السماء فوقنا؛ ليفيد حياته فهو نادر، ولا ينافى هذا أن المقصود هو الحكم الذى هو الوقوع أو اللاوقوع؛ لأنه المقصود الأصلى.
(قوله: والمراد بالحكم هنا) أى فى كلام المصنف.
اعلم أنه قد تقرر أن الحكم يطلق على النسبة الكلامية أى: المفهومة من الكلام، وهى ثبوت المحكوم به للمحكوم عليه، أو انتفاؤه عنه فى الواقع وهو المتعارف بين أرباب العربية، وهذا المعنى هو المعنى بوقوع النسبة أو لا وقوعها أى: النسبة الواقعة أى: المتحققة فى الخارج أو غير المتحققة فيه، ويطلق على المحكوم به ويطلق على إذعان النسبة أى: إدراك أنها واقعة أو ليست بواقعة وهو المعبر عنه فيما بين أرباب المعقول بالإيقاع والانتزاع، ويطلق على خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير على ما هو عرف الأصوليين وعلى ما ثبت بالخطاب: كالوجوب ونحوه على ما هو عرف الفقهاء، ولا خفاء أن المقصود بالإعلام هو إفادة وقوع النسبة أى: تحققها أو لا وقوعها فى الخارج، فإذا قال لك شخص: قام زيد كان قصده إفادتك أن ثبوت القيام لزيد حصل وتحقق فى الخارج، وليس قصده إفادتك أنه أدرك أن ثبوت القيام مطابق للواقع، وحيث كان المقصود بالإعلام إنما هو إفادة وقوع النسبة فيكون هو المراد بالحكم هنا؛ فقول الشارح وقوع النسبة أى: النسبة الواقعة أى: المتحققة فى الواقع والخارج، وهذا فى القضية الموجبة، وقوله أولا وقوعها أى: والنسبة الغير الواقعة أى:
الغير المتحققة فى الواقع وهذا فى القضية السالبة.
قال الشارح- فى المطول-: ولا يصح أن يراد بالحكم هنا الإيقاع والانتزاع لظهور أنه ليس قصد المخبر إفادة أنه أوقع النسبة أى: أدرك أنها مطابقة للواقع أو لا، ولا أنه عالم بأنه أوقعها، وأيضا الإدراك من أوصاف الشخص، فلو أريد لما كان لإنكار الحكم معنى، إذ لا يصح أن يقول المخاطب للمتكلم: أنت لم توقع النسبة، فإن قلت: جعل المقصود الأصلى من الخبر إفادة المخاطب وقوع النسبة أو لا وقوعها لا الإيقاع
وكونه مقصودا للمخبر بخبره لا يستلزم تحققه فى الواقع؛
…
===
والانتزاع، هذا إنما يظهر على القول بأن مدلول الخبر النسبة لا الإذعان بها، وهذا خلاف ما عليه الأكثر، إذ الذى عليه الأكثر كالإمام الرازى وابن السبكى (1) والعلامة السيد وغيرهم: أن مدلول الخبر إذعان النسبة أعنى: الإيقاع والانتزاع، قلت: أجاب العلامة عبد الحكيم: بأن الإيقاع والانتزاع وإن كان مدلولا للخبر على قول الأكثر إلا أنه ليس مقصودا بالإفادة، بل وسيلة لما قصد إفادته بالخبر وهو وقوع النسبة أو لا وقوعها؛ وذلك لأن المخاطب يستفيد الإيقاع والانتزاع من الخبر، ثم ينتقل منه إلى متعلقه الذى هو المقصود بالإعلام وهو وقوع النسبة أو لا وقوعها، ويدل لذلك ما هو الحق عندهم من أن الألفاظ لا دلالة لها فى نفسها على ما فى الخارج، بل دلالتها على الصور الذهنية أولا، وبالذات وبواسطتها على ما فى الخارج لما بينهما من الارتباط، فظهر لك أن كون الخبر مدلوله الإيقاع والانتزاع لا ينافى أن المقصود بالإعلام إفادة وقوع النسبة أو لا وقوعها فتأمل ذلك.
(قوله: وكونه) أى: الحكم بمعنى وقوع النسبة أو لا وقوعها مقصود للمخبر بخبره إلخ) وهذا توطئة لقوله: وهذا مراد إلخ
(قوله: لا يستلزم) أى: ذلك الكون تحققه أو ثبوته فى الواقع وضمير تحققه للحكم بمعنى النسبة، وحاصله أن قصد المخبر بخبره إفادة وقوع النسبة أى: كون النسبة واقعة لا يستلزم تحقيقها فى الواقع؛ لأن دلالة الألفاظ على معانيها وضعية يجوز تخلفها وليست عقلية تقتضى استلزام الدليل للمدلول استلزاما عقليا: كدلالة الأثر على المؤثر، فإذا قلت: زيد قائم دل على ثبوت القيام لزيد فى الواقع، ودلالته على ذلك لا تستلزم أن يكون ثبوت القيام متحققا فى الواقع لجواز أن يكون الخبر كذبا
(قوله: وهذا) أى: كونه لا يستلزم تحققه فى الواقع.
(1) هو أبو حامد أحمد بن على بن عبد الكافى بهاء الدين السبكى، فاضل، له" عروس الأفراح شرح تلخيص المفتاح" ولى قضاء العسكر وقبله قضاء الشام وكثرت رحلاته ومات مجاورا بمكة سنة 763 هـ. (وانظر الأعلام للزركلى 1/ 176).
وهذا مراد من قال: إن الخبر لا يدل على ثبوت المعنى أو انتفائه، وإلا فلا يخفى أن مدلول قولنا: زيد قائم ومفهومه- أن القيام ثابت لزيد، وعدم ثبوته له احتمال عقلى لا مدلول ولا مفهوم للفظ؛ فليفهم.
(ويسمى الأول) أى: الحكم الذى يقصد بالخبر إفادته (فائدة الخبر، والثانى) أى: كون المخبر عالما به (لازمها) أى: لازم فائدة الخبر؛ لأنه كل ما أفاد الحكم أفاد أنه عالم به
…
===
(قوله: مراد من قال إن الخبر لا يدل على ثبوت المعنى) أى: الحكم أو انتفائه أى:
فليس مراد ذلك القائل نفى دلالة الخبر على ثبوت الحكم كالقيام أو انتفائه كما هو ظاهره، بل مراده أنه لا يستلزم تحققه وثبوته فى الواقع لجواز أن يكون كذبا، والحاصل أن الخبر يدل على ثبوت المعنى أى: الحكم أو انتفائه فى الواقع قطعا فكيف يقول هذا القائل:
إن الخبر لا يدل على ثبوت المعنى أو انتفائه فى الواقع؟ فأجاب الشارح بأن مراده بنفى الدلالة على الثبوت أو الانتفاء أنه لا يستلزم تحققه فى الواقع أو انتفاؤه فيه وهذا لا ينافى أنه يقول بدلالة الخبر على ثبوت المعنى الذى هو الحكم أو انتفائه فى الواقع.
(قوله: وإلا فلا يخفى إلخ) أى: وإلا نقل هذا مراده، بل بهذا الكلام أن الخبر لا يدل على أصل ثبوت المعنى ولا على انتفائه فلا يصح كلامه؛ لأنه لا يخفى إلخ
(قوله: إن مدلول قولنا إلخ) أى: مدلوله الوضعى
(قوله: ومفهومه) عطف على مدلول مرادف له، وقوله أن القيام ثابت لزيد، الأنسب ثبوت القيام لزيد فى الواقع
(قوله: وعدم ثبوته له) أى: فى الواقع، وقوله احتمال عقلى نشأ من كون دلالة الخبر: وضعية يجوز فيها تخلف المدلول عن الدال
(قوله: ويسمى الأول فائدة الخبر) أشار بلفظ التسمية إلى أنه اصطلاح لأهل الفن، ولا مشاحة فى الاصطلاح، فلا يرد عليه أن فائدة الشىء ما يترتب عليه، والمترتب على الخبر علم المخاطب بالحكم لا نفس الحكم
(قوله: أى الحكم) أى: لا إفادة الحكم، وقوله الذى يقصد بالخبر أى: الذى يقصد المتكلم إفادته للمخاطب بالخبر، فلا ينافى أنه قد لا يقصد إفادته كما فى صورة قصد إفادة اللازم
(قوله: لأنه) أى: الحال والشأن، وهذا دليل على كون الثانى لازما للفائدة
(قوله: كل ما أفاد)
وليس كل ما أفاد أنه عالم بالحكم أفاد نفس الحكم؛ لجواز أن يكون الحكم معلوما قبل الإخبار؛
…
===
أى: كل خبر أفاد المخاطب الحكم أفاد أنه أى: المخبر عالم به أى: بذلك الحكم، وأشار الشارح بهذا إلى أن اللزوم ليس باعتبار ذات العلم وذات الحكم؛ لأنه لا تلازم بينهما، إذ قد يتحقق الحكم ولا يعتقده المتكلم، بل باعتبار الإفادة بمعنى أن إفادة الأول لازمة لإفادة الثاني، لا من حيث ذاتهما، إذ لا تلازم بينهما، وأورد على هذه الكلية أنها منقوضة بخبر الله تعالى، فإنه يفيد الحكم ولا يفيد أنه عالم به؛ لأن كونه عالما معلوم لنا قبل الخبر فلم نستفده من الخبر، وجوابه أن المعلوم لنا قبل الخبر، وجوابه أن المعلوم لنا قبل الخبر هو العلم الذى يسمى مثله عندنا تصورا وليس هو المقصود، بل المقصود إفادته بالخبر العلم الذى يسمى نظيره عندنا تصديقا ولا يستفاد إلا من الخبر؛ لأنه تعالى لا يعلم جميع الأشياء على الوجه الذى نسميه تصديقا بدليل الكواذب فإنه يعلمها، وليست على هذا الوجه قطعا فعلمه بالشىء على وجه نسميه تصديقا لا نعلمه إلا من خبره.
بقى شىء آخر وهو أنه قد يمنع اللزوم مطلقا؛ لأن المخاطب قد يغفل عن كون المتكلم عالما أو يخبر بالحكم وهو شاك أو جاهل، فلم تكن إفادة أنه عالم لازمة لإفادة نفس الحكم، والجواب أن المراد اللزوم فى الجملة أى: أن ذلك اللزوم بالنظر للغالب والجارى على العرف؛ لأنه عند سماع الخبر الشأن حصوله فهو فى حكم المعلوم بالضرورة
(قوله: وليس كل ما أفاد إلخ) أى: ليس كل خبر أفاد أن المتكلم عالم بالحكم، وفى هذا إشارة إلى أن اللزوم ليس من الجانبين، وحينئذ فهو لازم أعم: كلزوم الضوء للشمس، فيلزم من وجود الملزوم وجوده ولا يلزم من وجوده وجود الملزوم، وهذا بخلاف اللازم المساوى: كقبول العلم وصنعة الكتابة
(قوله: لجواز أن يكون الحكم معلوما قبل الإخبار) أى: فالخبر حينئذ إنما أفاد لازم الفائدة ولم يفد الفائدة. إن قلت: إن الفائدة تحضر فى ذهن المخاطب حال إفادة اللازم، فإفادة اللازم تستلزم إفادة الفائدة أيضا- أجيب بأن حضورها حال إفادة اللازم المجهول ليس بعلم جديد، بل هو
كما فى قولنا لمن حفظ التوراة: قد حفظت التوراة. وتسمية مثل هذا الحكم فائدة الخبر بناء على أنه من شأنه أن يقصد بالخبر ويستفاد منه. والمراد بكونه عالما بالحكم
…
===
تذكار فلا يعتبر
(قوله: كما فى قولنا لمن حفظ التوراة) أى: والحال أنه يعلم أن ما حفظه هو التوراة فلا بد من هذا لصحة التمثيل بهذا المثال، وإلا فيمكن أن يحفظها من لا يعلم أنها التوراة، ولعل الشارح لم يقيد بقوله: لمن علم أن ما حفظه هو التوراة إشعارا بأن حفظها لا ينفك عادة عن العلم بها، من حيث إنه توراة، وإن جاز فى المحقرات الانفكاك.
(قوله: وتسمية إلخ) حيث قيل لازم فائدة الخبر وقوله مثل هذا الحكم أى:
تسمية هذا الحكم وما ماثله، والمراد بهذا الحكم الحكم بحفظ المخاطب التوراة والمراد بما ماثله كل حكم يكون معلوما قبل الإخبار، وأشار بهذا للجواب عما يقال: إن حفظ التوراة معلوم للمخاطب لم يستفد من الخبر ولم يقصد به، فكيف يسمى فائدة؟ وحاصل الجواب أنه ليس المراد بالفائدة ما يستفاد من الخبر بالفعل، بل شأنه أن يستفاد منه.
(قوله: والمراد بكونه) أى: المخبر المذكور فى قوله: كل ما أفاد الحكم أفاد أنه عالم به، ولو قال: والمراد بعلمه لكان أنسب بقوله حصول صورة إلخ، وهذا جواب عن المنع الوارد على الملازمة فى قوله: كل ما أفاد الحكم أفاد أنه عالم به، وتقرير المنع لا نسلم الملازمة أى: لا نسلم أنه كل ما أفاد الحكم أفاد أنه عالم به لجواز أن يكون المخبر أخبر بشىء عالما بخلافه، أو شاكا فيه مترددا، أو ظانا له، أو متوهما، وحاصل الجواب: أن هذا المنع لا يرد إلا إذا قلنا المراد بالعلم الاعتقاد الجازم المطابق وليس كذلك، بل المراد بالعلم حصول صورة هذا الحكم فى ذهن المخبر، وهذا ضرورى فى كل عاقل تصدى للإخبار سواء كان معتقدا له اعتقادا جازما أو غير جازم أو غير معتقد أصلا أو معتقدا لخلافه، فكل مخبر بخبر تحصل صورة الحكم فى ذهنه وإن كانت تلك الصورة قد لا تطابق الواقع وهذه الصورة تسمى علما وإطلاق العلم عليها اصطلاح الحكماء ومشتهر بين الناس
(قوله: والمراد بكونه عالما) أى: فى قولنا كل ما أفاد الحكم أفاد أنه عالم بالحكم.
حصول صورة الحكم فى ذهنه، وهاهنا أبحاث شريفة سمحنا بها فى الشرح.
(وقد ينزل) المخاطب (العالم بهما) أى: بفائدة الخبر ولازمها (منزلة الجاهل) فيلقى إليه الخبر
…
===
(قوله: حصول صورة الحكم) أى: صورة الحكم الحاصلة فى ذهنه، وحينئذ فالمعنى: كل خبر أفاد الحكم أفاد أن صورة ذلك الحكم حاصلة فى ذهن المخبر، فعلم أن المراد بالعلم هنا: العلم بالمعنى المصطلح عليه عند المناطقة، وهو الصورة الحاصلة فى الذهن، سواء كانت موافقة للواقع أو لا، كانت معتقدة للمتكلم اعتقادا جازما أو غير جازم، أو غير معتقدة لا الاعتقاد الجازم المطابق للواقع كما هو المعنى المصطلح عليه عند الأصوليين والمتكلمين، وعلى الأول: فالعلم عين المعلوم وغيره على الثاني، وإنما قال الشارح حصول صورة الحكم، ولم يقل الصورة الحاصلة؛ ليفيد أن العلم هو الصورة من حيث حصولها فى الذهن
(قوله: سمحنا بها فى الشرح) أى: جدنا بها فيه، والمراد ذكرناها فيه، ولا يخفى ما فى الكلام من الاستعارة التبعية
(قوله: وقد ينزل إلخ) أى:
وقد ينزل المتكلم المخاطب العالم بهما منزلة الجاهل لعدم جرى المخاطب على مقتضى علمه، واعترض على المصنف بأن هذا تخريج للكلام على خلاف مقتضى الظاهر، والكلام هنا فى إخراج الكلام على مقتضى الظاهر، وحينئذ فالأولى عدم ذكر ذلك هنا وذكره فيما يأتى فى الكلام على التخريج على خلاف مقتضى الظاهر المشار له بقوله: وكثيرا ما يخرج الكلام على خلافه، وأجيب بأنه إنما ذكره هنا جوابا عن سؤال وارد على الكلام السابق، وحاصله أنه لو كان قصد المخبر منحصرا فى الأمرين لما صح إلقاء الخبر للعالم بهما، فأجاب بما ذكر، وحاصله إنه إنما صح إلقاء الخبر للعالم بهما لتنزيله منزلة الجاهل فأولا قرر الأصل ودفع ما يرد عليه، ثم تكلم بعد ذلك على الفرع أعنى التخريج على خلاف مقتضى الظاهر.
(قوله: العلم بهما) اعلم أن التنزيل المذكور يكون فيما إذا علم المخاطب الفائدة ولازمها معا أو إحداهما، وكلام المصنف ظاهر فى الأول، ويمكن تأويله بحيث يكون محتملا للوجوه الثلاثة: علم الفائدة، وعلم اللازم، وعلم الفائدة واللازم.
وإن كان عالما بالفائدتين (لعدم جريه على موجب العلم) فإن من لا يجرى على موجب علمه هو والجاهل سواء؛ كما يقال للعالم التارك للصلاة: الصلاة واجبة.
وتنزيل العالم بالشىء منزلة الجاهل به
…
===
بأن يرجع الضمير فى قوله بهما: لمجموع الأمرين، وهو يصدق بالبعض والجميع فالأول كقولك لتارك الصلاة العالم بوجوبها: الصلاة واجبة، والثانى وهو المخاطب العالم باللازم قولك: ضربت زيدا لمن يعلم أنك تعرف أنه ضرب زيدا، لكنه يناجى غيرك بضربه عندك، كأنه يخفى منك، والثالث كقولك- لإنسان مؤمن ويعلم أنك تعلم أنه مؤمن إلا أنه آذاك أذية لا يباشر بها إلا من يعتقد مؤذيه كفره، ولا يعلم الله ورسوله-: الله ربنا، ومحمد رسولنا.
(قوله: وإن كان عالما) الواو للحال، وقوله بالفائدتين: فيه تغليب
(قوله: على موجب) بفتح الجيم أى: على مقتضى وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ (1) وقوله تعالى: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (2) هذا لفظه وفيه إيهام أن الآية الأولى من أمثلة تنزيل العالم بفائدة الخبر ولازم فائدته منزلة الجاهل بهما وليست بهما وليست منها، بل هى من أمثلة تنزيل العالم بالشىء منزلة الجاهل به لعلم جريه على موجب العلم، والفرق بينهما ظاهر
(قوله: والجاهل سواء) أى: كالمستويين من حيث إن الثمرة والمقصود بالذات من العلم وهو العمل به قد انتفى عنهما معا، وإنما جاز تنزيل العالم منزلة الجاهل عند انتفاء جريه على موجب العلم تعييرا له وتقبيحا لحاله؛ لأنه إذا كان عالما بوجوب الصلاة وكان تاركا لها وقيل له: الصلاة واجبة كان إلقاء الخبر إليه إشارة إلى أنه هو والجاهل سواء؛ لأنه يتصور تركها إلا من الجاهل، وفى هذا من التوبيخ مالا يخفى
(قوله: كما يقال للعالم) أى: بفائدة الخبر.
(قوله: الصلاة واجبة) أى: فإنه لما ترك الصلاة مع علمه بوجوبها نزل منزلة الجاهل الخالى الذهن، فألقى له الخطاب من غير تأكيد
(قوله: وتنزيل العالم بالشىء)
(1) الأنفال: 17.
(2)
التوبة: 12.
لاعتبارات خطابية كثير فى الكلام منه قوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ
…
===
أى: سواء كان حكما أو لازمه أو غيرهما فهو أعم مما قبله، فهذا ترق عما ذكره المصنف؛ لأن ذاك فى تنزيل العالم بفائدة الخبر أو لازمها منزلة الجاهل بها وهذا فى تنزيل العالم مطلقا، وإن كان علمه بغير فائدة الخبر ولازمها منزلة الجاهل كما فى الآية على ما يأتى بيانه
(قوله: لاعتبارات خطابية) أى: لأجل أمور إقناعية يعتبرها المتكلم حال مخاطبته تفيد ظن غير المخاطب أن المخاطب غير عالم كعدم الجرى على مقتضى العلم- كذا قرر شيخنا العدوى.
(قوله: وَلَقَدْ عَلِمُوا إلخ) اللام فى لقد موطئة للقسم أى: إنها واقعة فى جواب قسم محذوف والضمير فى علموا لليهود، واللام فى لمن اشتراه: ابتدائية، وضمير اشتراه عائد على كتاب السحر والشعوذة، والمراد بالشراء الاستبدال والاختيار، أى:
اختياره على كتاب الله وهو التوراة، ومن: مبتدأ، وجملة اشتراه: صلة، وقوله: ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ: جملة مركبة من مبتدأ وخبر فى محل رفع خبر من، ومن فى قوله مِنْ خَلاقٍ: لتأكيد النفى، وجملة (من اشْتَراهُ إلخ: فى محل نصب سادّة مسد مفعولى علموا لتعليقه بلام الابتداء، وجملة: وليس إلخ: معطوفة إما على جملة القسم والجواب، فيقدر فيها قسم وتكون لام لبئس موطئة له، وإما معطوفة على جملة الجواب وحدها، فلا يقدر فيها قسم وتكون اللام موطئة للقسم الأول، كاللام الأولى، ولو: شرطية، ومفعول يعلمون: محذوف، أو أنه منزل منزلة اللازم أى: لو كانوا يعلمون مذمومية الشراء ورداءته، أو لو كانوا من أهل العلم، وجواب لو: محذوف تقديره لامتنعوا، وحاصل معنى الآية: والله لقد علم اليهود أن من اشترى كتاب السحر أى: اختاره على كتاب الله ماله فى الآخرة نصيب من الثواب أصلا، ولا شك أن عدم الخلاق فى الآخرة حالة مذمومة، فكأنه قيل: ولقد علموا رداءة حال من اشتراه ومذموميتها، ثم قيل: وو الله لبئس ما باعوا به أنفسهم أى: حظوظها لو كانوا يعلمون برداءة ذلك الشراء لامتنعوا منه، ومحل الشاهد من الآية قوله: لو كانوا يعلمون، فإن
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
العلم الواقع بعد لو منفى بمقتضاها؛ لأنها حرف امتناع لامتناع، وقد أثبت ذلك العلم لهم فى صدر الآية، وهذا تناف، والجواب أنهم لما لم يعلموا بمقتضى العلم نزل ذلك العلم منزلة عدمه فصاروا بمنزلة الجاهلين، فإثبات العلم لهم أولا هو الموافق للواقع، ونفيه عنهم ثانيا مظهر لتنزيلهم منزلة الجاهلين بذلك الشىء لعدم جريهم على موجب علمهم، ثم إن المقصود من الآية التنظير؛ لأنها ليست من قبيل تنزيل العالم بإحدى الفائدتين منزلة الجاهل لعدم جريانه على مقتضى العلم فيلقى له الخبر؛ لأن اليهود غير مخاطبين بالآية، ولم يقصد إعلامهم بها حتى تكون خبرا ملقى لهم ومقصودا إعلامهم بمضمونه وهم يعلمونه ونزلوا منزلة الجاهلين، إذ المخاطب بالآية إنما هو النبى- صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وليسوا عالمين بفائدة هذا الخبر، والحاصل أن المقصود بالآية: التنظير؛ لأن فيها تنزيل العالم بالشىء منزلة الجاهل به كما أن فى المبحث المذكور قبلها كذلك، وإن افترقا من جهة أن العالم المنزل منزلة الجاهل فى الآية ليس مخاطبا وليس عالما بفائدة الخبر، بخلاف المبحث السابق، فإن قلت: هذا التكلف فى الآية بجعلها نظيرا إنما يحتاج إليه إذا كان العلم المنفى بلو متعلقا بما تعلق به العلم المثبت وهو عدم الخلاف والثواب؛ لأنه يلزم على ذلك التناقض فى الآية، وإنما يندفع بذلك التكلف، وأما لو كان العلم المنفى متعلقا بالذم المأخوذ من بئس والعلم المثبت متعلقا بعدم الخلاق وهما متغايران لوجود عدم الخلاق فى الأمر المباح بخلاف الذم فلا تناقض؛ لأن شرطه اتحاد الموضوع والمحمول والموضوع هنا قد اختلف، وإذا احتملت الآية هذين الأمرين سقط بها الاستشهاد عن التنظير أيضا، فلا يصح أن تكون شاهدا لما ادعاه المصنف لما قلناه سابقا ولا شاهدا على النظير للاحتمال السابق، والدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال. قلت: هذا الاحتمال مناف لسياق الآية؛ لأن سوق الآية يدل على اتحاد الذم، وانتفاء الخلاق ما صدقا فى الآية على ما ذكره المفسرون؛ وذلك لأن اختيار ما لا نفع ولا ثواب فيه فى الآخرة كالسحر على النافع من كل الوجوه وهو كتاب الله ردىء ومذموم، فالآية على هذا الاحتمال بناء
لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (1) بل تنزيل وجود الشىء منزلة عدمه كثير منه قوله تعالى:
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ (فينبغى) أى: إذا كان قصد المخبر بخبره إفادة المخاطب- ينبغى (أن يقتصر
…
===
على الاتحاد المذكور ترجع إلى الاحتمال الأول، فالتناقض باق بحاله، وعلى تقدير عدم الاتحاد بين الأمرين يجب أن يكون العلم المنفى متعلقا بما تعلق به المثبت وهو عدم الخلاق، فيرجع قوله:(لو كانوا يعلمون) إلى صدر الآية؛ لأنه الأنسب ببلاغة القرآن من جهة أن فيه إشارة إلى أن علمهم بعدم الثواب كاف فى الامتناع، فكيف العلم بالذم وحمل الآيات على الأبلغ واجب.
(قوله: بل تنزيل إلخ) هذا ترق آخر، وهو تنزيل وجود الشىء أعم من أن يكون علما أو غيره منزلة عدمه، كما فى الآية، فإن وجود الرمى المنزل منزلة عدمه ليس بعلم، والحاصل أن الآية السابقة نزل فيها مطلق العلم أى: أعم من كونه متعلقا بفائدة الخبر أو غيره منزلة عدمه، وما هنا نزل وجود الشىء مطلقا كان علما أو غيره منزلة عدمه قوله: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ (2)(إذ) ظرف لرميت الأول أو للنفى المأخوذ من (ما)، ونفى الرمى عنه عليه الصلاة والسلام باعتبار أنه بالنسبة لما ترتب عليه من الآثار العجيبة: كإصابة جميع الكفار بالتراب فى أعينهم كالعدم، والحاصل أنه لما ترتب على رميه آثار عجيبة لم تترتب على فعل غيره من البشر عادة نزل ذلك الرمى منزلة العدم لقلته بالنسبة لما ترتب عليه، وإثبات الرمى له ثانيا نظرا للظاهر، فلا تناقض فى الآية، وهذا الحمل أحسن من قول بعضهم: إن نفى الرمى من جهة الحقيقة أو التأثير والإثبات من جهة الصورة الظاهرية والكسب، وذلك لأنه لا تنزيل فى الآية حينئذ.
(قوله: فينبغى) أى: يجب صناعة، فلو لم يقتصر على قدر الحاجة عدّ مخطئا
(قوله: أى إذا كان قصد المخبر إلخ) هذا إشارة إلى أن الفاء فى قوله:
فينبغى للتفريع، وقوله حذرا عن اللغو إشارة إلى وجه التفريع، وانظر لم ترك الشارح الفاء عند إعادة ينبغى، وتوضيح المعنى أن قصد المخبر إذا كان إفادة المخاطب أحد
(1) البقرة: 102.
(2)
الأنفال: 17.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الأمرين فينبغى له أن يقتصر من التركيب على قدر ما تحصل به إفادته لا أنقص منه ولا أزيد حذرا من اللغو، فإنه إذا كان غير مفيد أصلا كان لغوا محضا، وإن كان ناقصا عن إفادة ما قصد به كان فى حكم اللغو، وإذا كان زائدا عليها كان مشتملا على اللغو، وبهذا ظهر لك تفرع هذا الكلام أعنى قوله: فينبغى إلخ، على ما قبله، ولم يحتج لما أورده بعضهم بقوله: إن جواب الشرط مسبب عنه، وهذا المذكور المأخوذ من أول المبحث أعنى قوله: فينبغى إلخ، لا يظهر كونه مسببا عن الشرط المحذوف الذى قدره الشارح بقوله أى: إذا كان إلخ، بل ما ذكره المصنف قاعدة مستقلة بنفسها لا تتفرع على ما سبق، والذى يظهر كونه مسببا عما سبق قوله بعد ذلك؛ فإن كان المخاطب إلخ، وأجاب عن ذلك بأن قوله: فينبغى إلخ، كلام مجمل يفصله قوله: فإن كان إلخ، والمجمل والمفصل شىء واحد وإن اختلفا بالاعتبار، وقد حكمنا بأن ذلك المفصل يظهر كونه مسببا عن الشرط فيصح أن يكون مجمله كذلك، فالحاصل أنه لا شك فى صحة تفرع قوله: فينبغى إلخ، على ما تقدم من أن قصد المخبر إلخ، ولا يحتاج فى توجيه التفريع إلى أن يقال إن ما ذكره من الاقتصار حكم مجمل قد فصل بقوله: فإن كان المخاطب إلخ.
بقى شىء آخر: وهو أن اعتبار هذه الأحوال أعنى: خلو الذهن والتردد والإنكار ظاهر بالنسبة إلى فائدة الخبر يعنى: الحكم، وأما بالنسبة إلى لازمها فيمكن اعتبار الخلو والتجريد عن المؤكدات، وأما اعتبار التردد والإنكار فلا يصح؛ لأن التردد فى علم المخاطب أو إنكاره يقتضى تأكيده لا تأكيد الحكم، فإذا أكد وقيل: إنى عالم بقيام زيد مثلا، انقلب اللازم فائدة؛ لأن المقصود حينئذ إثبات العلم بالقيام لا إثبات القيام، والكلام فى لازم الفائدة لا فيها فلا يتصور اعتبار التردد أو الإنكار فى اللازم مع بقائه على حاله على أنه لا يتصور، ولو لم يبق على حاله إن أريد بعلم المتكلم حصول صورة الحكم؛ لأن إلقاء الخبر للمخاطب يستلزم إفادته المخاطب أنه عالم بالحكم كما تقدم بيانه، أما إن أريد بالحكم التصديق مطلقا أو بقيد الجزم وحده أو به مع المطابقة
من التركيب على قدر الحاجة) حذرا عن اللغو (فإن كان) المخاطب (خالى الذهن من الحكم والتردد فيه) أى: لا يكون عالما بوقوع النسبة أو لا وقوعها، ولا مترددا فى النسبة
…
===
لتصور فيه التردد والإنكار بعد إلقاء الخبر لاحتمال أن يكون المخبر شاكا أو واهما، فيصح التأكيد حينئذ- أفاده السيرامى.
(قوله: من التركيب)(من) بمعنى (في) أو المعنى، فيقتصر على قدر الحاجة من المركبات
(قوله: على قدر الحاجة) أى: على مقدار حاجة المخبر فى إفادة الحكم ولازمه، أو حاجة المخاطب فى استفادتهما، فلا يزيد ولا ينقص عن مقدارها.
(قوله: حذرا عن اللغو) أى: لأجل التباعد عنه وهو علة ليقتصر لا لقوله:
فينبغى لاختلافهما فى الفاعل؛ لأن فاعل ينبغى أن يقتصر أى: الاقتصار، وفاعل الحذر هو المتكلم. إن قلت: اللغو هو الكلام الزائد الذى لا فائدة فيه، فالتعليل حينئذ قاصر على عدم الزيادة وليس شاملا لعدم النقصان مع أن المدعى الشمول لهما؛ لأن قوله على قدر الحاجة أى: بحيث لا يزيد ولا ينقص، فالتعليل فيه قصور: أجيب بأنه ترك تعليل عدم النقص لعلمه بطريق المقايسة، وكأنه قال: حذرا من اللغو ومن القصور، أو المراد باللغو ما يشمل اللغو حقيقة وهو الزائد على قدر الحاجة وحكما وهو الكلام الناقص عن قدر الحاجة؛ لأن الكلام إذا نقص عن قدر الحاجة كان غير مفيد فيكون فى حكم اللغو لعدم الاعتداد به لكونه غير مفيد للمقصود، وهذا الجواب قد أشرنا إليه سابقا.
(قوله: فإن كان المخاطب خالى الذهن من الحكم إلخ) مقتضاه أنه إذا كان خالى الذهن من لازم الحكم وقصد المتكلم إفادته أنه يؤكد له وليس كذلك، بل هو مثل خالى الذهن من الحكم ولعله تركه للعلم به بالمقايسة وقد علمت الكلام فى ذلك والمراد بالحكم الاعتقاد ولو غير جازم كما يأتى بيانه
(قوله: أى لا يكون إلخ) تفسير لقوله خالى الذهن وقوله عالما بوقوع النسبة أو لا وقوعها تفسير للحكم، فالمراد بالحكم هنا العلم بوقوع النسبة أو لا وقوعها أى: إدراك أنها واقعة أو ليست بواقعة وهو المسمى بالتصديق وبالإيقاع والانتزاع وبالإذعان
(قوله: ولا مترددا فى أن النسبة إلخ) أشار به
هل هى واقعة أم لا؛
…
===
إلى أن الضمير فى قوله: والتردد فيه للحكم بمعنى وقوع النسبة أو لا وقوعها ففى الكلام استخدام؛ لأن التردد ليس فى الحكم بمعنى التصديق، بل فى الحكم بمعنى الوقوع أو اللاوقوع فذكر الحكم أولا بمعنى التصديق، وأعاد الضمير عليه بمعنى الوقوع، أو اللاوقوع وهو المعبر عنه بالنسبة الكلامية، ويجوز أن يراد بالحكم فى الموضعين الوقوع أو اللاوقوع ويقدر مضاف قبل الحكم أى: من إدراك الحكم، فيكون الخلو عن الحكم بمعنى الخلو عن إدراكه وهذا الاحتمال يرجع للأول ولكنهما يختلفان بالاستخدام، وتقدير المضاف، والأولى كما قال عبد الحكيم: أن يراد بالحكم وقوع النسبة أو لا وقوعها بدليل سابق الكلام ولاحقه أعنى قوله: أولا ولا شك أن قصد المخبر بخبره إفادة المخاطب إما الحكم إلخ؛ فإن المراد به وقوع وقوع النسبة أو لا وقوعها، وكذا قوله:
والتردد فيه، فإن التردد والإنكار إنما هو فى الحكم بمعنى وقوع النسبة أو لا وقوعها ومعنى خلو الذهن عنه أن لا يكون حاصلا فيه، وحصوله فيه إنما هو الإذعان به، فيكون المعنى خاليا عن الإذعان به، والخلو عن الإذعان به لا يستلزم الخلو عن التردد، لأن الإذعان والتردد متنافيان فلا يستلزم الخلو عن أحدهما الخلو عن الآخر، ولما كان الخلو عن الأول لا يستلزم الخلو عن الثانى عطفه المصنف عليه، فقال: والتردد فيه فليس قوله: والتردد فيه مستغنى عنه كما قيل أ. هـ كلامه.
وقول الشارح: لا يكون عالما إلخ: لا يخالف هذا؛ لأن نفى العلم مأخوذ من خلو الذهن عن الحكم، وقوله بوقوع النسبة أو لا وقوعها هذا بيان للحكم فتأمل
(قوله: هل هى واقعة أم لا) قد تكرر فى كتب النحو امتناع أن يؤتى لهل بمعادل؛ لأنها مختصة بطلب التصديق، والإتيان لها بمعادل يقتضى خروجها عن ذلك لطلب التصور كما سيأتى ذلك- إن شاء الله- فى أوائل الإنشاء، فهذا التركيب من الشارح إما بناء على ما ذهب إليه ابن مالك من أن هل تقع موقع الهمزة فيؤتى لها بمعادل مثلها مستدلا بقوله- عليه الصلاة والسلام:" هل تزوجت بكرا أم ثيبا"(1)، أو يقال إن أم هنا منقطعة
(1) أخرجه البخارى (ح/ 2967) وأخرجه مسلم بغير لفظ: هل (3/ 651، 655).
وبهذا يتبين فساد ما قيل: إن الخلو عن الحكم يستلزم الخلو عن التردد فيه فلا حاجة إلى ذكره بل التحقيق أن الحكم والتردد فيه
…
===
بمعنى بل التى للإضراب لا متصلة، فإن السائل إذا قال: هل زيد عندك أم لا؟ كان المعنى هل زيد عندك؟ بل أليس عندك؟ فهو انتقال من استفهام إلى استفهام آخر غير الأول، فالسائل ظن أولا أن زيدا عند المخاطب فاستفهم عنه، ثم أدركه ظن آخر أنه ليس عنده فاستفهم عنه، وأم المنقطعة يجوز استعمالها مع هل ومع غيرها من أدوات الاستفهام.
(قوله: وبهذا) أى: التقرير الذى ذكرناه من أن المراد بخلو الذهن عن الحكم والتردد فيه أن لا يكون عالما بوقوع النسبة إلخ
(قوله: يتبين فساد ما قيل) أى: اعتراضا على المصنف، وذلك القائل هو العلامة علاء الدين بن حسام الدين أستاذ الشارح، وحاصل ما قاله أنه يستغنى عن قوله والتردد فيه بما قبله؛ لأن خلو الذهن عن الحكم يستلزم عدم التردد فيه، وهذا الاعتراض بناء على ما فهمه من أن المراد بالحكم أولا وثانيا وقوع النسبة أو لا وقوعها والمراد بخلو الذهن عن ذلك عدمه وانتفاؤه، وبيان ذلك أن خلو الذهن عن النسبة الواقعة أو غير الواقعة يتناول بإطلاقه عدم التصديق بها وعدم تصوره لها، ومن المعلوم أنه إذا كان خالى الذهن عن التصور لها فلا يتأتى التردد فيها؛ لأن التردد فى قوعها وعدمه فرع عن تصورها وحصولها فى الذهن، وحاصل الرد عليه أن المراد بالحكم الإذعان والتصديق بوقوع النسبة، والمراد بخلو الذهن عن ذلك عدم الإذعان والتصديق به، ولا شك أن خلو الذهن عما ذكر لا يستلزم خلوه عن التردد فيه، فقد يوجد التردد فى الشىء مع خلو الذهن عن التصديق به لتصوره.
(قوله: يستلزم الخلو عن التردد فيه) أى: ضرورة أن التردد فى الحكم يوجب حصول الحكم التصورى
(قوله: فلا حاجة إلى ذكره) أى: التردد
(قوله: بل التحقيق إلخ) أى: وحينئذ فالخلو عن الحكم لا يستلزم الخلو عن التردد فيه؛ لأن الخلو عن أحد المتنافيين لا يستلزم الخلو عن الآخر، وهذا الإضراب للانتقال والترقى من إفساد ما قيل بارتكاب الاستخدام أو تقدير المضاف أو تحقيق معنى الخلو عن الحكم على اختلاف
متنافيان- (استغنى) على لفظ المبنى للمفعول (عن مؤكدات الحكم) لتمكن الحكم فى الذهن
…
===
التقادير السابقة إلى إفساده بوجه آخر، وهو تنافى الحكم والتردد فيه من غير احتياج إلى استخدام أو تقدير مضاف، أو ملاحظة معنى الخلو عن الحكم، وفيه أى: ذلك الإضراب إشارة إلى أن ما اقتضاه ما قيل من عدم تنافيهما غير تحقيق
(قوله: متنافيان) أى: لا يجتمعان حصولا فقط
(قوله: على لفظ المبنى للمفعول) أى: والفعل مسند إلى ضمير المصدر بالتأويل المشهور أى: حصل الاستغناء أو أن نائب الفاعل الجار والمجرور أعنى قوله: عن مؤكدات الحكم ثم ما ذكره الشارح من أن الفعل مبنى للمفعول مبنى على أنه الرواية، ولكونه المناسب لقوله: بعد حسن تقويته، حيث لم يتعرض فيه للمتكلم ولا للمخاطب، وإلا فالبناء للفاعل فيه.
وفى قوله: أن يقتصر جائز أيضا، وقوله استغنى أى: وجوبا كما نقله بعضهم عن الشارح
(قوله: عن مؤكدات الحكم)(1) احترازا عن مؤكدات الطرفين، كالتأكيد اللفظى والمعنوى فإنها جائزة مع الخلو نحو: زيد زيد قائم، وزيد نفسه قائم، وجاء القوم كلهم. إن قلت: إن الاحتياط أمر مستحسن عند البلغاء اعتبروه فى مواضع كالتأكيد لاحتمال سهو أو نسيان أو عدم فهم، فهلا جوزوا بل استحسنوا التأكيد لخالى الذهن من الحكم لدفع احتمال تردد أو إنكار عنده؟ أجيب بأن احتمال ذلك أمر ضعيف لا يعارض مناسبة عقلية.
واعلم أن مؤكدات الحكم: (إن) المكسورة الهمزة، والقسم، ونونا التوكيد، ولام الابتداء، واسمية الجملة، وتكريرها ولو حكما، وأما الشرطية، وحروف التنبيه، وحروف الزيادة- على ما فصل فى النحو- وضمير الفصل، وتقديم الفاعل المعنوى
(1) انظر الإيضاح ص 21 بتحقيق د/ عبد الحميد هنداوي.
حيث وجده خاليا (وإن كان) المخاطب (مترددا فيه) أى: فى الحكم (طالبا له) بأن حضر فى ذهنه طرفا الحكم وتحير فى أن الحكم بينهما وقوع النسبة أو لا وقوعها (حسن تقويته) أى: تقوية الحكم (بمؤكد) ليزيل ذلك المؤكد تردده
…
===
لتقوية الحكم، والسين إذا دخلت على فعل محبوب أو مكروه؛ لأنها تفيد الوعد أو الوعيد بحصول الفعل فدخولها على ما يفيد الوعد أو الوعيد مقتض لتوكيده وتثبيت معناه، و (قد) التى للتحقيق، وكأن، ولكن، وإنما، وليت، ولعل، وتكرير النفى، ولم يعدوا (أن) المفتوحة؛ لأن ما بعدها فى حكم المفرد، لكن عدها ابن هشام من مؤكدات النسبة فانظر مع ذلك
(قوله: حيث وجده خاليا) أى: لوجود الحكم الذهن خاليا، فالحيثية هنا للتعليل.
(قوله: وإن كان مترددا فيه) أى: فى الحكم بمعنى وقوع النسبة أو لا وقوعها طالبا له أى: للحكم بمعنى العلم بوقوع النسبة أو لا وقوعها أى التصديق بذلك، ففيه استخدام- كذا قال سم، وانظر هل ذكر الضمير أو لا بمعنى وذكره ثانيا بمعنى آخر يسمى استخداما كما قال سم، أو من قبيل شبه استخدام، والظاهر الثاني- وتأمل فى ذلك
(قوله: طالبا له) أى: بلسان الحال أو المقال، وهذا لازم للتردد فيه لا أنه محترز به عن شىء؛ لأن الموافق للطبع أن الإنسان إذا تردد فى شىء صار متشوفا إليه وطالبا للاطلاع على شأنه، وإلا كان منسيا غير متردد فيه، وسكت المنصف عما إذا كان المخاطب عالما بالحكم أو ظانا له أو متوهمه، والظاهر أن الأولين لا يلقى إليهما الخبر إلا بعد التنزيل السابق، وأن الثالث كالمتردد فى استحسان التوكيد له، وكذلك الظان إذا كان ظنه ضعيفا جدا فى عرضة الزوال، ويمكن دخولها فى كلام المصنف بأن يراد بالمتردد ما كان تردده مستويا، أو براجحية أحد الطرفين، أو مرجوحيته، ويراد بالراجحية: الراجحية غير القوية جدّا، وعلم من هذا أن خالى الذهن أقرب للامتثال من الشاك وهو المتردد ومن المتوهم ومن الظان ظنا ضعيفا
(قوله: بأن حضر إلخ) تصوير لقوله:
مترددا فيه
(قوله: طرفا الحكم) أى: الوقوع أو اللاوقوع وطرفاه المحكوم به، والمحكوم عليه
(قوله: أى: تقويته الحكم) المتردد فيه بمعنى وقوع النسبة أو لا وقوعها
(قوله: بمؤكد)
ويتمكن الحكم، لكن فى دلائل الإعجاز: أنه إنما يحسن التأكيد إذا كان للمخاطب ظن على خلاف حكمك (وإن كان) المخاطب (منكرا) للحكم (وجب توكيده) أى: توكيد الحكم (بحسب الإنكار) أى: بقدره
…
===
أى: واحد فلو زاد أو لم يؤكد لم يستحسن أى: حسن تقويته بأداة توكيد وتسميتها مؤكدا حقيقة عرفية، فلا يقال إن المؤكد هو المتكلم
(قوله: ويتمكن الحكم) أى: من ذهنه وهذا عطف لازم
(قوله: لكن المذكور فى دلائل الإعجاز إلخ)(1) أى: فيكون المذكور فيها منافيا لما ذكره القوم؛ لأن ما فى دلائل الإعجاز يقتضى أن التأكيد للمتردد لا يجوز كخالى الذهن، وكلام القوم يقتضى أن التأكيد له جائز، بل هو مستحسن، وجمع بعضهم بين كلام القوم وما فى دلائل الإعجاز: بأن الظن فى كلام الشيخ عبد القاهر شرط فى التأكيد بإن خاصة؛ لأنها كالعلم فى التأكيد بخلاف غيرها فلا يشترط فى التأكيد به ظن الخلاف، وعليه يحمل كلام القوم، وحينئذ فلا تنافى، ورد هذا الجمع بقوله تعالى: إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (2) فإنه مؤكد بإن، مع أن نوحا لم يكن ظانا لعدم غرقهم، بل مترددا، فالحق أنهما طريقتان متقابلتان
(قوله: منكرا للحكم) أى: وقوع النسبة.
(قوله: يعنى يجب إلخ) أشار بذلك إلى أن قول المصنف بحسب متعلق بمحذوف أى: وجب زيادة التوكيد بحسب إلخ، وليس متعلقا بوجوب؛ لأن الوجوب لا يتفاوت بتفاوت الإنكار، والمتفاوت بتفاوته إنما هو الزيادة، لكن قد يقال: إن تعلقه بالزيادة المحذوفة يقتضى أن أصل التأكيد غير واجب والواجب إنما هو الزائد، فلعل الأحسن تعلقه بالتأكيد إلا أن يقال وجوب أصل التأكيد مستفاد من أصل الإنكار، أو يقال وجوب أصل التوكيد مستفاد من وجوب زيادته؛ لأنه يلزم من وجوب زيادته وجوب أصله.
بقى شىء آخر وهو ما الفرق بين التأكيد الواجب والمستحسن؟ مع أن المستحسن عند البلغاء واجب، إلا أن يقال إن ترك المستحسن يلام عليه لوما أخف من اللوم على ترك الواجب قرره شيخنا العدوى.
(1) دلائل الإعجاز ص 211.
(2)
هود: 37.
قوة وضعفا؛ يعنى: يجب زيادة التأكيد بحسب ازدياد الإنكار إزالة له (كما قال الله تعالى- حكاية عن رسل عيسى عليه الصلاة والسلام إذ كذبوا فى المرة الأولى- إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (1)) مؤكدا بإن، واسمية الجملة (وفى) المرة الثانية): رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ) (2)
…
===
(قوله: قوة وضعفا) أى: لا عداد، فقد يطلب للإنكار الواحد تأكيدان مثلا لقوته وللإنكارين ثلاث مثلا لقوتهما، وللثلاث أربع لقوة الثلاث كما فى الآية الآتية، فإن التأكيدات فيها أربع والإنكارات ثلاث لقوتها
(قوله: كما قال الله تعالى إلخ) هذا تمثيل للقسم الثالث، ثم إنه يحتمل أن ما موصول حرفى أى: كقول الله تعالى، وعلى هذا فلا بد من تقدير أى كالتأكيد فى قول الله تعالى، ويحتمل أنها اسم موصول، والعائد محذوف أى: كالتأكيد الذى قاله تعالى، ثم إنه إن أريد التمثيل كما هو المتبادر فهو ظاهر، وإن أريد الاستدلال على الوجوب ففيه أنه لا دلالة فى الآية على وجوب التأكيد، وعلى وجوب كونه بقدر الإنكار، بل يحتمل أن كلا من التأكيد وكونه بقدر الإنكار استحسانى
(قوله: عن رسل عيسى إلخ) أى: وهم بولش- بفتح الموحدة وسكون الواو وفتح اللام وبعدها شين معجمة-، ويحيى، وشمعون وهو الثالث الذى عززهما بعد تكذيبهما هذا هو الأصح، وما قيل إنهم يحيى وشمعون، والثالث الذى عززهما بولش، أو حبيب النجار فغير موثوق به
(قوله: إذ كذبوا) ظرف لمفعول محذوف أى: حكاية عن الرسل قولهم إذ كذبوا، أو ظرف لمضاف محذوف أى: حكاية عن قول الرسل إذ كذبوا، أو لخبر محذوف، والجملة مستأنفة أى: وهذا المحكى صادر إذ كذبوا، ولا يصح أن يكون ظرفا لقال أو لحكاية؛ لأن القول والحكاية ليسا وقت التكذيب، بل متأخران عنه
(قوله: مؤكدا بأن واسمية الجملة) أى: كونهما اسمية لا صيرورتها اسمية؛ لأنه لا يشترط فى التأكيد بها كونها معدولة عن الفعلية كما وهم- كذا فى عبد الحكيم.
(1) يس: 14.
(2)
يس: 16.
مؤكد بالقسم، وإن، واللام، واسمية الجملة لمبالغة المخاطبين فى الإنكار حيث قالوا: ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (1) وقوله: إذ كذبوا- مبنى على أن تكذيب الاثنين تكذيب للثلاثة،
…
===
(قوله مؤكد بالقسم) أى: وهو رَبُّنا يَعْلَمُ (2) فقد ذكر فى الكشاف أن ربنا يعلم: جار مجرى القسم فى التأكيد، ك شَهِدَ اللَّهُ (3) فاندفع ما يقال: أنه لا قسم هنا، أو يقال مراده بالقسم القسم الحكمى؛ لأن قولهم: ربنا يعلم فى قوة نقسم بعلم ربنا أو بربنا العليم
(قوله: حيث قالوا إلخ) فيه أن هذه ثلاث إنكارات، فكيف يؤكد لها بأربع تأكيدات، مع أنه يجب أن يكون التأكيد بقدر الإنكار؟ والجواب أن المراد أنه يجب أن يكون التأكيد بقدر الإنكار فى القوة والضعف لا فى العدد، كما قال الشارح:
هذه الإنكارات الثلاثة الواقعة منهم مساوية فى القوة للتأكيدات الأربع أو أن الحصر فى الموضعين بمنزلة إنكار رابع، كما قاله سم، أو أن قوله وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ يتضمن إنكارين أحدهما صريح وهو نفى نزول شىء من الرحمن والآخر استلزامى وهو نفى الرسالة- أفاده السيرامى.
(قوله: ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا) إن قلت: قول المنكرين ذلك إنكار للرسالة من الله؛ لأنها هى التى يرون منافاتها للبشرية مع أن الرسل من عند عيسى لا من عند الله، وحينئذ فلا يكون قولهم ما أنتم إلا بشر مثلنا إنكار الشىء، أجيب بأن المعنى: ما مرسلكم إلا بشر مثلنا والمرسل لا يكون بشرا، ويحتمل أنهم فهموا أن الرسل من عند الله، أو يقال: إنهم لما دعوهم إلى رسالة رسول الله بإذن الله نزلوا رسالة رسول الرسول كرسالة الرسول؛ لأن التصديق بهذه تصديق بتلك، فخاطبوا الأصل بواسطة الفرع بما يقتضى نفى أصل الرسالة فى زعمهم.
(قوله: وقوله) أى: المصنف إذ كذبوا بصيغة الجمع، ولم يقل إذ كذبا بصيغة التثنية مع أن المكذب فى المرة الأولى اثنان فقط
(قوله: مبنى على أن تكذيب الاثنين تكذيب للثلاثة) أى: لأن ما جاء به الثالث عين ما جاء به الاثنان، فالحكم على ما جاء
(1) يس: 15.
(2)
يس: 16.
(3)
آل عمران: 18.
وإلا فالمكذب أولا اثنان (ويسمى الضرب الأول: ابتدائيا، والثانى: طلبيا، والثالث: إنكاريا، و) يسمى (إخراج الكلام عليها) أى:
…
===
به الاثنان بأنه كذب حكم على ما جاء به الثالث أيضا بأنه كذب؛ لأنه عينه
(قوله: وإلا فالمكذب إلخ) أى وإلا تقل ذلك فلا يصح؛ لأن المكذب أولا اثنان فكيف يعبر المصنف بضمير الجمع بقوله إذ كذبوا، ولك أن تقول المراد بقوله: إذ كذبوا أى:
مجموع الثلاثة من حيث هو مجموع، ولا شك أن الثلاثة المركبة من اثنين قد كذبا وواحد لم يكذب يصدق على مجموعها أنه قد كذب، لأن المركب من مكذب وغيره مكذب، ثم إن هذا التأويل مبنى على أن قوله فى المرة الأولى متعلق بكذبوا كما هو الظاهر وتعلق إذ كذبوا بمقدر كما مر، وأن المعنى قال الله تعالى حكاية عن الرسل إذ كذبوا فى المرة الأولى، وأما لو جعل متعلقا ب [قال] كما يدل عليه الإيضاح، أو بحكاية فلا يرد ذلك؛ لأن المعنى كما قال الله تعالى حكاية عن قول الرسل فى المرة الأولى كذا، وفى المرة الثانية كذا، ولا شك أن هذا المعنى لا دلالة له على أن الثلاثة كذبوا فى المرة الأولى
(قوله: فالمكذب أولا اثنان) أى: وهما المرسلان أولا وهما بولش ويحيى- عليهما السلام والثالث المعزز به أى: المقوى به الاثنان شمعون
(قوله: ويسمى الضرب الأول) أى: الخلو عن التأكيد، وإنما كان هذا أولا لذكره فى كلام المصنف أولا ضمنا، والثانى هو التأكيد استحسانا، والثالث هو التأكيد وجوبا
(قوله: ابتدائيا) أى: ضربا ابتدائيا لكونه غير مسبوق بطلب ولا إنكار
(قوله: والثاني) وهو التأكيد استحسانا عند التردد والطلب للحكم، وإنما كان هذا الضرب ثانيا لذكره ضمنا فى كلام المصنف
(قوله: طلبيا) أى: ضربا طلبيا؛ لأنه مسبوق بالطلب، أو لكون المخاطب طالبا له.
(قوله: والثالث) أى: ويسمى الضرب الثالث أى: المذكور فى المتن ضمنا ثالثا وهو التأكيد وجوبا عن الإنكار
(قوله: إنكاريا) أى: ضربا إنكاريا؛ لأنه مسبوق بالإنكار، ولكون المخاطب بالكلام المشتمل عليه منكرا، فالتسمية بالنظر لحاله أو لحال المخاطب
(قوله: وإخراج الكلام عليها) أى تطبيق الكلام عليها بمعنى إتيانه به متكيفا
على الوجوه المذكورة وهى الخلو عن التأكيد فى الأول، والتقوية بمؤكد استحسانا فى الثانى، ووجوب التأكيد بحسب الإنكار فى الثالث (إخراجا على مقتضى الظاهر) وهو أخص مطلقا من مقتضى الحال؛
…
===
بتلك الأوجه ومشتملا عليها ومتصفا بها
(قوله: على الوجوه المذكورة) الأنسب أن يقول: على الضروب المذكورة، إلا أن يقال عبر هنا بالوجوه: إشارة إلى أن المراد بالضروب فى كلام المصنف الوجوه
(قوله: فى الأول) أى: فى الإلقاء الأول؛ لأن إلقاء الكلام خاليا عن التأكيد، يقال له إلقاء أول بالنسبة لإلقائه مؤكدا بحسب الترتيب الطبيعى وليس المراد فى الضرب الأول، لئلا يلزم ظرفية الشىء فى نفسه؛ لأن الضرب الأول نفس الخلو عن التأكيد، وكذا يقال فى قوله فى الثاني، وفى قوله فى الثالث إلا أن تجعل (في) بمعنى الباء أى: بالنسبة للضرب الأول، وكذا يقال فيما بعده
(قوله: والتقوية بمؤكد إلخ) الأولى أن يقول والتأكيد استحسانا والتأكيد وجوبا لتظهر المقابلة؛ لأن المقابل للخلو على التأكيد نفس التأكيد استحسانا أو وجوبا، لا التقوية به.
(قوله: إخراجا على مقتضى الظاهر) أى: إلقاء جاريا على مقتضى الظاهر أو إلقاء؛ لأجل مقتضى ظاهر الحال.
واعلم أن الحال هو الأمر الداعى إلى إيراد الكلام مكيفا بكيفية ما، سواء كان ذلك الأمر الداعى ثابتا فى الواقع أو كان ثبوته بالنظر لما عند المتكلم: كتنزيل المخاطب غير السائل منزلة السائل، وظاهر الحال هو الأمر الداعى إلى إيراد الكلام مكيفا بكيفية مخصوصة بشرط أن يكون ذلك الأمر الداعى ثابتا فى الواقع، فلذا كان ظاهر الحال أخص من الحال مطلقا، فالتطبيق على الثانى إخراج للكلام على مقتضى ظاهر الحال وعلى مقتضى الحال، وعلى الأول إخراج له، على خلاف ظاهر الحال وعلى مقتضى الحال، ثم إن تلك الكيفية هى المقتضى للحال أو لظاهره، فكل كيفية اقتضاها ظاهر الحال اقتضاها الحال، وليس كل كيفية اقتضاها الحال اقتضاها ظاهره، فعموم المقتضى بالكسر يقتضى عموم المقتضى
(قوله: لأن معناه) أى: معنى مقتضى الظاهر مقتضى ظاهر الحال أى: مقتضى الحال الظاهر، فالحال تحته فردان ظاهر وخفى،
لأن معناه مقتضى ظاهر الحال، فكل مقتضى الظاهر مقتضى الحال من غير عكس كما فى صور إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر فإنه يكون على مقتضى الحال ولا يكون على مقتضى الظاهر (وكثيرا ما يخرج) الكلام (على خلافه) أى: على خلاف مقتضى الظاهر
…
===
فالظاهر ما كان ثابتا فى نفس الأمر، والخفى ما كان ثابتا باعتبار ما عند المتكلم، وإذا كان تحته فردان كان ظاهر الحال أخص من مطلق الحال
(قوله: لأن معناه إلخ) أى:
وليس المراد به مقتضى ظاهر الأمر أى: الأمر الظاهر كان حالا أو غيره، وإلا كان بينه وبين مقتضى الحال العموم والخصوص الوجهى لاجتماعهما فيما إذا كان الداعى هو الأمر الظاهر أى: الثابت فى الواقع وانفراد مقتضى الأمر الظاهر دون مقتضى الحال فيما إذا كان الداعى هو الأمر الظاهر أى: الثابت فى الواقع وانفراد مقتضى الأمر الظاهر دون مقتضى الحال فيما إذا كان الكلام على وفق الظاهر أى: الثابت فى الواقع دون الحال الذى عند المتكلم كما لو نزلت المنكر كغير المنكر، وأكدت الكلام نظرا للظاهر، وانفراد مقتضى الحال بدون مقتضى الأمر الظاهر فيما إذا كان الكلام على وفق مقتضى الحال الغير الظاهر، بأن كان الحال غير ثابت فى الواقع: كما فى تنزيل غير المنكر منزلة المنكر، وتأييد الكلام له أفاده عبد الحكيم.
(قوله: من غير عكس) أى: لغوى، وأما العكس المنطقى فثابت وهو بعض مقتضى الحال مقتضى ظاهر الحال
(قوله: كما فى صور إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر) أى: المذكور فى قول المصنف، وكثيرا ما إلخ، وذلك كما لو نزل غير السائل منزلة السائل، فألقى إليه الكلام مؤكدا، فالتأكيد مقتضى الحال الذى هو السؤال تنزيلا، لكنه خلاف مقتضى ظاهر الحال الذى هو عدم السؤال حقيقة
(قوله: وكثيرا) نصب على الظرفية أو المصدرية وما زائدة لتأكيد الكثرة أى: ويخرج الكلام تخريجا كثيرا أوحينا كثيرا، والمراد أن تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر كثير فى نفسه لا بالإضافة إلى مقابله حتى يكون الإخراج على مقتضى الظاهر قليلا، أو يقال إنه كثير بالنسبة إلى مقابله قليل بالنسبة إليه، باعتبار أن أنواع خلاف مقتضى الظاهر أكثر
(فيجعل غير السائل كالسائل
…
===
من أنواع مقتضى الظاهر، إذ أنواع الأول تسعة، وأنواع الثانى ثلاثة كما يأتى بيانه، ويخرج فى كلام المصنف بتشديد الراء كما هو الرواية ومصدره التخريج، لكن المناسب لقوله سابقا ويسمى إخراج الكلام عليها إلخ: عدم تشديد الراء ومصدره الإخراج هذا وذكر بعضهم أن تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر من باب الكناية؛ لأن الخبر إذا أورد فى مقام لا يناسبه بحسب الظاهر دل على أن المتكلم نزل هذا المقام الغير المناسب منزلة المقام المناسب الذى يطابقه ظاهر الكلام، واعتبر فيه الاعتبارات اللائقة بذلك المقام، مثلا الخبر المجرد عن التأكيد يدل على خلو الذهن بالدلالة الخطابية، فإذا ألقى إلى المنكر والمتردد دل على تنزيله منزلة خالى الذهن ضرورة بحسب عرف البلغاء تعويلا على ما يزيل الإنكار من الأدلة التى معه إذا تأمل فيها ويكون ذلك كناية؛ لأن ذكر اللازم الذى هو مدلول الكلام المشتمل على الخصوصية وهو المقام الذى لا يناسبه بحسب الظاهر مع قرينة غير مانعة من إرادته، واستعمل اللفظ فيه وقصد منه إلى ملزومه الذى هو تنزيل المقام الغير المناسب منزلة المقام المناسب، وهذا التنزيل هو المقصود الأصلى، وقس على ذلك إلقاء الخبر المذكور بتأكيد قوى إلى غير المنكر، فإنه لما كان فيه دلالة خطابية على إنكار المخاطب ولم يوجد الإنكار فى المخاطب دل ضرورة على تنزيله منزلة المنكر تعويلا على ما يلزمه لزوما عرفيا وهو أن يكون المخاطب ملابسا لشىء من الإنكار ويكون ذلك كناية كما بينا- وهكذا، وقيل إنه من قبيل الاستعارة بالكناية والتخييل، والحق أنه لا يقال فيه شىء من ذلك؛ لأن المجاز والكناية إنما هو باعتبار المعانى التى يوضع لها اللفظ وهذا بخلاف ذلك إذ لم يستعمل اللفظ فيه؛ لأنها معان عرضية.
(قوله: فيجعل غير السائل) أى: كخالى الذهن، وقوله: كالسائل هو المتردد فى الحكم الطالب له المتقدم فى قول المصنف، وإن كان مترددا إلخ، وهو القسم الثانى وتقدم أنه يؤكد له استحسانا ثم أن المتبادر أن الفاء فى قوله: فيجعل إلخ، للتفريع على قوله يخرج الكلام، وأنه واقع عقبه مع أن الجعل المذكور ليس واقعا عقب التخريج، بل
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
مصاحب له، بل إذا نظرت للتحقيق تجد المقدم إنما هو جعل غير السائل: كالسائل أى تنزيله منزلته، ثم يخرج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر بعد ذلك بأن يؤكد، والجواب أن الفاء هنا للعطف المجرد عن السببية، أو أنها للتفريع، ومعنى قوله: وكثيرا ما يخرج أى: يقصد التخريج، ولا شك أن التنزيل يعقب قصد التخريج، وأن قوله فيجعل إلخ: تفصيل لما أجمله فى قوله وكثيرا إلخ، واعلم أن حال المخاطب بالجملة الخبرية منحصرا فى العلم بالحكم، والخلو منه والسؤال له والإنكار له، فالعالم لا يتصور معه إخراج الكلام على مقتضى الظاهر؛ لأن مقتضاه أن لا يخاطب بما يعلمه فخطابه به إنما يكون بعد تنزيله منزلة غيره من الثلاثة، ويكون الكلام حينئذ مخرجا على خلاف مقتضى الظاهر، وكل من الخالى والسائل والمنكر يتصور معه الوجهان، فإذا نظر فى خطابه إلى حال نفسه القائم به كان إلقاء الخبر إليه إخراجا على مقتضى الظاهر، وإن نزل فى ذلك منزلة أحد الآخرين إذ لا معنى لتنزيله فى الخطاب منزلة العالم كان إخراجا على خلاف مقتضاه، فانحصر إخراج الكلام فى اثنى عشر قسما، ثلاثة منها فى إخراج الكلام على مقتضى الظاهر، وتسعة فى إخراجه على خلافه، ثلاثة منها فى العالم، وستة فى غيره، وإذا ضربت هذه الإثنى عشر فى الإثبات والنفى صارت أربعة وعشرين، إذا علمت هذا- فقول المصنف: فيجعل غير السائل يتناول خالى الذهن والمنكر والعالم إلا أن المقصود الأول؛ لأن تقديم الملوح لجنس الخبر إنما يعتبر بالنسبة للخالى، وقد يقال هذا لا ينافى التناول؛ لأن قوله إذا قدم إلخ: هذا بالنسبة لخالى الذهن، فلا يرد أن المصنف أهمل بقية الأقسام.
بقى شىء آخر، وهو أن إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر قد يلتبس بإخراجه على مقتضى الظاهر، فلا تظهر الفائدة، وذلك كجعل السائل كالخالى؛ لأن ترك التأكيد للسائل جائز، ولا يخل بالبلاغة، فلا يعلم به تنزيله منزلة الخالى، وأجيب بأنه عند الالتباس يحتاج إلى قرينة تعين المقصود أو ترجحه، فإن لم توجد قرينة صح الكلام على كل من الأمرين، وكذا بعض صور إخراج الكلام على مقتضى الظاهر
إذا قدم إليه) أى: إلى غير السائل (ما يلوح) أى: يشير (له) أى: لغير السائل (بالخبر فيستشرف) غير السائل (له) أى: للخبر
…
===
قد يلتبس ببعض، كما فى التأكيد مع السائل، فإنه يلتبس بالتأكيد مع المنكر إذ الوجوب والاستحسان لا يفهمان من اللفظ، وكذا بعض صور إخراجه على خلافه يلتبس ببعض، كما فى جعل الخالى بمنزلة السائل، فإنه يلتبس بجعله كالمنكر، فإن كان هناك قرينة عمل بها، وإلا صح الحمل على كل- أفاده يس نقلا عن شرح الفوائد.
(قوله: إذا قدم إليه) ظرف ليجعل، فيقتضى أن جعل غير السائل بمنزلة السائل مقيد بالتقديم المذكور مع أنه قد ينزل منزلته لأغراض أخر: كالاهتمام بشأن الخبر لكونه مستبعدا، والتنبيه على غفلة السامع، وأجيب بأن هذا التقييد بالنظر لما هو شائع فى الاستعمال كذا فى عبد الحكيم
(قوله: ما يلوح له بالخبر) أى: بجنسه وذلك بأن يذكر له كلام يشير إلى جنس الخبر بحيث يكاد صاحب الفطنة والذكاء أن يتردد فى الخبر، ويطلبه من حيث إنه فرد من أفراد ذلك الجنس الذى دل عليه الكلام المتقدم كقوله تعالى: وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا (1) فإنه كلام قدم ملوح لجنس الخبر، وهو أنهم مستحقون للعذاب، والشأن أن صاحب الفطنة إذا سمعه تردد فى عين الخبر وهو هل هؤلاء القوم محكوم عليهم بالإغراق أو بغيره، كالإحراق أو الهدم أو الخسف، فإن كان ذلك الكلام المتقدم يفهم منه شخص الخبر أو جنسه، وتردد فيه بالفعل خرج عن التنزيل.
(قوله: بالخبر) أى: بجنس الخبر أى: ما يشير إلى جنس الخبر الذى سيذكر
(قوله: فيستشرف له) أى: فيكاد أن يستشرف له لا أنه يصير مستشرفا وطالبا له بالفعل وإلا لكان الكلام معه مؤكدا على مقتضى الظاهر ولا تنزيل، وأورد على المصنف أن استشرف يتعدى بنفسه كما يشير له قول الشارح، يقال: استشرف الشىء إلخ، والمصنف قد عداه باللام ولا يصح جعل اللام لتقوية الفعل؛ لأنه يجب تقديم اللام المقوية للفعل عليه كما فى قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (2) قلت: اللام إما
(1) هود: 37.
(2)
يوسف: 43.
يعنى ينظر إليه؛ يقال: استشرف الشىء إذا رفع رأسه ينظر إليه وبسط كفه فوق الحاجب كالمستظل من الشمس (استشراف الطالب المتردد نحو: وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا (1)) أى: لا تدعنى يا نوح فى شأن قومك واستدفاع العذاب عنهم بشفاعتك
…
===
زائدة، مثلها فى قوله تعالى: رَدِفَ لَكُمْ (2) أى: ردفكم، أو أن الفعل منزل منزلة اللازم، والفعل المنزل منزلة اللازم يتعدى باللام أى: فيقع منه الاستشراف، والطلب له، أو ضمن يستشرف معنى فعل يتعدى باللام وهو يتهيأ أو ينظر ويلتفت، ثم إن الاعتراض مبنى على رجوع ضمير له للخبر كما قال الشارح، ولو جعل ضمير له للملوح ومفعول يستشرف محذوفا، والتقدير فيستشرف الخبر لأجل الملوح لم يرد شىء
(قوله: يعنى ينظر إليه) عبر ب (يعنى) إشارة إلى أن معنى الاستشراف ليس هو النظر فقط، بل هو مجموع أمور ثلاثة رفع الرأس، والنظر وبسط الكف فوق الحاجب فجرد عن اثنين منها، وأريد به النظر، بعد ذلك استعمل النظر هنا فى لازمه العرفى وهو التأمل
(قوله: كالمستظل من الشمس) أى من شعاعها أى: كالمنقى لشعاعها
(قوله: استشراف الطالب المتردد) أى: استشرافا كاستشراف الطالب المتردد، وأتى المصنف بذلك إشارة إلى أن غير السائل المنزل منزلة السائل ليس عنده تردد ولا طلب بالفعل، وإلا كان تخريج الكلام ليس على خلاف مقتضى الظاهر، بل المراد أنه من حيث الكلام الذى ألقى إليه بمظنة التردد والطلب
(قوله: أى لا تدعنى) أشار بذلك إلى أن المراد بالنهى عن الخطاب فى شأنهم النهى عن الدعاء، والشفاعة لهم من قبيل إطلاق العام وإرادة الخاص فهو مجاز مرسل، أو من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم؛ لأنه يلزم من النهى عن العام النهى عن الخاص على طريق الكناية أو المجاز المرسل.
(قوله: فى شأن قومك) يشير إلى أن فى الآية حذف مضاف أى لا تخاطبنى فى شأن الذين ظلموا وقوله فى شأن قومك من ظرفية المتعلق فى المتعلق، أو (في) بمعنى الباء وشأنهم هو دفع العذاب عنهم، فقوله واستدفاع إلخ: تفسير لما قبله والسين والتاء زائدتان قوله (بشفاعتك) أى لا تدعنى دعاء مصورا بشفاعتك فهو تصوير للمنهى عنه
(1) هود: 37.
(2)
النمل: 72.
فهذا كلام يلوح بالخبر تلويحا ويشعر بأنهم قد حق عليهم العذاب فصار المقام مقام أن يتردد المخاطب فى هل أنهم صاروا محكوما عليهم بالإغراق أم لا فقيل: إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (1)) مؤكدا؛ أى: محكوما عليهم بالإغراق (و) يجعل (غير المنكر
…
===
(قوله: فهذا) أى: قوله ولا تخاطبنى إلخ، واعلم أن قوله ولا تخاطبنى إلخ: يشير إلى جنس الخبر، وأنه عذاب، وأما قوله واصنع الفلك إلخ: فإنه يشير إلى خصوصية أنه الغرق، فقول الشارح يلوح بالخير أى: يشير إلى جنسه وهو كونهم محكوما عليهم بالعذاب، وقوله ويشعر إلخ: عطف علة على معلول، وليس فى قوله وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إشعار بخصوص الخبر نعم يشعر به مع ضميمة قول قبل واصنع الفلك، لكن المصنف والشارح لم ينظر لذلك أصلا، وقوله فصار المقام أى: بسبب الملوح إلى جنس الخبر مقام أن يتردد أى: صار مظنة للتردد والطلب وإن لم يتردد المخاطب ولم يطلب بالفعل؛ وذلك لأنه تكاد نفس الذكى إذا قدم لها ما يشير إلى جنس الخبر أن نتردد فى شخص الخبر وتطلبه من حيث إنها تعلم أن الجنس لا يوجد إلا فى فرد من أفراده، فيكون ناظر إليه بخصوص؛ كأنه متردد فيه: كنظر السائل، وبما ذكرنا اندفع ما يقال إن سبق الملوح إلى جنس الخبر فاستشرافه له يقتضى تأكيده، لا تأكيد الخبر المخصوص- كذا قرر شيخنا العدوى، وقرر بعضهم كلام الشارح بوجه آخر، وحاصله إن قوله فهذا كلام أى: قوله وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا مع ضميمة قوله وَاصْنَعِ الْفُلْكَ وقوله:
يلوح بالخبر أى: بشخصه وجنسه، وقوله: قد حق عليهم العذاب الأولى الغرق، وقوله بل صاروا محكوما عليهم بالإغراق أى: كما يشعر به الملوح أو المحكوم به عليهم غيره (قوله فى إنهم إلخ) أى فى جواب إنهم إلخ)
(قوله: محكوما عليهم) أى مقدرا عليهم الغرق وقوله أم لا أى أو لنقدر عليهم غيره من أنواع العذاب، وليس المراد أنهم مغرقون بالفعل؛ لأن إغراقهم متأخر ولم يكن حاصلا وقت خطاب نوح ونهيه عن الدعاء والشفاعة لهم.
(قوله: ويجعل غير المنكر) أى: خالى الذهن، والسائل والعالم وإن كان المثال من تنزيل العالم منزلة المنكر، فإن قلت أى ثمرة لتنزيل السائل منزلة المنكر مع
(1) هود: 37.
كالمنكر إذا لاح) أى: ظهر (عليه) أى: على غير المنكر (شىء من أمارات الإنكار؛ نحو: جاء شقيق) اسم رجل (عارضا رمحه) أى: واضعا له على العرض؛
…
===
أنه يؤكد له من غير تنزيل؟ قلت: فائدة التنزيل زيادة التأكيد، فإن السائل يؤتى فى الكلام الملقى إليه بتأكيد واحد، والمنكر يؤتى فى الكلام الملقى إليه بأكثر، وهذا أحسن مما أجاب به بعضهم من أن فائدة التنزيل صيرورة التأكيد واجبا بعد أن كان مستحسنا؛ لأن هذا أمر خفى لا اطلاع عليه
(قوله: كالمنكر) أى: فيلقى إليه الكلام مؤكدا على طريق الوجوب بتأكيد قوى أو ضعيف على حسب ما يقتضيه الحال إذا راعاه المتكلم
(قوله: إذا لاح إلخ) أى: وإن كان الحكم بعيدا والمخاطب سيئ الظن بالمتكلم، أو يعرف منه أنه لا يقبله
(قوله: نحو جاء شقيق) أى: نحو قول حجل بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم ابن نضلة بفتح النون، وبالضاد المعجمة اسم أمه وحجل لقبه، واسمه أحمد بن عمرو بن عبد القيس بن معن فهو غير حجل بن عبد المطلب عم النبى- صلى الله عليه وسلم خلاف لما ذكره عبد الحكيم، فإن ذاك اسمه المغيرة وأمه هالة بنت وهيب، وبعد البيت المذكور:
هل أحدث الدّهر لنا نكبة
…
أم هل رقت أمّ شقيق سلاح (1)
والشاعر المذكور أحد أولاد عم شقيق الذى جاء لمحاربتهم، وقوله هل أحدث الدهر لنا نكبة؟ أى: بحيث إننا بعنا أسلحتنا حتى إن شقيقا يأتى للحرب عارضا رمحه، وقوله أم هل رقت أمّ شقيق سلاح أى: سلاحنا بحيث صار ذلك السلاح لا يقطع شيئا لما قرأته أم شقيق عليه من الرقية.
(قوله: جاء شقيق) أى: للحرب
(قوله: اسم رجل) أى: وليس المراد به شقيق النعمان الذى هو نوع من أنواع الرياحين
(قوله: على العرض) أى: على عرض الرمح بأن جعله وهو راكب على فخذيه بحيث يكون عرض الرمح فى جهة الأعداء، ولا شك
(1) البيت لحجل بن نضلة الباهلى فى شرح عقود الجمان 1/ 39، وبلا نسبة فى الطراز 2/ 203، والمصباح ص 11، والإيضاح ص 24، والتلخيص ص 11.
فهو لا ينكر أن فى بنى عمه رماحا، لكن مجيئه واضعا الرمح على العرض من غير التفات وتهيؤ أمارة أنه يعتقد أن لا رمح فيهم بل كلهم عزل لا سلاح معهم فنزل منزلة المنكر وخوطب خطاب التفات
…
===
أن الوضع على هذه الهيئة علامة على إنكار وجود السلاح معهم، وأما وضع الرمح على طوله بحيث يكون سنانه جهة الأعداء فهو علامة على التصدى للمحاربة الناشىء ذلك من الاعتراف بوجود السلاح معهم
(قوله: فهو لا ينكر إلخ) أى: هو عالم بذلك لكونهم متلبسين بالحرب فهو من تنزيل العالم منزلة المنكر، لا من تنزيل الخالى منزلة المنكر، كما قال بعضهم: إذ ليس من شأن العاقل أن لا يعلم بوجود السلاح مع أعدائه حال القتال مع شيوع ذلك فى العرب؛ ولأن المناسب لسياق الكلام للتوبيخ جعله من تنزيل العالم منزلة المنكر
(قوله: لكن مجيئه) أى: للحرب
(قوله: من غير التفات) أى: لبنى عمه (وقوله: وتهيؤ) أى: ومن غير تهيؤ لمحاربتهم
(قوله: أمارة أنه يعتقد) أى: علامة على اعتقاده أنه لا رمح فيهم؛ لأنه على عادة من ليس متهيئا للحرب، إن قلت: يجوز أن يكون شقيق فعل ذلك لاعتقاده أنه ليس فيهم من يقاومه، وإن علم أن فيهم رماحا، وحينئذ فلا يكون ذلك الفعل الواقع منه علامة على الاعتقاد المذكور حتى ينزل منزلة المنكر، قلت حيث علم بأن فيهم سلاحا، فلا ينبغى له أن يفعل ذلك الفعل الحاصل منه، ولو علم أنه ليس فى أعدائه من يقاومه؛ لأن شأن العاقل أن لا يأمن إذا علم بوجود السلاح لاحتمال الضرر وإذا كان كذلك كان فعله دالا على اعتقاد أنه لا رمح فيهم
(قوله: لا سلاح معهم) تفسير لقوله عزل وهو بالعين المهملة والزاى المعجمة جمع أعزل وهو الذى لا سلاح له، وأما الأغرل بالغين المعجمة والراء المهملة فهو الذى بقلفته ومن ذلك قوله فى الحديث:(يحشر الناس يوم القيامة غرلا)(1)
(قوله: وخوطب خطاب التفات) أى: خطاب ملتفت من الغيبة إلى الخطاب؛ لأن الاسم الظاهر من قبيل الغيبة وفيه التفات آخر على مذهب السكاكى من الخطاب إلى الغيبة فى قوله: جاء شقيق إن كان شقيق حاضرا وقت إلقاء هذا الكلام، إذ مقتضى
(1) أخرجه مسلم (5/ 712) والبخارى فى غير ما موضع بألفاظ مختلفة.
بقوله (إن بنى عمك فيهم رماح) مؤكدا بإن، وفى البيت على ما أشار إليه الإمام المرزوقى تهكم واستهزاء
…
===
الظاهر أن يقول: جئت. إن قلت الالتفات لا بد فيه من الارتباط بين التعبيرين بنحو عطف ولا ارتباط هنا بين الجملتين، وحينئذ فلا التفات أصلا. أجيب بأن جملة إن بنى عمك معمولة لمحذوف معطوف على الجملة الأولى، والتقدير فقلت له إن بنى عمك إلخ، وقد يقال لا حاجة لتقدير القول؛ لأنه قد يجعل الشخص بذكر أوصافه حاضرا مخاطبا، ألا ترى إلى قوله تعالى إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (1) فيحصل الارتباط لذكر الأوصاف
(قوله: فيهم رماح) بسكون الحاء؛ لأنه من السريع الموقوف الضرب وعروضه مطوية: كالضرب ومكشوفة فالعروض مطوية مكشوفة. والضرب مطوى موقوف، والرماح جمع رمح، ففى بمعنى: عند، ويحتمل أنه جمع رامح، وأن في: باقية على حالها، لكن المناسب لقول الشارح أمارة أنه يعتقد أنه لا رمح فيهم الاحتمال الأول.
(قوله: مؤكدا) حال من خطاب ولم يقل واسمية الجملة لما ستعرفه من أنها إنما تكون مؤكدة عند قصد التأكيد بها، ولم يتحقق هنا ذلك.
(قوله: وفى البيت) أى: فى عجزه، وقوله تهكم أى: من الشاعر بشقيق واستهزاء به؛ وذلك لأن مثل هذه العبارة أعنى قوله: أن بنى عمك إلخ: إنما تقال لمن يستهزأ به لكونه لا قدرة له على الحرب، بل عند سماعه به يخاف ولا يقدر على حمل الرماح ولا غيرها من آلاته لجبنه وضعفه، واعترض على الشارح بأن التهكم بشقيق يقتضى أنه لا يعترف بأن فيهم رماحا فينافى التنزيل المذكور، إذا لو اعترف بذلك لما صح التهكم به لإفادته قيام الضعف ببنى عمه، وأجيب بأن التهكم بالنظر للواقع من الاعتراف، بأن فيهم رماحا وبالنظر للتنزيل المذكور أيضا بناء على أن ذلك التهكم من باب الكناية أطلق الملزوم وأريد اللازم، وبيان ذلك أنه وإن علم أن فيهم رماحا إلا أن وضعه الرمح على عرضه أمارة على الإنكار لما فيه من الجبن بزعم الشاعر، ويلزم
(1) الفاتحة: 5.
كأنه يرميه من الضعف والجبن بحيث لو علم أن فيهم رماحا لما التفت لفت الكفاح، ولم تقو يده على حمل الرماح على طريقة قوله:
فقلت لمحرز لمّا التقينا
…
تنكّب لا يقطّرك الزّحام (1)
يرميه بأنه لم يباشر الشدائد، ولم يدفع إلى مضايق المجامع كأنه يخاف عليه أن يدس بالقوائم كما يخاف على الصبيان والنساء لقلة غنائه
…
===
من ذلك التهكم به
(قوله: كأنه يرميه) أى: كأن الشاعر ينسبه وكأن للتحقيق أى:
لأنه ومن فى قوله من الضعف بمعنى الباء
(قوله: والجبن) عطف تفسير
(قوله: بحيث إلخ) بدل اشتمال مما قبله
(قوله: لما التفت) أى: انصرف، وقوله قبل بكسر اللام معناه الجانب ونصبه بنزع الخافض، والكفاح المقاتلة والمحاربة أى: لما انصرف إلى جهة القتال أى: لما ذهب إليه
(قوله: على طريقة) متعلق بمحذوف صفة للتهكم أى: فى البيت تهكم آت على طريقة قوله أى: على طريقة التهكم فى قوله أى: قول أبى ثمامة البراء بن عازب الأنصارى (قوله لمحرز) هو اسم رجل من بنى ضبة وهو فى الأصل الذى يجعل الناس فى حمايته وعطفه
(قوله: لما التقينا) أى: فى حال المحاربة
(قوله: تنكب) مفعوله محذوف تقديره تنكب القتال مثلا أى: تجنبه وتنح وانصرف عنه ولا تقف فى هذا المحل
(قوله: لا يقطرك الزحام) بجزم يقطر فى جواب الأمر والتقطير الإلقاء على الأرض على البطن، أو على أحد الجانبين، والمراد هنا الإلقاء عليها أى: على أى حال، والزحام مصدر بمعنى المزاحمة أى: مزاحمة الجيوش بخيلها عند القتال
(قوله: يرميه) أى:
ينسبه الشاعر إلى عدم مباشرة الشدائد
(قوله: ولم يدفع إلى مضايق المجامع) جمع مجمع بمعنى محل الاجتماع أى: ولم يدفع إلى المواضع الضيقة التى يجتمع فيها الناس: كمواضع الحروب، وهذا لازم لما قبله
(قوله: أن يدس) بتشديد السين من غير ألف مأخوذ من الدس وهو الإخفاء تحت التراب، وفى بعض النسخ أن يداس بالألف مأخوذ من الدوس وهو جعل الشىء تحت الأقدام وهذه النسخة أنسب بقوله بالقوائم (قوله لقلة غنائه)
(1) لأبى ثمامة البراء بن عازب الأنصارى، محرز: اسم رجل من بنى ضبة، كما ذكر الدسوقى فى حاشيته على شرح السعد.
وضعف بنائه (و) يجعل (المنكر كغير المنكر إذا كان معه) أى: مع المنكر (ما إن تأمله) أى: شىء من الدلائل والشواهد إن تأمل المنكر ذلك الشىء (ارتدع) عن إنكاره، ومعنى كونه معه: أن يكون معلوما له مشاهدا عنده
…
===
بفتح الغين المعجمة أى: نفعه
(قوله: بنائه) بفتح الموحدة أى بنيته وذاته وفى بعض النسخ ثباته
(قوله: ويجعل المنكر) أى: ينزل وكذلك الطالب المتردد.
(قوله: كغير المنكر) هو وإن صدق بخالى الذهن والعالم بالحكم والمتردد فيه إلا أن المراد خصوص الأول، فإذا نزل المنكر أو المتردد منزلته ألقى الخبر لهما غير مؤكد ولا يدخل فيه المتردد الطالب، إذ لا ثمرة لجعل المنكر مثله؛ لأن كلا منهما يلقى إليه الخبر مؤكدا وحمله على معنى جعل المنكر: كالطالب، فيستحسن التأكيد له فقط بعد أن كان واجبا فى غاية البعد، إذ الوجوب وعدمه أمر خفى لا اطلاع عليه إلا أن يقال: تظهر ثمرة التنزيل بالنسبة لقلة التأكيد بعد أن كان كثيرا، ولا يدخل أيضا العالم بالحكم إذا لا معنى لتنزيل المنكر منزلة العالم فى إلقاء الخبر إليه؛ لأن تنزيله منزلة العالم يقتضى عدم خطابه
(قوله: إن تأمله) أى: تأمل فيه؛ التأمل النظر فى الشىء
(قوله: أى شىء من الدلائل) أى: ولو واحدا منها
(قوله: والشواهد) تفسير لما قبله وكأن نكتة التفسير الإشارة إلى أن المراد بالدلائل ما يشمل القرائن ونحوها، وليس المراد بها خصوص الأدلة الاصطلاحية، فإنها تخص بغير القرائن فتأمل.
(قوله: إن تأمل المنكر ذلك الشىء) أى: إن تفكر المنكر فى ذلك الشىء وفى كلامه إشارة إلى أن الصلة فى كلام المصنف جرت على غير من هى له، وإنما لم يبرز المصنف الضمير جريا على المذهب الكوفى لظهور أن التأمل إنما يكون من المنكر لا من الدلائل
(قوله: ارتدع) أى: رجع عن إنكاره، وانتقل إلى مرتبة المتردد أو خالى الذهن
(قوله: أن يكون معلوما له) أى: متصورا له وهذا بالنظر للأدلة العقلية وقوله: مشاهدا عنده أى: بالحس، وهذا بالنظر للأدلة الحسية، ثم إن تفسير الشارح المعية بالمعلومية والمحسوسية، وتفسيرها (ما) الموصوفة بالدليل يصير المعنى عليه إذا كان عالما بالدليل الذى إذا تأمله ارتدع فيتوجه عليه أشكال، وحاصله أن الإنسان متى علم بالدليل علم
كما تقول لمنكر الإسلام: الإسلام حق من غير تأكيد؛ لأن مع ذلك المنكر دلائل دالة على حقية الإسلام،
…
===
المدلول، وحينئذ فلا يتوقف الارتداع على التأمل، وحاصل الجواب أنه ليس المراد بالدليل المنطقى: وهو ما يلزم من العلم به العلم بشىء آخر حتى يرد ما ذكر، بل المراد به الأصولى: وهو ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبرى، والمراد بالتأمل فيه أن يستنبط مقدمات صحيحة من وجه صحيح من أوجه الدليل توصله إلى الارتداع
(قوله: كما تقول)(ما) مصدرية أى قولك أى: كالتنزيل الذى فى قولك ففى الكلام حذف؛ لأن المقصود التمثيل للتنزيل المذكور فى المتن وقوله الإسلام حق مقول القول
(قوله: من غير تأكيد) اعترض بأن اسمية الجملة تفيد التأكيد، وأجيب بأنها إنما تفيده إذا اعتبر تحويلها عن الفعلية؛ لأن بناء مؤكدتيها على إفادة الثبات والدوام، وهى إنما تدل على ذلك فى مقام اعتبر فيه التحويل المذكور، أو أنها إنما تفيده إذا انضمت لغيرها من المؤكدات، والأحسن فى الجواب أن يقال مرادهم بقولهم اسمية الجملة من المؤكدات إنها مما يصح أن يقصد بها التأكيد عند مناسبة المقام فليست للتأكيد مطلقا، بل إذا اعتبرت مؤكدة هذا ما ارتضاه الصفوى فى شرح الفوائد، ورد الجواب الأول من الجوابين المذكورين بأنه بمعزل عن التحقيق؛ لأن كلا من مقدمتى دليله ممنوع، وبعد التسليم لا مانع من أن يقصد من العدول الدوام دون التأكيد فلا يلزم إفادة التأكيد فى مقام العدول مطلقا كما هو ظاهر كلام المجيب أ. هـ.
وقد أسلفنا عن عبد الحكيم أنه لا يشترط فى كون الجملة الاسمية مؤكدة عدولها عن الفعلية، ورد الجواب الثانى أيضا بمخالفته لتصريح الإيضاح بأن فى قوله تعالى ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (1) تأكيدين ولتمثيلهم الكلام الطلبى بأن زيدا قائم وأنه مؤكدا تأكيدا واحدا ولتصريح الفاضل الأبهرى وغيره بأن فى قوله تعالى ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (2) تأكيدا واحدا
(قوله: دلائل دالة على حقية الإسلام) أى: كإعجاز القرآن وغيره الدال ذلك على صدق النبى فيما جاء به
(1) المؤمنون: 15.
(2)
المؤمنون: 16.
وقيل معنى كونه معه: أن يكون موجودا فى نفس الأمر؛ وفيه نظر؛ لأن مجرد وجوده لا يكفى فى الارتداع ما لم يكن حاصلا عنده، وقيل معنى ما إن تأمله:
شىء من العقل؛ وفيه نظر؛ لأن المناسب حينئذ أن يقال: ما إن تأمل به لأنه لا يتأمل العقل بل يتأمل به (نحو: لا رَيْبَ فِيهِ (1)) ظاهر هذا الكلام أنه مثال لجعل منكر الحكم كغيره وترك التأكيد لذلك؛
…
===
(قوله: وقيل إلخ) هذا وجه ثان فى معنى معه، وقوله بعد وقيل معنى ما إلخ، وجه ثان فى معنى ما، فالحاصل أن فى معه وجهين وفى ما وجهين
(قوله: لأن مجرد وجوده) أى:
نفس الأمر، وقوله لا يكفى فى الارتداع الأولى أن يقول لا يكفى فى التنزيل؛ لأن الارتداع مرتب على التأمل لا على مجرد الوجود، ويمكن تصليح عبارته بأن يقال مراده أن مجرد الوجود لا يكفى فى الارتداع، بل لا بد فيه من التأمل، والتأمل إنما يكون فى معلوم، فلا بد أن يكون ما يقع فيه التأمل معلوما له، وقد يرد هذا النظر بعد تصليحه بما قلنا بأن مراد المصنف فرض التأمل وتقديره لا التأمل بالفعل، ولا شك أن مجرد الوجود فى نفس الأمر كاف فى ذلك فقول المعترض، والتأمل إنما يكون فى معلوم مسلم فى التأمل بالفعل لكن ليس الكلام فيه، فلا يرد هذا الاعتراض على هذا القبيل، والحاصل أنه على كلام الشارح لا بد فى التنزيل من علم الدلائل بالفعل وعلى هذا القيل يكفى فيه وجودها فى نفس الأمر، وإن لم تكن معلومة.
(قوله: لأن المناسب حينئذ) أى: حين إذ فسر ما بشىء من العقل لا بالأدلة كما هو القول الأول، وفى قوله: لأن المناسب إشارة إلى صحة هذا القيل بالحمل على الحذف والإيصال، والأصل تأمل به، فحذف الباء ووصل الضمير بالفعل، أو يقال مراده بالفعل الأدلة العقلية، وحينئذ فيرجع لما قاله الشارح أولا تأمل
(قوله: ظاهر هذا الكلام أنه مثال إلخ) أى: لا تنظير ووجه كون ذلك ظاهرا من الكلام أن المتبادر من ذكره ذلك بعد القاعدة أعنى: جعل المنكر كغير المنكر وتعبيره بنحو أنه مثال لها
(قوله: وترك التأكيد لذلك) أى: لذلك الجعل وكان مقتضى الظاهر أن يقال: أنه لا ريب فيه،
(1) سورة البقرة، آية:2.
وبيانه: أن معنى لا رَيْبَ فِيهِ ليس القرآن بمظنة للريب، ولا ينبغى أن يرتاب فيه
…
===
واعترض بأنا لا نسلم أن لا ريب فيه خال عن التأكيد؛ لأن (لا) التى لنفى الجنس للتأكيد وكذلك اسمية الجملة كما صرحوا بذلك، وأجيب بأن (لا) النافية لتأكيد المحكوم عليه، لأنها تفيد استغراق النفى وهو راجع للمحكوم عليه بمعنى أنه لا يخرج شىء من أفراده، وليس الكلام فيه إذ كلامنا فى تأكيد الحكم وهى لا تفيد ذلك وبأن اسمية الجملة ليست للتأكيد مطلقا، بل إذا اعتبرت مؤكدا بأن قصد التأكيد بها ولم يتحقق ذلك هنا، وإن تأكيدها ليس على سبيل الاستقلال، بل على سبيل التبعية، فإن كان هناك مؤكد آخر جعلت اسمية الجملة من المؤكدات، وإلا فلا.
(قوله: وبيانه) أى: بيان كونه مثالا لجعل المنكر كغير المنكر، وحاصله أن جعله مثالا لذلك لا يحتاج لتأويل لا رَيْبَ فِيهِ بمعنى ليس القرآن بمظنة للريب ولا ينبغى أن يرتاب فيه، وهذا مطابق للواقع وينكره كثير من المخاطبين، فكان مقتضى الظاهر أن يؤكد فيقال: إنه لا ريب فيه، لكن نزل إنكارهم منزلة عدمه لما معهم من الدلائل والأمارات التى لو تأملوها ارتدعوا عن الإنكار، فلذلك ألقى لهم الكلام مجردا عن التأكيد، وإنما احتاج جعله مثالا لجعل المنكر: كغير المنكر للتأويل؛ لأنا لو أبقينا الآية على ظاهرها من نفى الريب أى: لم يقع فيه ريب من أحد لم يكن مطابقا للواقع لكثرة المرتابين فيه، فلا يكون من جعل المنكر كغير المنكر؛ لأن الحكم الذى يجعل فيه الإنكار كلا إنكار يجب أن يكون مطابقا للواقع عليه أمارات ودلائل لو تأملها المنكر ارتدع عن إنكاره، وهذا الحكم أعنى نفى الريب على سبيل الاستغراق الذى هو معنى لا ريب فيه لو أجرى على ظاهره ليس كذلك لثبوت الريب فى الواقع.
(قوله: ليس القرآن بمظنة) أى: ليس محلا يظن فيه الريب أى: الشك فى أنه من عند الله، فالمنفى كونه محلا للريب والشك
(قوله: ولا ينبغى إلخ) عطف تفسير أى: ولا ينبغى أن يكون محلا للارتياب فيه، وإنما كان المعنى ما ذكر، وليس المراد ظاهر الآية من نفى الريب فيه من أصله؛ لأن الريب فيه قد وقع من الكفار، وحينئذ فلا يصح نفيه عنه
وهذا الحكم مما ينكره كثير من المخاطبين، لكن نزل إنكارهم منزلة عدمه لما معهم من الدلائل الدالة على أنه ليس مما ينبغى أن يرتاب فيه، والأحسن أن يقال: إنه
…
===
(قوله: وهذا الحكم) أى: كون القرآن ليس مظنة للريب
(قوله: مما ينكره كثير إلخ) أى:
فالإنكار إنما هو لكونه ليس مما ينبغى أن يرتاب فيه لا لنفى الريب عنه واعترض بأن المخاطب بالآية النبى وأصحابه ولا ينكر هذا الحكم أحد منهم، فقول الشارح مما ينكره كثير من المخاطبين- لا يسلم، وأجيب بأن المراد بالمخاطب هنا من يلاحظ حاله وتفهيمه للكلام أعنى: مطلق السامع بدليل أن المقصود من الآية تعبير الكفار باعتبار إنكارهم لهذا الحكم وليس المراد بالمخاطب من يلقى إليه الكلام خاصة وإذا كان المراد بالمخاطبين مطلق السامعين كان شاملا للكفار والكثير من السامعين المنكر لهذا الحكم هم الكفار
(قوله: لكن نزل إنكارهم إلخ) أى: فلذلك ألقى الخبر غير مؤكدا، وكان المناسب لأصل المبحث أعنى: تنزيل المنكر منزلة غيره أن يقول: لكن نزل المنكر منزلة غير المنكر، وإن كان لا يلزم من تنزيل إنكارهم منزلة عدمه تنزيل المنكر كغيره
(قوله: لما معهم إلخ) وهو أنه كلام معجز أتى به من دل على نبوته بالمعجزات الباهرة، فإن قلت تفسير ما معهم بما ذكر يقتضى أن ما معهم عبارة عن الدليل المصطلح عليه عند المناطقة، وهو يخالف ما مر من أن المراد به الأصولى- قلت: المراد أن إعجازه دليل وكون من أتى به صادقا مصدوقا بالمعجزات دليل آخر مستقل على كونه من عند الله وليس المجموع دليلا واحدا حتى يرد ما ذكر
(قوله: والأحسن أن يقال إلخ) اعلم أن حاصل الأول أن المنفى ليس نفس الريب، بل كون القرآن محلا للريب ومظنة له خطابا لمنكرى ذلك، وحاصل الثانى أن المنفى نفس الريب على سبيل الاستغراق من غير مخاطبة، وكان هذا أحسن لوجهين.
الأول: أن جعله مثالا لا بد فيه من التأويل الذى قاله الشارح حتى يصح التمثيل بخلاف جعله تنظيرا، فإنه لا يحتاج للتأويل الذى صح الوجه الأول به ولا لغيره وما لا يحتاج أحسن مما يحتاج. ثانيهما: أنه على تقدير تأويله بما يصحح جعله مثالا لتنزيل المنكر منزلة غيره ينافيه، أو يعكر عليه قوله: بعد وهكذا اعتبارات النفى فإنه يدل على أنه لم يمثل فيما تقدم بالنفى، وأن ما تقدم متمحض للإثبات، وقد يجاب عن هذا بأن المراد، وهكذا باقى اعتبارات النفى- فتأمل.
نظير لتنزيل وجود الشىء منزلة عدمه بناء على وجود ما يزيله فإنه نزل ريب المرتابين منزلة عدمه تعويلا على وجود ما يزيله حتى صح نفى الريب على سبيل الاستغراق، كما نزل الإنكار منزلة عدمه لذلك حتى صح ترك التأكيد (وهكذا) أى: مثل اعتبارات الإثبات (اعتبارات النفى) من التجريد عن المؤكدات فى الابتدائى وتقويته بمؤكد استحسانا فى الطلبى، ووجوب التأكيد بحسب الإنكار فى الإنكارى؛ تقول لخالى الذهن: ما زيد قائما، أو: ليس زيد قائما، وللطالب: ما زيد بقائم وللمنكر:
…
===
(قوله: نظير) أى: لأمثال لجعل المنكر كغيره، وقوله لتنزيل وجود الشىء منزلة عدمه، اعترض بأن نظير الشىء يجب أن يكون خارجا عن سائر أفراده مع أن تنزيل ريب المرتابين بمنزلة العدم من أفراد تنزيل وجود الشىء منزلة عدمه، فالأولى أن يقول: إنه نظير لتنزيل الإنكار منزلة عدمه وأجيب بأن هذا الإيراد إنما جاء من توهم أن اللام صلة لنظير، ونحن نقول: إن اللام لام الأجل وصلة النظير محذوفة، والتقدير نظير لتنزيل إنكار منزلة عدمه، لأجل تنزيل وجود الشىء منزلة عدمه فى كل منهما، فالمقصود من التعليل بيان وجه الشبه بين النظيرين، ويصح جعل اللام بمعنى (في) أى نظير المبحث المتقدم فى تنزيل إلخ
(قوله: على وجود ما يزيله) أى: من الدليل الذى لو تأمل فيه لزال ذلك الشىء الموجود
(قوله: على سبيل الاستغراق) أى: المفهوم من وقوع النكرة فى سياق النفى وهو (لا) لأن النكرة فى سياق النفى تعم عموما شموليا
(قوله: كما نزل الإنكار) أى: المشار له بالمبحث المتقدم، وقوله لذلك أى: للتعويل على وجود ما يزيل إنكارهم لو تأملوه
(قوله: وهكذا اعتبارات النفى) عطف على محذوف دل عليه السياق أى: هذا الذى ذكر أمثلة اعتبارات الإسناد فى الإثبات وهكذا إلخ، أى: وهكذا أمثلة اعتبارات الإسناد فى النفى، وإفراد اسم الإشارة مع أنه عائد على الاعتبارات باعتبار ما ذكر
(قوله: أى مثل اعتبارات إلخ) أى: مثل أمثلة الاعتبارات الواقعة فى الإسناد فى الإثبات أى فى الكلام المثبت من ترك التأكيد مع الخالى، والتأكيد استحسانا مع المتردد ووجوبا بقدر الإنكار مع المنكر
(قوله: اعتبارات النفى) أى: أمثلة الاعتبارات الواقعة فى الإسناد فى الكلام المنفى.