المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌[مقتضى الحال] (وهو) أى: مقتضى الحال (مختلف فإن مقامات الكلام متفاوتة) - حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - جـ ١

[محمد بن أحمد الدسوقي]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم

- ‌ترجمة جلال الدين القزوينى صاحب" التلخيص

- ‌اسمه ونسبه:

- ‌ولادته ونشأته:

- ‌صفته:

- ‌طلبه للعلم ومشايخه:

- ‌مصنفاته:

- ‌وفاته:

- ‌ترجمة سعد الدين التفتازاني صاحب" مختصر السعد شرح التلخيص

- ‌مولده:

- ‌منزلته وشهرته:

- ‌مصنفاته:

- ‌مذهبه الفقهي:

- ‌عبقرية التفتازاني:

- ‌ذكر وفاته- رحمه الله تعالى

- ‌كتاب" مختصر السعد

- ‌ترجمة محمد بن عرفة الدسوقى صاحب" حاشية الدسوقى

- ‌اسمه وكنيته

- ‌مولده وحياته:

- ‌صفاته:

- ‌شيوخه:

- ‌تلاميذه:

- ‌ وفاته

- ‌مؤلفاته:

- ‌منهج التحقيق

- ‌مقدمة مختصر السعد

- ‌كلمة الافتتاح للدسوقي

- ‌[القول فى البسملة]:

- ‌[القول فى الحمد]:

- ‌[الكلام فى الشكر]:

- ‌[مقدمة فى بيان معنى الفصاحة والبلاغة]:

- ‌[المقدمه ما هي

- ‌ الفصاحة

- ‌[تقسيم الفصاحة بالمفرد والكلام]

- ‌[يوصف المتكلم بالفصاحه كما يوصف بها الكلام]

- ‌[البلاغة]

- ‌[يوصف الكلام والمتكلم بالبلاغه]

- ‌[الفصاحه في المفرد خلوها عن]

- ‌[عن التنافر]

- ‌[الضابط في التنافر]

- ‌[والغرابه]

- ‌[والمخالفة]

- ‌[من الكراهة فى السمع]

- ‌[الفصاحة فى الكلام خلوها عن: ]

- ‌[الضعف]

- ‌[(والتعقيد)]

- ‌بلاغة الكلام

- ‌[تعريف الحال]

- ‌[مقتضى الحال]

- ‌ أعلى

- ‌لبلاغة الكلام (طرفان:

- ‌[أسفل]

- ‌بلاغة المتكلم

- ‌الفن الأول علم المعاني

- ‌[عله تقديمه علي البيان]

- ‌[تعريف علم المعاني]

- ‌[انحصار الخبر فى الصادق والكاذب]:

- ‌تنبيه حول «تنبيه»

- ‌[الباب الاول] (أحوال الإسناد الخبرى):

- ‌[الحقيقة والمجاز العقليان]:

- ‌[المجاز العقلي]:

- ‌[أقسام المجاز العقلي]:

- ‌[[الباب الثانى] أحوال المسند إليه]:

- ‌ ذكر المسند إليه

- ‌‌‌[تعريف المسند اليه]

- ‌[تعريف المسند اليه]

- ‌[أغراض التعريف]:

- ‌[تعريفه بالإضمار]:

- ‌[تعريفه بالعلمية]:

- ‌[تعريفه بالموصولية]:

- ‌[تعريفه بالإشارة]:

- ‌ تعريف المسند إليه باللام

- ‌ تعريف المسند إليه بالإضافة

- ‌[أغراض التنكير]:

- ‌ تنكير المسند إليه

- ‌أغراض الوصف

- ‌[أغراض التوكيد]:

- ‌[أغراض عطف البيان]

- ‌[بيان المسند إليه]:

- ‌[أغراض البدل]:

- ‌[الإبدال من المسند إليه]:

- ‌[أغراض العطف]:

- ‌[العطف على المسند إليه]:

- ‌[أغراض ضمير الفصل]:

- ‌[أغراض التقديم]:

- ‌ تقديم المسند إليه

- ‌[رأى عبد القاهر]:

- ‌[موافقة السكاكى لرأى عبد القاهر]:

- ‌ تأخير المسند إليه

- ‌[تخريج المسند إليه على خلاف مقتضى الظاهر]

- ‌[وضع المضمر موضع المظهر]:

- ‌[إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر]:

- ‌[التعبير بالمستقبل بلفظ الماضى]:

- ‌خاتمة

الفصل: ‌ ‌[مقتضى الحال] (وهو) أى: مقتضى الحال (مختلف فإن مقامات الكلام متفاوتة)

[مقتضى الحال]

(وهو) أى: مقتضى الحال (مختلف فإن مقامات الكلام متفاوتة) لأن الاعتبار اللائق بهذا المقام يغاير الاعتبار اللائق بذلك،

===

الذى هو الصدق، فالذى حققه هنا خلاف ما حققه هناك

(قوله: وهو مختلف) هذا تمهيد لضبط مقتضيات الأحوال وتحقيقها على وجه الإجمال الموجب للتشوق إلى الوقوف عليها تفصيلا كما يأتى بعد، وحاصل ما ذكره أن مقتضيات الأحوال بالفتح مختلفة؛ لأن مقتضياتها بالكسر التى هى الأحوال المعبر عنها بالمقامات مختلفة، فالحال والمقام متحدان ذاتا، وإنما يختلفان اعتبارا، كما سيذكره الشارح، وإنما عبر فى العلة بالمقامات إشارة إلى أنهما متحدان ذاتا، وبهذا ظهر إنتاج العلة للمعلول.

(قوله: فإن مقامات الكلام) أى: الأمور المقتضية لاعتبار خصوصية ما فى الكلام

(قوله: متفاوته) أى: مختلفة وإذا اختلفت المقامات لزم اختلاف مقتضيات الأحوال؛ لأن اختلاف الأسباب فى الاقتضاء يوجب اختلاف المسببات، فإن قلت: إن تعليل المصنف المذكور يقتضى أنه يلزم من اختلاف المقامات اختلاف المقتضى، مع أنه قد يختلف المقامات ويتحد المقتضى وذلك: كالتعظيم والتحقير، فإن كلا منهما مقام يغاير الآخر بالذات ومقتضاهما واحد وهو الحذف، فإن حذف المسند إليه يكون لإيهام صونه عن لسانك تعظيما له، أو إيهام صون لسانك عنه تحقيرا له كما يأتي. قلت: ليس المراد باختلاف المقامات اختلافها لهما من حيث ذاتها وتعددها، وإنما المراد اختلاف المقامات باختلاف الاقتضاء بأن يقتضى أحدهما خلاف ما يقتضيه الآخر، ولا شك أن اختلاف الاقتضاء يوجب اختلاف المقتضى، والتعظيم والتحقير لم يختلفا بحسب الاقتضاء، بل بحسب ذاتهما.

وحينئذ فلا يتوجه النقض

(قوله: لأن الاعتبار) المراد به الشىء المعتبر وهو الخصوصية، وهو علة للعلة أى: وإنما أوجب اختلاف المقامات اختلاف مقتضيات الأحوال؛ لأن الاعتبار إلخ أى: لأن الأمر المعتبر أى: لأن الخصوصية المعتبرة اللائقة بهذا المقام فى نفس الأمر تغاير إلخ، فالتأكيد المعتبر اللائق بمقام الإنكار يغاير عدم التأكيد المعتبر اللائق بمقام خلو الذهن، فالتأكيد وعدمه، وهما مقتضى الحال متغايران، والمقام

ص: 227

وهذا عين تفاوت مقتضيات الأحوال؛ لأن التغير بين الحال والمقام إنما هو بحسب الاعتبار، وهو أنه يتوهم فى الحال كونه زمانا: لورود الكلام فيه، وفى المقام: كونه محلا له؛

===

وهو الإنكار وخلو الذهن متغايران أيضا، وليس علة للعلة التى هى اختلاف المقامات لئلا يلزم الدّور

(قوله: وهذا) أى: مغايرة هذا الاعتبار اللائق بهذا المقام لذلك الاعتبار اللائق بمقام آخر.

(قوله: عين تفاوت إلخ) لو قال عين اختلاف إلخ لكان أنسب بعبارة المصنف

(قوله: لأن التغاير إلخ) علة لقوله وهذا عين تفاوت مقتضيات الأحوال، وفى هذه العلة إشارة إلى دفع ما يرد على ظاهر المصنف من أن الدليل لم يطابق المدعى، ولم تحصل المطابقة إلا لو قال؛ لأن الأحوال متفاوته وحاصل الجواب أنهما متحدان بالذات؛ لأن كلا منهما عبارة عن الأمر الداعى إلى إيراد الكلام مكيفا بكيفية مخصوصة ويختلفان بالاعتبار والتوهم، فباتحادهما ذاتا حصل التطابق بين الدليل والمدعى.

(قوله: إنما هو بحسب الاعتبار) أى: التوهم أى: بحسب اعتبار المعتبر وتوهمه، وأما بحسب الذات فهما واحد؛ فإذا كانت مقتضيات المقامات مختلفة كانت مقتضيات الأحوال كذلك؛ لأن مقتضيات الأحوال عين مقتضيات المقامات لكون المقامات والأحوال واحدا بالذات

(قوله: وهو) أى: الاعتبار وقوله أنه أى: الحال والشأن يتوهم إلخ، وحاصله أن الأمر الداعى لا يراد بالكلام ملتبسا بخصوصية ما إذا توهم فيه كونه زمانا لذلك الكلام يسمى حالا، وإذا توهم فيه كونه محلا له، يسمى: مقاما، وإنما عبر الشارح بالتوهم؛ لأن المقام والحال أعنى: الأمر الداعى لورود الكلام ملتبسا بخصوصية ما للإنكار الذى هو سبب لورود الكلام مؤكدا ليس فى الحقيقة زمانا ولا مكانا، وإنما ذلك أمر توهمى تخيلى، ووجه توهم كون ذلك الأمر الداعى للخصوصية زمانا أو مكانا، أنه لا بد لذلك الأمر من زمان ومكان يقع فيهما، وهو مطابق للزمان الذى يقع فيه وللمكان الذى يقع فيه أى: أنه بقدرهما لا يزيد عليهما ولا ينقص عنهما، فباعتبار مطابقته للزمان يتوهم أنه زمان فيسمى حالا، وباعتبار مطابقته للمكان يتوهم أنه مكان،

ص: 228

وفى هذا الكلام إشارة إجمالية إلى ضبط مقتضيات الأحوال،

===

فيسمى مقاما، وإنما اختير لفظ المقام دون غيره من أسماء الأمكنة: كالمجلس والمضجع، ولفظ الحال دون غيره من أسماء الزمان: كالمستقبل والماضى؛ لأن البلغاء كانوا يتكلمون بالكلام البليغ من خطب وأشعار وهم قائمون، فأطلق المقام على الأمر الداعى؛ لأنهم يلاحظونه فى محل قيامهم؛ ولأن هذا الكلام إنما يؤدى فى حال الإنكار مثلا لا قبله ولا بعده، أو أنهم خصوا الحال من بين الأزمنة الثلاثة؛ لأنها أوسطها، وخير الأمور الوسط، فناسب أن يعبر عن ذلك الأمر الذى تتوقف عليه البلاغة به. كذا قرر بعض الأفاضل فى وجه اختيار هذين اللفظين، وهو يفيد أن المراد بالحال الزمان، وأن المقام اسم مكان، وقال غيره: الحال فى الأصل ما عليه الإنسان من الصفات، والمقام بمعنى الرتبة، وليس الحال أحد الأزمنة الثلاثة، وليس المراد بالمقام اسم مكان، وإنما سمى الأمر الداعى كالإنكار بالحال؛ لأنه مما لا يتغير ويتبدل: كالحال الذى عليه الإنسان من غضب أو رضا، أو لأنه صفة وحال من أحوال الإنسان، وسمى بالمقام؛ لأن مراتب الكلام تتفاوت بالأحوال، كما أن مراتب الرجال ودرجاتهم تتفاوت بالمقامات.

(وقوله: وفى هذا الكلام) أعنى: قول المصنف الآتى فمقام إلخ: فاسم الإشارة راجع لما يأتى كما يدل له كلام الشارح فى المطول، حيث قال ثم شرع فى تفصيل تفاوت المقامات مع إشارة إجمالية لضبط مقتضيات الأحوال أ. هـ.

أو يقال إن الإشارة لما سبق باعتبار أنه وسيلة وتمهيد لما يأتى. تأمل.

(قوله: إشارة إجمالية إلى ضبط مقتضيات الأحوال) المراد بضبطها حصرها وعدها؛ وذلك لأن المصنف حصر مقتضيات الأحوال فى أقسام ثلاثة ما يتعلق بأجزاء الجملة، وما يتعلق بالجملتين فصاعدا، وما لا يختص بشىء من ذلك؛ بل يتعلق بهما معا مرتبا لهذه الأقسام على هذا الترتيب، فأشار إلى القسم الأول بقوله: فمقام كل إلخ، وإلى الثانى بقوله:

ومقام الفصل يباين مقام الوصل، وإلى الثالث بقوله: ومقام الإيجاز إلى قوله- ولكل كلمة مع صاحبتها مقام، وإنما كان كلام المصنف مشيرا لضبط المقتضيات وليس صريحا فى ذلك؛ لأن مدلوله المطابقى ضبط المقامات المضافة إلى مقتضيات الأحوال التى

ص: 229

وتحقيق لمقتضى الحال (فمقام كل من التنكير، والإطلاق، والتقديم، والذكر يباين مقام خلافه) أى: خلاف كل منها؛ يعنى: أن المقام

===

هى التنكير والإطلاق وما معه، وضبط المضافات إلى أمور يستتبع ضبط تلك الأمور المضاف إليها، وإنما كانت تلك الإشارة إجمالية؛ لأنه لم يبين محال تلك المقتضيات.

مثلا: التنكير من المقتضيات، ولم يبين المصنف هل محله المسند إليه أو المسند؟

وكذلك الإطلاق لم يبين محله هل هو الحكم أو المسند إليه أو المسند أو متعلقه؟ وكذا يقال فى الباقى، فما هنا كلام إجمالى يفصله ما يأتى فى علم المعاني.

(قوله: وتحقيق لمقتضى الحال) عطف على إشارة أى: وفيه تحقيق أى: تبيين وتعيين له، حيث قال: فيما يأتي: فمقتضى الحال هو الاعتبار المناسب للحال، وقول الشارح لمقتضى الحال: إظهار فى محل الإضمار خوفا من توهم رجوع الضمير للأحوال لو قال لها

(قوله: فمقام كل من التنكير إلخ) صرح بالتنكير وما بعده؛ لأنه الأصل والفاء فى قوله: فمقام للتفصيل أو للتعليل

(قوله: يباين مقام خلافه) أى: فلا يكون مقام يناسبه التنكير ومقابله، ولا مقام يناسبه الإطلاق ومقابله وهكذا.

(قوله: أى خلاف كل منها) فيه إشارة إلى أن ضمير خلافه عائد إلى كل، لكن اعترض بأن هذا التفسير يقتضى أن مقام كل واحد من التنكير وما معه يباين مقام خلاف كل واحد من المذكورات، فيكون مباينا لمقام خلاف نفسه وخلاف غيره مما معه وهذا باطل؛ لأنه إنما يباين مقام خلاف نفسه فقط، ولا يباين مقام خلاف غيره؛ لأن من جملة خلاف غيره نفسه، فيلزم مباينة الشىء لنفسه وهو باطل، فكان الأولى فى التفسير أن يقول: أى: خلاف نفسه، ويكون الضمير عائدا على الواحد مما ذكر فى ضمن كل، إذ التنوين عوض عن المضاف إليه أو يقول: أى: ما خالفه، وأجيب بأن المراد بخلاف كل منها الخلاف الموصوف بوصف التقابل والتضاد، وحينئذ فيصح الكلام؛ لأن كلا من التنكير وما معه مقامه يباين خلاف مقام كل واحد مما يقابل نفسه، وأما خلاف كل مما لا يقابل نفسه فلا يباينه، وأجيب بجواب آخر: وحاصله أن الضمير فى قول الشارح أى: خلاف كل منها راجع للأربعة المذكورة، وهو من مقابلة

ص: 230

الذى يناسبه تنكير المسند إليه، أو المسند يباين المقام الذى يناسبه التعريف، ومقام إطلاق الحكم، أو التعلق،

===

الجمع بالجمع، وفيه توزيع. فكأنه قال: أى: مقامات هذه المذكورات تباين مقامات خلافاتها، ومقابلة الجمع بالجمع تقتضى القسمة على الآحاد على حد: ركب القوم دوابهم أى: كل واحد ركب دابته، فيؤول الأمر إلى قولنا: فمقام التنكير يباين مقام خلافه من التعريف وهكذا، وإلى هذا أشار الشارح بالعناية. كذا أجاب بعضهم، ورده عبد الحكيم بأن التوزيع لا يصح فى الكل الإفرادى، وإنما يصح ذلك فى الكل المجموعى إلا أن يقدر مضاف إليه للفظ كل جمعا معرفا أى: مقام كل الأمور المذكورة يباين مقام خلاف كلها، فيصح التوزيع ويكون التعيين موكولا إلى السامع، والأحسن فى الجواب عن ذلك الإشكال أن يقال: إن كلمة كل دخلت على شيئين بعد ثبوت التخالف بينهما فالأصل فمقام التنكير والإطلاق والذكر والحذف كل واحد يباين مقام خلافه

(قوله: الذى يناسبه تنكير إلخ) هذا تفسير لوجه إضافة المقام إلى التنكير، وأنه بأى معنى هو إذ الإضافة لا بد فيها من مناسبة بين المتضايفين ولم يفسر المقام ولا التنكير مثلا لعدم احتياجهما.

وقوله: تنكير المسند إليه أو المسند نحو: رجل فى الدار قائم، وزيد قائم، ونحو:

جاء رجل، وجاء زيد

(قوله: الذى يناسب التعريف) أى: تعريف المسند إليه أو المسند نحو: زيد قائم، وزيد القائم

(قوله: ومقام إطلاق الحكم) أى: النسبة الحاصلة بين المسندين، والمراد بإطلاقه خلوه من المقيدات نحو: زيد قائم أى: يباين مقام تقييده بمؤكد نحو: إن زيدا قائم، أو بأداة قصر نحو: ما زيد إلا قائم، أو إنما زيد قائم.

(قوله: أو التعلق) أى: والمقام الذى يناسب إطلاق التعلق أى: تعلق المسند بمعموله، كتعلق الفعل بالمفعول نحو: ضربت زيدا أى: يباين مقام تقييده بمؤكد، أو أداة قصر نحو: لأضربن زيدا، وو الله ضرب زيد عمرا، تريد بالقسم تأكيد تعلق الضرب بعمرو ولا تأكيد وقوع الضرب من زيد وإلا كان تأكيدا للحكم، ونحو: ما ضرب زيد إلا عمرا بقصر الضرب الصادر من زيد على عمرو، وظهر لك أن كتعلق غير الحكم؛

ص: 231

أو المسند إليه، أو المسند، أو متعلقه يباين مقام تقييده بمؤكد، أو أداة قصر، أو تابع، أو شرط، أو مفعول، أو ما يشبه ذلك،

===

لأن المراد بالحكم الإسناد، أعني: تعلق المحكوم به بالمحكوم عليه، والمراد بالتعلق تعلق المحكوم به بمعموله غير المحكوم عليه، كتعلق الفعل بمفعوله، ولأجل كونه غيره صح عطفه عليه بأو

(قوله: أو المسند إليه أو المسند) أى: والمقام الذى يناسبه إطلاق المسند إليه، أو إطلاق المسند أى: خلوه عن التقييد بتابع مثلا نحو: زيد قائم يتباين مقام خلافه، وهو مقام تقييد المسند إليه بتابع نحو: زيد الطويل قائم ومقام تقييد المسند بتابع نحو: زيد رجل طويل

(قوله: أو متعلقه) أى: والمقام الذى يناسبه إطلاق متعلق المسند أى: إطلاق معموله وخلوه عن التقييد بتابع يباين مقام تقييد المتعلق بتابع، فالأول نحو:

زيد ضارب رجلا، والثانى نحو: زيد ضارب رجلا طويلا

(قوله: تقييده بمؤكد أو أداة قصر) راجع لكل من إطلاق الحكم والتعلق، وقوله: أو تابع راجع لإطلاق المسند إليه والمسند ومتعلقه

(قوله: أو شرط) هذا راجع للمسند فقط أى: إن مقام إطلاق المسند وخلوه عن التقييد بالشرط نحو: زيد قائم يباين مقام تقييده به نحو زيد قائم إن قام عمرو، ولا يرد أنه يعقل فى جانب المسند إليه أيضا التقييد بالشرط نحو: القائم إن يقم زيد عمرو؛ لأن ذلك راجع لتقييد المسند؛ لأن المسند إليه أل الموصولة، والمقيد الصلة وهى مسندة لضمير أل.

(قوله: أو مفعول) راجع للثلاثة الأخيرة وهى المسند إليه والمسند ومتعلقه أى:

أن المقام الذى يناسب إطلاق المسند إليه أى خلوه عن التقييد بمفعول نحو: جاء الضارب يباين مقام تقييده بمفعول نحو: جاء الضارب زيدا، والمقام الذى يناسب إطلاق المسند نحو: زيد ضارب يباين مقام تقييده بمفعول نحو: زيد ضارب عمرا، والمقام الذى يناسب إطلاق متعلق المسند نحو: رأيت ضاربا يباين مقام تقييده بمفعول نحو: رأيت ضاربا عمرا

(قوله: أو ما يشبه ذلك) أى: كالحال والتمييز، وهذا راجع للمسند إليه ولمتعلق المسند أى: أن مقام إطلاق المسند إليه يباين مقام تقييده بحال، أو تمييز نحو: جاء زيد راكبا، وطاب محمد نفسا، ومقام إطلاق متعلق المسند يباين مقام تقييده بحال، أو

ص: 232

ومقام تقديم المسند إليه أو المسند أو متعلقاته يباين مقام تأخيره، وكذا مقام ذكره يباين حذفه، فقوله: خلافه شامل لما ذكرنا، وإنما فصل قوله:(ومقام الفصل يباين مقام الوصل) تنبيها على عظم شأن هذا الباب،

===

تمييز نحو ركبت الفرس مسرجا، واشتريت عشرين غلاما، فظهر لك من هذا أن الضمير فى قول الشارح يباين مقام تقييده راجع لأحد المذكورات الصادق على كل منها لكونه مبهما، لكن على سبيل التوزيع كما قلت بحيث يكون الأحد بالنسبة إلى الأول من المقيدات غيره بالنسبة إلى الثانى منها وهكذا، ولا يصح عود الضمير إلى مجموع ما ذكر بتأويله بالمذكور؛ لأن المجموع لا يقيد بواحد من المذكورات، ولا إلى أحد المذكورات معينا؛ لأن المقيدات لا يتأتى التقييد بها جمعا فى واحد من المذكورات فتعين الأول.

(قوله: ومقام المسند إليه أو المسند أو متعلقاته) نحو: زيد قائم، وقام زيد، وزيدا ضربت، وضاحكا جئت

(قوله: وكذا مقام ذكره) أى: ذكر أحد الثلاثة وهى:

المسند إليه، والمسند، ومتعلقه

(قوله: يباين مقام حذفه) أى: حذف ذلك الأحد نحو:

مريض، جوابا لمن قال: كيف حالك، ونحو: زيد جوابا لمن قال: من فى الدار وإنما فصل بكذا، ولم يقل ومقام ذكره إلخ، لئلا يتوهم عطف مقام ذكره على مقام تأخيره، إن قلت: هذا التوهم يدفعه قوله يباين مقام حذفه، قلت: المراد دفع التوهم من أول الأمر

(قوله: شامل لما ذكرنا) أى: صالح وقابل لذلك وهو المراد، لا ما يفهمه ظاهر اللفظ والمراد بما ذكره كون مباينة مقام التنكير لمقام التعريف، وكون مباينة مقام الإطلاق لمقام التقييد وهكذا

(قوله: وإنما فصل قوله إلخ) أى: ولم يذكر الفصل مع ما تقدم، ويستغنى عن ذكر الوصل تنبيها إلخ أى: ولأن هذا فى الأحوال المختصة بأكثر من جملة بخلاف ما مر فإنه خاص بأجزاء الجملة الواحدة.

(قوله: ومقام الفصل) أى:

والمقام الذى يناسبه الفصل الذى هو ترك عطف بعض الجمل على بعض

(قوله: يباين مقام الوصل) أى: المقام الذى يناسبه الوصل، الذى هو عطف بعض الجمل على بعض

(قوله: على عظم شأن هذا الباب) أى: مبحث الفصل والوصل، لما قيل: إنه معظم البلاغة

ص: 233

وإنما لم يقل: مقام خلافه؛ لأنه أخصر، وأظهر؛ لأن خلاف الفصل إنما هو الوصل، وللتنبيه على عظم الشأن فصل قوله:(ومقام الإيجاز يباين مقام خلافه) أى: الإطناب والمساواة (وكذا خطاب الذكى مع خطاب الغبى)

===

(قوله: وإنما لم يقل إلخ) أى: ليوافق السوابق أعنى قوله: فمقام كل إلخ، والحاصل أن الأصل فى الشىء أن يذكر صريحا، فترك ذلك الأصل فى السوابق خوفا من التطويل، وخالف هنا السوابق لما ذكره من الأخصرية والظهور، لكن ما ذكره من الأخصرية فيه نظر؛ لأنه إن نظر إلى عدد الكلمات كان كل منهما كلمتين؛ لأن خلافه مضاف ومضاف إليه، والوصل كلمتان: أل المعرفة ومدخولها، وإن نظر لعدد الحروف فكل منهما خمسة أحرف، وحاصل الجواب أنا نلتفت لعدد الحروف، ولا نسلم أن الوصل حروفه خمسة، بل أربعة؛ لأن همزته وصلية تسقط فى الدرج أو نلتفت لعدد الكلمات، ولا نسلم أن الوصل كلمتان، بل كلمة واحدة؛ لأن حرف التعريف منه كالجزء.

(قوله: لأن خلاف إلخ) علة للأظهرية، وبيان ذلك: أن خلاف الفصل لما كان فى الواقع منحصرا فى الوصل كان ذكر الخلاف بلفظ الوصل معينا له، بحيث لا احتمال معه بخلاف لفظ الخلاف، فإنه يوهم أن خلاف الفصل أهم من الوصل

(قوله: وللتنبيه على عظم الشأن) أى: عظم شأن مبحث الإيجاز وما معه فصل إلخ أى: أنه إنما لم يذكر الإيجاز مع ما قبله، بل فصله لأجل التنبيه على عظم شأنه، أى: ولكونه ليس خاصّا بأحوال أجزاء الجملة ولا بالجمل بخلاف ما قبله

(قوله: ومقام الإيجاز) أى:

والمقام الذى يناسبه الإيجاز، أى: إقلال اللفظ

(قوله: أى الإطناب) هو الزيادة على أصل المراد لفائدة

(قوله: والمساواة) هى التعبير عن المعنى المراد بلفظ غير زائد عليه ولا ناقص عنه

(قوله: وكذا خطاب الذكى إلخ) أى: مثل الإيجاز وخلافه، فى كونهما متباينى المقام خطاب الذكى مع خطاب الغبى فى كونهما متباينى المقام، فاسم الإشارة راجع للأمور المذكورة التى لها تلك المقامات المتقدمة، ووجه الشبه التباين فى المقامات، ويحتمل أن المعنى: ومثل مقام الإيجاز ومقام خلافه فى التباين مقام الخطاب الذكى مع مقام خطاب الغبى، فحاصله المقامين بالمقامين فى التباين، وعلى هذا فلفظ مقام مقدر فى

ص: 234

فإن مقام الأول يباين مقام الثاني؛ فإن الذكى يناسبه من الاعتبارات اللطيفة

===

كلام المصنف، وقد أشار الشارح إلى ذلك الاحتمال بقوله: فإن مقام الأول إلخ وعلى كلا الاحتمالين فإضافة خطاب للذكى والغبى من إضافة المصدر لمفعوله، والمراد بالخطاب ما خوطب به سواء أريد به الخصوصيات، أو الكلام المشتمل عليها، والمقام الداعى لذلك هو الذكاء والغباوة، وإنما فصل هذا عما قبله بكذا، ولم يقل: ومقام خطاب الذكى يباين مقام خطاب الغبى، مع أن هذا كالذى قبله: لا يختص بأجزاء الجملة ولا بالجملتين فصاعدا اختصارا؛ لأن كذا ولفظ مع أخصر من مقام مرتين، ولفظ يباين.

وعلم من هذا أن مقام خطاب الذكى، ومقام خطاب الغبى مثل ما قبلهما فى أنهما من متعلقات علم المعاني؛ لأن المقامات إنما يبحث عن مقتضياتها فيه.

وقول بعضهم: إنما فصل بكذا؛ لأن الأول من متعلقات علم المعاني، والثانى من متعلقات علم البيان؛ لأن الغبى إنما يخاطب بالحقائق، والذكى بالمجازات، ففيه نظر؛ لأن الذى هو من متعلقات علم البيان كيفية دلالة اللفظ على المعنى المراد من كونه مجازا أو كناية، بقطع النظر عن اقتضاء الحال والمقام لذلك، والكلام هنا فيهما من حيث اقتضاء الحال لهما، ومما يدل على بطلان ذلك القيل، قول المصنف: بعد ولكل كلمة إلخ، فإن هذا من تعلقات علم المعاني، والأصل جريان الكلام على وتيرة واحدة، ثم إنه كان الأولى للمصنف أن يذكر مع الغبى الفطن، بأن يقول: وكذا خطاب الفطن مع خطاب الغبى؛ وذلك لأن القوة المعدة لاكتساب الآراء المسماة بالذهن، إما سريعة أو لا فسرعتها ذكاء وصاحبها ذكى، وعدم سرعتها بلادة وصاحبها بليد، ثم إن السريعة تارة يكون لها جودة وحسن فى تهيئها لحصول ما يرد عليها من الغير، وتارة لا يكون لها ذلك، فإن كان الأول فهى فطانة وصاحبها فطن أيضا، وإن كان الثانى فغباوة وصاحبها غبى.

فعلم أن الغباوة تجامع الذكاء، وحينئذ فلا يحسن المقابلة، وأجيب عن المصنف بأنه أطلق العام وهو الذكى وأراد الخاص وهو الفطن بقرينة المقابلة بالغبى، واعلم أن هذا

ص: 235

والمعانى الدقيقة الخفية ما لا يناسب الغبى (ولكل كلمة مع صاحبتها) أى: كلمة أخرى مصاحبة لها (مقام) ليس لتلك الكلمة مع ما يشارك تلك المصاحبة

===

الإيراد مبنى على اصطلاح اللغويين فى الذكاء والفطنة من تغايرهما، لا على المعنى العرفى من اتحادهما

(قوله: والمعانى الدقيقة) عطف مرادف لأن المراد بالاعتبارات المعتبرات

(قوله: ولكل كلمة) أى: كالفعل، وقوله: مع صاحبتها أى مع الكلمة المصاحبة لها أى التى ذكرت وجمعت معها فى كلام واحد، وذلك كإن الشرطية.

قال الشارح فى شرح المفتاح: ولفظ مع متعلق بالظرف الواقع خبرا مقدما عليه، أعنى: لكل كلمة، أو بمضاف محذوف أى: ولوضع كل كلمة مع صاحبتها أ. هـ.

قال عبد الحكيم: وإنما لم يجعله صفة لكلمة أو حالا منها؛ لأن المقام ليس للكلمة الكائنة مع صاحبتها، أو حال كينونتها معها، بل كائن الكلمة وصاحبتها، فتدبره فإنه دقيق

(قوله: ليس لتلك الكلمة) أى: ليس ذلك المقام ثابتا لتلك الكلمة المصاحبة بالفتح وهى الفعل، وقوله: مع ما أى: مع كلمة مثل إذا تشارك تلك الكلمة الكلمة المصاحبة بالكسر وهى إن فى أصل المعنى، وهذا الحصر الذى أشار له الشارح بقوله ليس إلخ: مستفاد من تقديم المصنف للخبر، فكأنه قيل المقام مقصور على الكلمة مع صاحبتها لا يتجاوزها إلى الكلمة مع غير صاحبتها، وحاصل كلامه أن الفعل الذى قصد اقترانه بأداة الشرط له مع إن مقام ليس ذلك المقام ثابتا له مع إذا فله مع إن مقام وهو الشك، وله مع إذا مقام وهو الجزم والتحقيق، ويوضح لك هذا قوله تعالى: فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ (1) والمراد بالحسنة الخصب والرخاء، والمراد بالسيئة الجدب والبلاء ولما كان مجىء الحسنة مجزوما بحصوله؛ لأن المراد مطلق حسنة بدليل التعريف بأل الجنسية جىء فى جانبه بإذا، ولما كان وقوع السيئة مشكوكا فيه لكونه نادرا بالنسبة للحسنة المطلقة- والنادر مما يشك فيه لكونه غير مقطوع به فى الغالب- جىء فى جانبه بإن- والحاصل أن إن وإذا اشتركا

(1) الأعراف: 131.

ص: 236

فى أصل المعنى؛ مثلا: الفعل الذى قصد اقترانه بالشرط فله مع إن مقام ليس له مع إذا، وكذا لكل من أدوات الشرط مع الماضى مقام ليس له مع المضارع؛ وعلى هذا القياس.

===

فى أصل المعنى وهو الشرط والتعليق وللفعل مع الأولى مقام ليس ثابتا له مع الثانية، فإن قلت: كما أن للفعل مع إن مقاما ليس له مع إذا، كذلك أداة الشرط لها مع الفعل الماضى مثلا مقام ليس لها مع الفعل المضارع، فكان على المصنف أن يقول: ولصاحبتها أيضا معها مقام ليس ثابتا للكلمة مع ما يشارك الكلمة الأولى فى أصل المعنى المراد، وأجيب بأن المصنف ترك ذلك لعلمه بالمقايسة، أو يقال: إن كلام المصنف صادق بذلك؛ لأن الكلمة لم تعين بكونها الأولى أو الثانية، فكل منهما صادق عليه أنه كلمة مع صاحبتها.

(قوله: فى أصل المعنى) أى: لا فى جميعه فيكون بين الكلمتين تغاير فى المعنى فى الجملة: كإن وإذا فإنهما اشتركا فى أصل المعنى وهو الشرط، واختلفا فى أن الأولى للشك، والثانية للتحقق، وكذا الماضى والمضارع، فإنهما اشتركا فى الدلالة على الحدث والزمن، واختلفا فى أن الأول للزمان الماضى، والثانى للحال أو الاستقبال، وإنما قيد بالمشاركة فى أصل المعنى ليخرج المترادفين، كما لو اشتركا فى جميع المعنى: ك (ما) و (مهما)، فإن كلّا منهما لما لا يعقل، فمقام الفعل مع (ما) هو عين مقامه مع (مهما)

(قوله: اقترانه بالشرط) أى: بأداة الشرط فهو على حذف مضاف، فاندفع ما يقال إن الفعل فى نحو: إن ضربت نفس الشرط، فيلزم اقتران الشىء بنفسه، أو يقال: لا حذف وأريد من المشترك أحد معانيه؛ لأن الشرط يقال بالاشتراك على فعل الشرط وأداته وعلى التعليق، ولك أن تقدر فعل الشرط أى: فالفعل الذى قصد اقترانه بفعل الشرط ويراد بذلك الفعل الذى قصد اقترانه الجزاء ولا إشكال، أفاده عبد الحكيم.

(قوله: فله مع إن) خبر الفعل الواقع مبتدأ، وإنما قرن الخبر بالفاء مع أن المبتدأ ليس عاما لوصفه بالعام وهو الموصول

(قوله: وكذا لكل إلخ) ما تقدم بيان لمقام الفعل مع الأداة، وهذا بيان لمقام الأداة مع الفعل، وقوله: مع الماضى مقام هو إظهار غلبة وقوعه، وأما مقام الشرط مع المضارع فهو إظهار الاستمرار التجددى

(قوله: وعلى هذا القياس)

ص: 237

(وارتفاع شأن الكلام فى الحسن والقبول

===

مبتدأ أو خبر، أو القياس مفعول لمحذوف أى: وأجر القياس على هذا بحيث تقول للفعل مع هل الاستفهامية مقام ليس له مع غيرها من أدوات الاستفهام، وللمسند إليه مع المسند الفعلى: كزيد قام أبوه مقام ليس له مع المسند الاسمى كزيد أبوه قائم؛ لأن مقامه حينئذ إفادة الثبوت ومقامه مع الأول إفادة التجدد، وكذلك المسند إليه له مقام مع المسند إذا كان جملة فعلية، أو اسمية، أو شرطية، أو ظرفية، ليس مع المسند إذا كان مفردا، وله أيضا مع المسند السببى نحو: زيد قام أبوه مقام غير المقام الذى له مع المسند الفعلى نحو: زيد قام، فإن قلت: كيف هذا القياس مع أنه قد قيد بالمشاركة فى أصل المعنى ولا مشاركة بين المسند الفعلى والاسمى، مثلا قلت: إنما قيد بالمشاركة لغرابة صورتها واحتياجها للبيان وانفهام حال ما سواها منها؛ وذلك لأنه يفهم من ذلك القيد بالطريق الأولى أنه ليس للكلمة هذا المقام مع ما لم تشارك تلك المصاحبة فى أصل للمعنى، أفاده العلامة السمرقندى (1) والقرمى فى حاشيتهما على المطول.

بقى شىء آخر، وهو أن قول المصنف: ولكل كلمة مع صاحبتها مقام صادق بما ذكره الشارح من الصورتين وبما ذكرناه بالقياس عليهما إذ المراد بالمصاحبة الكلمة الحقيقية أو ما فى حكمها: كالجملة، وحينئذ فيرد عليه أن قوله: ولكل كلمة مع صاحبتها إلخ: قد علم من قوله سابقا، فمقام كل من التنكير إلخ، وذلك لإفادته أن للكلمة المصاحبة للتنكير مقاما يباين مقامها إذا كانت مصاحبة للتعريف وكذا الباقى وحينئذ فما الفائدة فى التكرار وحاصل الجواب أن ما تقدم بيان لما يفيد المزايا والخواص لا بمجرد الوضع، وهذا بيان لما يفيدها بالوضع فلا تكرار

(قوله: وارتفاع شأن الكلام) أى: حاله وهو عطف على قوله وهو مختلف من عطف الجمل، والغرض منهما بيان تعدد مراتب البلاغة وكون بعضها أعلى من بعض، ثم تعيين أعلاها وأسفلها، وقوله فى

(1) هو أبو القاسم بن أبى بكر الليثى السمرقندى عالم بفقه الحنفية- أديب له كتب منها" الرسالة السمرقندية"" مستخلص الحقائق شرح كنز الدقائق" و" حاشية على المطول" فى البلاغة و" شرح الرسالة العضدية" للجرجانى فى الوضع- توفى رحمه الله 888 هـ. انظر الأعلام (5/ 173).

ص: 238

بمطابقته للاعتبار المناسب وانحطاطه) أى: انحطاط شأنه (بعدمها) أى: بعدم مطابقته للاعتبار المناسب، والمراد بالاعتبار المناسب الأمر الذى اعتبره المتكلم مناسبا بحسب السليقة، أو بحسب تتبع خواص تراكيب البلغاء؛ يقال اعتبرت الشىء إذا نظرت إليه

===

الحسن أى: بالنظر لحسنه الذاتي، وقوله: والقبول أى: بالنظر للسامع من البلغاء، وهو عطف لازم على ملزوم، واحترز بقوله فى الحسن على ارتفاعه فى غير ذلك الباب:

كالترغيب والترهيب، فإن ارتفاعه فيه بكثرة التأثير وقلته.

(قوله: بمطابقته للاعتبار المناسب) أى: باشتماله على الأمر المعتبر المناسب لحال المخاطب، فكلما كان الاشتمال أتم وكان المشتمل عليه أليق بحال المخاطب كان الكلام فى مراتب الحسن فى نفسه والقبول عند البلغاء أرفع وأعلى، وكلما كان أنقص كان أشد انحطاطا وأدنى درجة وأقل حسنا وقبولا، فالقبول عند البلغاء بقدر المطابقة للاعتبار المناسب، والانحطاط بقدر عدم المطابقة.

فالطرف الأسفل من البلاغة ارتفاعه على الكلام الذى تحته وهو الملتحق بأصوات الحيوانات، وحصول أصل الحسن له بقدر مطابقته للاعتبار المناسب وانحطاطه والتحاقه بالأصوات بعدم ذلك القدر

(قوله: والمراد بالاعتبار إلخ) أشار بذلك إلى أن المصنف أطلق المصدر وأراد اسم المفعول، واختار هذه العبارة للتنبيه على أن الاعتبار للزومه لذلك الأمر المناسب صار الأمر المناسب كأنه نفس الاعتبار، والمراد بالأمر المعتبر الخصوصيات: كالتأكيد مثلا، وعليه فمعنى المطابقة: الاشتمال، وقوله اعتبره المتكلم مناسبا أى: لحال المخاطب

(قوله: بحسب السليقة) أى: الطبيعة وهذا إذا كان المتكلم من العرب الغرباء وهو متعلق (باعتبره)

(قوله: أو بحسب تتبع خواص تراكيب البلغاء) أى: إذا كان المتكلم من غيرهم سواء كان التتبع بواسطة أو بغير واسطة، فالأول كالأخذ من القواعد المدونة، فإن تلك القواعد مأخوذة من التتبع والأخذ منها أخذ بواسطة.

والثاني: كتتبعها حال كونها غير مدونة

(قوله: يقال اعتبرت إلخ) هذا دليل من اللغة لقوله والمراد بالاعتبار إلخ، وقوله: اعتبرت الشىء أى: كالتأكيد، وقوله: إذا نظرت

ص: 239

وراعيت حاله. وأراد بالكلام الكلام الفصيح، وبالحسن الحسن الذاتى

===

إليه أى: بأن أتيت به فى الكلام

(قوله: وراعيت حاله) أى: الأمر الداعى إليه وهو الإنكار مثلا، وعطف هذا على ما قبله من عطف السبب على المسبب؛ لأن مراعاة الحال كالإنكار سبب للإتيان بالتأكيد مثلا

(قوله: وأراد إلخ) هذا جواب عما أورد على كل من المقدمتين فى قول المصنف (وارتفاع إلخ)، وحاصل ما أورد الأولى أن ارتفاع شأن الكلام فى الحسن والقبول إنما هو بكمال المطابقة وزيادتها، لا بأصل المطابقة كما هو ظاهره؛ لأن الحاصل بأصل المطابقة إنما هو الحسن لا الارتفاع فيه، وحاصل ما أورد على الثانية أن الانحطاط فى الحسن يكون بعدم كمال المطابقة لا بعدمها من أصلها كما هو ظاهره؛ لأن الانحطاط فى الحسن يقتضى ثبوت أصل الحسن، وهو إنما يكون بالمطابقة وإذا انتفت المطابقة انتفى الحسن بالكلية فلا يتم قوله والانحطاط فى الحسن بعدم المطابقة، وحاصل ما أجاب به الشارح أن المراد بالكلام فى قوله وارتفاع شأن الكلام إلخ: الكلام الفصيح، فأصل الحسن ثبت له بالفصاحة، فارتفاع ذلك الحسن يكون بالمطابقة وانحطاطه بعدمها، لكن هذا الجواب لا يوافق كلام المصنف الآتى من أن الكلام الغير المطابق للاعتبار المناسب ملتحق بأصوات الحيوانات إلا أن يقال التحاقه بها من حيث عدم مراعاة الخواص وهذا لا ينافى بقاء حسنه من حيث الفصاحة، ويمكن أن يراد بالكلام فى كلام المصنف الكلام البليغ، وتجعل الإضافة فى المطابقة للجنس، ولا شك أن ارتفاع الكلام البليغ فى الحسن بجنس المطابقة الموجود فى النوع الكامل كما أن أصل الحسن الموجود فى الفرد الناقص بذلك الجنس الموجود فى النوع الغير الكامل، وكذلك إضافة عدم للجنس والمعنى والانحطاط بجنس عدم المطابقة الصادق بالمراد وهو عدم كمال المطابقة، ويمكن الجواب أيضا بأن الإضافة للكمال أى: ارتفاع الكلام البليغ بالمطابقة الكاملة وانحطاطه بعدم تلك المطابقة الكاملة

(قوله: وبالحسن الحسن الذاتي) جواب عما يقال إن قوله: وارتفاع شأن الكلام فى الحسن بمطابقته إلخ لا يتم؛ لأن ارتفاع شأنه فى الحسن إنما هو لاشتماله على المحسنات البديعية لا بالمطابقة المذكورة، وحاصل الجواب أن المراد بالحسن: الحسن الذاتى

ص: 240

الداخل فى البلاغة دون العرضى الخارج؛ لحصوله بالمحسنات البديعية (فمقتضى الحال هو الاعتبار المناسب) للحال والمقام يعنى: إذا علم أن ليس ارتفاع شأن الكلام الفصيح فى الحسن الذاتى إلا بمطابقته للاعتبار المناسب-

===

الحاصل بالبلاغة، ولا شك أن ارتفاعه إنما هو بالمطابقة المذكورة، لا الحسن العرضى الذى يحصل بالمحسنات البديعية.

واعلم أن المحسنات البديعية إنما يكون تحسينها عرضيا إذا اعتبرت من حيث إنها محسنة، وهى من هذه الجهة يبحث عنها فى علم البديع، وأما إذا اعتبرت من حيث إنها مطابقة لمقتضى الحال لكون الحال اقتضاها كانت موجبة للحسن الذاتي، ومن هذه الجهة يبحث عنها فى علم المعاني، ولهذا ذكر المصنف فيه الالتفات الذى هو من المحسنات البديعية.

(قوله: الداخل فى البلاغة) أى: فى بابها فيشمل الحسن الناشىء من الفصاحة والناشىء من البلاغة، فلا ينافى قوله الداخل فى البلاغة ثبوت أصل الحسن للذات بالفصاحة كما يفيده جواب الشارح عن الاعتراض على مقدمتى المصنف كما مر

(قوله: هو الاعتبار المناسب)(هو) ضمير فصل مفيد للحصر أى: هو الاعتبار المناسب لا غير، وقوله الاعتبار المناسب للحال والمقام أى: كالتأكيد والتنكير والإطلاق والذكر والحذف إلخ، أو الكلام الكلى المكيف بما ذكر فى الذهن بناء على ما مر للشارح من التقريرين، والأول هو صريح كلام المفتاح.

(قوله: يعنى إلخ) فى هذه العناية إشارة لشيئين:

الأول منهما: أن الفاء للتفريع على ما سبق فى قوله: وارتفاع إلخ، وعلى مقدمة معلومة فيما بينهم، وليست معلومة من كلام المصنف، فحذفها للعلم بها، وإنما لم يجعلها للتعليل بحيث يكون ما بعدها علة لما قبلها لأمرين:

الأول: أن مجيئها للتفريع أكثر من مجيئها للتعليل. الأمر الثاني: أن المناسب حينئذ قلب العبارة بأن يقول: فالاعتبار المناسب هو مقتضى الحال، فيجعل الاعتبار المناسب هو المحكوم عليه، ومقتضى الحال هو المحكوم به؛ لأن الاعتبار المناسب هو المحدث

ص: 241

على ما تفيده إضافة المصدر،

===

عنه، ولأجل أن تكون هذه العلة ردا لما ورد على المقدمة الأولى: أعنى قوله: وارتفاع شأن الكلام إلخ، من أنه مخالف لما ذكره القوم من أن الارتفاع بالمطابقة لمقتضى الحال.

الشىء الثاني: أن قوله فمقتضى الحال: نتيجة لقياس من الشكل الثالث مركب من مقدمتين، صغراهما معلومة من كلام القوم، تركها المصنف للعلم بها، وكبراهما مذكورة فى كلامه، وتقريره أن يقال: ارتفاع شأن الكلام بمطابقته لمقتضى الحال، وارتفاع شأن الكلام بمطابقته للاعتبار المناسب ينتج المطابقة لمقتضى الحال هى المطابقة للاعتبار المناسب- كذا قيل، لكن هذا لا ينتج عين المدعى، وإن كان يستلزمه، وهو أن مقتضى الحال هو عين الاعتبار المناسب (1)، والذى ينبغى أن يجعل كلام الشارح إشارة إلى قياس من الشكل الأول أشير إلى صغراه بالمقدمة المعلومة، لا أنها عينها، وإلى كبراه بما قاله المصنف، لا أنه عينها، ونظمه مقتضى الحال شىء يرتفع بمطابقته الكلام، وكل شىء يرتفع بمطابقته الكلام اعتبار مناسب للحال ينتج مقتضى الحال، وهو الاعتبار المناسب، وفائدة هذا التفريع التنبيه على أن مقتضى الحال معناه مناسب الحال، لا موجبه الذى يمتنع أن يتخلف عنه كما يقتضيه لفظ مقتضى، وإنما أطلق عليه لفظ المقتضى للتنبيه على أن المناسب للمقام فى نظر البلغاء كالمقتضى الذى يمتنع انفكاكه.

(قوله: على ما تفيده) أى: بناء على ما تفيده، وهذا جواب عما يقال الحصر المذكور غير معلوم من كلام المصنف، بل المعلوم منه أن الارتفاع يحصل بالمطابقة، وأما حصوله بغيرها وعدم حصوله فهو مسكوت عنه، وحاصل الجواب أنا لا نسلم أنه غير معلوم من كلامه، بل هو معلوم منه من إضافة المصدر وهو ارتفاع لما بعده، وذلك لأنه مفرد مضاف لمعرفة فيعم، والعموم فى هذا المقام يستلزم الحصر؛ لأن المعنى كل ارتفاع فهو بالمطابقة، وإذا كان كل ارتفاع حاصلا بالمطابقة فلا يمكن ارتفاع بدونها، إذ لو حصل ارتفاع بغيرها لما صدق أن كل ارتفاع حاصل بها، ثم اعلم أن إفادة العموم للحصر هنا لا تظهر إلا إذا كانت الباء فى قوله: وارتفاع شأن الكلام بمطابقته للسببية

(1) وهذا الذى يسميه الشيخ عبد القاهر فى دلائل الإعجاز بالنظم.

ص: 242

ومعلوم أنه إنما يرتفع بالبلاغة التى هى عبارة عن مطابقة الكلام الفصيح لمقتضى الحال- فقد علم أن المراد بالاعتبار المناسب ومقتضى الحال واحد

===

القريبة بأن يكون مدخولها سببا تاما ليس معه سبب آخر؛ لأن السبب القريب لا يتعدد، وأما لو كانت لمطلق السببية بأن لا يكون هناك سبب آخر، فإن كان الحصر حقيقيا بمعنى: أن الارتفاع يحصل بهذا السبب لا بغيره أصلا فاستلزام العموم للحصر باطل؛ لأن الفرض أن الباء لمطلق السببية المقتضى لوجود سبب آخر، وإن كان الحصر إضافيا بمعنى أن الارتفاع يحصل بهذا السبب الذى هو المطابقة لا بعدمه أى: عند انتفائه، فلا ينافى أنها تحصل بسبب آخر صح استلزام العموم للحصر، ولكن لا يستلزم الاتحاد ولا المساواة بين مقتضى الحال والاعتبار المناسب، بل يصح الحصران مع التباين بين السببين من غير تناقض

(قوله: ومعلوم) أى: من كلامهم من خارج، وهذه صغرى القياس التى حذفها المصنف للعلم بها، وقوله فقد علم جواب إذا أى: فقد علم من هاتين المقدمتين المعلومة من كلامهم، وهى ارتفاع شأن الكلام بمطابقته لمقتضى الحال، والتى ذكرها المصنف وهى ارتفاع شأن الكلام بمطابقته للاعتبار المناسب، فالتفريع عليهما، وهذا التفريع هو عين نتيجة القياس كما تقدم، ثم إن قول الشارح: فقد علم أن المراد بالاعتبار المناسب ومقتضى الحال واحد يحتمل أن المراد اتحادهما فى المصداق وفى المفهوم، فمفهوم كل منهما الخصوصيات، أو الكلام الكلى المكيف فى الذهن بالخصوصيات، وحينئذ فيكونان مترادفين كالإنسان والبشر، ويحتمل أن المراد اتحادهما فى الماصدق فقط، وحينئذ فيكونان متساويين: كالإنسان والكاتب، وعلى كل من الاحتمالين يصدق الحصران، نظير قولك: لا ناطق إلا الإنسان، ولا ناطق إلا البشر، فالحصران صحيحان لوجود الترادف بين الإنسان والبشر، وكذلك إذا قلت: لا ناطق إلا الإنسان، ولا ناطق إلا الكاتب، ولا ناطق إلا البشر، فالحصران صحيحان لوجود الترادف بين الإنسان والبشر، وكذلك إذا قلت: لا ناطق إلا الإنسان، ولا ناطق إلا الكاتب، فالحصران صحيحان لوجود التساوى بين الإنسان والكاتب، فالحاصل أن صدق المقدمتين يحصل بأحد الأمرين اتحاد الاعتبار المناسب، ومقتضى الحال أو تساويهما،

ص: 243

وإلا لما صدق أنه لا يرتفع إلا بالمطابقة للاعتبار المناسب، ولا يرتفع إلا بالمطابقة لمقتضى الحال؛

===

فحمل الاتحاد على تعيين واحد ليس بلازم

(قوله: وإلا لما صدق إلخ) فى قوة قوله وإلا لما صدق الحصران أى: وإلا بأن لم يكن بينهما اتحاد، بل كان بينهما تباين كلى كالإنسان والفرس، أو تباين جزئى وهو العموم والخصوص الوجهى: كالإنسان والأبيض، أو عموم وخصوص مطلق: كالإنسان والحيوان لما صدق الحصران أى: قولنا لا ارتفاع إلا بالمطابقة لمقتضى الحال، وقولنا: لا ارتفاع إلا بالمطابقة للاعتبار المناسب، بل لا بد من كذب أحدهما على تقدير العموم والخصوص المطلق؛ لأنه يكون الحصر فى الأخص فاسدا، والحصر فى الأعم صادقا، بيان ذلك أن كل حصر محتو على جزأين إيجابى وسلبى، والأول ينحل إلى قضية موجبة، والثانى لقضية سالبة، والجزء الإيجابى فى كل حصر مقرر عند القوم؛ لأنه المعتبر أولا فى الحكم والمنظور له ابتداء، والمعرض للابطال هو الجزء السلبى، فإذا كان بين الحصرين عموم وخصوص مطلق كان الجزء الإيجابى للحصر فى الأعم منافيا للجزء السلبى للحصر فى الأخص، والجزء الإيجابى للحصر فى الأخص لا ينافى الجزء السلبى للحصر فى الأعم حتى يتطرق للحصر فى الأعم البطلان، فلذلك كان الباطل الحصر فى الأخص على تقدير أن يكون بين الحصرين العموم والخصوص المطلق، يوضح ذلك قولك: لا يباع إلا الحيوان، فهذه قضية كلية عامة، ولا يباع إلا الإنسان، فهو فى قوة كل فرد، فرد من أفراد الإنسان يباع ولا يباع غيره، ولا شك أن هذه السالبة أعنى: لا يباع غيره، تكذبها القضية الكلية العامة القائلة:

كل فرد من أفراد الحيوان يباع لإفادتها بيع غير الإنسان من الحيوان كالفرس، والموجبة المذكورة معلومة الصدق فما خالفها يكون كاذبا، وما استلزم الكاذب من حصر الأخص فهو كاذب، ويكذب الحصران معا إذا كان بينهما تباين كلى؛ لأن القضية الموجبة المأخوذة من أحدهما تناقض السالبة المأخوذة من الآخر، مثلا إذا قلت لا يباع إلا الحمار هذا فى قوة كل فرد، فرد من أفراد الحمار يباع ولا يباع الفرس ولا غيره، وإذا قلت: لا يباع إلا الفرس فهو فى قوة كل فرد من أفراد الفرس يباع ولا يباع

ص: 244

فليتأمل (1).

===

الحمار ولا غيره، فالموجبة من كل تنافى السالبة من الأخرى، وما نافى الصادق كاذب، فما تضمنه واستلزمه من الحصر كاذب وكذا يكذب الحصران معا إذا كان بينهما تباين جزئي، فإن الأخص ينافى الأعم وكل منهما أخص من جهة، فإن قلت: لا يباع إلا الحيوان كان فى قوة كل فرد من أفراد الحيوان يباع ولا يباع فرد من غيره ولو كان أبيض، وإذا قلت لا يباع إلا الأبيض كان فى قوة كل فرد من أفراد الأبيض يباع ولو غير حيوان ولا يباع غيره ولو حيوانا، فسالبة الأول تنافى موجبة الثانى وكذلك العكس، وما نافى الصادق كاذب، فكذلك ما استلزمه من الحصر، أفاد ذلك شيخنا العلامة العدوى، عليه سحائب الرحمة والرضوان.

(قوله: لما صدق الحصران) أى: لكن التالى باطل؛ لأن الغرض صدقها فبطل المقدم وهو عدم ثبوت اتحادهما فثبت نقيضه وهو ثبوت اتحادهما وهو المطلوب.

وفى كلام الشارح تسمح حيث أدخل اللام فى جواب إن، وهى إنما تدخل على جواب (لو)، فكأنه أعطى (إن) حكم (لو)؛ لأنها أختها فى التعليق وقد وقع له ذلك كثيرا ولغيره من المصنفين

(قوله: فيتأمل) أمر بالتأمل لإمكان أن يقال إن قوله:

وإلا لما صدق الحصران فيه نظر، بل قد يصدق الحصران مع عدم اتحادهما، كما لو كان بينهما عموم وخصوص مطلق؛ لأن الحصر فى العام لا يستلزم ثبوت الحكم لجميع الأفراد، بل غاية ما يفيد أن هذا الحكم لا يخرج عن هذا العام وعدم خروج الحكم عن العام لا يقتضى عموم الحكم لجميع الأفراد، مثلا إذا قيل: لا يباع إلا الحيوان، يمكن أن يراد بالحيوان: الجنس المتحقق فى الإنسان، ولا يراد كل فرد من أفراد الحيوان، وحينئذ فلا يكون هذا منافيا لقولنا: لا يباع إلا الإنسان، وكذلك لو كان بينهما تباين جزئى قد يصدق الحصران؛ لأنه لا يلزم عموم الحكم لجميع الأفراد فى الحصر، فيجوز أن يتحقق الحصران فى فرد هو محل الاجتماع، بأن يراد الحيوان فى قولنا: لا يباع إلا الحيوان إنسان أبيض، ويراد بالأبيض فى قولنا: لا يباع إلا الأبيض، إنسان أبيض، وليس

(1) انظر دلائل الإعجاز ص 163.

ص: 245

(فالبلاغة) صفة (راجعة إلى اللفظ)

===

بلازم أن يراد بالحيوان وبالأبيض جميع أفرادهما، وقد يجاب بأن الملحوظ فى الحصرين وهما، لا ارتفاع لشأن الكلام إلا بالمطابقة لمقتضى الحال، ولا ارتفاع له إلا بمطابقته للاعتبار المناسب ثبوت الحكم لكل فرد، وأن المعنى كل فرد من أفراد الارتفاع لا يكون إلا بالمطابقة المذكورة، لا أن الملحوظ عدم خروج الحكم عن العام، وحينئذ إن لم يتحد الحصران يبطل أحدهما أو كلاهما، وإنما كان الملحوظ فيهما ثبوت الحكم لكل فرد من أفراد العام، لما علمت سابقا من أن اسم الجنس المفرد إذا أضيف لمعرفة ولم تقم قرينة على تخصيصه ببعض ما يصدق عليه كان لاستغراق أفراد الجنس، ولا شك أن كلا من الحصرين محتو على مصدرين: الارتفاع والمطابقة مضافين، فيكون المعنى أن كلا من الارتفاعين لا يحصل إلا بكل من المطابقة للاعتبار والمقتضى.

(قوله: فالبلاغة راجعة إلخ) هذا تفريع على تعريف البلاغة السابق أى: إذا علمت ما تقدم لك من التعريف ظهر لك أن البلاغة صفة راجعة للفظ؛ لأنها على ما علم من التعريف مطابقة الكلام لمقتضى الحال، وظاهر أن المطابقة صفة المطابق فتكون المطابقة راجعة للكلام من رجوع الصفة للموصوف، لكن رجوعها له ليس مع قطع النظر عن معناه، بل رجوعها له باعتبار إفادته المعنى الحاصل بسبب التركيب وهو المعنى الثانى الذى يعتبره البلغاء ويقصدونه، وهى الخصوصيات التى يقتضيها الحال الزائدة على أصل المراد؛ لأنه لو كانت البلاغة صفة راجعة له مع قطع النظر عن المعنى المقصود إفادته، الذى هو المعنى الثانى وهو مقتضى الحال، لتصور معنى البلاغة بدون اعتبار مقتضى الحال، وهو محال.

وغرض المصنف بهذا التفريع دفع ما يتوهم من التناقض فى كلام الشيخ عبد القاهر فى دلائل الإعجاز؛ لأنه تارة يصف اللفظ بالبلاغة، وتارة يصف المعنى بها، وتارة ينفيها عن اللفظ، وتارة ينفيها عن المعنى، وحاصل دفع التناقض أن وصفه المعنى بها مراده المعنى الثانى باعتبار أن المقصود من اللفظ إفادته، ووصفه اللفظ بها باعتبار إفادته ذلك المعنى المقصود، ونفيها عن اللفظ مراده اللفظ المجرد عن المعنى والخصوصيات،

ص: 246

يعنى أنه يقال كلام بليغ، لكن لا من حيث أنه لفظ وصوت، بل (باعتبار إفادته المعنى) أى: الغرض المصوغ له الكلام، (بالتركيب) متعلق بإفادته؛ وذلك لأن البلاغة كما مر

===

ونفيها عن المعنى مراده المعنى الأول للفظ الذى هو مجرد ثبوت المحكوم به للمحكوم عليه، وحينئذ فلا تناقض فى كلام الشيخ

(قوله: يعنى أنه يقال إلخ) حمل الشارح كونها صفة للفظ على معنى كونها محمولة عليه حمل اشتقاق ولم يحمله على معنى كونها قائمة به؛ لأنها مطابقة الكلام لمقتضى الحال، والمطابقة قائمة بالمطابق؛ لأن الحمل على ذلك المعنى لا يناسب قول المصنف باعتبار إلخ؛ لأنه لا حاجة مع قولنا: إن المطابقة لمقتضى الحال معنى قائم بالكلام إلى كون قيامه باعتبار ما ذكر فتأمل.

(قوله: لا من حيث إنه لفظ) أى: ولا من حيث إفادته المعنى الأول الذى هو مجرد النسبة بين الطرفين على أى وجه كان، فإن هذا المعنى مطروح فى الطريق يتناوله الأعرابى والأعجمى والبدوى والقروى فلا ينظر إليه البليغ، وحينئذ فلا يوصف اللفظ من أجل الدلالة عليه بالبلاغة، بل إنما يوصف بها باعتبار إفادته المعنى الثاني، وهو الخصوصية التى تناسب المقام ويتعلق بها الغرض لاقتضاء المقام لها: كالتأكيد بالنسبة للإنكار، وكالإيجاز بالنسبة للضجر، والإطناب بالنسبة للمحبوبية، وكإطلاق الحكم بالنسبة لخلو الذهن، وغير ذلك من الاعتبارات الزائدة على أصل المراد

(قوله: وصوت) عطف عام على خاص، فاللفظ أخص؛ لأنه صوت معتمد على مخرج

(قوله: باعتبار) متعلق براجعة والباء للسببية، وقوله إفادته المعنى أى: المعنى الثانى

(قوله: أى الغرض المصوغ له الكلام) أى: الغرض الذى صيغ الكلام أى: ذكر لأجل إفادته وهو الخصوصيات التى يقتضيها الحال، وهذا تفسير للمعنى الثاني، وإنما سمى ذلك الغرض معنى ثانيا؛ لأن البلغاء ينظرون إليه ويغنونه ويقصدونه ثانيا بعد المعنى المراد.

(قوله: بالتركيب) بيان للواقع لا للاحتراز عن شىء، لاستحالة إفادة معنى يحسن السكوت عليه بدون التركيب

(قوله: متعلق بإفادته) أى: باعتبار إفادته بالتركيب المعنى الثانى

(قوله: وذلك) أى: وبيان ذلك أى: كون البلاغة صفة راجعة للفظ باعتبار

ص: 247

عبارة عن مطابقة الكلام الفصيح لمقتضى الحال، وظاهر أن اعتبار المطابقة وعدمها إنما يكون باعتبار المعانى والأغراض التى يصاغ لها الكلام، لا باعتبار الألفاظ المفردة والكلم المجردة (وكثيرا ما)

===

إفادة المعنى بالتركيب، فقوله: لأن البلاغة علة راجعة للفظ، وقوله: وظاهر إلخ، علة لقوله باعتبار المعنى

(قوله: عبارة عن مطابقة الكلام) أى: فقد أضيفت المطابقة التى هى البلاغة إلى الكلام الذى هو اللفظ، فثبت أنها راجعة للفظ

(قوله: وظاهر أن اعتبار المطابقة إلخ) أما المطابقة فظاهر، وأما عدمها؛ فلأنه لا يسلب شىء عن شىء إلا إذا كان الشىء المسلوب يصح أن يتصف به المسلوب عنه، إذ لا يقال فى الحائط إنها لا تبصر، فظهر أن الكلام لا يتصف بكونه غير مطابق إلا باعتبار المعانى

(قوله: وعدمها) أى: وأن عدمها فهو عطف على اعتبار والضمير راجع لاعتبار المطابقة، وحينئذ فكان الظاهر أن يقول: وعدمه بتذكير الضمير إلا أن يقال إنه اكتسب التأنيث من المضاف إليه مع صحة حذفه، ويصح أن يكون عطفا على المطابقة فالتأنيث حينئذ ظاهر.

(قوله: باعتبار المعاني) أى: الثانوية، وعطف الأغراض على ما قبله مرادف، والمراد بالأغراض التى يصاغ الكلام لها مقتضيات الأحوال وهى الخصوصيات الزائدة على أصل المراد، وقوله باعتبار المعانى أى: وجودا وعدما ليطابق قوله: اعتبار المطابقة وعدمها

(قوله: المفردة) أى: عن اعتبار إفادة المعانى وليس المراد الغير المركبة؛ لأن المطابقة ليست من حيث ذات اللفظ مطلقا مفردا كان أو مركبا، وقوله المجردة أى: عن اعتبار المعنى الثاني، الزائد على أصل المراد، وهذا لا ينافى دلالتها على المعانى الأولية، وحاصل كلامه أن الكلام من حيث إنه ألفاظ مفردة أى: مجردة عن إفادة المعنى الثانوى الحاصل عند التركيب لا يتصف بكونه مطابقا لمقتضى الحال ولا بعدم المطابقة، وأما من حيث اعتبار إفادته لذلك المعنى فيتصف بكونه مطابقا، فقول الشارح: وظاهر أن اعتبار المطابقة وعدمها أى: وظاهر أن اعتبار المطابقة، وأن اعتبار عدم المطابقة إنما يكون إلخ أى: فإن اعتبرناه والتفتنا له من حيث إفادته للمعانى والخصوصيات صح وصفه بكونه مطابقا أو غير مطابق، (وقوله لا اعتبار إلخ) أى: وأما إذا نظرنا إليه من

ص: 248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

حيث كونه ألفاظا، ولم نلتفت له من حيث إفادته للخصوصيات فلا يوصف بالمطابقة ولا بعدمها.

إن قلت: يلزم حينئذ ارتفاع النقيضين أعنى: ارتفاع المطابقة وعدمها وهو محال، قلت: المراد أنه لا يوصف بالمطابقة ولا بعدمها عما من شأنه ذلك، وليس المراد بعدم المطابقة مطلقا، ثم اعلم أن ما ذكرناه من أن المعنى الأول هو ثبوت المحكوم للمحكوم عليه، وأن المعنى الثانى الذى يكون الكلام باعتباره بليغا، ويصاغ لأجله هو:

مقتضى الحال أعنى: الخصوصيات والمزايا، هو ما أفاده ابن قاسم (1)، وابن يعقوب، والشيخ يس، وكذلك هو فى تجريد شيخنا الحفنى (2)، وقرره أستاذنا العدوى، والذى ذكره عبد الحكيم، وبعض حواشى المطول: أن المعنى الأول: هو ما يفهم من اللفظ بحسب التركيب، وهو أصل المعنى مع الخصوصيات من: تعريف وتنكير وتقديم وتأخير وحذف وإضمار، والمعنى الثاني: الأغراض التى يقصدها المتكلم ويصوغ الكلام لأجل إفادتها، وهى أحوال المخاطب التى يورد المتكلم الخصوصيات لأجلها من إشارة لمعهود وتعظيم وتحقير وضجر ومحبوبية وإنكار وشك وغير ذلك، هذا بالنسبة لعلم المعاني، وأما بالنسبة لعلم البيان فالمعانى الأول هى: المدلولات المطابقية مع رعاية مقتضى الحال، والمعانى الثواني: هى المعانى المجازية، أو الكنائية، وذكروا أن دلالة اللفظ على المعنى الأول قد تكون وضعية، وقد تكون عقلية، ودلالته على المعنى الثانى عقلية قطعا، وذلك لأن اللفظ دال على المقتضيات والخصوصيات، وهى آثار للأغراض والآثار تدل على المؤثر دلالة عقلية وبالعرف والعادة، فالدال على المعنى الثاني: هو اللفظ، لكن بتوسط

(1) هو محمد بن قاسم بن محمد بن محمد أبو عبد الله شمس الدين الغزى ويعرف بابن قاسم- فقيه شافعى من مصنفاته" فتح القريب المجيب فى شرح ألفاظ التقريب"، و" حاشية على شرح التقريب" وحاشية على شرح التصريف (مخطوط) علق بها على شرح السعد التفتازانى للتصريف العربى، و" حواشى على حاشية الخيالى" توفى سنة 918 هـ (وانظر الأعلام 7/ 5).

(2)

هو يوسف بن سالم بن أحمد الحفنى فاضل. شاعر من فقهاء الشافعية من مصنفاته: رسالة فى" علم الآداب" و" شرحها" و" حاشية على مختصر السعد"، و" حاشية على شرح الرسالة العضدية" وحاشية على" شرح آداب البحث" وغيرها. توفى سنة 1176 هـ.

ص: 249

نصب على الظرفية؛ لأنه من صفة الأحيان

===

دلالة المعنى الأول، وهذا هو المأخوذ من كلام الشيخ فى دلائل الإعجاز، كما بسطه فى المطول، ويمكن أن يقرر كلام شارحنا بذلك، فيقال قوله بل باعتبار إفادته المعنى أى:

الثانوى، وقوله أى الغرض المصوغ له الكلام أى: وهى أحوال المخاطب من إشارة لمعهود وتعظيم وإنكار وشك، وقوله بعد إنما يكون باعتبار المعانى والأغراض مراده بالمعاني: الخصوصيات، ومراده بالأغراض: الأحوال.

وقوله إنما يكون إلخ أى: لأنه يتسبب عن الأحوال الخصوصيات المتوقف عليها المطابقة، وقوله بعد ذلك المفردة والمجردة أى: عن إفادة المعنى الثاني، وهى الأغراض السابقة الحاصلة عند التركيب

(قوله: نصب) أى: هو منصوب، أو ذو نصب، أو يقرأ فعلا مبنيا للمفعول

(قوله: على الظرفية) أى: لأجل الظرفية أى لأجل كونه ظرفا والمراد زمانيا

(قوله: لأنه) أى: هنا من صفة الأحيان أى: الأزمان، وكما أن اسم الزمن ينصب على الظرفية، فكذا صفته، ثم لا يخفى عليك أنه ليس المراد أن موصوفه الأحيان مقدرا أى: أحيانا كثيرا؛ لأن التأنيث حينئذ واجب، بل المراد أنه كان فى الأصل صفة للأحيان، ثم أقيم مقامها بعد حذفها وصار بمعناها ونصب نصبها، فمعنى وكثيرا: وأحيانا كثيرة، وكان الظاهر أن يقول: من صفة الحين، وعلى هذا فيكون الحين الموصوف مقدرا، وتذكير الوصف حينئذ ظاهر، والمعنى وزمنا كثيرا أى:

ويسمى ذلك الوصف فصاحة فى زمن كثير، فهو مثل قوله تعالى: قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ* (1) أى تشكرون فى زمن قليل، ثم إن قوله لأنه من صفة إلخ: إن أراد الاستدلال على مجرد صحة النصب على الظرفية فمسلم، وإن أراد الاستدلال على وجوبه فممنوع؛ لأنه يمكن أن يكون كثيرا نصبا على المفعولية المطلقة أى: وتسميته كثيرا، إن قلت: إن التسمية وضع الاسم على المسمى وهو شىء واحد لا تعدد فيه ولا تكثر، وحينئذ فلا يصح وصفها بالكثرة، أجيب بأنه على هذا الوجه يراد بالتسمية الإطلاق والاستعمال وهو يتعدد، فصح الوصف بالكثرة، إن قلت على هذا كان مقتضى

(1) المؤمنون: 78، السجدة: 9، الملك:23.

ص: 250