الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لأهل المحشر إلى حيث يمتنع خفاؤها، فلا يختص بها رؤية راء دون راء، وإذا كان كذلك (فلا يختص به) أى: بهذا الخطاب (مخاطب) دون مخاطب، بل كل من يتأنى منه الرؤية فله مدخل فى هذا الخطاب، وفى بعض النسخ: فلا يختص بها؛ أى: برؤية حالهم مخاطب، أو بحالهم رؤية مخاطب على حذف المضاف.
(وبالعلمية) أى: تعريف المسند إليه بإيراده علما- وهو ما وضع لشىء مع جميع مشخصاته؛
…
===
لأجل الخوف والخجل من أهوال القيامة من رثاثة الهيئة واسوداد الوجه وغبرته وصفرته، وغير ذلك مما هو فى غاية الشناعة
(قوله: لأهل المحشر) بكسر الشين موضع حشر الناس أى: اجتماعها كما فى المختار
(قوله: إلى حيث) متعلق بتناهت أى: إلى حالة يمتنع خفاؤها بسبب الإتضاح
(قوله: فلا يختص بها) أى بتلك الحالة (قوله وإذا كان) أى: حالهم كذلك لا يختص به رؤية راء
(قوله: فله مدخل) أى: حظ ونصيب
(قوله: على حذف المضاف) أى: أنه على نسخة بها فالضمير لحالتهم، ولا بد على هذه النسخة من تقدير مضاف، إما قبل ضمير بها، أو قبل مخاطب، وإنما احتيج لتقدير هذا المضاف؛ لأن حالتهم ليست وصفا قائما بالمخاطب حتى يصح أن يختص بها بخلاف الرؤية، فإنها وصف قائم به فيصح اختصاصه بها.
[تعريفه بالعلمية]:
(قوله: بإيراده علما) أشار بذلك إلى أن العلمية مصدر المتعدى، ومعناه جعله علما والجعل بالإيراد- قاله عبد الحكيم، وحاصله أن الفعل اللازم علم بالضم معناه صار علما والمتعدى علّمه بالتشديد معناه جعله علما، والعلمية مصدر المتعدى فمعناها الجعل علما، وحينئذ فقول المصنف: وبالعلمية معناه وتعريفه بجعله علما، والمراد بجعله علما إيراده علما؛ لأنه هو الذى يصنعه البليغ لا وضعه علما؛ لأن هذا من وظيفة الواضع فقول الشارح بإيراده علما الباء للتصوير أى: إنه تصوير للعلمية أى: إنها مصورة بما ذكر لا بوضعه علما
(قوله: من جميع مشخصاته) أى: إن العلم وضع للشىء وهو الذات مثلا، ولمشخصاته فهى جزء من الموضوع له، لا أنها أمر زائد على الموضع
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
له بحيث يكون الموضوع له الشىء، والمشخصات حاصلة بطريق التبع، واعترض هذا التعريف بأنه يقتضى أن يكون استعمال العلم مجازا عند تبدل المشخصات؛ لأن صفات الطفولة الحاصلة عند الوضع تزول عند الشبوبية والشيخوخة، كصغر الأعضاء وعدم النطق وعدم التمييز، فإن هذه كلها تزول عند الشبوبية والشيخوخة مع أن استعمال العلم بعد زوالها حقيقة اجماعا، وأجيب بأن المراد المشخصات المشتركة بين جميع أحواله التى يتحقق بها جزئيته وتمنع من وقوع الشركة فيه: كالوجود الخارجى والحياة واللون المخصوص، ولا شك أنها أحوال لازمة له فى سائر الأحوال مشخصة له فهى المعتبرة فى الوضع دون غيرها مما يتبدل، والحاصل أن المراد بالمشخصات المعتبرة جزءا من الموضوع له العوارض اللازمة للذات من حيث هى ذات وهى التى لا تقوم للذات بدونها وعبارة عبد الحكيم المراد بالمشخصات: أمارات الشخص لا موجباته؛ لأن الشخص هو الموجود على النحو الخاص أو على حالة تقارنه أو تتبعه، والأعراض والصفات: كالكم والكيف أمارات يعرف بها الشخص كما تقرر فى محله فتبدل المشخصات لا يوجب تبدل الشخص، واعترض أيضا بأنه لا يتأتى فيمن يسمى ولده الذى لم يره، فإنه لم يطلع على جميع مشخصاته، والذى يتعقله حين التسمية من أوصافه وأحواله أمور كلية لا تفيد تشخصه؛ لأن ضم كلى وهو ما تعقله من الأوصاف إلى كلى آخر وهو الذات لا يفيد تشخصه، وأجيب بأنه لا يتعين فى الوضع لشىء مع مشخصاته ملاحظة المشخصات بالوجه الجزئى، بل يكفى ملاحظتها بوجه كلى ينحصر فى ذلك الجزئى، وحاصله أن معرفة المشخصات ولو إجمالا بوجه عام تكفى فى وضع العلم، واعترض أيضا بأن هذا التعريف غير صادق على علم الجنس؛ لأنه موضوع للماهية ولا مشخصات لها، إذ لا وجود لها فى الخارج حتى يكون لها مشخصات، وحينئذ فلا يصدق عليه أنه وضع لشىء مع جميع مشخصاته، وأجاب العلامة السيد فى حواشى المطول بأن هذا تعريف لما علميته حقيقية وهو علم الشخص بخلاف علم الجنس، فإن علميته حكمية حتى صرح النحاة بأن علمية الجنس إنما تعتبر
(لإحضاره) أى: المسند إليه (بعينه) أى: بشخصه
…
===
عند الضرورة، ولك أن تجعل التعريف شاملا له بأن يراد بالمشخصات المشخصات الخارجية بالنسبة لعلم الشخص، والذهنية بالنسبة لعلم الجنس، ولا نقصرها على الذهنية ولا على الخارجية ولا نريد بها جميع المشخصات
(قوله: لإحضاره أى المسند إليه) أنت خبير بأن المسند والمسند إليه قد سبق أنهما من أوصاف اللفظ، فقوله:
وتعريفه بالعلمية الضمير للمسند إليه بمعنى اللفظ، ولا شك أن المحضر فى ذهن السامع هو المعنى؛ لأنه هو المحكوم عليه فقوله لإحضاره محمول على الاستخدام لذكر المسند إليه أولا بمعنى اللفظ وإعادة الضمير عليه بمعنى المدلول، أو على حذف المضاف أى:
لإحضار مدلوله
(قوله: بعينه) الجار والمجرور حال من مفعول المصدر أى حال كون المسند إليه ملتبسا بعينه أى: تعينه وتشخصه، وأورد على هذا التعليل الذى قاله المصنف أنه لا يظهر فيما إذا كان المخاطب لا يحيط بالمسمى كما فى المثال الآتى، فإن المعنى الذى وضع له لفظ الجلالة لا يتأتى حضوره عند السامع بعينه لعدم العلم بذاته والإحاطة بجميع صفاته، وأجيب بأن المراد بالإحضار بالعين ما يتناول إحضار الموضوع له بوجه جزئى كإحضاره بذاته ومشخصاته أو بوجه كلى ينحصر فيه، فالأول: كزيد، والثاني: كلفظ الجلالة، فإن مدلوله يستحضر بوجه عام منحصر فيه فى الواقع ككونه واجب الوجود خالقا للعالم، وقد أشار الشارح لذلك الجواب بقوله بحيث يكون متميزا، فالمدار فى حضوره فى النفس بعينه على صيرورته متميزا عند السامع عن جميع ما عداه، ولو بملاحظة خاصة مساوية له بحيث يمتنع اشتراكه بين كثيرين فى الذهن، وبهذا ظهر أنه يمكن إحضاره تعالى بعينه فى الذهن، ثم إن المراد باحضاره فى ذهن السامع التفات نفسه إليه وتوجهها إليه، ولا شك أن النفس إذا سمعت تلتفت إلى المعنى وإن كان حاضرا فيها فلا يرد أنه إذا قيل: جاء زيد حال حضور المسند إليه فى ذهن السامع لم يوجد إحضار، وأورد على التعليل المذكور أيضا أنه لا يصدق على علم الجنس، إذ لا تعين ولا تشخص فيه، وأجيب بأن المراد بتعينه وتشخصه ولو كان ذهنيا على ما سلف أو يقال الكلام فيما علمت علميته حقيقة فلا يرد العلم الجنسى، أو أنه
بحيث يكون متميزا عن جميع ما عداه، واحترز بهذا عن إحضاره باسم جنسه؛ نحو: رجل عالم جاءنى (فى ذهن السامع ابتداء)
…
===
لا يلزم من قولنا يؤتى بالعلم لكذا أن كل علم يفيد ذلك
(قوله: بحيث يكون إلخ) تفسير لإحضار المسند إليه بعينه وبيان للمراد منه وتوضيح ما قاله الشارح أنك لو عبرت عن زيد بالشيخ الفاضل أو برجل عالم لم يتميز عن جميع ما عداه، إذ لا يفهم من الشيخ الفاضل أو من رجل عالم إلا رجل متصف بالعلم أو الفضل ومحتمل؛ لأن يكون هو زيدا أو غيره نعم هو مميز له بعض تمييز لإفادته أن الجائى رجل متصف بالفضل أو العلم بخلاف ما إذا قلت: زيد جاءنى، فإنه حينئذ يميزه عن جميع ما عداه،
(قوله: واحترز بهذا) أى: القيد وهو قوله بعينه (قوله باسم جنسه) اعترض بأن المقابل للعين الجنس لا اسم الجنس، فالأولى أن يقال عن إحضاره بجنسه فى ذهن السامع ابتداء، وأجيب بأن لفظ اسم مقحم على حد قوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ (1) واعترض بأن الإحضار فى ذهن السامع ابتداء يحصل باسم الجنس، فلا خصوصية للعلم بذلك كما في: رجل حاكم فى البلد جاءنى، ولم يكن فى البلد إلا حاكم واحد، وأجيب بأنه ليس فى كلامه ما يفيد حصر الإحضار المذكور فى العلم، بل المفهوم منه أن الإحضار المذكور يكون بالعلم فلا ينافى أنه يحصل بغيره؛ لأنه لا يشترط فى النكتة أن تختص بذلك الطريق ولا أن تكون أولى به، بل يكفى وجود المناسبة بينهما وحصولها به وإن أمكن حصولها بغيره، أو يقال المراد بالإحضار فى كلام المصنف الإحضار من حيث الوضع، والإحضار فى المثال المذكور عارض من حيث انحصار الوصف المذكور لا من حيث الوضع
(قوله: نحو رجل عالم جاءنى) الشاهد فى قوله رجل، وإنما أتى بعالم لأجل صحة الابتداء بالنكرة، فالتعبير عن ذات المسند إليه برجل وإن تعين بالقرينة أنه زيد- لا يفيد حضوره فى ذهن السامع إلا من جهة الجنسية المنافية من حيث هى للشخصية.
(1) الأعلى: 1.
أى: أول مرة، واحترز به عن نحو: جاءنى زيد وهو راكب (باسم مختص به) أى:
بالمسند إليه بحيث لا يطلق باعتبار هذا الوضع على غيره، واحترز به
…
===
(قوله: أى أول مرة) فيه إشعار بأن نصب ابتداء على الظرفية، ويجوز أن يكون منصوبا على المصدرية أى إحضار ابتداء وأورد على كلام المصنف أنه منقوض بمثل:
جاء زيد وزيد حقيق بالإكرام، فإن العلم الثانى يفيد الإحضار ثانيا لا ابتداء فيكون مساويا للضمير، وأجيب بأن كلامه لا يقتضى أن العلم لا يفيد إلا الإحضار المذكور، بل معناه أنه إذا أريد الإحضار ابتداء لا يؤتى إلا بالعلم، وهذا لا ينافى أنه يؤتى به للإحضار ثانيا، ولا يرد ما ذكر إلا لو قال التعريف بالعلمية لا يكون إلا للإحضار المذكور
(قوله: عن نحو جاءني إلخ) أى: مما فيه الإحضار بضمير غائب عائد إلى العلم، وانظر لم لم يقل عن إحضاره بضمير الغائب نحو: جاءني إلخ، كما صنع فى سابقه ولاحقه فتأمل.
(قوله: وهو راكب) أى: فالضمير أحضر الذات ملتبسة بالتعيين فى ذهن السامع، ولكن هذا الإحضار ثانوى؛ لأن الضمير متوقف على المرجع، فالمرجع مفيد للتعيين أولا والضمير مفيد له ثانيا، فإن قلت ما معنى إحضار الذات ثانيا مع أنها أحضرت أولا والحاضر لا يحضر لأنه تحصيل الحاصل وهو محال؟ وأجيب بأن المراد بالإحضار الالتفات والتوجه وحضوره أولا لا ينافى حضوره ثانيا بمعنى التوجه إليه، أو المراد أنه إحضار ثانوى على تقدير ذهاب الحضور الأول أو يقال: إن الإحضار بقيد كونه مدلول زيد مغاير لكونه مدلولا للضمير فلم يلزم تحصيل الحاصل- تأمل.
(قوله: مختص به) أى باسم مقصور على المسند إليه لا يتجاوزه إلى غيره بمعنى أنه لا يطلق على غيره فقول الشارح بحيث إلخ القصد من الحيثية التفسير
(قوله: بحيث لا يطلق باعتبار هذا الوضع) أى: وضعه لهذه الذات المخصوصة، وإن أطلق على غيرها باعتبار وضع آخر كما فى الأعلام المشتركة كزيد المسمى به جماعة، وبهذه الحيثية اندفع ما أورد على المصنف من أن الأعلام المشتركة يصدق عليها أنها أعلام، ولا تعين شخص مدلولها، وحاصل الجواب أنها تعين شخص مدلولها باعتبار كل وضع بخصوصه،
عن إحضاره بضمير المتكلم، أو المخاطب، واسم الإشارة، والموصول، والمعرف بلام العهد
…
===
واعترض بأن الوضع العام قد يدخل الأعلام الشخصية كما فى أسماء الكتب بناء على المختار من أنها أعلام أشخاص لا أعلام أجناس، وذلك أنه لو كان الواضع شخصيا لزم أن لا يطلق ذلك العلم على غير نسخة المصنف حقيقة، بل مجازا وهو بعيد، وحينئذ فاسم كل كتاب: كالبخارى علم شخص، مع أن الاسم غير مختص بواحد بحيث لا يطلق باعتبار هذا الوضع على غيره، بل يطلق باعتبار هذا الوضع على غيره من تلك الأفراد؛ لأن الوضع واحد إلا أنه وضع عام لا خاص بأن تعقل الواضع المعنى العام ووضع اللفظ لكل واحد بخصوصه، اللهم إلا أن يجعل مسمى الكتاب الألفاظ لا النقوش فيندفع الإيراد؛ لأن الموضوع له، وإن كان لفظ المصنف إلا أن لفظ غيره لا يعد فى العرف غير لفظه، بل يقال فى العرف فى تلك الألفاظ الصادرة من المصنف ومن غيره إنها ألفاظه؛ لأن الشىء لا يتعدد بتعدد محله على القول الحق أما على القول بأنه يتعدد محله فالإشكال باق. اهـ. سم.
(قوله: عن إحضاره بضمير المتكلم أو المخاطب) نحو: أنا ضربت زيدا، وأنت ضربت عمرا، فإن إحضار المسند إليه فى ذهن السامع بأنا أنت، وإن كان ابتداء إلا أنه ليس باسم مختص به؛ لأن أنا موضوعة لكل متكلم، وأنت موضوعة لكل مخاطب
(قوله: واسم الإشارة) نحو: هذا ضرب زيدا، فإن هذا وإن أحضر المسند إليه فى ذهن السامع ابتداء إلا أنه ليس باسم مختص به؛ لأن ذا موضوعة لكل مشار إليه.
(قوله: والموصول) نحو الذى يكرم العلماء حاضر فإن الذي، وإن أحضر المسند إليه فى ذهن السامع ابتداء إلا أنه ليس باسم مختص به؛ لأن الذى موضوع لكل مفرد مذكر
(قوله: والمعرف بلام العهد) أى: الخارجى نحو وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى (1) فإن الذكر وإن أحضر المسند إليه فى ذهن السامع ابتداء إلا أنه ليس باسم مختص به؛ لأن
(1) آل عمران: 36.
والإضافة؛ وهذه القيود لتحقيق مقام العلمية، وإلا فالقيد الأخير مغن عما سبق،
…
===
المعرف بلام العهد موضوع لكل فرد وخرج المعرف بلام الحقيقة، والمعرف بلام العهد الذهنى فإنهما فى حكم النكرة
(قوله: والإضافة) أى: العهدية الخارجية نحو: جاء غلامى إذا لم يكن له إلا غلام؛ لأن المعرف بالإضافة صالح لكل فرد، واعترض على الشارح بأن المعرف بلام العهد الخارجى، والمعرف بالإضافة يحتاج إلى العلم بالمعهود، وكذا الموصول يحتاج للعلم بالصلة، وحينئذ فالإحضار فى هذه الثلاثة يكون ثانيا لا ابتداء كما زعمه الشارح، وإذا كان كذلك فتكون هذه الثلاثة خارجة بقوله ابتداء لا بقوله مختص به، وأجيب بأن المراد الاختصار باللفظ، والإحضار الأول الذى فى العهد الخارجى والموصول ليس باللفظ، بل بالعلم بالمعهود وبالصلة، وحينئذ فالإحضار باللفظ لا يكون إلا أولا وفيه أن المعهود الخارجى قد يكون إحضاره أولا باللفظ بأن يذكر اسم الجنس أولا، ثم يعرف بلام العهد نحو: جاءنى رجل فأكرمت الرجل، إلا أن يقال لما لم يكن المعتبر فيه تقدم الإحضار باللفظ، بل تقدم الإحضار مطلقا ولو بلا لفظ كان جنس المعتبر فيه ليس من شرطه أن يكون باللفظ فحسن أن يقال إحضاره أولا ليس باللفظ بهذا الاعتبار وهذا بخلاف ضمير الغائب، فإن جنس إحضاره أولا باللفظ؛ لأنه اعتبر فيه تقدم ذكره غاية الأمر أنه عمم فى الذكر فأريد الذكر مطلقا ولو حكما. اهـ. سم.
(قوله: وهذه القيود) أى: الثلاثة وهى إحضاره بعينه وكونه ابتداء وكونه باسم مختص به وقصد الشارح بهذا دفع ما يقال: إن القيد الأخير يغنى عن القيدين قبله؛ لأنه متى أحضر باسم مختص به كان ذلك الإحضار له بعينه ابتداء
(قوله: لتحقيق) أى:
إيضاح مقام العلمية والمراد بمقامها الأمر الذى يقتضى إيراد المسند إليه عاما كإحضاره فى ذهن السامع ابتداء، وقوله لتحقيق مقام إلخ أى: لا للاحتراز أى: إن المقصود منها إيضاح المقام لا للاحتراز فلا ينافى أن الاحتراز حاصل، لكن ليس مقصودا
(قوله: وإلا فالقيد إلخ) أى: وإلا نقل إنها لتحقيق مقام العلمية، بل قلنا إنها للإخراج فلا يصح؛ لأن القيد الأخير يغنى عن القيدين السابقين قبله فى الإخراج، فما خرج بهما يخرج به؛ لأن
وقيل: احترز بقوله: ابتداء عن الإحضار بشرط كما فى الضمير الغائب، والمعرف بلام العهد فإنه يشترط تقدم ذكره، والموصول فإنه يشترط تقدم العلم بالصلة؛ وفيه نظر؛ لأن جميع طرق التعريف كذلك، حتى العلم فإنه مشروط بتقدم العلم بالوضع (نحو: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)) فالله أصله: الإله؛
…
===
إحضار الشىء باسمه المختص به إحضار له بعينه أول مرة فلا يكون إلا عاما، فإن قلت:
لا نسلم أنه يغنى عنهما فى الإخراج، ألا ترى أن الرحمن مختص به سبحانه وتعالى، ولا يفيد إحضار الذات العلية ابتداء قلت: هذا الاختصاص عارض لا بحسب الوضع؛ لأنه ليس بعلم، بل صفة
(قوله: وقيل احترز إلخ) هذا مقابل لقوله أى: أول مرة فى تفسير قول المصنف ابتداء، وليس جوابا عن قوله، وإلا فالقيد الأخير مغن عما سبق، وحينئذ فكان المناسب فى المقابلة أن يقول وقيل معنى قوله ابتداء، أى: بلا شرط وهو احتراز عن الإحضار إلخ.
(قوله: كما فى الضمير الغائب إلخ) أى: وكاسم الإشارة، فإنه يشترط الإشارة الحسية معه، والمعرف بالإضافة العهدية فإنه يشترط تقدم العهد فتأمل
(قوله: لأن جميع طرق التعريف كذلك) أى: مشروطة بتقدم شىء
(قوله: حتى العلم) أى: فلو كان ما قاله هذا القائل مراد المصنف لخرج العلم أيضا مع أنه المقصود، وهذا الرد ظاهر إن أريد بالشرط أى: شرط كان ليشمل العلم بالوضع، فلو أريد ما عدا العلم بالوضع بأن يكون معنى قوله ابتداء أى: من غير توقف بعد العلم بالوضع على شىء آخر كان الرد على هذا القائل أن يقال: هذا بعينه معنى قوله باسم مختص به فيلزم استدراك قوله باسم مختص به؛ لأنه ما خرج به من بقية المعارف خرج بقوله ابتداء على أن معناه ما ذكر، ولصاحب هذا القيل أن يجيب بنظير قول الشارح وهذه القيود إلخ: بأن يقول: إن القيد المذكور وهو قوله باسم مختص به ذكر لتحقيق مقام العلمية لا للاحتراز، وإلا فما قبله يغنى عنه.
(قوله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) يحتمل أن يكون هو مبتدأ والله خبرا أوّل (2) وأحد خبرا ثانيا أو بدلا من الله، بناء على حسن إبدال النكرة الغير الموصوفة من المعرفة إذا
(1) الإخلاص: 1.
(2)
في المطبوعة: أولا.
حذفت الهمزة وعوض عنها حرف التعريف
…
===
استفيد منها ما لم يستفد من المبدل منه- كما ذكره الرضى، ويحتمل أن يكون هو ضمير الشأن مبتدأ أول والله مبتدأ ثانيا والجملة خبره، وتعتبر الأحدية بحسب الوصف بمعنى أنه أحد فى وصفه كالوجوب واستحقاق العبادة أو بحسب الذات أى: أنه لا تركيب فيه أصلا وعلى الوجهين تظهر فائدة حمل الأحد عليه تعالى، ولا يكون مثل:
زيد أحد، والشاهد إنما هو على الإعراب الثانى فى إيراد المسند إليه علما لأجل إحضاره فى ذهن السامع ابتداء بجميع شخصياته التى قام عليها الدليل: كالقدرة ونحوها باسم خاص به تعالى، ووجه كونه علما أنه وضع من أول الأمر للذات كما عليه أئمة الدين، وأما على الإعراب الأول فلا شاهد فيه؛ لأن لفظ الجلالة لم يقع مسندا إليه، بل مسندا
(قوله: حذفت الهمزة)(1) أى: تخفيفا، لكن إن كان الحذف بعد إلقاء حركتها على اللام كان الحذف قياسيا؛ لأنها قبل ذلك متعاصية بالحركة ويكون الإدغام غير قياسى لتحرك أول المثلين مع وجود حاجز بينهما وهو الهمزة؛ لأن المحذوف قياسا فى قوة المذكور، وإن كان حذفها مع حركتها كان الحذف غير قياسى ويكون الإدغام حينئذ قياسا لسكون أول المثلين، وعدم الحاجز بينهما أصلا
(قوله: وعوض عنها حرف التعريف) فيه نظر من وجهين.
الأول: أن معنى التعويض الإتيان بالشىء عوضا، فيقتضى أنه غير موجود فى الكلمة، وإلا لزم تحصيل الحاصل مع أن حرف التعريف موجود قبل التعويض.
الثاني: أنه يلزم الجمع بين العوض والمعوض قبل حذف الهمزة فى قولنا: الإله، واللازم باطل فيهما، والجواب: أن المراد بالتعويض فى قوله وعوض عنها إلخ: قصد
(1) والله: أصله إلاه على فعال بمعنى مفعول؛ لأنه مألوه لأنه مؤتم به، فلما أدخلت عليه الألف واللام حذفت الهمزة تخفيفا لكثرته فى الكلام. ولو كانت عوضا منها لما اجتمعتا مع المعوض منه فى قولهم الإله. وقال ابن القيم: واسم (الله) دال على كونه مألوها معبودا تؤلهه الخلائق محبة وتعظيما وخضوعا وفزعا إليه فى الحوائج والنوائب وذلك مستلزم لكمال ربوبيته ورحمته المتضمنة لكمال الملك والحمد.
انظر: لسان العرب (1/ 115) مادة (أله)، ومدارج السالكين لابن القيم (1/ 32).
ثم جعل علما
…
===
العوضية أى: ثم بعد حذف الهمزة قصد واعتبر جعل حرف التعريف عوضا عنها أى:
ثم أدغم ثم فخم وعظم، ثم جعل علما ففى الكلام حذف.
ثم اعلم أن هذا الترتيب إنما هو بالنظر للاعتبار لا باعتبار الحقيقة والوجود الخارجى، وبعضهم أجاب بجواب آخر وهو: أن أل فى قوله أصله إلاله من الحكاية لا من المحكى، فمراده أن أصله إله منكر وإنما أدخل حرف التعريف فى خبر المبتدأ لإفادة الحصر كما في: زيد الأمير ردا على من يقول: أصله لاه
(قوله: ثم جعل علما) أى:
شخصيا ثم لا يخلو إما أن يريد أنه علم بالوضع، أو بالغلبة التحقيقية، أو التقديرية، فإن أراد الأول صح على القول بأن الواضع هو الله، وأشكل على القول بأن الواضع البشر؛ لأن الوضع يستلزم العلم بالموضوع له وذاته تعالى غير معلومة بالكنه لغيره، وأجيب بأن الوضع إنما يتوقف على العلم بالموضوع له ولو من بعض الوجوه، وذلك حاصل هنا ولا يتوقف على العلم بالكنه والحقيقة، وإن أراد أنه علم بالغلبة التحقيقية أشكل من جهة أن العلم بالغلبة التحقيقية لا بد أن يسبق له استعمال فى غير ما غلب عليه ولفظ الجلالة لم يستعمل فى غيره تعالى فلا يصح فيه دعوى غلبة الاستعمال، وأجيب بأن الحكم عليه بالغلبة بالنظر لأصله وهو إله، والشىء مع أصله بمنزلة لفظ واحد يصح أن يحكم على أحدهما بحكم الآخر وإله فى الأصل اسم لكل معبود ثم غلب منكرا، أو بعد إدخال أل عليه على الخلاف فى ذلك على الذات العلية، وإن أراد أنه علم بالغلبة التقديرية فلا إشكال والحاصل أنه اختلف فى لفظ الجلالة، فقيل: علم بالوضع، وقيل:
بالغلبة التحقيقية، وقيل: بالغلبة التقديرية، والأول مشكل على القول بأن الواضع البشر، وتقدم الجواب عنه، والثانى مشكل أيضا، وتقدم الجواب عنه، والثالث: ظاهر لا غبار عليه، ثم إن ما ذكره الشارح من أن أصله كذا وتصرف فيه بما ذكر، ثم جعل علما إلخ- خلاف ما عليه الأئمة الأربعة من أن لفظ الله وضع للذات العلية من أول الأمر من غير سبق تصرف فيه، ومن غير اشتقاق له من شىء كما نقل عن سيبويه.
للذات الواجب الوجود الخالق للعالم، وزعم بعضهم أنه اسم لمفهوم الواجب لذاته أو المستحق للعبودية له؛ وكل منهما كلى انحصر فى فرد فلا يكون علما؛ لأن مفهوم العلم جزئى؛ وفيه نظر؛ لأنا لا نسلم أنه اسم لهذا المفهوم الكلى، كيف وقد أجمعوا على أن قولنا: لا إله إلا الله- كلمة توحيد، ولو كان الله اسما لمفهوم كلى لما أفادت التوحيد؛ لأن الكلى من حيث هو كلى يحتمل الكثرة.
===
(قوله: للذات) أى: المعلومة لكل أحد المعينة بكونها واجبة الوجود إلخ، فقوله الواجب إلخ: بيان للذات المسماة، وليس معتبرا فى المسمى وإلا كان المسمى مجموع الذات والصفة، وأنه ليس كذلك؛ لأنه يقتضى أن يكون لفظ الجلالة كليا وسيأتى رده، بل المسمى الذات وحدها قاله سم.
إن قلت: هذا يعارض ما مر من أن العلم ما وضع للشىء مع جميع مشخصاته. قلت: قد سبق أن المراد بالمشخصات ما كان لازما للذات من حيث هى ذات المقتضى لجزئيتها وتعينها بقطع النظر عن كونها قديمة أو حادثة، وحينئذ فلفظ الجلالة اسم للذات وما كان لازما لها من حيث إنها ذات كالوجود، وأما وجوب الوجود والخلق للعالم وغير ذلك من الصفات فأمور زائدة على الذات غير لازمة لها من حيث إنها ذات، وحينئذ فلا تكون من جملة الموضوع له
(قوله: الواجب الوجود) أى:
التى وجودها واجب لا يقبل الانتفاء لا أزلا ولا أبدا.
(قوله: وزعم بعضهم) هو الشارح الخلخالى
(قوله: اسم) أى: وليس بعلم؛ لأن مفهوم العلم جزئى وهذا مفهومه كلى كما قال.
(قوله: لمفهوم الواجب لذاته) الإضافة بيانية، والواجب لذاته هو الذى لا يحتاج لغيره فى وجوده. وقوله: للعبودية له أى: لكون الغير يعبده
(قوله: وكل منهما) أى: من هذين الأمرين اللذين وضع لهما اللفظ كلى
(قوله: فلا يكون) أى: لفظ الجلالة علما أى بالوضع فلا ينافى أنه على هذا القول قد يجعل علما بالغلبة
(قوله: أنه) أى: لفظ الجلالة
(قوله: كيف) أى: كيف يكون اسما للمفهوم الكلى، والحال أنهم قد أجمعوا إلخ أى أنه لا يصح ذلك فهو استفهام تعجبى بمعنى النفى
(قوله: كلمة توحيد) أى: كلمة تفيد التوحيد وتدل عليه
(قوله: لما أفادت التوحيد) أى: لكن التالى وهو عدم إفادتها للتوحيد باطل فبطل المقدم
(أو تعظيم أو إهانة) كما فى الألقاب
…
===
وهو كون لفظ الجلالة اسما للمفهوم الكلى، وقوله لأن الكلى إلخ هذا دليل للشرطية، وقوله من حيث هو كلى أى: لا من حيث انحصاره فى الخارج فى جزئى معين، وقوله يحتمل الكثرة أى وهى تنافى التوحيد، والمراد باحتماله الكثرة قبوله لها فى الخارج وليس المراد به ما قابل الجزم، فاندفع ما يقال كان الأولى أن يقول يفيد الكثرة؛ لأن الكلى من حيث هو كلى يفيد الكثرة قطعا لا احتمالا، ثم إن قوله: لو كان لفظ الجلالة اسما للمفهوم الكلى لما أفاد التوحيد- فيه نظر؛ لأنه على تقدير وضعه للمفهوم الكلى يفيد التوحيد بواسطة القرينة المعينة الدالة على انحصار ذلك المفهوم فى الفرد المخصوص، وحينئذ فالملازمة ممنوعة.
وأجيب بأن المراد لما أفاد التوحيد بذاته أى: باعتبار معناه لغة بدون القرينة المعينة واللازم باطل؛ لأنه يفيد التوحيد بذاته بدليل أن أهل اللغة يفرقون بين: " لا إله إلا الله"، " ولا إله إلا الرحمن"- من حيث إفادة التوحيد، فيجعلون الأول مفيدا للتوحيد دون الثاني، فدل ذلك الفرق على أن الأول يفيد التوحيد بذاته، وإلا فالقرائن توجد مع كل منهما، وبهذا يتبين لك فساد ما قيل إن إفادة" لا إله إلا الله" التوحيد إنما هى بحسب الشرع- لا بحسب اللغة.
(قوله: أو تعظيم أو إهانة) لم يقل تعظيمه أو إهانته؛ لأنه قد يقصد بإيراده علما تعظيم غير المسند إليه، أو إهانته ك: أبو الفضل صديقك، وأبو جهل رفيقك، فإن فى إيراده علما تعظيم المضاف للمسند فى الأول، وإهانة المضاف للمسند فى الثانى
(قوله: كما فى الألقاب) أى: كالتعظيم والإهانة التى فى الألقاب أى: وكالأسماء الصالحة لذلك كما في: على ومعاوية إذا اعتبرناهما اسمين، وكما فى الكنى الصالحة لذلك أيضا نحو: أبو الخير وأبو الشر، وإنما نص على الألقاب؛ لأنها الواضحة فى ذلك؛ لأن الغرض من وضعها الإشعار بالمدح أو الذم، وقد يتضمنهما الأسماء وإن لم يقصد بالوضع إلا تميز الذات لكونها منقولة عن معان شريفة أو خسيسة: كمحمد وكلب، أو
الصالحة لذلك، مثل: ركب علىّ، وهرب معاوية.
(أو كناية) عن معنى يصلح العلم له، نحو: أبو لهب فعل كذا كناية عن كونه جهنميا؛
…
===
لاشتهار مسماها بصفة محمودة أو مذمومة: كحاتم ومادر، وبعد الألقاب فى ذلك الكنى: كأبى الفضل، وأبى الجهل.
(قوله: الصالحة لذلك) أى: للتعظيم أو الإهانة أى المشعرة بذلك من حيث إنها موضوعة لذلك المعنى فى الأصل وهذا وصف كاشف للتوضيح لا للاحتراز عن غير الصالحة لعدم وجودها؛ لأن اللقب ما أشعر بمدح أو ذم فلا يكون إلا صالحا للتعظيم أو الإهانة
(قوله: مثل ركب علىّ إلخ) أى: فالإتيان بالمسند إليه علما لأجل الدلالة على تعظيم مسماه، فالتعظيم مأخوذ من لفظ على لأخذه من العلو والإهانة مأخوذة من لفظ معاوية؛ لأنه مأخوذ من العو وهو صريخ الذئب فذكر الركوب والانهزام ليس لتوقف الإشعار عليه وإلا لم يكن العلم مفيدا للتعظيم أو الإهانة، بل الإفادة من غيره، ثم إن التمثيل بعلى ومعاوية على اعتبار أنهما لقبان فإنهما كما يصح اعتبارهما اسمين يصح اعتبارهما لقبين.
(قوله: أو كناية) أى: إنه يؤتى بالمسند إليه علما لأجل كونه كناية عن معنى يصلح العلم له أى: لذلك المعنى بحسب معناه الأصلى قبل العلمية
(قوله: نحو أبو لهب فعل كذا كناية إلخ) أى: فقولك أبو لهب فعل كذا فى معنى قولك جهنمى فعل كذا، وتوجيه الكناية فى ذلك المثال: أن أبا لهب بحسب الأصل مركب إضافى فى معناه ملابس اللهب أى: النار ملابسة شديدة، كما أن معنى أبو الخير، وأبو الشر، وأبو الفضل، وأخو الحرب- ملابس ذلك ومن لوازم كون الشخص ملابسا للهب كونه جهنميا أى: من أهل جهنم، فإن اللهب الحقيقى لهب نار جهنم، فأطلق أبو لهب وأريد لازمه وهو كونه جهنميا، فإذا قلت فى شأن كافر مسمى: بأبى لهب، أبو لهب فعل كذا مريدا بذلك جهنميا فعل كذا- كان كناية من إطلاق اسم الملزوم وهو الذات الملازمة للهب، وإرادة اللازم وهو الجهنمى والحاصل أنك إذا قلت فى شأن كافر اسمه أبو لهب-
بالنظر إلى الوضع الأول؛ أعنى الإضافى؛ لأن معناه ملازم النار وملابسها، ويلزمه أنه جهنمى فيكون انتقالا من الملزوم إلى اللازم باعتبار الوضع الأول؛ وهذا القدر كاف فى الكناية،
…
===
أبو لهب فعل كذا- فالنكتة فى إيراد المسند إليه علما الكناية عن كونه جهنميا، ووجه الكناية أن معنى أبو لهب بالنظر للوضع الأول ذات ملازمة للنار، ويلزم من ملازمته للنار كونه جهنميا، فقد أطلقت اسم الملزوم وهو أبو لهب وأردت اللازم وهو كونه جهنميا فإفادة عذابه بالنار وغيرهما مما فى جهنم
(قوله: بالنظر إلخ) أى: والكناية فى هذا العلم إنما تكون بالنظر إلى الوضع الأول أى: بالنظر إلى معناه بحسب الوضع الأول وهو الإضافى، لا بالنظر إلى معناه بحسب الوضع الثانى وهو العلمى.
(قوله: أعنى الإضافى) عبر بأعنى إشارة لدفع ما يتوهم من أن المراد بالوضع الأول الوضع العلمى فى قولهم: ما وضع أولا هو العلم، وما وضع ثانيا، إن أشعر بمدح أو ذم فلقب، وإن صدر بأب أو أم فكنية
(قوله: لأن معناه) أى: لفظ أبو لهب بالنظر للوضع الأول
(قوله: ملازم النار) أى: الكاملة وهى جهنم؛ لأن الشىء إذا أطلق ينصرف للفرد الكامل منه، فاندفع ما يقال: إن الفران ملابس للنار مع أنه ليس جهنميا، والأولى كما قال العصام أن يقال: إن معناه بالوضع الأول من تتولد منه النار؛ لأنه وقود لها، إذ لا شك فى لزوم كونه جهنميا لذلك المعنى بخلاف ما قال الشارح فإنه يحتاج إلى ادعاء أن المراد باللهب الحقيقى أعنى نار جهنم لأجل أن يستلزم الكون جهنميا
(قوله: ويلزمه) أى: يلزم الشخص الملابس للنار الكاملة أنه جهنمى أى: لزوما عرفيا؛ لأنه يكفى عند علماء المعانى لأنهم يكتفون بالملازمة فى الجملة وهو أن يكون أحد الأمرين بحيث يصلح للانتقال منه للآخر، وإن لم يكن هناك لزوم عقلى، واندفع ما يقال لا نسلم أنه يلزم من ملابسة الشخص للنار الحقيقية أن يكون جهنميا لم لا يجوز أن يكون ملابسا لها وهو غير جهنمى- ألا ترى للملائكة الزبانية فإنهم ملازمون لها ومع ذلك هم غير جهنمية.
(قوله: فيكون) أى الانتقال إلى كونه جهنميا انتقالا من الملزوم أعنى الذات الملازمة للنار الحقيقية، وقوله إلى اللازم أعنى: كونه جهنميا
(قوله: وهذا القدر) أى:
وقيل فى هذا المقام: إن الكناية
…
===
الانتقال من المعنى الموضوع له أولا، وإن لم يكن هو المستعمل فيه اللفظ إلى لازمه كاف فى الكناية ولا تتوقف على إرادة لازم ما استعمل فيه اللفظ وهو الذات المعينة، وهذا جواب عما يقال إن الكناية يجب فيها أن يكون المراد من اللفظ لازم معناه كما فى كثير الرماد، فإنه استعمل فى كثرة الرماد مرادا منه لازم معناه وهو الكرم وهنا ليس كذلك؛ لأن المعنى الذى استعمل فيه اللفظ الذات والكون جهنميا ليس من لوازمها، وحاصل الجواب أن قولهم يجب فى الكناية أن يكون اللفظ مستعملا فى لازم معناه يعنى إذا كانت الكناية باعتبار المسمى بهذا الاسم، وأما إذا كانت الكناية باعتبار المعنى الأصلى، كما هنا، فلا يجب فيها أن يكون المراد من اللفظ لازم معناه المستعمل فيه، بل يكفى فيها الانتقال من المعنى الأصلى الموضوع له أولا، وإن لم يكن اللفظ مستعملا فيه إلى لازمه، وبهذا الجواب سقط قول الشيخ يس.
بقى شىء وهو أن الكناية الانتقال من المعنى المستعمل فيه اللفظ للازمه بواسطة أو بوسائط، فإن كان المعنى الإضافى لازما للمعنى العلمى فلا تكلف فى معنى الكناية حتى يقال وهذا القدر كاف، وإن لم يكن لازما ولا انتقال فلا كناية أصلا، والظاهر أنه غير لازم، فإن الملابس للنار ليس لازما للشخص المعين من حيث هو شخص معين الذى هو مدلول العلم إلا أن يقال: إنه يفهم عند استعمال اللفظ فى المعنى العلمى المعنى الإضافى؛ لأنه يلتفت إلى المعانى الأصلية عند الاستعمال فى المعانى الحالية، ثم ينتقل عن المعنى الإضافى إلى لازمه، وهذا القدر كاف
(قوله: وقيل إلخ) حاصله أن الكناية على هذا القول فى قولك: أبو لهب فعل كذا بالنظر للوضع الثانوى وهو المعنى العلمى أن الكناية فيه مثل الكناية فى جاء حاتم، وبيان ذلك أن حاتما موضوع للذات المعينة الموصوفة بالكرم ويلزمها كونها جوادا، فإذا قلت فى شأن شخص كريم غير الشخص المسمى بحاتم: جاء حاتم، وأردت جاء جواد فقد استعملت اللفظ فى نفس لازم المعنى العلمى وهو جواد، وكذا أبو لهب معناه العلمى الذات المعينة الكافرة، ويلزمها أن تكون جهنمية، فإذا قلت فى شأن كافر غير أبى لهب جاء أبو لهب وأردت
كما يقال: جاء حاتم؛ ويراد به لازمه؛ أى: جواد، لا الشخص المسمى بحاتم، ويقال: رأيت أبا لهب؛ أى: جهنميا؛ وفيه نظر؛ لأنه حينئذ يكون استعارة،
…
===
جاء جهنمى فقد استعملت اللفظ فى نفس اللازم للمعنى العلمى، وأما على القول الأول فالعلم مستعمل فى معناه الأصلى لينتقل منه إلى لازمه، والحاصل أنه على الأول اللفظ مستعمل فى معناه الأصلى لينتقل منه للازم معناه، وأما على القول الثانى فاللفظ لم يستعمل فى المعنى الأصلى ولا فى المعنى الثانوى وهو الذات المعينة أصلا، وإنما استعمل فى لازمها ابتداء فحاتم مستعمل ابتداء فى الجواد اللازم للذات المخصوصة المسماة بحاتم لا فى الشخص المعروف وهو الطائى لينتقل منه إلى كونه جوادا، وكذا أبو لهب استعمل ابتداء فى الجهنمى اللازم للذات المخصوصة المسماة بأبى لهب، ولم يستعمل فى الشخص المعروف، وهو عبد العزى لينتقل منه إلى كونه جهنميا
(قوله: كما يقال إلخ) أى: مثل الكناية فى القول الذى يقال لأى كريم غير حاتم الطائى: جاء حاتم
(قوله: ويراد به لازمه) أى لازم معناه بأن يستعمل اللفظ ابتداء فى ذلك اللازم الذى اشتهر اتصاف معناه به
(قوله: لا الشخص) أى ولا يراد به الشخص المعين المسمى بحاتم وهو الطائى لينتقل منه إلى لازمه أعنى كونه جوادا
(قوله: ويقال) عطف على قوله يقال سابقا.
(قوله: أى جهنميا) أى: لا الشخص المسمى بأبى لهب ففى كلامه اكتفاء، وحاصله أن يطلق أبو لهب مرادا به جهنمى على أى كافر كان غير مسمى بأبى لهب بأن كان اسمه زيدا مثلا لا مرادا به الشخص المسمى بأبى لهب لينتقل منه إلى لازمه
(قوله: وفيه نظر) قد رد الشارح هذا القول بثلاثة أمور ذكر الأول بقوله؛ لأنه إلخ، والثانى بقوله ولو كان إلخ، والثالث بقوله ومما يدل إلخ
(قوله: لأنه حينئذ يكون استعارة) أى: لأنه قد استعمل لفظ حاتم فى غير ما وضع له وهو رجل آخر جواد لعلاقة المشابهة فى الجود، وكذا أبو لهب مستعمل فى غير ما وضع له وهو رجل آخر جهنمى لعلاقة المشابهة فى الكفر والجهنمية، والقرينة هنا مانعة من إرادة المعنى الأصلى لاستحالة أن يكون حاتم الطائى أو عبد العزى جاءك للعلم بموتهما وذلك معنى الاستعارة،
لا كناية على ما سيجىء، ولو كان المراد ما ذكره لكان قولنا: فعل هذا الرجل كذا، مشيرا إلى كافر، وقولنا: أبو جهل فعل كذا، كناية عن الجهنمى،
…
===
ثم لا ينبغى أن يكون المراد على هذا القبيل أن لفظ حاتم مستعمل فى الشخص المسمى بحاتم لينتقل منه إلى لازمه وهو الجواد؛ لأنه خلاف المتبادر من قول الشارح، ويراد به لازمه أى جواد لا الشخص المسمى بحاتم ومن قوله الآتى، ولا شك أن المراد به الشخص المسمى بأبى لهب لا كافر آخر؛ ولأن هذا معنى الكناية على مذهب المصنف فلا يصح قوله: لأنه حينئذ استعارة لا كناية، وكذا لا ينبغى أن يكون المراد على هذا القيل أن حاتما استعمل فى الجواد لينتقل إلى ملزومه وهو الشخص المعلوم، وأن أبا لهب استعمل فى الجهنمى لينتقل إلى ملزومه وهو الكافر المعلوم؛ لأنه خلاف كلام الشارح؛ ولأن هذا معنى الكناية على مذهب السكاكى فلا يصح قول الشارح: إنه حينئذ يكون استعارة لا كناية- فليتأمل.
كذا ينبغى تقرير هذا المقام خلافا لما فى حواشى سم. اهـ. يس.
(قوله: يكون استعارة) أى: إن اعتبر أن العلاقة المشابهة، وإن اعتبر أن العلاقة غيرها: كالإطلاق والتقييد كان مجازا مرسلا، وذلك أنه يصح أن يكون من قبيل إطلاق اسم المقيد وهو: أبو لهب، فإنه اسم للكافر المخصوص الذى نزلت فيه الآية على المطلق وهو مطلق الكافر، ثم أريد به الكافر المخصوص المسمى بزيد مثلا فيكون مجازا مرسلا بمرتبتين علاقته الإطلاق والتقييد كإطلاق المشفر الذى هو اسم لشفة البعير على مطلق الشفة، ثم أريد منها شفة الإنسان
(قوله: على ما سيجىء) أى: فى مبحث الكناية من أن: الكناية استعمال اللفظ فى معناه ابتداء لينتقل منه للازمه على مذهب المصنف، وعلى مذهب السكاكى استعمال اللفظ فى لازم معناه ابتداء لينتقل منه إلى الملزوم وهو معنى اللفظ الموضوع له، وهنا قد استعمل اللفظ ابتداء فى اللازم لينتقل منه إلى غير ما وضع له اللفظ على ما مر
(قوله: ولو كان المراد ما ذكره) أى: لو كان المراد فى تقرير الكناية ما ذكره هذا القائل من أن اللفظ مستعمل فى لازم الذات للزم عليه أنك إذا أشرت لكافر، وقلت فعل كذا هذا الرجل، والقصد أن الفعل صدر من
ولم يقل به أحد، ومما يدل على فساد ذلك أنه مثل صاحب المفتاح، وغيره فى هذه الكناية بقوله تعالى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ (1)،
…
===
غير هذا الرجل المشار إليه، أو قلت فى شأن كافر لا يسمى بأبى جهل أبو جهل فعل كذا يكون كناية عن الجهنمى؛ لأنك أطلقت اسم الملزوم وهو أبو جهل، والإشارة للكافر وأردت اللازم وهو الجهنمى، وجعل هذا من الكناية لم يقل به أحد ووجه الاستلزام أن هذا القائل جعل منشأ الانتقال للجهنمى كون الذات الكافرة مستلزمة له، وهذا الإلزام لا يتوجه على القول الأول من أن اللفظ مستعمل فى معناه الأصلى وهو الإضافى لينتقل منه إلى لازمه الذى هو الجهنمى؛ لأن المعنى الإضافى فى أبى جهل ليس من لوازمه الجهنمى
(قوله: ولم يقل به أحد) أى: لم يقل بأنه كناية أحد، وقد يجاب بأنه لا يلزم من فهم الجهنمى من أبى لهب فهمه من أبى جهل، ولا من قولك هذا لعدم اشتهار المعنى الذى وضع له اللفظ بذلك اللازم وهو الجهنمى.
والحاصل أن المعنى الذى وضع له اللفظ تارة يشتهر بصفة، وتارة لا يشتهر بها، وإن كانت تلك الصفة ثابتة له، فإن كان مشتهرا كما فى أبى لهب فإنه اشتهر بأنه جهنمى فيصح استعمال اللفظ فى تلك الصفة اللازمة على طريق الاستعارة أو الكناية، وإن كان غير مشتهر: كزيد وعمرو الكافرين لم يقل أحد لصحة استعمال اللفظ فى ذلك الوصف كناية أو استعارة فأبو لهب اشتهر بأنه جهنمى دون أبى جهل فقياس هذا على هذا قياس مع الفارق
(قوله: فى هذه الكناية) أى: لهذه الكناية ففى بمعنى اللام
(قوله: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ) إن قلت الكلام فى العلم المسند إليه وأبو لهب فى الآية مضاف إليه لا مسند إليه، فكيف يمثل صاحب المفتاح بهذه الآية؟ أجيب بأن اليد فى الآية مقحمة؛ لأن غالب الأعمال بها، فإذا هلكت فقد هلك صاحبها، وحينئذ فأبو لهب مسند إليه فى الحقيقة، وقيل: إنها غير زائدة لما روى أن سبب النزول أنه أخذ حجرا بيده فرمى به النبى صلى الله عليه وسلم وعليه فيكون ذكره الآية فى باب المسند إليه تتميما للفائدة كما هو دأب السكاكى.
(1) المسد: 1.
ولا شك أن المراد به الشخص المسمى بأبى لهب، لا كافر آخر.
(أو إيهام استلذاذه) أى: وجدان العلم لذيذا، نحو قوله:
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا
…
ليلاى منكنّ أم ليلى من البشر (1)
(أو التبرك به)
…
===
(قوله: ولا شك أن المراد إلخ) أى: وحيث كان المراد الشخص المسمى بأبى لهب لا كافرا آخر لم يكن كناية عن الجهنمى إلا على القول الأول، إذ على القول الثانى لا يكون أبو لهب كناية عن الجهنمى إلا إذا كان المراد شخصا غير المسمى بأبى لهب كما مر
(قوله: أو إيهام استلذاذه) أى: استلذاذ المتكلم بالمسند إليه أن يوهم المتكلم المخاطب أنه وجد المسند إليه لذيذا، وفى ذكر الإيهام نظر؛ لأن اللفظ الدال على المحبوب للنفس لذيذ عندها فالاستلذاذ حاصل تحقيقا لا على سبيل الإيهام، فالأولى أن يقول أو الإعلام بالاستلذاذ به، وأجيب بأمرين الأول أن المراد اللذة الحسية باعتبار الدلالة على المعنى، ولا شك أنها متوهمة لا محققة، الثانى أن المراد اللذة بذكر العلم من غير اعتبار الدلالة على المعنى، ولا شك أن حصول اللذة المعنوية بذكر العلم من غير اعتبار الدلالة على المعنى أمر متوهم.
هذا كله إن فسرنا الإيهام بالتوهم، أما لو أريد به الإيقاع فى وهم السامع أى:
ذهنه ولو على سبيل التحقق فلا اعتراض أصلا
(قوله: ليلاى إلخ) أضاف ليلى إلى نفسه حين كونها من الظبيات ولم يضفها إلى نفسه حين كونها من البشر لكمال حسده وغيرته- ذكره شيخنا الحفنى، والشاهد فى قوله: أم ليلى، إذ مقتضى الظاهر أن يقول:
أم هى لتقدم المرجع، لكنه أورد المسند إليه علما لإيهام استلذاذه.
(قوله: أو التبرك) يصح أن يراد التبرك به باعتبار دلالة العلم على المعنى، وأن يراد التبرك به بمجرد ذكر العلم من غير اعتبارات تلك الدلالة فعلى التوجيه الأول يتعين عطفه على الإيهام؛ لأن التبرك حاصل تحقيقا، لا أنه متوهم وعلى الثانى يكون معطوفا على الاستلذاذ؛ لأن التبرك حينئذ متوهم لا محقق.
(1) نسب لقيس بن الملوح فى كتاب التبيان للطيى تحقيق د/ عبد الحميد هنداوى ص 148 ج 1، معاهد التنصيص 3/ 167، ونسب للعرجى فى ذيل ديوانه ص 182، شرح المرشدى على عقود الجمان ص 1/ 57.