المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌[(والتعقيد)] (والتعقيد) أى: كون الكلام معقدا (ألا يكون) الكلام (ظاهر الدلالة - حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - جـ ١

[محمد بن أحمد الدسوقي]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم

- ‌ترجمة جلال الدين القزوينى صاحب" التلخيص

- ‌اسمه ونسبه:

- ‌ولادته ونشأته:

- ‌صفته:

- ‌طلبه للعلم ومشايخه:

- ‌مصنفاته:

- ‌وفاته:

- ‌ترجمة سعد الدين التفتازاني صاحب" مختصر السعد شرح التلخيص

- ‌مولده:

- ‌منزلته وشهرته:

- ‌مصنفاته:

- ‌مذهبه الفقهي:

- ‌عبقرية التفتازاني:

- ‌ذكر وفاته- رحمه الله تعالى

- ‌كتاب" مختصر السعد

- ‌ترجمة محمد بن عرفة الدسوقى صاحب" حاشية الدسوقى

- ‌اسمه وكنيته

- ‌مولده وحياته:

- ‌صفاته:

- ‌شيوخه:

- ‌تلاميذه:

- ‌ وفاته

- ‌مؤلفاته:

- ‌منهج التحقيق

- ‌مقدمة مختصر السعد

- ‌كلمة الافتتاح للدسوقي

- ‌[القول فى البسملة]:

- ‌[القول فى الحمد]:

- ‌[الكلام فى الشكر]:

- ‌[مقدمة فى بيان معنى الفصاحة والبلاغة]:

- ‌[المقدمه ما هي

- ‌ الفصاحة

- ‌[تقسيم الفصاحة بالمفرد والكلام]

- ‌[يوصف المتكلم بالفصاحه كما يوصف بها الكلام]

- ‌[البلاغة]

- ‌[يوصف الكلام والمتكلم بالبلاغه]

- ‌[الفصاحه في المفرد خلوها عن]

- ‌[عن التنافر]

- ‌[الضابط في التنافر]

- ‌[والغرابه]

- ‌[والمخالفة]

- ‌[من الكراهة فى السمع]

- ‌[الفصاحة فى الكلام خلوها عن: ]

- ‌[الضعف]

- ‌[(والتعقيد)]

- ‌بلاغة الكلام

- ‌[تعريف الحال]

- ‌[مقتضى الحال]

- ‌ أعلى

- ‌لبلاغة الكلام (طرفان:

- ‌[أسفل]

- ‌بلاغة المتكلم

- ‌الفن الأول علم المعاني

- ‌[عله تقديمه علي البيان]

- ‌[تعريف علم المعاني]

- ‌[انحصار الخبر فى الصادق والكاذب]:

- ‌تنبيه حول «تنبيه»

- ‌[الباب الاول] (أحوال الإسناد الخبرى):

- ‌[الحقيقة والمجاز العقليان]:

- ‌[المجاز العقلي]:

- ‌[أقسام المجاز العقلي]:

- ‌[[الباب الثانى] أحوال المسند إليه]:

- ‌ ذكر المسند إليه

- ‌‌‌[تعريف المسند اليه]

- ‌[تعريف المسند اليه]

- ‌[أغراض التعريف]:

- ‌[تعريفه بالإضمار]:

- ‌[تعريفه بالعلمية]:

- ‌[تعريفه بالموصولية]:

- ‌[تعريفه بالإشارة]:

- ‌ تعريف المسند إليه باللام

- ‌ تعريف المسند إليه بالإضافة

- ‌[أغراض التنكير]:

- ‌ تنكير المسند إليه

- ‌أغراض الوصف

- ‌[أغراض التوكيد]:

- ‌[أغراض عطف البيان]

- ‌[بيان المسند إليه]:

- ‌[أغراض البدل]:

- ‌[الإبدال من المسند إليه]:

- ‌[أغراض العطف]:

- ‌[العطف على المسند إليه]:

- ‌[أغراض ضمير الفصل]:

- ‌[أغراض التقديم]:

- ‌ تقديم المسند إليه

- ‌[رأى عبد القاهر]:

- ‌[موافقة السكاكى لرأى عبد القاهر]:

- ‌ تأخير المسند إليه

- ‌[تخريج المسند إليه على خلاف مقتضى الظاهر]

- ‌[وضع المضمر موضع المظهر]:

- ‌[إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر]:

- ‌[التعبير بالمستقبل بلفظ الماضى]:

- ‌خاتمة

الفصل: ‌ ‌[(والتعقيد)] (والتعقيد) أى: كون الكلام معقدا (ألا يكون) الكلام (ظاهر الدلالة

[(والتعقيد)]

(والتعقيد) أى: كون الكلام معقدا (ألا يكون) الكلام (ظاهر الدلالة على

===

نافر تنافرا قويا كاملا، وفيه أن هذا ينافى ما سبق للشارح من أن المثال الأول متناه فى الثقل، وهذا الثانى دونه، وقد يجاب بأن التنافر الكامل مقول بالتشكيك، فلا ينافى أن هناك ما هو أكمل من هذا.

(قوله: أى كون الكلام معقدا) أشار به إلى أن التعقيد مصدر المبنى للمفعول لا مصدر المبنى للفاعل، وهذا جواب عما يقال: التعقيد فعل المتكلم فهو من صفاته، يقال: عقد زيد كلامه فهو معقد، وحينئذ فلا يصح حمل

(قوله: ألا يكون إلخ) عليه؛ لأن عدم ظهور الدلالة على المعنى المراد من صفات الكلام، ففسر التعقيد بذلك ليصير صفة للكلام مخلا بفصاحته معتبرا خلوصه عنه، كما أن كونه غير ظاهر الدلالة صفة له، وأما الاعتراض بأن ما ذكره المصنف تفسير للتعقد لا للتعقيد فغير مندفع؛ لأنه على تقدير كونه مصدر المبنى للمفعول يكون معناه المعقدية، وهى عبارة عن مجعولية الكلام غير ظاهر الدلالة لا كونه غير ظاهر الدلالة؛ فإما أن يقال: إن المراد بالمصدر المبنى للمفعول الحاصل بالمصدر أعنى الهيئة المترتبة عليه، أو يقال: هذا مبنى على التسامح بناء على ظهور أن المراد جعله غير ظاهر الدلالة، والأولى والأحسن أن يقال: قول المصنف: " ألا يكون إلخ"، هذا تفسير للتعقيد الاصطلاحى لا اللغوى، فلا يحتاج إلى جعله مصدر المبنى للمفعول، ولا إلى تكلف فى صحة الحمل.

(قوله: ألا يكون إلخ) إن قلت: يلزم على هذا التفسير أن يكون اللغز والمعمى غير فصيحين مع أنهما من المحسنات، وهى لا تعتبر إلا بعد البلاغة التى لا توجد إلا بعد الفصاحة، وهذا الاعتراض لخطيب اليمن، ولما بلغ المصنف ذلك أجاب عنه: بأن اللغز والمعمى غير فصيحين مطلقا، وعدهما من المحسنات ممنوع بدليل أن صاحب المفتاح لم يذكرهما من المحسنات، وفى هذا الجواب نظر؛ لأن صاحب المفتاح لم يذكر جميع المحسنات، فيلزم أن كل ما لم يذكره ليس فصيحا ولا قائل به وإلا حسن فى الجواب أن يقال: إن الدلالة فى اللغز والمعمى إن كانت واضحة عند الفطن بعد العلم بالاصطلاح

ص: 187

المراد لخلل) واقع (إما فى النظم) بسبب

===

فهما فصيحان، وإلا فلا ويجرى هذا التفصيل فى كونهما من المحسنات واللغز والمعمى عند أهل البديع بمعنى، وهو قول يدل ظاهره على خلاف المراد، إلا أن اللغز يكون على طريق السؤال كقول الحريرى فى الميل (1):

وما ناكح أختين سرّا وجهرة

وليس عليه فى النكاح سبيل

وكقول بعضهم فى كمون:

يأيها العطار عبّر لنا

عن اسم شىء قلّ فى سومك

تنظره بالعين فى يقظة

كما يرى بالقلب فى نومك

واعترض على المصنف بأن التعقيد أمر وجودى، وألا يكون عدمى، وحمل العدمى على الوجودى لا يصح، وأجيب بأنه قد تقرر أن النفى فى باب كان يتوجه إلى الخبر فمعنى ما كان زيد منطلقا: كان زيد غير منطلق، فالتقدير هنا كون الكلام على وجه لا تظهر دلالته فهى قضية معدولة المحمول، وانظر ما حكمة العدول إلى هذا التعبير دون أن يقول أن يكون الكلام خفى الدلالة إذ لا واسطة بين الظهور والخفاء، هذا وإنما عرف المصنف التعقيد دون نظائر؛ لأن له سببين: الخلل فى النظم، والخلل فى الانتقال، ولو اقتصر على مجرد التمثيل لم يعلم المراد.

(قوله: المراد) أى: للمتكلم، وبهذا القيد يمتاز التعقيد عن الغرابة؛ لأنها كون اللفظ غير ظاهر الدلالة على المعنى الموضوع له.

(قوله: لخلل إلخ) هذا من جملة التعريف لإخراج المتشابه والمجمل والمشكل؛ فإن عدم ظهور دلالتها على المعنى ليس لخلل النظم ولا لخلل الانتقال، بل لإرادة المتكلم إخفاء المراد منها لحكم ومصالح على ما تقرر فى محله.

(قوله: إما فى النظم) أى: التركيب سواء كان نظما أو نثرا، وهذا هو التعقيد اللفظى، وأما التعقيد لخلل فى الانتقال فهو التعقيد المعنوى، وكلمة" إما" لمنع الخلو: فتجوز الجمع كذا فى عبد الحكيم، والظاهر أنها لمنع الخلو والجمع معا، ومما يدل له ما ذكره هو فى وجه انحصار التعقيد فى الخللين، وهو أن

(1) هذا البيت للحريرى فى المقامات، والأختين يعنى العينين.

ص: 188

تقديم، أو تأخير، أو حذف، أو غير ذلك

===

اللفظ إن أريد معناه المطابقى وكان غير ظاهر الدلالة عليه فلا يكون التعقيد إلا بخلل فى النظم؛ لأن فهم المعنى المطابقى بعد العلم بوضع المفردات وهيئة التركيب يكون ظاهرا، وإن أريد غيره، فإما أن لا يكون بين المعنى المطابقى وذلك المعنى المراد لزوم، بحيث لا يفهم ذلك المعنى المراد من اللفظ أصلا، فيكون فاسدا لا معقدا؛ لأنه عبارة عن عدم ظهور الدلالة لا عن عدم الدلالة، وإما أن يكون بين المعنى المطابقى والمعنى المراد لزوم ظاهر، بأن كانت القرينة على عدم إرادة المعنى المطابقى ظاهرة، فلا تعقيد أصلا وإن كانت خفية، أو يكون اللزوم خفيا فى نفسه محتاجا لواسطة، حصل التعقيد للخلل فى الانتقال.

(قوله: تقديم أو تأخير) يحتمل أن المراد تقديم اللفظ عن محله الأصلى، وقوله:

" أو تأخير" أى: تأخير لغير ذلك اللفظ فى محل الأول، فعلى هذا بينهما تلازم إذ يلزم من تقديم الشىء عن محله الأصلى تأخير غيره فى ذلك المحل وبالعكس، وأما تقديم الشىء عن محله وتأخيره عن ذلك المحل فلا يجتمعان فضلا عن تلازمهما، وإلا كان الشىء الواحد مقدما مؤخرا فى تركيب واحد وهو لا يعقل؛ وإنما لم يقتصر على أحدهما مع استلزام كل منهما الآخر إشعارا بكفاية ملاحظة أحدهما فى الخلل وإن لم يلاحظ الآخر، ويحتمل أن المراد بسبب تقديم اللفظ عن محله الأصلى الذى يقتضيه ترتيب المعانى أو تأخيره عن ذلك المحل وهما لا يجتمعان قطعا فعلى هذا ليس أحدهما مغنيا عن الآخر، فالجمع بينهما ظاهر.

(قوله: أو حذف) أى: بلا قرينة واضحة؛ فإن وجدت القرينة على المحذوف لم يحصل التعقيد؛ لأن المحذوف مع القرينة كالثابت نحو دنف فى جواب كيف زيد؟

(قوله: أو غير ذلك) أى: كالفصل بين الشيئين المتلازمين بأجنبي، كالفصل به بين المبتدأ والخبر، وبين الصفة والموصوف، وبين البدل والمبدل منه، وقد اجتمعت هذه الفصول الثلاثة مع التقديم والتأخير فى بيت الفرزدق (1) الآتي، ثم اعلم أن

(1) يقصد قوله:

وما مثله فى الناس إلا مملّكا

أبو أمّه حىّ أبوه يقاربه

-

ص: 189

مما يوجب صعوبة فهم المراد (كقول الفرزدق (1) فى خال هشام) بن عبد الملك بن مروان، وهو إبراهيم بن هشام

===

الخلل فى التركيب لا بد فيه أن يكون ترتيب الألفاظ على غير ترتيب المعانى كما ذكره فى المطول، حيث قال: الخلل إما فى النظم: بألا يكون ترتيب الألفاظ على وفق ترتيب المعانى بسبب تقديم أو تأخير أو حذف أو إضمار، أو غير ذلك مما يوجب صعوبة فهم المراد إذا علمت ذلك، تعلم أن التعقيد اللفظى لا يحصل بالعطف على المحل بلا قرينة، ولا بالجر على الجوار أو التوهم؛ وذلك لأن ترتيب الألفاظ فيها على وفق ترتيب المعنى، فالأول نحو: مررت بغلامك وزيد، بعطف زيد على محل الكاف، والثانى نحو: هذا جحر ضب خرب، والثالث نحو: ليس زيد قائما ولا قاعد.

(قوله: مما يوجب صعوبة فهم المراد) أى:

المعنى المراد للمتكلم.

(قوله: الفرزدق) هو فى الأصل جمع: فرزدقة، وهى القطعة من العجين، لقّب به همام بن غالب بن صعصعة التميمى، صاحب جرير، لتقطع وجهه قطعا كقطع العجين، وكان أبوه غالب من أجلة قومه، ومن سراتهم، وكنيته أبو الأخطل، لولد كان له اسمه: الأخطل، وهو شاعر أيضا، وهو غير الأخطل التغلبى النصرانى الشاعر المشهور، وجده صعصعة صحابي، وأم الفرزدق ليلى بنت حابس، أخت الأقرع بن حابس، روى الفرزدق عن على بن أبى طالب، وعن أبى هريرة، وعن الحسين، وعن ابن عمر، وعن أبى سعيد الخدرى- رضى الله عن الجميع.

(قوله: ابن مروان)

- فى مدح خال هشام بن عبد الملك بن مروان أحد ملوك بنى أمية، وخاله الممدوح إبراهيم بن هشام ابن إسماعيل المخزومي.

والبيت فى لسان العرب (ملك)، ومعاهد التنصيص (1/ 43)، وانظر:" الإيضاح" تحقيق د/ عبد الحميد هنداوى ص 6.

(1)

البيت من الطويل، وهو للفرزدق فى دلائل الإعجاز ص 83، وشرح عقود الجمان (1/ 14)، ولسان العرب (ملك)، ومعاهد التنصيص (1/ 43)، والإيضاح ص 6. وهو فى مدح خال هشام بن عبد الملك بن مروان: أحد ملوك بنى أمية، وخاله الممدوح إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومى، والفرزدق هو:

همّام بن غالب بن صعصعة التميمى الدارمي، أبو فراس، الشهير بالفرزدق: شاعر من النبلاء من أهل البصرة، عظيم الأثر فى اللغة، كان يقال: لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب، ولولا شعره لذهب نصف أخبار الناس. [الأعلام:(8/ 93)].

ص: 190

ابن إسماعيل المخزومى:

(وما مثله فى الناس إلا مملّكا

أبو أمّه حىّ أبوه يقاربه؛ أى: ليس مثله) فى الناس (حى يقاربه) أى: أحد يشبهه فى الفضائل (إلا مملك) أى: رجل أعطى الملك والمال؛ يعنى هشاما (أبو أمه) أى: أم ذلك المملك (أبوه) أى: أبو إبراهيم الممدوح؛ أى: لا يماثله أحد إلا ابن أخته وهو هشام؛ ففيه فصل بين المبتدأ والخبر؛ أى: أبو أمه أبوه بالأجنبى الذى هو حى، وبين الموصوف والصفة؛ أعنى:

حى يقاربه بالأجنبى الذى هو أبوه وتقديم المستثنى؛ أعنى: مملكا على المستثنى منه؛ أعنى: حى، وفصل كثير بين البدل وهو حى والمبدل منه وهو مثله، فقوله:" مثله" اسم" ما"، و" فى الناس" خبر،

===

بسكون الراء، وإبراهيم الممدوح كان عاملا على المدينة من طرف ابن أخته هشام بن عبد الملك.

(قوله: ابن إسماعيل المخزومي) نسبة لبنى مخزوم، قبيلة من قبائل العرب، ويلقب إسماعيل المذكور بالمغيرة، وحينئذ فلا تنافى بين قول الشارح هشام بن إسماعيل، وقول المفتاح هشام بن المغيرة كذا ذكر بعض الحواشى، والذى ذكره ابن حزم فى الجمهرة أن هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة القرشى المخزومى كان عاملا على المدينة من طرف عبد الملك بن مروان، وأن جد هشام المذكور وهو هشام ابن الوليد أسلم يوم فتح مكة، وهو أخو خالد بن الوليد، وكان لهشام- العامل المذكور- بنت تزوجها عبد الملك، فولدت له هشام بن عبد الملك المشهور، وهو الذى مدحه الفرزدق، ومدح معه خاله إبراهيم بن هشام بقصيدة منها قوله:" وما مثله فى الناس"

البيت.

(قوله: إلا ابن أخته) أى: فمماثلة الملك للممدوح، إنما جاءت من قبله بحكم الخلال تتبع الخال.

(قوله: وتقديم المستثنى إلخ) أى: ويلزمه تأخير المستثنى منه عن المستثنى، لكن الشارح لاحظ التقديم وجعل التأخير حاصلا غير مقصود، ولو عكس الأمر لصح.

(قوله: والمبدل منه وهو مثله) إنما أورد ذلك البدل توطئة لإفادة نفى المقاربة الذى هو أعم بعد نفى المماثلة.

(قوله: مثله اسم ما، وفى الناس خبر) أى: خبرها وهذا

ص: 191

وإلا مملكا منصوب لتقدمه على المستثنى منه.

===

الإعراب مبنى على القول بجواز نطق الشاعر بغير لغته، وإلا فالفرزدق تميمى وهم يهملون ما، وجعل بعضهم، وهو الشيرازى (1) فى" شرح المفتاح" مثله: مبتدأ، وحى:

خبره، وما غير عاملة على اللغة التميمية، أو أن مثله: خبر، وحى: مبتدأ، وبطل عمل ما لتقدم الخبر، وكلا الوجهين فيه قلق واضطراب فى المعنى، يظهر ذلك بالتأمل فى قولنا: ليس مماثله فى الناس حيا يقاربه، أو ليس حى يقاربه مماثلا له فى الناس، ووجه الاضطراب: أن المقصود نفى أن يماثله ويقاربه أحد.

والتوجيه الأول: يفيد نفى المقاربة عن المماثلة، والتوجيه الثاني: يفيد نفى المماثلة عن المقارب، وهذا المفاد يقتضى وجود المماثل والمقارب مع عدمه، وهذا تدافع وتناقض كذا فى عبد الحكيم.

هذا ويمكن أن يخرج البيت على وجه لا تعقيد فيه، بأن يجعل" إلا مملكا": مستثنى من الضمير المستتر فى الجار والمجرور الواقع خبر ما، وقوله:" أبو أمه": مبتدأ خبره" حى"، و" أبوه" خبر بعد خبر، والجملة صفة ل" مملكا" وكذلك جملة" يقاربه" أى: إلا مملكا موصوفا بالصفة المذكورة، وموصوفا بأنه يقاربه أى: يشبهه فى الفضائل، وعلى هذا فالمراد بالحياة فى قوله:" حى" الشبوبية؛ لأن نسبة الشبوبية للهرم كنسبة الحياة إلى الموت، ومناسبة ذكر الشباب هنا إفادة أن هذا الملك حصلت له السيادة، والحال أن جده شاب.

وحينئذ فتكون السيادة ثبتت له فى صغره، لا أنها حصلت له فى آخر عمره كما هو الغالب، وغاية ما يلزم على هذا الوجه أن فيه نصب مملكا، مع أن المختار رفعه لتأخر المستثنى عن المستثنى منه بعد النفى.

(قوله: لتقدمه على المستثنى منه) أى: ولو كان مؤخرا عنه لكان المختار فيه الرفع على البدلية من المستثنى منه، ولهذا أتى به المصنف مرفوعا فى تفسير المعنى المراد.

(1) هو محمود بن مسعود بن مصلح الفارسي، قطب الدين الشيرازى، قاض، عالم بالعقليات، مفسر، من بحور العلم. من كتبه:" فتح المنان فى تفسير القرآن"، و" تاج العلوم" و" مفتاح المفتاح" و" الانتصاف شرح الكشاف"، وغيرها، توفى سنة 710 هـ وانظر: الأعلام: (7/ 187).

ص: 192

قيل: ذكر ضعف التأليف يغنى عن ذكر التعقيد اللفظى، وفيه نظر؛ لجواز أن يحصل التعقيد باجتماع عدة أمور موجبة لصعوبة فهم المراد، وإن كان كل منها جاريا على قانون النحو؛ وبهذا يظهر فساد ما قيل: من أنه لا حاجة فى بيان التعقيد فى البيت إلى ذكر تقديم المستثنى على المستثنى منه، بل لا وجه له؛

===

(قوله: يغنى عن ذكر التعقيد اللفظي) أى: لأن التعقيد اللفظى لا يكون ناشئا إلا عن ضعف التأليف، فالخلوص عن الضعف يوجب الخلوص منه.

(قوله: وفيه نظر) أى:

فى هذا القيل نظر، وحاصله منع أن التعقيد اللفظى لا يكون إلا عن ضعف التأليف، بل يجوز أن يكون من غيره مع انتفاء ضعف التأليف، ثم اعلم أن مراد الشارح الإشارة إلى رد قول آخر غير ما ذكره الخلخالى وهو إغناء ضعف التأليف عن التعقيد، وإن لم يكن ذلك القول مشهورا بين أرباب الفن؛ لأن الشارح مطلع، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وليس مراد الشارح الرد على الخلخالي؛ وذلك لأنه قال: إن ذكر أحد الأمرين من الضعف والتعقيد اللفظى يغنى عن الآخر، أما إغناء الضعف فلما سبق، وأما إغناء التعقيد؛ فلأنه لازم للضعف؛ لأن التأليف إذا لم يوافق القانون أوجب صعوبة فى الفهم لا محالة، والخلوص عن اللازم يوجب الخلوص عن الملزوم، فلو كان مراد الشارح بما ذكره دفع اعتراض الخلخالى المذكور والرد عليه، لم يحسن منه الاقتصار على بعض السؤال ولا يحسن ما ذكره فى الجواب؛ لأن ما ذكره فيه لا يدفع السؤال بتمامه، وإنما يدفع إغناء ذكر الضعف عن ذكر التعقيد ولا يدفع العكس، ودفعه أن يقال: لا نسلم أن كل ضعف يوجب تعقيدا؛ فإن مثل جاءنى أحمد بالتنوين مشتمل على الضعف دون التعقيد.

(قوله: لجواز أن يحصل التعقيد باجتماع عدة أمور موجبة لصعوبة فهم المراد، وإن كان كل منها جاريا على قانون النحو) وذلك كتقديم المفعول والمستثنى وتأخير المبتدأ، وذلك نحو: إلا عمرا الناس ضارب زيد، فهذا ليس فيه ضعف تأليف وإنما فيه تعقيد، وينفرد الضعف في:

جاء أحمد بالتنوين، فإنه لا تعقيد فيه، وتأليفه ضعيف، ويجتمع الضعف والتعقيد فى بيت الفرزدق المذكور، وإذا علمت أن بينهما باعتبار التحقق عموما وخصوصا وجيها، تعلم أن قول القائل: إن ضعف التأليف يغنى عن التعقيد؛ لأن التعقيد لازم للضعف لا يتم.

(قوله: وبهذا إلخ) أى: بما ذكر من

(قوله: لجواز أن يحصل إلخ) مع

(قوله: وإن كان كل منها إلخ)،

ص: 193

لأن ذلك جائز باتفاق النحاة؛ إذ لا يخفى أنه يوجب زيادة التعقيد وهو مما يقبل الشدة والضعف.

(وإما فى الانتقال) عطف على قوله: " إما فى النظم"؛ أى: لا يكون ظاهر الدلالة على المراد لخلل واقع فى انتقال الذهن من المعنى الأول المفهوم بحسب اللغة إلى المعنى الثانى المقصود؛

===

(وقوله: لأن ذلك إلخ) علة لقوله: " لا حاجة إلخ"، وقوله:" إذ لا يخفى" علة للعلية أى:

وإنما ظهر فساد ما قيل بسبب هذا؛ لأنه لا يخفى أن تقديم المستثنى على المستثنى منه يوجب زيادة التعقيد أى: وزيادة التعقيد تعقيد.

(قوله: وهو مما يقبل إلخ) علة لمحذوف تقديره: وجعلنا التعقيد مما يزيد صحيح؛ لأنه مما يقبل إلخ، والحاصل أن تقديم المستثنى على المستثنى منه، وإن كان جائزا شائعا، لكنه يوجب التعقيد، فإن حصل التعقيد بغيره كان موجبا لزيادته؛ لأن التعقيد مما يقبل الشدة والضعف.

(قوله: أى: لا يكون ظاهر الدلالة) الضمير فى يكون للكلام، وقوله:" لخلل واقع فى انتقال الذهن": اعترض بأنه إما أن يراد الخلل الواقع للمتكلم فى انتقال ذهنه، أو للسامع؛ فإن كان المراد الأول: فلا يصح تعليل الخلل بإيراد اللوازم البعيدة، بل الأمر بالعكس أى: أن إيراد اللوازم البعيدة يعلل بالخلل فى انتقال الذهن؛ لأن المتكلم إذا اختل انتقال ذهنه أورد اللوازم البعيدة المفتقرة إلى الوسائط الكثيرة، وإن كان المراد الثانى فلا يصح تعليل عدم ظهور الدلالة بالخلل؛ بل الأمر بالعكس أى: إنما يعلل خلل انتقال الذهن بعدم ظهور الدلالة؛ لأن الخلل الذى يحصل للسامع فى انتقال ذهنه إنما هو عدم ظهور دلالة اللفظ على المعنى المراد للمتكلم.

وأجيب بأنا نختار الشق الثاني، وهو أن المراد بالذهن ذهن السامع، ولا يرد ما ذكر؛ لأن المراد بالذهن النفس، والمراد بانتقالها من المعنى الأصلى إلى المعنى المراد توجهها من المعنى الأول إلى الثانى لعلاقة بينهما، والمراد بالخلل فى الانتقال بطء الانتقال من المعنى الأصلى إلى المعنى المراد، والمراد بعدم ظهور دلالة اللفظ بطء انفهام المراد منه عند الإطلاق بالنسبة للعالم بوضعه لأصل المعنى لإخفاء المراد السابق، ولا شك أن خلل

ص: 194

وذلك بسبب إيراد اللوازم

===

الانتقال الذى هو بطؤه سبب لعدم ظهور الدلالة بالمعنى المذكور، وبيان ذلك أن سرعة انتقال الذهن من المعنى الأصلى إلى المعنى المراد سبب فى سرعة انفهام المراد من اللفظ مساو له، إذ لا سبب لها سواها، ولا شك أنه يلزم من انتفاء السبب المساوى انتفاء المسبب، فبالضرورة تنتفى سرعة انفهام المراد بانتفاء سرعة الانتقال، فيكون بطء الانفهام الذى هو عدم ظهور الدلالة ببطء الانتقال الذى هو الخلل، ولا شك أن ذلك الخلل بسبب إيراد المتكلم اللازم البعيد مع خفاء القرينة الدالة على المراد، فصح تعليل عدم ظهور الدلالة بالخلل وتعليل الخلل بإيراد اللوازم البعيدة، إذا علمت هذا فقول الشارح:" لخلل واقع فى انتقال الذهن" أى: لأجل بطء نفس السامع فى انتقالها من المعنى الأول أى: المعنى الأصلى الحقيقى، وقوله:" إلى المعنى الثانى" أى: الذى له نوع ملابسة بالمعنى الأول وهو المعنى الكنائي، أو المجازى، فالمعنى الأول كالإخبار بكثرة الرماد فى قولك- فى مقام المدح: زيد كثير الرماد، والمعنى الثانى الإخبار بكرمه، وحاصل ما فى المقام أن شرط فصاحة الكلام الكنائى أو المجازى: أن يكون المعنى الثانى وهو الكنائى أو المجازى قريبا فهمه من الأصلى، فإن لم يكن كذلك بأن كان المعنى الملابس بعيدا فهمه من الأصلى عرفا، بحيث يفتقر فى فهمه إلى وسائط مع خفاء القرينة، لم يكن الكلام الكنائى أو المجازى فصيحا لحصول التعقيد.

واعلم أن المدار فى صعوبة الفهم على خفاء القرائن، كثرت الوسائط أو لا، لا على كثرة الوسائط فقط؛ فإنها قد تكثر ولم يكن هناك صعوبة فى فهم المعنى الثانى من الأول، كما فى قولهم: فلان كثير الرماد كناية عن كرمه؛ فإن الوسائط فيه كثيرة مع أنه لا تعقيد فيه، وخفاء القرائن وعدم خفائها بواسطة جريان الكلام على أسلوب البلغاء واستعمالهم وعدم جريانه على أسلوبهم واستعمالهم.

(قوله: وذلك) أى: الخلل والبطء.

(قوله: بسبب إيراد اللوازم) أى: المعانى اللوازم أى: إيرادها بلفظ الملزومات، وإنما قلنا ذلك؛ لأن مذهب المصنف فى الكناية والمجاز أن الانتقال فيهما من الملزوم إلى اللازم، والفرق باشتراط القرينة الصارفة عن

ص: 195

البعيدة المفتقرة

===

إرادة المعنى الحقيقى فى المجاز دون الكناية، فليس مراد الشارح إيراد المعانى اللوازم بلفظها، وإلا كان غير آت على طريقة المصنف فى الكناية والمجاز، ولو قال: بسبب إيراد الملزومات البعيدة لكان أوضح.

هذا، وقال العلامة عبد الحكيم: إنما لم يقل: إيراد الملزومات ويكون المراد اللازم فى الذهن، كما ذهب إليه المصنف ليشمل جميع صور الانتقال من الملزوم إلى اللازم، ومن اللازم إلى الملزوم؛ لأن اللازم ما لم يكن ملزوما فى الذهن لا يمكن الانتقال منه.

واعلم أن المراد باللوازم ما اصطلح عليه علماء البيان، وهو كل شىء وجوده على سبيل التبعية لآخر، وإن كان أخص منه كما فى شرح المفتاح للعلامة السيد

(قوله: البعيدة) أى: من الملزومات، وقوله:" المفتقرة": بيان لكونها بعيدة فهو وصف كاشف لها، ثم إن ظاهر الشارح يقتضى أن الخلل المذكور يتوقف على ثلاثة لوازم وثلاث وسائط فأكثر وليس كذلك، بل يتحقق ذلك بلازم واحد وواسطة واحدة، وأجيب عنه بأجوبة ثلاثة:

الجواب الأول: أن" أل" فى اللوازم والوسائط للجنس، وأل الجنسية إذا دخلت على جمع أبطلت منه معنى الجمعية، وفى ذلك الجواب نظر؛ لأن ذلك ينافى وصف الوسائط بالكثرة.

الجواب الثاني: أن الجمع باعتبار المواد؛ لأن مواد الخلل متعددة وفى كل مادة لازم واحد وواساطة واحدة، وفى هذا الجواب نظر من وجهين: الأول: أنه ينافى الوصف بالكثرة؛ لأنه يقتضى أن فى كل مادة أكثر من واسطة واحدة.

الثاني: أنه يفيد أنه لا توجد اللوازم المتعددة والوسائط كذلك فى مادة واحدة وليس كذلك، وقد يجاب عن الأول: بأن الوصف بالكثرة باعتبار بعض المواد.

وعن الثاني: بأن قولنا الجمع باعتبار المواد بالنظر للأقل ولا شك أن أقل ما يحصل به الخلل لازم واحد وواسطة واحدة.

ص: 196

إلى الوسائط الكثيرة مع خفاء القرائن الدالة على المقصود (كقول الآخر:

===

الجواب الثالث: أن المراد بالجمع ما فوق الواحد، وإنما اعتبر ذلك مع أن الخلل يتحقق بلازم واحد وواسطة واحدة؛ لأنه الغالب إذا الغالب أن الخلل يتحقق بتعدد اللوازم والوسائط كذا ذكر العلامة الغنيمى، وفى الفنرى: يجوز أن يكون الجمع باقيا على معناه، ويراد بمقابلة الجمع بالجمع انقسام الآحاد على الآحاد، فإن جوّز ألا يكون ذلك الانقسام على السواء، بل يكون على الاختلاف والتفاوت، مثلا إذا قيل: باع القوم دوابهم، يكون المراد منه: أن كل واحد منهم باع ما له من الدواب، سواء كانت واحدة أو متعددة وهو الظاهر، فكلام الشارح سالم عن المحذور بلا شبهة، إذا لا يلزم توحد اللازم والواسطة فى كل مادة، وإن لم يجز كون ذلك الانقسام ليس على السواء فكذلك لا محذور ولا شبهة؛ لأنه حينئذ يكون أخذا بالأقل؛ لأنه إذا علم من البيان المذكور وجود الخلل بإيراد لازم واحد مفتقر إلى واسطة واحدة مع خفاء القرينة، فلا يوجد فى إيراد أكثر من ذلك مع خفائها بالطريق الأولى.

(قوله: إلى الوسائط) أى:

بينها وبين الملزومات.

(قوله: مع خفاء القرائن) أى: بعدم الجريان على أسلوب البلغاء، فلو كانت القرينة ظاهرة فلا خلل، سواء تعددت الوسائط كما فى قولك: فلان كثير الرماد، مريدا الإخبار بكرمه، أو لم تتعدد كقولك: فلان طويل النجاد، مريدا الإخبار بطول قامته، فلو كان اللازم قريبا لا واسطة بينه وبين الملزوم، لكن القرينة خفية كان مضرا ويحصل به الخلل والتعقيد، خلافا لما يفيده كلام الشارح، حيث قيد اللوازم بالبعيدة، وإنما لم يتعرض الشارح لذلك لندرة وقوعه؛ لأن اللازم القريب قلما يخفى لزومه، ولذا ذهب الإمام الرازى (1) إلى أن كل لازم قريب فهو بيّن، وإن كان لم يسلم له فى ذلك، ولكون المثال الذى ذكره المصنف اللازم فيه بعيد مفتقر لوسائط عدة كما

(1) هو زين الدين محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازى، صاحب" مختار الصحاح" فى اللغة، وله علم بالتفسير والأدب، وله" روضة الفصاحة" فى البلاغة وغير ذلك، توفى سنة 666 هـ. انظر: الأعلام (6/ 55).

ص: 197

وهو عباس بن الأحنف، ولم يقل: كقوله؛ لئلا يتوهم عود الضمير إلى الفرزدق (سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا وتسكب

) بالرفع؛

===

يأتى بيانه، ويظهر لك أن الأقسام أربعة: يحصل الخلل فى صورتين أعنى: ما إذا كانت القرينة خفية، سواء تعددت الوسائط كما يأتى فى قوله (1):

وتسكب عيناى الدموع لتجمدا أو لم تتعدد، ولا خلل فى صورتين: وهما ما إذا كانت القرينة غير خفية تعددت الوسائل كما فى قولك: فلان كثير الرماد، أو لم تتعدد كما فى قولك: فلان كثير النجاد

(قوله: عباس بن الأحنف)(2) هو من بنى حنيفة، كان رقيق الحاشية، لطيف الطباع من ندماء هارون الرشيد

(قوله: سأطلب إلخ) عبر بالسين الموضوعة للاستقبال للإشارة إلى أن بعد الديار وإن كان لغرض صحيح، وهو قرب الأحباب حقيق بأن يسوف به ولا يطلبه فى الحال لكون البعد فى ذاته أردى من الردى، والحاصل أن البعد وإن كان وسيلة للقرب الذى هو المقصد الأقصى للعشاق إلا أنه من حيث إنه بعد فى نفسه حقيق بأن يسوف عليه، ولكون البعد رديئا أضافة الشاعر لداره لا لذاته؛ لأن العاشق لا يطلب بعد ذاته، وأضاف القرب لذات المحبوبين، فإن قلت: هذا الكلام يقتضى أن السين أصلية وقول الشارح ومعنى البيت أنى اليوم أطيب إلخ يقتضى زيادتها لمجرد التوكيد. قلت: إن ما قلناه بالنظر لأصل وضعها وما ذكره الشارح بالنظر للمعنى المراد من البيت، والحاصل أن ايثاره التعبير بالعبارة الدالة على التسويف فى الجملة يشير لذلك المعنى وإن كانت للتأكيد أفاده القرمى

(قوله: عنكم) متعلق ببعد لا بالدار، وإلا لقال لكم، والمعنى بعد دارى عنكم، وفيه إشارة إلى أنه لا يرضى بنسبة طلب البعد إلى دار المحبوب فضلا عن نفسه

(قوله: بالرفع)

(1) البيت للفرزدق فى ديوانه 106 طبعة دار الكتب، ودلائل الإعجاز 268، والإشارات والتنبيهات ص 12.

(2)

هو العباس بن الأحنف بن الأسود الحنفى اليمامي، أبو الفضل: شاعر غزل رقيق، قال فيه البحترى:

هو أغزل الناس، أصله من اليمامة، وكان أهله فى البصرة وبها مات أبوه، ونشأ هو ببغداد وتوفى بها سنة 192 هـ، وقيل: بالبصرة، خالف الشعراء فى طريقتهم فلم يمدح ولم يهج، بل كان شعره كله غزلا وتشبيبا، وهو خال إبراهيم بن العباس الصولي. انظر: الأعلام (3/ 259).

ص: 198

وهو الصحيح، وبالنصب وهم (عيناى الدّموع لتجمدا)(1) جعل سكب الدموع كناية عما يلزم فراق الأحبة

===

أى: عطفا على مجموع سأطلب وقرر بعضهم أنه بالرفع عطف على أطلب، فالمعنى وستسكب إلخ، وفى هذا الثانى نظر؛ فإن البكاء شعار المحبين؛ لأنه ينبئ عن شدة الشوق، فلا ينبغى التسويف به إلا أن يقال: إن التسويف به لا بهذا الاعتبار، بل باعتبار ما فيه من المشاق وتكدير عيش العشاق.

(قوله: وهو الصحيح) أى: لثبوته عنده بالنقل الصحيح؛ ولأن ما ذكره من معنى البيت هو الصحيح عنده وهو مبنى على الرفع

(قوله: وهم) أى: غلط؛ وذلك لأنه إما عطف على بعد من قبيل عطف الفعل على اسم خالص من التأويل بالفعل وهو لا يحسن؛ لأن سكب الدموع حينئذ يدخل تحت الطلب، ولا يخفى أن البكاء والحزن شعار العاشق المهجور غير منفكين عنه فى حال من الأحوال، وحينئذ فلا معنى لطلبهما للزوم طلب الحاصل؛ إلا أن يقال: المطلوب استمرار السكب لا أصله، وإما عطف على قوله: لتقربوا وهو لا يصح ذلك؛ لأن تعليل طلب بعد الديار بالقرب يدل على أن المقصود من طلب البعد قرب الأحبة المقتضى للفرح والسرور، فكيف يعلله بعد ذلك بالحزن الذى هو المراد من سكب الدموع؟ إذ تعليله به يقتضى أن المقصود من طلب بعد الديار حصول الحزن والكآبة له لأقرب الأحبة، فالتعليل الثانى يفيد نقيض ما أفاده الأول، والتناقض الذى هو باطل ما جاء إلا من جعله عطفا على: لتقربوا فبطل عطفه على بعد وعلى لتقربوا، وحينئذ فتعين الرفع

(قوله: جعل سكب الدموع كناية إلخ) أى: فليس المراد للشاعر الإخبار بسكب عينيه للدموع، بل القصد الإخبار بلازمه وهو

(1) البيت من الطويل، وهو للعباس بن الأحنف فى الإيضاح ص 7، وشرح عقود الجمان 1/ 15، والبيت فى ديوانه أيضا ص 106 ط. دار الكتب، ودلائل الإعجاز ص 268، والإشارات والتنبيهات ص 12، قوله:" وتسكب" بالرفع ونصبه بالعطف على" بعد" أو على" تقربوا"، وهم، والحق أن لا شىء فى عطفه على" تقربوا"، والسين فى قوله" سأطلب" لمجرد التأكيد، ومعنى الشطر الأول أن يفارقه رجاء أن يغنم فى سفره فيعود إليه فيطول اجتماعه به.

ص: 199

من الكآبة والحزن، وأصاب، لكنه أخطأ فى جعل جمود العين كناية عما يوجبه التلاقى

===

الكآبة والحزن، فكأنه قال: وأوطن نفسى على مقاساة الأحزان والكآبة، وقوله: عما يلزم أى: عن لازم يلزم فراق الأحبة أى: كما يلزم سكب العين للدموع، فالحزن لازم لفراق الأحبة ولسكب العين للدموع، ولو قال عما يلزمه من الكآبة والحزن لكان أحسن؛ لأن الكناية إطلاق الملزوم وإرادة اللازم، لا التعبير عن اللازم لشىء بشىء آخر.

(قوله: من الكآبة) بفتح الهمزة وسكونها يقال: كئب الرجل يكأب .. كعلم يعلم، كآبة وكأبة مثل: رآفة ورأفة، وهى سوء الحال والانكسار من أجل الحزن، فعطفه عليها من عطف السبب على المسبب

(قوله: وأصاب) أى: فى ذلك الجعل لسرعة فهم الحزن من سكب الدموع عرفا، ولهذا يقال أبكاه الدهر كناية عن كونه أحزنه، وأضحكه كناية عن كونه أسره قال الشاعر (1):

أنزلنى الدّهر على حكمه

من شامخ عال إلى خفض

أبكانى الدّهر ويا ربّما

أضحكنى الدّهر بما يرضى

أى: أبكانى الدهر بما يسخطنى، وقلما سرنى بما يرضى

(قوله: لكنه أخطأ فى جعل إلخ) أى: لعدم فهم ذلك اللازم بسرعة من جمود العين؛ وقوله أخطأ: أى فى نظر البلغاء؛ لأنه مخالف لموارد استعمالهم؛ وذلك لأن الجارى على استعمالهم إنما هو الانتقال من جمود العين أعني: يبسها، إلى بخلها بالدموع وقت طلبه منها، وهو وقت الحزن على مفارقة الأحباب، فهو الذى يفهم من جمودها بسرعة، لا دوام الفرح والسرور كما قصد الشاعر، قال الشاعر (2):

(1) البيتان لحطّان بن المعلى من الشعراء الإسلاميين ومن شعراء الحماسة (وهى مختارات لأبى تمام من شعر السابقين، ولذا يقال شاعر حماسي)، وانظر البيت فى شرح ديوان الحماسة للتبريزى 1/ 152، ودلائل الإعجاز 269، وقد كنى الشاعر فيه بإبكاء الدهر له عن إساءته، وبإضحاكه له عن سروره.

(2)

البيت لأفلح بن يسار، وقيل مرزوق بن يسار المعروف بأبى عطاء الخراسانى فى رثاء ابن هبيرة عند ما قتله-

ص: 200

من الفرح والسرور

===

ألا إنّ عينا لم تجد يوم واسط

عليك بجارى دمعها لجمود

أى: لبخيلة بالدموع، ولهذا لا يصح فى الدعاء للمخاطب أن يقال: لا زالت عينك جامدة؛ لأنه دعاء عليه بالحزن، فالمعنى الذى أراده الشاعر لا يفهم من العبارة بسرعة، وحينئذ فيكون الكلام معقدا، ومن المعلوم أن الكلام المعقد يعد صاحبه مخطئا فإن قلت: إنه لا ملازمة بين جمود العين ودوام الفرح والسرور، فكيف ينتقل الشاعر منه إليهما؟ قلت: استعمل جمود العين الذى هو يبسها فى خلوها من الدموع وقت الحزن مجازا مرسلا، والعلاقة الملزومية، ثم استعمله فى خلوها مطلقا من الدموع مجازا مرسلا من باب استعمال المقيد فى المطلق، ثم كنى به عن دوام الفرح والسرور لكونه لازما لذلك عادة، وهذا وإن كان يكفى فى صحة الكلام واستقامته، لكن يخرجه عن التعقيد المعنوى؛ لظهور أن ذهن السامع العارف بصناعة الكلام لا ينتقل إليه بسهولة؛ لبعد ذلك اللازم مع خفاء القرينة بسبب عدم هذا الاستعمال على موارد البلغاء.

ومن المعلوم أن ما يوجب صعوبة فهم المعنى المراد بمراحل من البلاغة بحيث يعد صاحبه عند البلغاء من المخطئين فالحاصل أن الخطأ فى استعمال الجمود فيما قصده الشاعر من دوام الفرح والسرور ليس لاشتراط النقل فى آحاد المجاز، بل لكون تعارف البلغاء على خلافه، والاستعمال الجارى على خلاف استعمال البلغاء يمنع التفات الأذهان لما التفتوا إليه فى استعمالهم.

أما إذا لم يعلم تعارف البلغاء، فيجوز الانتقال عن الملزوم لوجود العلاقة المصححة إلى أى لازم كان

(قوله: من الفرح والسرور) الفرح: مصدر الفعل اللازم، والسرور: مصدر المتعدى، يقال: سرتنى رؤيتك، وحينئذ فلا مشاكلة بينهما، وقد يجاب بأن السرور إما مصدر المبنى للمفعول فيكون لازما أيضا أو مصدر المبنى للفاعل

- المنصور يوم واسط بعد أن أمّنه، وواسط مدينة بالعراق بناها الحجاج بن يوسف الثقفي، وبعد هذا البيت:

عشيّة قام النائحات وشقّقت

جيوب بأيدى مأتم وخدود

وانظر البيت فى شرح الحماسة للتبريزى 2/ 151، ودلائل الإعجاز 269، والإشارات والتنبيهات 12.

ص: 201

(فإن الانتقال من جمود العين إلى بخلها بالدموع) حال إرادة البكاء؛ وهى حالة الحزن (لا إلى ما قصد من السرور) الحاصل بالملاقاة ومعنى البيت: إنى اليوم أطيب نفسا بالبعد والفراق،

===

وهو قد يكون لازما يقال: سر زيد أى حصل له سرور فالمشاكلة حاصلة على كل حال

(قوله: فإن الانتقال إلخ) علة لجعل البيت مثالا للخلل فى الانتقال أى: لأن وإنما كان فى البيت تعقيد للخلل فى الانتقال؛ لأن الانتقال أى: لأن الصواب فى الانتقال من جمود العين وهو يبسها إنما هو إلى بخلها بالدموع عند طلبه منها، ومعلوم أنه لا يطلب ذلك منها إلا عند شدة الحزن، ويصح أن يكون علة لمحذوف أى: وقد أخطأ الشاعر فى جعله جمود العين كناية عن الفرح والسرور؛ لأن الانتقال إلخ، ويمكن أن الشارح أشار إلى ذلك بقوله: لكنه أخطأ إلخ.

(قوله: وهى) أى: حالة إرادة البكاء حالة الحزن

(قوله: لا إلى ما قصده) أى:

الشاعر من السرور إلخ، لظهور أن الذهن لا ينتقل إلى هذا بسهولة؛ لأنه يحتاج فى الانتقال لما قصده إلى الوسائط الكثيرة مع خفاء القرينة، وهذا بخلاف الإيهام الذى عد من المحسنات للكلام البليغ؛ لأنه إنما يعد محسنا عند وضوح القرينة على المراد وهو مفقود فى البيت؛ لأن المصراع الأول وإن دل على أن المراد بالجمود السرور، لكن شهرة استعماله فى الحزن تعارضها كما سبق تحقيقه، والاعتراض بأن سهولة الانتقال ليست بشرط فى قبول الكنايات، وإلا لزم خروج كثير من الكنايات المعتبرة عند القوم عن حيز الاعتبار مردود؛ لأن صعوبة الانتقال فى تلك الكنايات المعتبرة إن أدت إلى التعقيد فلا نسلم اعتبارها عندهم

(قوله: أنى اليوم أطيب نفسا إلخ) هذا يشير إلى أن السين فى قوله: سأطلب زائدة للتوكيد، لا أنها للاستقبال؛ لأن اليوم دال صريحا على أن طلب البعد إنما هو فى الحال فهو على حد قوله: سَنَكْتُبُ ما قالُوا (1) وهى وإن كانت فى الأصل للاستقبال والتوكيد إلا أنها جردت عن بعض معناها، وتجريد الكلمة

(1) آل عمران: 181.

ص: 202

وأوطنها على مقاساة الأحزان والأشواق، وأتجرع غصصها، وأتحمل لأجلها حزنا يفيض الدموع من عينى لأتسبب بذلك إلى وصل يدوم، ومسرة لا تزول فإن الصبر مفتاح الفرج ولكل بداية نهاية

===

عن بعض معناها شائع عندهم، ولا يقال: إن الظاهر من كلام الشارح جعل طلب البعد مجازا عن طيب النفس به اللازم له، وجعل سكب الدموع مجازا عن سببه وهو الحزن؛ لأنا نقول: بل مرده تقرير معنى البيت وبيان سبب السكب، ولا حاجة إلى ارتكاب التجوز. وأطيب يصح أن يكون بالتخفيف من طاب بدليل تنكير نفسا على التمييز، إذ لو كان بالتشديد لقال: نفسى بالنصب على المفعولية، ويصح أن يكون بالتشديد من طيب بدليل عطف وأوطنها عليه، لكن الأول أحسن؛ لأن الثانى يوهم أن المراد تطييب النفس، ولو غير نفس المتكلم كما يؤخذ من التنكير ومراعاة جانب المعنى أولى.

(قوله: وأوطنها) أى: أصبرها على مقاساة إلخ: هذا راجع إلى قوله وتسكب عيناى الدموع: بيان لحاصل معناه، وقوله إلى وصل يدوم: راجع لقوله: لتقربوا، وقوله ومسرة إلخ: راجع لقوله لتجمدا: بيان للمعنى المراد منه

(قوله: والأشواق) أخذ الأشواق بطريق اللازم؛ لأنه يلزم من الحزن على بعد الحبيب الاشتياق إليه.

(قوله: وأتجرع غصصها) أى: الأشواق وفيه استعارة بالكناية وتخييل، حيث شبه الأشواق بمشروب مر والتجرع تخييل

(قوله: لأجلها) علة للتحمل أى: وأتحمل لأجل تلك الأشواق حزنا فالضمير للأشواق، أو راجع للنفس على حذف مضاف أى: وأتحمل حزنا لأجل راحة نفسى، ولا يصح رجوعه للأحزان لما فيه من الركة.

(قوله: يفيض) أى: ذلك الحزن الدموع، وفيه أنه قد جعل الحزن سببا فى سكب الدموع، وهذا ينافى ما تقدم له من أن سكب الدموع كناية عن الحزن، فإن مقتضى ذلك أن سكب الدموع ملزوم والحزن لازم، واللازم مسبب لا سبب، إلا أن يقال: إنهما متلازمان لزوما مساويا، فكل منهما لازم للآخر، فيصح فى كل أن يعتبر لازما أو ملزوما وسببا أو مسببا

(قوله: فإن الصبر إلخ) التفت الشارح لذلك لا لكون الزمان والإخوان من عادتهم معاملة الإنسان بنقيض مطلوبه.

ص: 203

ومع كل عسر يسرا؛ وإلى هذا أشار عبد القاهر فى دلائل الإعجاز، وللقوم هاهنا كلام فاسد أوردناه فى الشرح.

===

(قوله: ومع كل عسر) عطف على خبر إن، ويسرا عطف على اسمها

(قوله: وللقوم هاهنا كلام فاسد إلخ) أى: فى معنى البيت، وحاصله أن بعضهم ذكر أن السين للاستقبال، وأن المعنى إنى من سالف الزمان إلى اليوم كنت أطلب القرب والسرور فلم يحصل لى إلا الحزن والفراق، فأنا بعد هذا الآن أطلب البعد عنكم والفراق لأجل أن يحصل القرب والوصال، وأطلب حصول الأحزان والبكاء لأجل أن يحصل لى الفرح والسرور؛ لأن عادة الزمان والإخوان المعاملة بنقيض المقصود.

فالشاعر طلب خلاف مراده ليغالط الزمان والإخوان، فيأتون بالمراد، ووجه الفساد أمور.

الأول: أن الأحبة والزمان إنما يأتون بخلاف المراد فى الواقع لا فى الظاهر، والذى طلبه الشاعر مراد فى الظاهر لا فى الواقع، وقد يقال: إن من تصرفات الشعراء أنهم يظهرون طلب أمر، ويكون مرادهم خلافه، قصدا إلى حصول نقيض ما طلبوا الذى هو مرادهم، بناء على ذلك الأمر التخييلى، وهو إتيان الزمان بخلاف المطلوب، فلا معنى لذلك الاعتراض بالفساد. قال أبو الحسن الباخرزى (1):

ولكم تمنيت الفراق مغالطا

واحتلت فى استثمار غرس ودادى

وطمعت منها بالوصال لأنها

تبنى الأمور على خلاف مرادى (2)

وقد يجاب بأن الاطلاع على مراد الشاعر يتوقف على انكشاف حاله، فإن كان الشاعر متعلقا بالارتحال بقرينة حال أو مقال؛ فالمعنى على ما قاله البعض، ويكون

(1) هو أبو الحسن على بن الحسن بن على بن أبى الطيب الباخرزى- أديب من الشعراء الكتاب من أهل باخرز من نواحى نيسابور كان من كتاب الرسائل وله علم بالفقه والحديث اشتهر بكتابه" دمية القصر وعصرة أهل العصر" وله ديوان شعر- توفى سنة 467 هـ (وانظر الأعلام 4/ 272).

(2)

وفى رواية: ورغبت عن ذكر الوصال

ص: 204

(قيل) فصاحة الكلام خلوصه مما ذكر (ومن كثرة التكرار وتتابع الإضافات

===

قصده الاعتذار لأحبته فى التشمر للسفر. وإن كان الشاعر من الحكماء المتكلمين بالحكم والحقائق فالأنسب حمله على المعنى الذى ذكره فى" دلائل الإعجاز"، وإن كان من الظرفاء المستظرفين للنوادر والغرائب فالمعنى على ما قال البعض، وحينئذ فالقول بأن مراد الشاعر هو ما ذكره ذلك البعض على الإجمال بدون اطلاع على حالة لا يخفى تعسفه أفاده القرمى.

الأمر الثاني: أن طلبه للبعد والفراق: إما فى حال الفراق أو فى حال الوصال، فالأول: تحصيل الحاصل، والثاني: طلب قطع الوصال لتحصيل الوصال، ولا يخفى أنه شنيع جدا، وقد يجاب باختيار الأول، وهو أنه طلب فى حالة البعد دوام البعد لأجل حصول دوام القرب، أو يختار الثاني: وهو أنه اختار البعد حالة القرب لكونه قربا محققا زواله، فيطلب البعد لأجل أن يحصل قرب غيره دائم، وفى ذلك تعسف

(قوله: فصاحة الكلام إلخ) أشار الشارح بذلك إلى أن قول المصنف ومن كثرة إلخ: عطف على مقدر فى كلام هذا القائل والمجموع مقول القول

(قوله: مما ذكر) أى: من الأمور الثلاثة السابقة فى كلام المصنف

(قوله: التكرار) بالفتح لأنه ليس من بناء تفعال بالكسر إلا تلقاء وتبيان

(قوله: ومن كثرة التكرار) أى: للفظ الواحد اسما كان أو فعلا أو حرفا، كان الاسم ظاهرا أو ضميرا، وإنما شرط هذا القائل الكثرة؛ لأن التكرار بلا كثرة لا يخل بالفصاحة، وإلا لقبح التوكيد اللفظى.

(قوله: وتتابع الإضافات) أى: ومن تتابع الإضافات، فهو عطف على كثرة لا على التكرار، وحينئذ فيكون صاحب هذا القيل مشترطا فى فصاحة الكلام خلوصه من تتابع الإضافات، وإن لم تكثر، ومما يرشح ذلك قول الشارح فيما يأتى وتتابع الإضافات مثل قوله: ولم يقل. وكثرة تتابع الإضافات مثل قوله:

(قوله: الإضافات) المراد بالجمع ما فوق الواحد نحو يا على بن حمزة بن عمارة

ص: 205

كقوله: وتسعدنى فى غمرة بعد غمرة (سبوح) أى: فرس

===

(قوله: كقوله) أى: قول أبى الطيب أحمد المتنبى من قصيدة يمدح بها سيف الدولة ابن حمدان وأولها (1):

عواذل ذات الخال فىّ حواسد

وإنّ ضجيع الخود منّى لماجد

يردّ يدا عن ثوبها وهو قادر

ويعصى الهوى فى طيفها وهو راقد

متى يشتفى من لاعج الشّوق فى الحشا

محبّ لها فى قربه متباعد

ألحّ علىّ السّقم حتى ألفته

وملّ طبيبى جانبى والعوائد

أهمّ بشىء والليالى كأنّها

تطاردنى عن كونه وأطارد

وحيد من الخلّان فى كلّ بلدة

إذا عظم المطلوب قلّ المساعد

(قوله: وتسعدني) من الإسعاد وهو الإعانة والتخليص قيل: إن المعنى هنا على المضى. أى: أسعدتنى؛ لأنه أراد الإخبار عما صدر منها فى بعض الحروب، لكنه عدل إلى المضارع استحضارا للصورة الغريبة. أى: صورة الإسعاد، ولكن الأقرب أن يراد الاستمرار التجددى بقرينة المقام

(قوله: فى غمرة) أى: من غمر. والغمرة ما يغمرك من الماء، والمراد هنا الشدة فهو من ذكر الملزوم وإرادة اللازم

(قوله: أى فرس) أشار الشارح إلى أن سبوحا: صفة لمحذوف، وإنما لم يقل سبوحة مع أن الموصوف مؤنث، ولذا

(1) الأبيات من الطويل وهى فى ديوانه 1/ 393، وبيت الشاهد فى معاهد التنصيص 1/ 58، وبلا نسبة فى تاج العروس 6/ 452 (سبح)، والإشارات والتنبيهات 13.

والغمرة: الشدة.

والسبوح: السريعة.

والشواهد: العلامات.

ص: 206

حسن الجرى لا تتعب راكبها كأنها تجرى فى الماء (لها) صفة سبوح (منها) حال من شواهد (عليها) متعلق بشواهد (شواهد)

===

أنث الفعل له؛ لأن سبوح فعول بمعنى فاعل، وهو يستوى فى الوصف به المذكر والمؤنث

(قوله: حسن الجرى) فيه أن الفرس مؤنث سماعا، إذ ليس فيها علامة تأنيث ظاهرة، ولكن سمع عود الضمير عليها مؤنثا، والنعت هنا حقيقى يجب أن يتبع منعوته فى أربعة من عشرة من جملتها التأنيث، فكان الواجب أن يقول: حسنة الجرى، وأجيب بأنه ذكر الوصف لتأويل الفرس بالمركوب، أو لتأويلها بالخيل، وهو اسم جنس إفرادى يقع على المذكر والمؤنث وعلى القليل والكثير، سميت بذلك لاختيالها فى مشيها، ولا يرد أن اسم الجنس يفرق بينه وبين واحده بالتاء؛ لأنا نقول: هذا فى اسم الجنس الجمعى.

وما ذكرناه من أن الخيل اسم جنس إفرادى هو الحق، خلافا لمن قال: إنه اسم جمع، واعترض بأنه يقع على ثلاثة فأكثر، والمقصود هنا فرس واحد، وحينئذ فلا يناسب تأويل الفرس بالخيل، ونوقش فى قوله حسن الجرى: بأن المناسب لقوله وتسعدنى إلخ: أن يقول شديدة الجرى؛ لأن شدته هو الذى يترتب عليه الإنقاذ من العدو، وأجيب بأن المراد حسن الجرى لقوة جريها وسهولته لا لسهولته فقط

(قوله: كأنها تجرى إلخ) فيه إشارة إلى أن استعمال سبوح فى الفرس مجاز؛ لأن السبوح فى الأصل كثير السبح، أى: العوم فى الماء، واستعمله الشاعر فى كثير الجرى على سبيل الاستعارة المصرحة التبعية، حيث شبه الجرى الكثير بالسبح أى: العوم فى الماء، واستعير اسم المشبه به للمشبه، واشتق من السبح سبوح بمعنى: جارية جريا شديدا

(قوله: صفة سبوح) أى: مع فاعله، لا أن لها هو الصفة وحده.

(قوله: حال من شواهد) أى: لأنه كان فى الأصل نعتا لها، ونعت النكرة إذا قدم عليها أعرب حالا

(قوله: متعلق بشواهد) أى: الذى هو بمعنى الدلائل، كما أشار له الشارح بالعناية، فإنها تشير إلى أن المراد بالشواهد هذه العلامات الدالة، وأن فى الكلام حذف مضاف وهو النجابة، وبجعل الشواهد بمعنى العلامات الدالة يندفع ما يقال

ص: 207

فاعل الظرف؛ أعنى لها؛ يعنى: لها من نفسها علامات دالة على نجابتها.

قيل: التكرار ذكر الشىء مرة بعد أخرى، ولا يخفى أنه لا يحصل كثرته بذكره ثالثا؛ وفيه نظر؛ لأن المراد بالكثرة هاهنا ما يقابل الوحدة ولا يخفى حصولها بذكره ثالثا (و) تتابع الإضافات

===

إن الشهادة المعداة بعلى لم ترد إلا للمضرة، والقصد هنا المنفعة وهو الشهادة بنجابة الفرس، أو يقال إن الشهادة على حالها، وعلى بمعنى اللام، أو أن هذه الشهادة لما كان يترتب عليها الدخول فى الحروب والوقوع فى الهلكات. عبر بعلى إذ ليس على الفرس أضر من الشاهد الذى يشهد لها بالنجابة.

(قوله: فاعل الظرف) أى: لاعتماده على الموصوف وهو سبوح، وإنما لم يجعل الظرف خبرا مقدما، وشواهد مبتدأ مؤخرا- مع جواز ذلك- لاحتياجه لنكتة، لتقدم الخبر وليس هنا نكتة لتقدمه

(قوله: من نفسها) من هذه ابتدائية

(قوله: قيل إلخ) قائله:

الشيخ الزوزنى، وحاصله أن التكرار ذكر الشىء مرتين، فهو عبارة عن مجموع الذكرين، ولا يتحقق تعدده إلا بالتربيع، ولا يتكثر التكرار إلا بالتسديس، وحينئذ فلا يصح التمثيل بهذا البيت لكثرة التكرار، إذا لم يحصل فيه تعدد للتكرار فضلا عن الكثرة إذ الضمائر فيه ثلاثة فقط

(قوله: بذكره ثالثا) أى: بل الكثرة لا تحصل إلا بستة؛ لأن أصل التكرار يحصل باثنين، وتعدده بأربعة، والكثرة باثنين آخرين.

(قوله: وفيه نظر) حاصله أنا لا نسلم أن التكرار اسم لمجموع الذكرين، بل هو الذكر الثانى المسبوق بآخر، والمراد بالكثرة ما زاد على الواحد، وحينئذ فالكثرة تحصل بالذكر ثلاثا كما فى البيت، أو يقال إن الإضافة فى كثرة التكرار من قبيل إضافة المسبب إلى السبب، أى:

كثرة الذكر الحاصلة من التكرار، ولا شك فى حصول كثرة الذكر بتثليثه كذا فى الفنرى.

(قوله: ما يقابل الوحدة) أى: والمراد بالتكرار الذكر الثانى المسبوق بآخر، فالتكرار اسم للذكر الأخير، والكثرة تحصل بما زاد عليه، وحينئذ فيحصل التكرار، وكثرته بتثليث الذكر.

ص: 208

مثل قوله حمامة جرعا حومة الجندل اسجعى) (1) فأنت بمرأى من سعاد ومسمع.

ففيه إضافة حمامة إلى جرعا وجرعا إلى حومة وحومة إلى الجندل.

والجرعاء: تأنيث الأجرع وقصرها للضرورة؛ وهى أرض ذات رمل لا تنبت شيئا، والحومة: معظم الشىء، والجندل: أرض ذات حجارة،

===

فقوله: ما يقابل الوحدة. أى: التى أوجبت التكرار، وهو الذكر الثاني، ولا شك أن الثالث مقابل للثاني، فآل الأمر إلى أن الكثرة هى تعدد التكرار المقابل لوحدة التكرار، لا أن الكثرة هى المقابلة للتعدد، فصح التمثيل بالبيت

(قوله: مثل قوله) أى:

قول عبد الصمد بن منصور بن الحسن بن بابك (2)

(قوله: حمامة جرعا)(3) حمامة منادى منصوب لإضافته لما بعده، والمعنى: يا حمامة الأرض المستوية ذات الرمل التى لا تنبت شيئا- التى هى معظم الأرض التى فيها- الحجارة اسجعى

(قوله: أرض ذات حجارة إلخ) كذا فى الأساس، والذى فى الصحاح: أن الجندل بسكون النون الحجارة، وأما الأرض ذات الحجارة فيقال لها جندل بفتح الجيم والنون وكسر الدال، فعلى هذا يكون تفسير الشارح ليس تفسيرا لغويا، بل تفسيرا مرادا، وفى الكلام تجوز من إطلاق اسم الحال وإرادة المحل، أو يقال: إنه ثبت عند الشارح قراءته بكسر الدال وتكون النون حينئذ مسكنة للضرورة، والداعى لما ذكر من أحد الأمرين إضافة الجرعاء إلى الحومة، والحومة للجندل؛ لأن الإضافة الأولى بيانية، والثانية على معنى في. أى: يا حمامة الأرض

(1) من الطويل، وهو لابن بابك أبو القاسم عبد الصمد بن بابك فى الإيضاح ص 9، والإشارات والتنبيهات ص 13، والتبيان للطيي 2/ 582، وشرح عقود الجمان 1/ 16، وبلا نسبة فى التلخيص للقزوينى ص 8.

(2)

هو أبو القاسم عبد الصمد منصور البغدادى المعروف بابن بابك من شعراء اليتيمة.

(3)

البيت فى الإشارات 13، والتبيان للطيبى 2/ 528، وعجزه:

فأنت بمرأى من سعاد ومسمع

وجرعى: مقصور جرعاء ولها معان كثيرة، أنسبها أنها الكثيب جانب منه رمل وجانب من حجارة، وحومة الشىء: معظمه، والجندل: أرض ذات حجارة، والسجع: هدير الحمام، والشاهد فى إضافة حمامة إلى جرعا وجرعا إلى حومة، وحومة إلى الجندل. وانظر الإيضاح 9.

ص: 209

والسجع: هدير الحمام، ونحوه، وقوله: فأنت بمرأى؛ أى: بحيث تراك سعادة وتسمع صوتك، يقال: فلان بمرأى منى ومسمع؛ أى: بحيث أراه وأسمع قوله؛ كذا فى الصحاح، فظهر فساد ما قيل: أن معناه: أنت بموضع ترين منه سعاد وتسمعين كلامها، وفساد ذلك مما يشهد به العقل والنقل

===

المستوية ذات الرمل التى لا تنبت شيئا التى هى معظم الأرض، التى فيها الحجارة، لا معظم الحجارة كما لا يخفى.

(قوله: والسجع هدير الحمام ونحوه) اعلم أن السجع تصويت الحمام، والناقة على ما فى الأساس، فهو حقيقة فيهما يقال: سجعت الحمامة: إذا طربت فى صوتها، وسجعت الناقة: إذا مدت حنينها على جهة واحدة، وأما الهدير: فهو حقيقة فى صوت الحمام، مجاز فى صوت الناقة، والحمام ما كان ذا طوق من الفواخت والقمارى ونحوهما، إذا علمت هذا فقول الشارح ونحوه: إن كان مرفوعا عطفا على الهدير أى:

السجع هدير الحمام، ونحو: هديره، وهو حنين الناقة فالأمر ظاهر، وإن كان مجرورا عطفا على الحمام أى: السجع: هدير الحمام، وهدير نحوه من الناقة. ففيه نظر، لما علمت أن إطلاق الهدير على صوت الناقة مجازا إلا أن يقال إن الهدير من باب عموم المجاز، وهو استعمال الخاص فى العام، فيراد بالهدير الذى هو تصويت الحمام خاصة، مطلق تصويت الشامل لتصويت الحمام والناقة، أو من استعمال الكلمة فى حقيقتها ومجازها، أو يقال يراد بالحمام نوع مخصوص منه وهو ما يطرب بصوته، أو ما يألف البيوت ويقيد بها، ويراد بنحوه غير ذلك النوع من الحمام.

(قوله: أى بحيث تراك) أى: فى مكان تراك فيه سعاد وتسمعك منه، فحيث ظرف مكان، والباء بمعنى فى

(قوله: كذا فى الصحاح) أى: فكلام الصحاح يفيد أن المجرور بمن بعد مرأى ومسمع هو فاعل الرؤية والسماع.

(قوله: فساد ما قيل) أى: ما قاله الشارح الزوزنى

(قوله: يشهد به العقل والنقل) أما النقل فما ذكره عن الصحاح، فإنه يفيد أن فاعل الرؤية المجرور بمن، وكلام الزوزنى يقتضى أن المجرور بمن هو المفعول، وأما العقل فلأن الحمامة إذا كانت تسمع

ص: 210

(وفيه نظر) لأن كلا من كثرة التكرار، وتتابع الإضافات إن ثقل اللفظ بسببه على اللسان فقد حصل الاحتراز عنه بالتنافر، وإلا فلا يخل بالفصاحة؛

===

صوت المحبوبة فلا يحسن فى نظر العقل طلب تصويتها؛ لأنه يفوت سماعها، بل اللائق طلب الإصغاء، فكان الواجب على الشاعر أن يقول: اسمعى أو اسكتى أو انصتى، فقبلت الشهادتان، فإن قلت: شهادة العقل لا تقبل إلا لو كان الغرض بسجعها سماع تصويتها، ويمكن أن يكون الغرض بسجعها إظهار نشاطها وطربها برؤية المحبوبة وسماع كلامها كما يحصل للبلابل عند رؤية الأزهار وسماع الأوتار: فهى شهادة مجروحة.

وقد وجد فى البيت ما يدل على أن الغرض من التصويت ما ذكر، وهو ضم الرؤية إلى السماع وجعلهما من أسباب الأمر بالتصويت أيضا، ولا شك أن الرؤية لسعاد لا تصلح سببا لسجع الحمامة، وإنما تصلح سببا لظهور النشاط، فالعقل شاهد عليه لا له، والمعنى: اسجعى أيتها الحمامة، فإن الدواعى للنشاط والطرب موجودة، وهى مشاهدة تلك المحبوبة- التى تفوق الأزهار فى النضارة، وسماع صوتها الذى يعلو على صوت الأوتار، وأجيب بأن معنى شهادة العقل بفساده أنه يحكم بفساد توجيه مخالف للنقل، وعنه مندوحة على أن ضم الرؤية إلى السماع يصلح؛ لأن يكون سببا فى الأمر بسجع الحمامة لأجل سماع صوتها؛ لأن السماع مع الرؤية ألذ وأتم من السماع بدون الرؤية- فقول المعترض وقد وجد فى البيت إلخ، ممنوع- تأمل. (وقوله: وفيه نظر إلخ) حاصله أن ذلك القائل يدعى أن كثرة التكرار وتتابع الإضافات مخل بالفصاحة مطلقا، فلا بد من الخلوص منها.

وحاصل الرد عليه: أنا لا نسلم ذلك الإطلاق، بل الحق تقدم أن تنافر الكلمات عبارة عن كونها ثقيلة على اللسان عند اجتماعها، وإن كانت فصيحة، وإن لم يحصل للفظ ثقل بسببهما فلا يخلان بالفصاحة، وذلك لأن إخلالهما إنما هو من جهة ما يحصل بهما من الثقل، فإذا انتفى ذلك انتفى الإخلال؛ لأنه يلزم من نفى السبب المساوى نفى المسبب، وحيث كانا لا يخلان فلا يصح الاحتراز عنهما.

ص: 211

كيف وقد وقع فى التنزيل: مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ (1)، وذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ (2)، وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها. فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (3)(و) الفصاحة (فى المتكلم ملكة) وهى كيفية

===

(قوله: كيف إلخ) هذا استفهام تعجبى أى: كيف يصح القول بأنهما يخلان بالفصاحة مطلقا، وقد وقع أى كل منهما فى التنزيل.

(قوله: مِثْلَ دَأْبِ) خبر لمحذوف أى: وذلك مثل إلخ، أو بدل من الضمير المستتر فى وقع العائد على كل من كثرة التكرار، وتتابع الإضافات بدل بعض من كل، أو فاعل بوقع. أى: وقع هذا اللفظ، وحينئذ فالفتحة للحكاية، وهذا وما بعده مثال لتتابع الإضافات، وأما قوله وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فهو مثال لكثرة التكرار، وكان الأولى أن يمثل بالسورة بتمامها، كما مثل ابن يعقوب لما فيه من زيادة الرد، إلا أن يقال: إنه اقتصر على هذه الآية لما فيها من التلميح بأن هذا القائل ألهم الفجور أى:

خلاف الصواب وقد اشتمل على كثرة التكرار وتتابع الإضافات قوله: عليه الصلاة والسلام (4) - فى وصف يوسف الصديق: الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم، فهذا الحديث اشتمل على كثرة التكرار وعلى تتابع الإضافات؛ لأن الإضافات تشمل المتداخلة بأن يكون الأول مضافا للثاني، والثانى مضافا للثالث كمثال المصنف، أو غير المتداخلة كما فى الحديث، وكثرة التكرار تحصل بذكر الشىء ثالثا، سواء كان المذكور ضميرا، كمثال المصنف، أو غير ضمير كما فى الحديث

(قوله: وهى كيفية إلخ) اعلم أن المتكلمين حصروا الموجودات الحادثة فى الجوهر والعرض، وقسم الحكماء العرض إلى أقسام تسعة وهى: الكم والكيف والإضافة والمتى والأين والوضع والملك والفعل والانفعال، وسموا هذه التسعة مع الجوهر

(1) غافر: 31.

(2)

مريم: 2.

(3)

الشمس: 7، 8.

(4)

الحديث أخرجه البخارى فى (أحاديث الأنبياء) باب قول الله تعالى: لقد كان فى يوسف وإخوته آيات للسائلين" (6/ 482)، (ح/ 3390) من حديث ابن عمر- رضى الله عنهما- وأخرجه فى غير موضع من صحيحه.

ص: 212

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

المقولات العشرة. أى: المحمولات العشرة فمقولات جمع: مقول بمعنى: محمول، فكل شىء حمل على شىء لا بد أن يكون واحدا من هذه العشرة؛ لأنهم جعلوا هذه المقولات الأجناس العالية للموجودات الممكنة، ثم قسموها إلى قسمين نسبية، وغير نسبية.

فغير النسبية الجوهر والكم والكيف، وما عدا هذه الثلاثة فهو نسبة يتوقف تعقلها أى: تصورها على تعقل الغير وتصوره، فالجوهر: ما قام بنفسه، أو تقول ما شغل قدرا من الفراغ، والكم: عرض يقبل القسمة لذاته وهو: إما متصل كالمقادير من الخط والسطح والجسم التعليمية العارضة للطبيعة وكالزمان، وإما منفصل: كالكم القائم بالمعدود والزمان.

والكيف، عرفه الشارح بقوله: عرض إلخ، والإضافة: هى النسبة العارضة للشىء بالقياس إلى نسبة أخرى كالأبوة والبنوة، ومالكية زيد لكذا، ومملوكية كذا لزيد، ولما كان المتوقف عليه فى الإضافة النسبة دون بقية الأعراض النسبية خصت باسم الإضافة، وإن كانت كلها إضافات، والمتى: هو حصول الشىء فى الزمان أى: كونه حاصلا فيه.

والأين: حصوله فى المكان أى: كونه حاصلا فيه ككون الصوم حاصلا فى شهر رمضان وكون زيد فى الدار. والوضع: هيئة تعرض للشىء باعتبار نسبة أجزائه بعضها لبعض، كالاتكاء والاضطجاع، أو باعتبار نسبتها إلى أمر آخر كالقيام والانتكاس؛ فإنه يتوقف على كون رجليه إلى أعلى ورأسه إلى أسفل فى الانتكاس وبالعكس فى القيام، والملك: هيئة نعرض للجسم باعتبار ما يحيط به وينتقل بانتقاله كالتقمص والتعمم أى: كون الإنسان لابسا للقميص أو العمامة، والفعل: كون الشىء مؤثرا فى غيره ما دام مؤثرا، ككون المسخن يسخن غيره ما دام يسخن، وكون القاطع يقطع غيره ما دام قاطعا، وكون الضارب يضرب ما دام ضاربا، والانفعال: هو تأثر الشىء عن غيره ما دام يتأثر، مثل كون الماء مسخنا ما دام متسخنا، وكون زيد مضروبا، ما دام الضرب نازلا عليه، وكون الثوب مقطوعا ما دام يتقطع، فالإضافات

ص: 213

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

والنسب عندهم أمور وجودية، وأما مذهب المتكلمين فيقولون إنها أمور اعتبارية لا وجود لها، فلذلك يقولون: الموجودات الحادثة: إما جواهر، أو أعراض. والعرض: هو الكيف فقط، وأما الكم والأمور الإضافية: فليست عندهم من العرض؛ لأن العرض موجود فى الخارج وهذه ليست كذلك، وقد جمع بعضهم أسماء المقولات بقوله:

عدّ المقولات فى عشر سأنظمها

فى بيت شعر علا فى رتبة نقلا

الجوهر الكمّ كيف والمضاف متى

أين ووضع له أن ينفعل فعلا

وقد أشار بعضهم إلى أمثلتها فقال:

زيد الطويل الأزرق ابن مالك

فى بيته بالأمس كان متّكى

بيده غصن لواه فالتوى

فهذه عشر مقولات سوا

ثم اعلم أن الصفة الحاصلة للنفس فى أول حصولها تسمى حالا؛ لأن المتصف بها يقدر على إزالتها فى الزمن الحال أوانها من التحول والانتقال لقدرته على التحول والانتقال عنها، فإن ثبتت فى محلها وتقررت بحيث لا يمكن للمتصف بها إزالتها سميت ملكة إما لملك صاحبها لها يصرفها فى المدارك كيف شاء؛ أو لأنها هى تملكت من قامت به لكونها تمكنت منه وتسمى أيضا كيفية؛ لأنها تقع فى جواب كيف، وذلك كالكناية فإنها فى ابتدائها تسمى حالا، فإذا تقررت ورسخت صارت ملكة.

(قوله: وهى كيفية) أى: صفة وجودية وأشار الشارح بذلك، حيث لم يقل صفة إلى أن الملكة من مقولة الكيف، وإنها من أحد أقسام الكيف الأربعة، وهى الكيفيات المحسوسة، وهى ما يتعلق بها الإدراك، وهى إما راسخة كحلاوة العسل وحرارة النار وصفرة الذهب، أو غير راسخة: كحمرة الخجل وكيفيات الكميات:

كالزوجية والفردية والاستقامة والانحناء والكيفيات النفسانية. أى: المختصة بذوات الأنفس وهى: الحيوانات دون الجماد والنبات كالحياة والإدراكات والجهالات والعلوم واللذات والآلام والكيفيات الاستعدادية أى: المقتضية استعدادا وتهيؤا لقبول أثر ما، إما بسهولة: كاللين، وإما بصعوبة: كالصلابة، هذا وكان الأنسب للشارح فى هذا المقام

ص: 214

راسخة فى النفس، والكيفية عرض

===

الالتفات للمعنى العرفى للملكة والكيفية؛ لأنه أقرب للأفهام فالكيفية عرفا: صفة وجودية، والملكة عرفا: صفة وجودية راسخة فى النفس؛ لأن ما ذكره من التعريف لا تعلق له بعلم البلاغة، وإنما هو من دقائق الحكماء، ولعل الشارح ارتكب ذلك تشحيذا للذهن.

(قوله: راسخة) أى: فإن لم ترسخ كالفرح واللذة والألم كانت حالا، واعترض بأن الرسوخ معناه الدوام والبقاء، والكيف عرض وهو لا يبقى زمانين، وأجيب بأن القول بأنه لا يبقى زمانين قول ضعيف، والحق بقاؤه، أو يقال: المراد رسوخها برسوخ أمثالها أى: تواليها فردا بعد فرد

(قوله: فى النفس) أى: لا فى الجسم كالبياض، وإلا فلا تسمى ملكة، والحاصل أن الكيفية إذا استقرت وثبتت فى النفس قيل لها ملكة، وإن اختصت بالجسم عبر عنها بالكيفية وبالعرض

(قوله: والكيفية عرض إلخ) أتى بالاسم الظاهر، مع أن المحل للضمير إشارة إلى أن التعريف لمطلق كيفية، سواء كانت راسخة أو لا، ولو أتى بالضمير لتوهم عوده على الكيفية الموصوفة بالرسوخ التى هى الملكة.

(قوله: عرض) هو عند المتكلمين ما لا يقوم بنفسه، بل يكون تابعا لغيره فى التحييز أى: الحصول فى الحيز والمكان، ومعنى تبعيته لغيره فى التحييز: هو أن يكون وجوده فى نفسه هو وجوده فى الموضوع، بحيث تكون الإشارة لأحدهما إشارة إلى الآخر، وعند الفلاسفة ما لا يقوم بذاته بل بغيره، بأن يكون مختصّا بالغير، اختصاص الناعت بالمنعوت، ومعنى اختصاص الناعت إلخ: أن يكون بحيث يصير الأول نعتا، والثانى منعوتا.

واعلم أن هذا التعريف الذى ذكره الشارح مشتمل على جنس وعلى أربعة فصول. فقوله: عرض: شامل لأنواع العرض التسعة المذكورة سابقا عند الحكماء، والفصل الأول: وهو قوله: لا يتوقف تعقله على تعقل الغير مخرج للأعراض النسبية التى يتوقف تعقلها على تعقل الغير، وهى سبعة كما مر: الإضافة والمتى والأين والوضع والملك

ص: 215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

والفعل والانفعال، وإخراجها بهذا القيد إنما يظهر على مذهب الحكماء من أنها وجودية وأنها من جزئيات العرض، وأما على ما قاله المتكلمون من أنها أمور اعتبارية لا وجود لها فى الخارج وأنها ليست من جزئيات العرض، بل مباينة له، فلا يظهر إخراجها بهذا القيد؛ لأنها لم تدخل فى الجنس الذى هو العرض حتى تخرج بالفصل، لكن هذا التعريف للحكماء القائلين: إن النسب أعراض، وأورده الشارح تشحيذا للأذهان.

والفصل الثاني: وهو قوله: ولا يقتضى القسمة مخرج للعرض الذى يقبل القسمة لذاته، وهو الكم: كالعدد، وهو الكم القائم بالمعدود وكالمقدار من الخط والسطح والجسم، فإن الأول: يقتضى القسمة طولا، والثاني: يقتضى القسمة طولا وعرضا، والثالث: يقتضى القسمة طولا وعرضا وعمقا، والحاصل أن الخط مقدار ينقسم فى جهة الطول، والسطح مقدار ينقسم طولا وعرضا، والجسم مقدار ينقسم طولا وعرضا وعمقا، ويسمى الجسم التعليمي، والثلاثة أعراض من قبيل الكم، وأما الجسم الطبيعى فهو الجوهر المعروض للامتدادات الثلاثة: الطول والعرض والعمق التى جملتها الجسم التعليمي، فالطبيعى جوهر والتعليمى عرض عارض له وكون الخط والجسم أعراضا هو مذهب الحكماء، وأما عند أهل السنة: فهى من الجواهر، فالنقطة عندهم جوهر: فرد، والخط جوهر: ينقسم طولا، والسطح جوهر: ينقسم طولا وعرضا، والجسم جوهر:

ينقسم طولا وعرضا وعمقا، والفصل الثالث: وهو قوله: واللاقسمة أى: عدم القسمة مخرج للنقطة، والوحدة والنقطة هى نهاية الخط أى: انتهاؤه. والوحدة: كون الشىء لا ينقسم وكل منهما عرض يقتضى عدم القسمة، لكن إخراج النقطة والوحدة بهذا القيد مبنى على أنهما أمران وجوديان وأنهما ليسا من المقولات العشرة كما هو مذهب الحكماء فإنهم يقولون: إن النقطة والوحدة أمران وجوديان وليسا جنسين لشىء، وحصرهم الموجودات فى العشرة؛ مرادهم الموجودات من الأجناس، وأما عند المتكلمين، فالنقطة: أمر اعتبارى لا وجود له، والوحدة: أمر عدمى، وحينئذ فلا يظهر إخراجهما بهذا القيد لعدم دخولهما تحت الجنس، والفصل الرابع، وهو قوله: اقتضاء

ص: 216

لا يتوقف تعقله على تعقل الغير،

===

أوليّا قيد لعدم الاقتضاء مطلقا، وهو بمعنى قول غيره من المتقدمين: لذاته أى: لا يقتضى قسمة ولا عدمها لذاته، وأما بالنظر لمتعلقه فقد يقتضى القسمة وقد يقتضى عدمها، ولذا كان هذا القيد مدخلا للعلم المتعلق بالمعلومات، فإنه عرض لا يتوقف تعقله على الغير ولا يقتضى القسمة ولا عدم القسمة اقتضاء أوليّا أى: بالنظر لذاته، وأما بالنظر للمعلوم فتارة يقتضى القسمة وتارة يقتضى عدمها، فالعلم المتعلق بشىء واحد بسيط يقتضى عدم القسمة، لكن لا لذاته بل باعتبار المتعلق. والعلم المتعلق بشيئين يستلزم القسمة، لكن لا لذاته بل باعتبار المتعلق.

والحاصل أن العلم لا يصدق عليه التعريف بدون ذلك القيد؛ لأنه إن تعلق بمعلوم واحد فإنه لعروض الوحدة له يقتضى عدم القسمة، وإن تعلق بمتعدد اقتضى القسمة لعروض التعدد له، وقد قال فى التعريف: إن الكيف لا يقتضى القسمة ولا عدمها، فلما زيد ذلك القيد فى التعريف دخل فيه العلم؛ لأنه فى حد ذاته لا يستلزم القسمة ولا عدمها، وإنما الانقسام وعدمه بالنظر للمعلوم، فإن كان المعلوم متعددا أو مركبا، كان العلم مقتضيا للقسمة اقتضاء ثانويّا، أى: عرضيّا، وإن كان المعلوم واحدا بسيطا، كان العلم مقتضيا لعدم القسمة اقتضاء عرضيا، فالقيد الرابع: للإدخال لا للإخراج، وإدخال العلم بالمعلومات بهذا القيد بناء على أن العلم من قبيل الكيفيات، وأنه عبارة عن الصورة الحاصلة فى النفس، وأما إن قلنا: إنه انتقال أى: انتقاش الصورة فى النفس، أو أنه فعل أى: نقش صورة الشىء فى النفس وارتسامها فيها فلا وجه لإدخاله فى التعريف

(قوله: لا يتوقف تعقله على تعقل الغير) اعترض بأنه غير جامع لعدم شموله للكيفية المركبة، كطعم الرمان: فإنه مركب من الحلاوة والحموضة، ولا شك أن المركب يتوقف تعقله على تعقل أجزائه، وحاصل الجواب: أن المراد بالغير ما كان منفكا عن الشىء، وأجزاء الشىء غير منفكة عنه.

واعترض أيضا بأنه غير جامع لعدم شموله للكيفية النظرية، فإن تعقلها يتوقف على الغير وهو النظر أعنى: القول الشارح والحجة، وذلك كمعنى الإنسان وحدوث

ص: 217

ولا يقتضى القسمة واللاقسمة فى محله اقتضاء أوليّا؛ فخرج بالقيد الأول الأعراض النسبية مثل: الإضافة، والفعل، والانفعال، ونحو ذلك. وبقولنا: ولا يقتضى القسمة: الكميات، وبقولنا: واللاقسمة: النقطة، والوحدة. وقولنا: أوليّا:

===

العالم، وأجيب بأن المراد بالتوقف المنفى: التوقف الذى لا يمكن الانفكاك عنه: كالأبوة والبنوة، وأما الكيفيات النظرية: فتعقلها قد يحصل بدون نظر كإلهام أو كشف، واعترض بأن العرض: هو ما قام بغيره، فهو متوقف فى تعقله على الغير، وقد أخذ فى تعريف الكيف.

فيكون الكيف متوقفا على الغير، إذ المتوقف على المتوقف على شىء متوقف على ذلك الشىء، وحينئذ فلا يصح قولهم: لا يتوقف تصوره إلخ.

وأجيب بأن المتوقف على تصور الغير مفهوم العرض، والمأخوذ فى تعريف الكيف: هو ما صدق العرض؛ لأن قولنا: الكيف عرض. أى: فرد من أفراد العرض، ولا يلزم من توقف المفهوم توقف ما صدق عليه، وإنما يلزم ذلك لو كان ذاتيّا للماصدق، ومن الجائز أن يكون ذلك المفهوم عارضا للماصدق وخارجا عن ذاته فلا يلزم من توقفه توقفه.

(قوله: ولا يقتضى القسمة) المراد بالاقتضاء هنا الاستلزام أى: لا يستلزم القسمة ولا يستلزم عدمها، بل تارة يكون منقسما: كحمرة الخجل، وتارة يكون غير منقسم: كالعلم بالبسيط، وليس المراد بالاقتضاء القبول، وإلا لزم خلو الشىء عن النقيضين مع أنهما لا يجتمعان ولا يرتفعان

(قوله: فى محله) حال من الضمير فى يقتضى ويكون هذا لبيان الواقع؛ لأن العرض لا يقبل القسمة ولا عدمها إلا وهو فى محله، إذن لا وجود له إلا فى محله، والمراد بمحله: الذات التى قام بها العرض، وما قيل: إنه متعلق بالقسمة من قوله: يقتضى القسمة واللاقسمة على سبيل التنازع، أو من باب الحذف من أحدهما لدلالة الآخر أى: أنه لا يقتضى القسمة ولا عدمها لمحله أى: لمتعلقه فمردود؛ لأنه يلزم عليه أن يكون قوله اقتضاء أوليّا أى: ذاتيّا لا فائدة فيه لدخول العلم فى التعريف مما قبله، وتكون النقطة والوحدة غير خارجين من التعريف.

ص: 218

ليدخل فيه مثل: العلم بالمعلومات المقتضية للقسمة واللاقسمة. فقوله: ملكة:

إشعار بأنه لو عبر عن المقصود بلفظ فصيح لا يسمى فصيحا فى الاصطلاح ما لم يكن ذلك راسخا فيه

===

(قوله: ليدخل فيه مثل العلم بالمعلومات) أى: المتعلق بجنس المعلومات فيشمل المعلوم الواحد والأكثر، فالعلم المتعلق بمعلوم واحد يقتضى عدم القسمة باعتبار متعلقه، والمتعلق بأكثر يقتضى القسمة باعتبار المذكور

(قوله: المقتضية للقسمة) أى: إن كان المعلوم مركبا أو متعددا.

(وقوله: واللاقسمة) أى: إذا كان المعلوم واحدا بسيطا وكان الأولى للشارح أن يقول: المقتضى أى: العلم؛ لأنه المحدث عنه أى: فهو لا يستلزم بالنظر لذاته قسمة ولا عدمها، وأما بالنظر للمعلوم: فتارة يستلزم القسمة فى ذلك المعلوم، وتارة لا يستلزمها

(قوله: فقوله: ملكة) أى: دون أن يقول: صفة، وهذا تفريع على قوله أولا فى تعريف الملكة، أو هى كيفية راسخة فى النفس

(قوله: ما لم يكن ذلك) أى: ما ذكر من الملكة بمعنى الصفة

(قوله: إشعار) أى: مشعر أو ذو إشعار أى: بخلاف التعبير بصفة؛ فإنه لا يشعر بذلك.

إن قلت: إن فى التعريف لفظا آخر صريحا يخرج المتكلم عن كونه فصيحا وهو كون اللام فى المقصود للاستغراق.

قلت: لا نسلم أنه صريح فى ذلك؛ لأن اللام فى حد ذاتها تحتمل الجنس، بل هو الأصل، وإنما حملت هنا على الاستغراق لقرينة المقام؛ وقد تخفى هذه القرينة فيكون لفظ الملكة أقوى إشعارا.

(قوله: عن المقصود) أى: عن جنس مقصوده لا كله، إذ لا تحقق للتعبير عن الكل بدون الرسوخ

(قوله: يقتدر بها) عبر بيقتدر دون يقدر إشارة إلى أنه لا بدّ من القدرة التامة؛ لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى، ويحتمل أنه إشارة إلى أنه يكفى وجود ملكة القدرة ولو كانت القدرة بتكلف، فتأمل.

ص: 219

وقوله: (يقتدر بها على التعبير عن المقصود) دون أن يقول: يعبر- إشعار بأنه يسمى فصيحا إذا وجد فيه تلك الملكة سواء وجد التعبير أو لم يوجد

===

(وقوله: يقتدر بها) يعنى: اقتدرا قريبا، فخرج العلم والحياة فإنه يقتدر بهما على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح، لكن الاقتدار ليس بالمباشرة، بل بواسطة سليقة عربية أو تعلم أو ممارسة

(قوله: على التعبير عن المقصود) أخرج الملكة التى يقتدر بها على استحضار المعاني: كالعلم بفن، وال فى المقصود للاستغراق أى: كل ما وقع قصد المتكلم وإرادته، فإن قلت: أى حاجة لحمل اللام على الاستغراق مع أن لفظ الملكة يغنى عنه لاستلزام تلك الملكة الاقتدار على التعبير عن جميع مقاصده بلفظ فصيح؟

قلت: الاستلزام ممنوع لجواز أن يحصل لشخص ملكة بالنظر إلى نوع من المعانى كالمدح أو الذم أو غيرهما. ولو سلم ففى الحمل على الاستغراق إشعار صريح بأن الاقتدار على التعبير عن بعض المقاصد بلفظ فصيح غير كاف فى كون المتكلم فصيحا.

(قوله: إشعار إلخ) بيان ذلك أن يقال لو قال: يعبر دون يقتدر: لزم ألّا يسمى من له ملكة التعبير عن مقاصده فصيحا حال السكوت، لفقد التعبير فى تلك الحالة. إذ لا دلالة لقوله: يعبر بها إلا على أنه يوجد من صاحبها التعبير، ومعنى التعريف حين ذكر يقتدر: ملكة توجد من صاحبها القدرة على التعبير وهو صادق على الملكة التى يعبر بها صاحبها عن مقاصده فى حال سكوته، فلو قال: يعبر دون يقتدر لكان ظاهره مشعرا بأنه لا بد فى أن يسمى الشخص فصيحا من التعبير بالفعل عن كل مقصود قصده، وهذا التوجيه ظاهر.

ووجه بعضهم الإشعار بأن المضارع حقيقة فى الحال، فتقييد الملكة به ربما يشعر بأن الفصاحة: الملكة فى حال التعبير دون السكوت بخلاف الاقتدار.

(قوله: سواء وجد التعبير) أى: عن المقصود. أى: جميعه أو لم يوجد ذلك التعبير عن جميع المقصود بأن لم يوجد التعبير عنه بالكلية، أو وجد التعبير عن بعضه

(قوله: ليعم المفرد إلخ) أى: وقوله: بلفظ دون كلام ليعم إلخ، وهذا جواب عما يقال:

لم لم يقل بكلام فصيح؟

ص: 220