المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌تنبيه حول «تنبيه» - حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - جـ ١

[محمد بن أحمد الدسوقي]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم

- ‌ترجمة جلال الدين القزوينى صاحب" التلخيص

- ‌اسمه ونسبه:

- ‌ولادته ونشأته:

- ‌صفته:

- ‌طلبه للعلم ومشايخه:

- ‌مصنفاته:

- ‌وفاته:

- ‌ترجمة سعد الدين التفتازاني صاحب" مختصر السعد شرح التلخيص

- ‌مولده:

- ‌منزلته وشهرته:

- ‌مصنفاته:

- ‌مذهبه الفقهي:

- ‌عبقرية التفتازاني:

- ‌ذكر وفاته- رحمه الله تعالى

- ‌كتاب" مختصر السعد

- ‌ترجمة محمد بن عرفة الدسوقى صاحب" حاشية الدسوقى

- ‌اسمه وكنيته

- ‌مولده وحياته:

- ‌صفاته:

- ‌شيوخه:

- ‌تلاميذه:

- ‌ وفاته

- ‌مؤلفاته:

- ‌منهج التحقيق

- ‌مقدمة مختصر السعد

- ‌كلمة الافتتاح للدسوقي

- ‌[القول فى البسملة]:

- ‌[القول فى الحمد]:

- ‌[الكلام فى الشكر]:

- ‌[مقدمة فى بيان معنى الفصاحة والبلاغة]:

- ‌[المقدمه ما هي

- ‌ الفصاحة

- ‌[تقسيم الفصاحة بالمفرد والكلام]

- ‌[يوصف المتكلم بالفصاحه كما يوصف بها الكلام]

- ‌[البلاغة]

- ‌[يوصف الكلام والمتكلم بالبلاغه]

- ‌[الفصاحه في المفرد خلوها عن]

- ‌[عن التنافر]

- ‌[الضابط في التنافر]

- ‌[والغرابه]

- ‌[والمخالفة]

- ‌[من الكراهة فى السمع]

- ‌[الفصاحة فى الكلام خلوها عن: ]

- ‌[الضعف]

- ‌[(والتعقيد)]

- ‌بلاغة الكلام

- ‌[تعريف الحال]

- ‌[مقتضى الحال]

- ‌ أعلى

- ‌لبلاغة الكلام (طرفان:

- ‌[أسفل]

- ‌بلاغة المتكلم

- ‌الفن الأول علم المعاني

- ‌[عله تقديمه علي البيان]

- ‌[تعريف علم المعاني]

- ‌[انحصار الخبر فى الصادق والكاذب]:

- ‌تنبيه حول «تنبيه»

- ‌[الباب الاول] (أحوال الإسناد الخبرى):

- ‌[الحقيقة والمجاز العقليان]:

- ‌[المجاز العقلي]:

- ‌[أقسام المجاز العقلي]:

- ‌[[الباب الثانى] أحوال المسند إليه]:

- ‌ ذكر المسند إليه

- ‌‌‌[تعريف المسند اليه]

- ‌[تعريف المسند اليه]

- ‌[أغراض التعريف]:

- ‌[تعريفه بالإضمار]:

- ‌[تعريفه بالعلمية]:

- ‌[تعريفه بالموصولية]:

- ‌[تعريفه بالإشارة]:

- ‌ تعريف المسند إليه باللام

- ‌ تعريف المسند إليه بالإضافة

- ‌[أغراض التنكير]:

- ‌ تنكير المسند إليه

- ‌أغراض الوصف

- ‌[أغراض التوكيد]:

- ‌[أغراض عطف البيان]

- ‌[بيان المسند إليه]:

- ‌[أغراض البدل]:

- ‌[الإبدال من المسند إليه]:

- ‌[أغراض العطف]:

- ‌[العطف على المسند إليه]:

- ‌[أغراض ضمير الفصل]:

- ‌[أغراض التقديم]:

- ‌ تقديم المسند إليه

- ‌[رأى عبد القاهر]:

- ‌[موافقة السكاكى لرأى عبد القاهر]:

- ‌ تأخير المسند إليه

- ‌[تخريج المسند إليه على خلاف مقتضى الظاهر]

- ‌[وضع المضمر موضع المظهر]:

- ‌[إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر]:

- ‌[التعبير بالمستقبل بلفظ الماضى]:

- ‌خاتمة

الفصل: ‌تنبيه حول «تنبيه»

[انحصار الخبر فى الصادق والكاذب]:

[تنبيه] على تفسير الصدق والكذب الذى قد سبق إشارة ما إليه فى قوله: تطابقه أو لا تطابقه:

‌تنبيه حول «تنبيه»

===

(قوله: تنبيه) هو خبر لمحذوف أى: هذا تنبيه، وهو لغة: الإيقاظ، واصطلاحا:

اسم لكلام مفصل لاحق يفهم معناه إجمالا من الكلام السابق

(قوله: على تفسير) متعلق بتنبيه إن أريد منه المعنى اللغوى؛ لأنه مصدر، وإن أريد به المعنى الاصطلاحى فهو كغيره من التراجم جامد ليس فيه معنى الفعل فيجعل (على) بمعنى (في) متعلقة بمحذوف أى: كائن فى تفسير أو على حالها متعلقة بمشتمل أى: مشتمل على مفسرهما- كذا قيل، وقد يقال: إنه يتعين الثاني؛ لأنه وإن كان فى الأصل مصدر، إلا أنه انسلخ عن المصدرية وجعل اسما للألفاظ المخصوصة.

(قوله: الذى قد سبق إشارة ما إليه)(ما) زائدة لتأكيد التقليل أى: الذى قد سبقت الإشارة إليه إشارة خفية ووجه تلك الإشارة أنه قال أولا تطابقه أو لا تطابقه، فأفاد أن الكلام الخبرى إما أن توجد فيه المطابقة أو لا، ولا شك أن المطابقة هى:

الصدق وعدمها هو الكذب، فقد علم مما تقدم ذات الصدق وذات الكذب، وإن لم يعلم تسمية هاتين الذاتين بهذين الاسمين فقد سبق ذكرهما فى الجملة أى: باعتبار ذاتيهما لا باعتبار اسميها، ولذا كانت تلك الإشارة خفية، وأشار الشارح بقوله الذى قد سبق إلى وجه تسمية هذا البحث تنبيها؛ لأن التنبيه ألفاظ يترجم بها عما أشير إليه فى الكلام السابق، فإن قلت: الكلام السابق فيه الإشارة إلى مسند هذا الخبر الذى ذكره فى التنبيه إذ لم يعلم منه إلا المطابقة وعدمها، وأما المسند إليه وهو صدق الخبر وكذبه والنسبة بينهما فلم يعلما مما سبق، والمتعارف جعل التنبيه عنوانا لتفصيل شىء علم من الكلام بداهة أو قريبا من البداهة، ولا يكون الخبر المذكور معلوما مما سبق كذلك، إلا إذا علم سائر أجزائه ولم يعلم هنا إلا المسند فقط، وحينئذ فلا يصح تسمية هذا المبحث بالتنبيه.

قلت: قد أجيب بأن المتعارف استعمال التنبيه فى مقامين.

ص: 317

اختلف القائلون بانحصار الخبر فى الصدق والكذب فى تفسيرهما؛ فقيل:

===

الأول: ما سبق وهو الألفاظ التى يعنون بها عن تفصيل شىء علم إجمالا من الكلام السابق بداهة أو قريبا من البداهة.

الثاني: أن يكون البحث اللاحق معلوما من الكلام السابق إجمالا ولو نظريا وما ذكر هنا من هذا القبيل، فإن قلت: إن الذى عرف مما تقدم إنما هو مذهب الجمهور، وأما مذهب الجاحظ (1) والنظام (2) ودليل كل واحد منهما والرد عليه فلم يعلم مما تقدم لا إجمالا ولا تفصيلا، وحينئذ فجميع ما ذكره فى هذا المبحث لم يعلم مما تقدم فلا وجه لتسميته تنبيها، وأجيب بأن مسمى التنبيه تفسير الصدق والكذب على مذهب الجمهور الذى هو معلوم مما مر، وأما ما ذكر معه فهو مذكور استطرادا زيادة على الترجمة وهى لا تضر، وإلى هذا الجواب يشير قول الشارح: تنبيه على تفسير الصدق والكذب، فإنه يشير إلى خروج الأدلة والاعتراضات عليها عن مسمى التنبيه.

(قوله: اختلف القائلون إلخ) حاصله أن العلماء اختلفوا فى الخبر- هل ينحصر فى الصادق والكاذب؟ وبه قال الجمهور والنظام أو لا ينحصر، بل منه ما ليس بصادق ولا كاذب وبه قال الجاحظ. والقائلون بالانحصار اختلفوا فى تفسير الصدق والكذب، فالجمهور فسروهما بتفسير، والنظام فسرهما بتفسير

(قوله: فى الصدق) أى: فى ذى الصدق وذى الكذب وهو الصادق والكاذب وإنما قدرنا ذلك؛ لأن الخبر ينقسم للصادق والكاذب لا للصدق والكذب؛ لأنهما من أوصافه.

(1) هو العلامة المتبحر أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب البصرى المعتزلى صاحب التصانيف أخذ عن النظام- روى عن أبى يوسف القاضى وثمامة بن أشرس- وروى عنه أبو العيناء، ويموت بن المزرّع ابن أخته- وكان أحد الأذكياء- قال الذهبي: كان ماجنا قليل الدين له نوادر وقال: كان من بحور العلم وتصانيفه كثيرة جدا، قيل: لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته، حتى إنه كان يكترى دكاكين الكتبيين ويبيت فيها للمطالعة وكان داهية فى قوة الحفظ، وللشارح كلام عنه، سيأتى عند حديثه عن انحصار الخبر فى الصدق والكذب وذكر رأى الجاحظ فى ذلك.

وانظر السير (11/ 526) والأعلام (5/ 74).

(2)

هو إبراهيم بن سيار المعروف بالنظام أبو إسحاق، شيخ من شيوخ المعتزلة، توفى بين سنة 221 - 231 هـ.

ص: 318

(صدق الخبر مطابقته) أى: مطابقة حكمه (للواقع) وهو الخارج الذى يكون لنسبة الكلام الخبرى (وكذبه) أى: كذب الخبر (عدمها) أى: عدم مطابقته للواقع؛

===

(قوله: صدق الخبر مطابقته للواقع) لم يذكر المصنف دليله كما صنع في القولين بعده ايهاما لكثرة أدلته واشتهارها بحيث لا يحتاج لذكرها؛ ولأنه بلغ من الظهور إلى حالة لا يحتاج إلى الدليل

(قوله: أى مطابقة حكمه) أشار الشارح بذلك إلى أن فى كلام المصنف حذف مضاف، والحامل له على ذلك أن الخبر عبارة عن اللفظ وهو لا يوصف بالمطابقة للخارج حقيقة والذى يوصف بها إنما هو النسبة الكلامية المفهومة منه وهى ثبوت المحكوم للمحكوم عليه، وانتفاؤه عنه وهى المعبر عنها بالوقوع أو (اللا وقوع) فى كلامهم وهى المرادة بالحكم فى كلام الشارح، وليس المراد به الايقاع والانتزاع

(قوله: للواقع) اللام زائدة للتقوية؛ لأن مادة المطابقة تتعدى بنفسها، والمراد بالواقع النسبة الخارجية الحاصلة بين الطرفين فى الخارج أى: فى الواقع ونفس الأمر بقطع النظر عن الكلام، وليس المراد بالواقع هنا نفس الأمر، وحاصل كلامه أن صدق الخبر مطابقة نسبته الكلامية النسبة الخارجية سواء طابقت الاعتقاد أيضا، كما لو قال السنى: العالم حادث، أو لم تطابق الاعتقاد كما لو قال ذلك الفلسفى

(قوله: وهو الخارج الذى يكون إلخ) أضاف الخارج إلى نسبة الكلام الخبرى؛ لأنه متحد معها بالذات إن كان هناك مطابقة ونقيضها إن لم يكن مطابقة وأشار الشارح بهذا إلى أن الواقع هنا ليس بمعنى نفس الأمر، بل المراد به الخارج المذكور فى قول المصنف سابقا إن كان لنسبته خارج أى: نسبة خارجية، وإنما حمل على الخارج بمعنى النسبة الخارجية لا على نفس الأمر؛ لأن المطابقة ليس بين حكم الخبر ونفس الأمر، بل بين حكم الخبر وما فى نفس الأمر وهو حال الطرفين فى الواقع مع قطع النظر عن النسبة المفهومة من الكلام وهو النسبة الخارجية.

(قوله: أى عدم مطابقته) أى: عدم مطابقة حكمه بمعنى النسبة المفهومة منه للواقع أى: النسبة الخارجية، وذلك كما فى قول الفلسفى: العالم قديم، فهو خبر كاذب

ص: 319

يعنى: أن الشيئين اللذين أوقع بينهما نسبة فى الخبر لا بد وأن يكون بينهما نسبة فى الواقع؛ أى: مع قطع النظر

===

وإن طابق حكمه اعتقاده، وكذلك إذا قاله السنى وإن خالف اعتقاده، ثم إنه على هذا التعريف لا يخرج خبر الشاك عن الصادق والكاذب؛ لأن مدلوله أعنى النسبة بمعنى الوقوع أو اللاوقوع إن طابقت الواقع فهو صادق وإلا فكاذب، فهو لا يخرج عنهما على هذا التفسير بخلافه على التفسير الثانى

(قوله: يعنى إلخ) هذا زيادة توضيح للكلام السابق، وقرر شيخنا العدوى أنه أتى بالعناية؛ لأن المتبادر من المصنف أن المطابقة معتبرة بين ذات الخبر ونفس الأمر مع أنها إنما تعتبر أولا وبالذات بين حكم الخبر وما فى نفس الأمر، لكن أنت خبير بأن هذه العناية لا يحتاج إليها بعد تقدير الشارح حكم وتفسيره الواقع بالخارج بمعنى النسبة الخارجية، والمراد بالشيئين المحكوم عليه والمحكوم به: كزيد والقيام

(قوله: وأن يكون) الواو زائدة أى: لا بد من أن يكون، ومعنى لا بد:

لا فرار، وبد: اسم لا، والجار المحذوف باطراد مع مجروره متعلق باسم لا وخبرها محذوف

(قوله: فى الواقع) أى: فى نفس الأمر، ولما كان هذا يخرج ما لا ثبوت له فى الواقع، قال: أى مع قطع النظر عما فى الذهن، فينبغى أن يكون هذا تفسيرا لقوله فى الواقع، تفسير مراد لا تقييدا له، ولما كان هذا أى قوله: مع قطع النظر عما فى الذهن، قد يخرج نسب القضايا الذهنية المحضة التى لا ثبوت لها إلا فى الذهن لا فى الخارج، كقولنا: اجتماع الضدين ثابت، فإن هذه لا يتأتى قطع النظر فيها عن الذهن؛ لأنه لا تحقق لها إلا فى الذهن لا فى الخارج، قال وعما يدل عليه الكلام إشارة إلى أن المراد بقطع النظر عما فى الذهن قطع النظر عما يدل عليه الكلام لا مطلقا، وحينئذ فتدخل الذهنيات المحضة فكأن الشارح قال أى: مع قطع النظر عما فى الذهن من حيث يدل عليه الكلام، ولا شك أنه إذا قطع النظر عما فى الذهن من تلك الحيثية كان صادقا بما إذا كانت النسبة فى الذهن أو فى الخارج كما فى القضايا الخارجية، وقرر شيخنا العدوى أن قوله: أى مع قطع النظر. يجوز أن يكون فى معنى المبالغة أى: أن النسبة الخارجية لا بد منها حتى ولو قطع النظر عما فى الذهن أى: هذا إذا لم يقطع النظر عما

ص: 320

عما فى الذهن، وعما يدل عليه الكلام، فمطابقة تلك النسبة المفهومة من الكلام للنسبة التى فى الخارج بأن تكونا ثبوتيتين أو سلبيتين- صدق،

===

فى الذهن، بل نظر إليه كما فى القضايا الذهنية التى لا ثبوت لها خارجا، بل ولو قطع النظر عما فى الذهن كما فى القضايا الخارجية نحو: زيد قائم، وعلى كل حال ليس قوله: أى مع قطع النظر إلخ، قيد الوجود الخارجية، وعلى هذا التقرير فقوله: بعد ذلك:

وعما يدل عليه الكلام عطف تفسير أى: أن المراد بما فى الذهن هو ما يدل عليه الكلام

(قوله: عما فى الذهن) أى: النسبة الذهنية، وقوله وعما يدل عليه الكلام أى: النسبة الكلامية وهما متحدان ذاتا مختلفان اعتبارا؛ لأنه إن اعتبر تقررها فى الذهن قبل النطق بها فهى ذهنية، وإن اعتبر فهمها من الكلام بعد النطق به فكلامية

(قوله: فمطابقة إلخ) فيه إشارة إلى أن المراد بالحكم فى قوله: مطابقة حكمه النسبة الكلامية وبالواقع فى قول المتن للواقع النسبة الخارجية، وقد علم من هذا أن المنظور له فى الصدق والكذب- على هذا القول- النسبة الكلامية والخارجية فقط، بخلاف قول: النظام الآتي. فإنه ينظر للكلامية والذهنية وبخلاف الجاحظ، فإنه ينظر فيهما للنسب الثلاث كما يأتى بيانه.

(قوله: بأن تكون) أى: مصورة بأن تكون ثبوتيتين كما في: زيد قائم، وقد حصل القيام له فى الواقع، وقوله: أو سلبيتين كما فى قولك: زيد ليس بقائم، وكان لم يحصل له قيام فى الواقع، ثم إن هذا الكلام أعنى قوله: بأن تكونا إلخ، يشير إلى تفسير المطابقة وعدمها، فالمطابقة هى الموافقة فى الكيف وعدمها المخالفة فى الكيف وأنه ليس المراد بها الموافقة من سائر الوجوه، وهذا بناء على أن المراد بالنسبة المفهومة من الكلام الإيقاع والانتزاع والتى فى الخارج الوقوع وعدم الوقوع كما هو مذهب العلامة السيد، وأما إذا قلنا: المراد بنسبة الكلام المفهومة منه الوقوع وعدمه، كما أن الخارجية كذلك كما هو مختار الشارح فالمطابقة هى الموافقة بينهما من حيث ذاتهما من سائر الوجوه ويكتفى فى التغاير بين المطابق بالكسر والمطابق بالفتح اختلافهما بالاعتبار، فارتباط أحد الشيئين بالآخر من حيث فهمه من الكلام ودلالة الكلام عليه غير نفسه من حيث حصوله فى الخارج بقطع النظر عن فهمه من الكلام، فلا يقال إن فى مطابقة إحدى النسبتين للأخرى مطابقة الشىء لنفسه.

ص: 321

وعدمها بأن تكون إحداهما ثبوتية والأخرى سلبية- كذب.

(وقيل) صدق الخبر

===

(قوله: بأن تكون إحداهما ثبوتية إلخ) أى: كما إذا قيل: زيد قائم ولم يحصل له قيام فى الواقع، أو قلت: زيد ليس بقائم وقد حصل له القيام، فللكذب صورتان كما أن للصدق صورتين.

بقى شىء آخر وهو أن تعريف الصدق بما ذكر معترض بلزوم الدور؛ وذلك لأنه قد أخذ الخبر فى تعريف الصدق فيكون صدق الخبر موقوفا على تصور الخبر، وقد عرفوا الخبر بأنه: ما احتمل الصدق والكذب لذاته، فقد أخذ فى تعريف الخبر فيكون تصور الخبر موقوفا على تصورهما وهذا دور، وأجيب بأن الصدق والكذب المأخوذين فى تعريف الخبر هما صفتا المتكلم وهما الإعلام بالشىء على ما هو عليه أو على خلافه، والصدق والكذب المأخوذ فى تعريفهما الخبر صفتا الخبر على أنه ليس بلازم بناء التعاريف بعضها على بعض، فالذى يعرف الصدق بما ذكر لا يعرف الخبر بما احتمل الصدق والكذب، بل بما لا يتوقف مدلوله على النطق به أو بما حصل مدلوله فى الخارج بدونه وكان حكاية عنه، وأورد على التعريف أيضا المبالغات: كجئت اليوم ألف مرة، فإنه يصدق عليه حد الكذب دون حد الصدق وليس بكذب، فحد الصدق غير جامع وحد الكذب غير مانع، وأجيب بأن المبالغ إن قصد ظاهر الكلام فهو كذب، وإن قصد معنى مجازيا: كالكثرة فى المثال؛ فهو صدق لمطابقة النسبة الكلامية بحسب المعنى المراد للواقع، فالمراد مطابقة النسبة الكلامية بحسب المعنى المراد لا الوضعى.

(قوله: وقيل) قائله النظام وهو من المعتزلة، وقد أشار المصنف إلى كمال سخافة هذا المذهب بحذف قائله وتحقيره بمجهوليته مع العلم بأنه النظام، وإلى رجحان مذهب الجاحظ عليه بذكر قائله، ووجه كمال سخافته ما يلزم عليه من تصديق اليهودى، إذا قال الإسلام باطل وتكذيبه إذا قال: الإسلام حق وإجماع المسلمين ينادى على ذلك بالبطلان والفساد، وبطلان اللازم يقتضى بطلان الملزوم، وإنما قدم المصنف هذا المذهب على مذهب الجاحظ لكمال اتصاله بالمذهب الأول حيث اتفقا على انحصار الخبر فى الصادق والكاذب.

ص: 322

(مطابقته لاعتقاد المخبر ولو) كان ذلك الاعتقاد (خطأ) غير مطابق للواقع (و) كذب الخبر (عدمها) أى: عدم مطابقته لاعتقاد المخبر ولو كان خطأ فقول القائل:

السماء تحتنا معتقدا ذلك- صدق، وقوله: السماء فوقنا غير معتقد ذلك- كذب،

===

(قوله: مطابقته) أى: مطابقة حكمه، وقوله لاعتقاد المخبر: لعل المراد لما فى اعتقاد المخبر أو لاعتقاده باعتبار ما فيه، أو لمعتقد المخبر، وحاصله أن الصدق عنده مطابقة النسبة الكلامية للنسبة المعتقدة للمخبر وهى التى فى ذهنه

(قوله: ولو كان ذلك الاعتقاد خطأ) الواو للعطف على محذوف أى: سواء كان ذلك الاعتقاد غير خطأ، بل ولو كان خطأ أو أن (لو) للمبالغة أى: هذا إذا كان الاعتقاد صوابا، بل ولو كان خطأ فما قبل المبالغة أولى بالحكم؛ وذلك لكون كل من النسبة الكلامية والاعتقاد صوابا كما فى قولك: السماء فوقنا حال كونك معتقدا ذلك وما بعد المبالغة كقولك: السماء تحتنا معتقدا ذلك، فإن النسبة الكلامية وافقت الاعتقاد والاعتقاد خطأ

(قوله: غير مطابق) تفسيرا لقوله خطأ، فكان المناسب التعبير بأى التفسيرية

(قوله: أى عدم مطابقته) أى: عدم مطابقة نسبته المفهومة منه

(قوله: ولو كان خطأ) أى: هذا إذا كان الاعتقاد غير خطأ، بل ولو كان خطأ وأخذ الشارح ذلك من رجوع الضمير فى قول المصنف عدمها للمطابقة المفيدة بالمبالغة فهو غير زائد على المصنف

(قوله: معتقدا ذلك) أى: ما ذكر من التحتية

(قوله: غير معتقد ذلك) أى: ما ذكر من الفوقية والأولى أن يقول: معتقدا خلاف ذلك؛ لأن ما قاله صادق بصورتين ما إذا اعتقد عدم ذلك، وما إذا لم يوجد منه اعتقاد أصلا وهو الشاك، فيكون خبر الشاك داخلا فى الكذب فلا يتأتى له الإشكال الآتى له بعد ذلك، ولو قال مثل ما قلنا لكان قاصرا على الصورة الأولى وتكون الصورة الثانية واسطة فيتأتى حينئذ الإشكال، وقد يقال إنما عبر بقوله غير معتقد ذلك؛ لأنه المطابق للتعريف بعدم مطابقة الاعتقاد الصادق بالصورتين كذا قال عبد الحكيم وقال الغنيمى.

قوله: غير معتقد ذلك: محمول على اعتقاد خلافه؛ لأن موضوع المسألة أن المتكلم عنده اعتقاد إما لنسبة الخبر أو خلافها، وأما إذا انتفى الاعتقاد كما فى الشاك

ص: 323

والمراد بالاعتقاد الحكم الذهنى الجازم أو الراجح فيعم العلم والظن؛ وهذا يشكل بخبر الشاك لعدم الاعتقاد فيه فيلزم الواسطة ولا يتحقق الانحصار اللهم إلا أن يقال إنه كاذب؛ لأنه إذا انتفى الاعتقاد صدق عدم مطابقته الاعتقاد،

===

فلا خبر أصلا أو هو كذب على ما سيأتى

(قوله: والمراد إلخ) لما كان الاعتقاد يطلق عند الأصليين بمعنى الإدراك الجازم لا لدليل فيخرج اليقين أعنى العلم وهو الإدراك الجازم لدليل، والظن وهو الإدراك غير الجازم. بين أن المراد به هنا ما يشمل الإدراكين لا ما يقابلهما

(قوله: الحكم الذهنى إلخ) أى: النسبة المعتقدة اعتقادا جازما أو راجحا، وقوله: فيعم العلم والظن. نشر على ترتيب اللف

(قوله: وهذا) أى: تفسير الصدق والكذب الذى حكاه المصنف عن النظام بقوله وقيل إلخ.

(قوله: لعدم الاعتقاد فيه) هذا بيان لوجه الإشكال وحاصله أن الشاك فى قيام زيد وعدم قيامه إذا قال: قام زيد. لا يصدق على خبره هذا أنه صادق لعدم تعريف الصدق عليه ولا كاذب لعدم صدق تعريف الكذب عليه؛ وذلك لأنه لا اعتقاد له حتى يطابقه حكم الخبر أو لا يطابقه، فيلزم على هذا التفسير ثبوت الواسطة بين الصدق والكذب، مع أن النظام المفسر بهذا التفسير لا يقول بالواسطة بينهما، بل يقول بحصر الخبر فى الصادق والكاذب

(قوله: اللهم إلا أن يقال إلخ) قد جرت العادة باستعمال هذا اللفظ فيما فى ثبوته ضعف، وكأنه يستعان فى إثباته بالله تعالى ووجه الضعف هاهنا أنه خلاف المتبادر، وأنه موهم لجريان الكذب فى الإنشاءات وهو مخالف للإجماع كذا فى الفنرى، وقال عبد الحكيم: وجه الضعف أن المتبادر من تعميم الاعتقاد بقولك ولو خطأ وجود الاعتقاد

(قوله: أنه) أى: خبر الشاك كاذب

(قوله: لأنه إذا انتفى الاعتقاد) أى: فى خبر الشاك.

(قوله: صدق عدم مطابقته الاعتقاد) أى: لأن السالبة تصدق مع نفى الموضوع، فعدم قيام زيد يصدق مع عدم زيد، فقول المصنف: والكذب عدم مطابقته الاعتقاد فى معنى قولك: ليس الاعتقاد مطابقا لحكم الخبر وهو سالبة صادق بأن يكون اعتقاد ولا يكون حكم الكلام مطابقا له وبأن لا يكون اعتقاد أصلا، فحينئذ تعريف

ص: 324

والكلام فى أن المشكوك خبر أو ليس بخبر مذكور فى الشرح فليطالع ثمة. (بدليل) قوله تعالى:

===

الكذب شامل لخبر الشاك.

(قوله: والكلام إلخ) أشار بهذا إلى أن هذا الإشكال مبنى على أن كلام الشاك يقال له خبرا باعتبار أن له نسبة مفهومة كسائر الأخبار مطابقة لما فى الواقع أو غير مطابقة له ولا يشترط أن تكون نسبة كائنة فى ذهن المتكلم؛ ولأنه دال على حكم وهو إدراك وقوع النسبة أو لا وقوعها، وإن لم يكن ذلك الحكم قائما بالمتكلم فى الواقع، وغاية ما فيه تخلف المدلول عن الدليل وتخلفه جائز فى الدلالة الوضعية كما فى الخبر الكاذب بخلاف الدلالة العقلية؛ فلا يجوز فيها تخلف المدلول عن الدليل كما فى التغير الدال على حدوث العالم، وهذا القول هو التحقيق؛ لأنه إذا كان كلام المتعمد للكذب يقال له خبر بالاعتبار المذكور فأولى الشاك، وقيل إنه لا يقال له خبر باعتبار أنه لا نسبة له فى الاعتقاد، وحينئذ فهو خارج من المقسم وهو الخبر فلا يرد الإشكال أصلا.

(قوله: ثمة) يوقف عليه بالهاء

(قوله: بدليل إلخ) متعلق بمحذوف أى وتمسك فى إثبات ما ذهب إليه من تفسير الصدق والكذب بدليل قوله تعالى أى: بدليل هو قوله تعالى فالإضافة للبيان؛ لأن القول المذكور نفس الدليل، واعترض بأن هذا تفسير وتعريف، وقد تقرر فى موضعه أن الحدود لا يتوجه عليها منع ولا تقام عليها البراهين؛ لأن مرجع المنع لطلب الدليل وإقامة الدليل ممتنعة إذ التعاريف من قبيل التصورات، والمعرف مصور بمنزلة النقاش ينقش لك فى ذهنك صورة مفهوم وليس بين الحد والمحدود حكم يمنع أو يستدل عليه، وبالجملة فامتناع إقامة الدليل على الحدود مما لا شبهة فيه على ما هو مقرر، فكيف يتمسك هنا على إثبات هذا التعريف بدليل؟

وأجيب بأن محل امتناع إقامة الدليل على التعريف إذا لم يكن مآله للتصديق، بأن حاولوا به إفادة تصور وذلك فيما إذا كان التعريف غير لفظى، فإن كان التعريف مآله إلى التصديق بأن كان المقصود منه إفادة أن هذا المعنى مدلول لذلك اللفظ لغة أو اصطلاحا، وذلك فيما إذا كان التعريف لفظيا كما هنا فلا منع فى إقامة الدليل عليه

ص: 325

إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ (إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ)(1) فإنه تعالى جعلهم كاذبين فى قولهم:

[إنك لرسول الله] لعدم مطابقته لاعتقادهم وإن كان مطابقا للواقع

===

[ظرا](2) لما يؤول إليه من التصديق الحاصل من حمل التعريف على المعرف إذ كأنه قيل الصدق موضوع لمطابقة الخبر للاعتقاد. كذا ذكر أرباب الحواشى، وقال عبد الحكيم:

إن الدليل الذى تمسك به النظام على الحكم الذى يتضمنه التعريف وهو أنه صحيح

(قوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ) الظاهر أن هذا ليس من كلامهم، بل من كلام المولى قدم احتراسا، إذ لو قيل: قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ لتوهم أن قولهم هذا كذب غير مطابق للواقع، فوسط بينهما قوله: والله يعلم إنك لرسوله ليحبط ذلك الإيهام قوله: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ أى: يعلم ذلك وعبر عن العلم بالشهادة مشاكلة.

(قوله: فإنه تعالى إلخ) هذا توجيه لكون الآية دليلا، وحاصله أن المولى وصف المنافقين بأنهم كاذبون فى قولهم: إنك لرسول الله، مع أن نسبة ذلك الكلام هو ثبوت الرسالة مطابقة للواقع، لكنها لم تطابق ما فى اعتقادهم من كونه غير رسول الله، فدل على أن كذب الخبر عدم مطابقته للاعتقاد، وإذا كان الخبر قد جعل كذبا لعدم مطابقته للاعتقاد مع مطابقته للواقع، فأحرى إذا لم يطابق الواقع والاعتقاد معا؛ لأنه بالكذب أجدر وإذا تحقق أن الكذب مجرد عدم مطابقة الاعتقاد كان الصدق المقابل له؛ لعدم الواسطة عند هذا الخصم هو تلك المطابقة، فلا يرد أن يقال بعد تسليم أن الكذب ما ذكر لا يلزم منه أن الصدق مطابقة الاعتقاد، بل ولا أن الكذب مجرد عدم مطابقة

(1) المنافقون: 1.

(2)

الظرر الحجر عامة- وقيل الحجر المدور- والظرير: العلم الذى يهتدى به- والأظرة من الأعلام التى يهتدى بها-[وانظر لسان العرب 4/ 2747/ مادة ظ. ر. ر).

ص: 326

(ورد) هذا الاستدلال (بأن المعنى: لكاذبون فى الشهادة) وفى ادعائهم المواطأة، فالتكذيب راجع إلى الشهادة باعتبار تضمنها خبرا كاذبا غير مطابق للواقع؛ وهو أن هذه الشهادة

===

الاعتقاد لاحتمال أن الكذب هو عدم تلك المطابقة مع موافقة الواقع؛ لأنه هو الموجود فى الدليل

(قوله: ورد هذا الاستدلال) حاصله جوابان: أحدهما: بالمنع وله سندان، والثاني: بالتسليم.

وتقرير الأول: لا نسلم أن الكذب فى المشهود به لم لا يجوز أن يكون التكذيب راجعا للشهادة باعتبار ما تضمنته من الكلام الخبرى وهو أن شهادتنا هذه صادرة من صميم القلب أو راجعا لتسمية خبرهم شهادة؛ لأن الشهادة إنما تكون على وفق الاعتقاد وكلامهم هذا ليس على وفق اعتقادهم فلا يسمى شهادة، ومن المعلوم أن الدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال.

وتقرير الثاني: سلمنا أن التكذيب راجع للمشهود به كما قلت، لكن التكذيب راجع له باعتبار الواقع فى زعمهم لا باعتبار الواقع فى نفسه، وإذا كان راجعا باعتبار الواقع فى زعمهم صدق أن الكذب عدم مطابقة حكم الخبر للواقع وهو المطلوب؛ لأن المراد بقولنا الكذب عدم مطابقة حكم الخبر للواقع أعم من أن يكون ذلك الواقع باعتبار الزعم أو باعتباره فى نفسه.

(قوله: وفى ادعائهم المواطأة) عطف على" فى الشهادة من عطف اللازم على الملزوم، وذلك لأن الشهادة هى الإخبار بالشىء عند مواطأة القلب للسان أى: موافقته له، فالشهادة مستلزمة للمواطأة، فإذا كذبوا فى الشهادة كانوا كاذبين فى دعوى المواطأة، وإنما ذكر الشارح ذلك اللازم لبيان أن ذلك اللازم هو مرجع التكذيب.

(قوله: راجع إلى الشهادة) أى: المذكورة فى قوله نشهد، وإنما لم نجعله راجعا للخبر الذى تضمنه قولهم: إنك لرسول الله، فإنه يتضمن بواسطة التأكيد أنه من صميم القلب؛ لأنه معمول نشهد فهو فى حكم المفرد فلم يحسن عده خبرا قاله سم

(قوله: باعتبار تضمنها إلخ) لما ورد عليه أن الشهادة إنشاء فلا توصف بالكذب؛ لأن الصدق

ص: 327

من صميم القلب وخلوص الاعتقاد بشهادة: إن، واللام، والجملة الاسمية (أو) المعنى: لكاذبون (فى تسميتها)

===

والكذب من أوصاف الخبر أجاب بقوله باعتبار تضمنها إلخ أى: إنه راجع إليها لا باعتبار نفسها، بل باعتبار ما تضمنته وهو ألسنتنا وافقت قلوبنا أو شهادتنا هذه صادرة من صميم القلب، فكأنه قيل لهم: دعواكم أن هذه الشهادة من صميم القلب كذب؛ لأنها لم تكن من صميم القلب، أو دعواكم أن ألسنتكم وافقت قلوبكم كذب؛ لأنه لا موافقة.

(قوله: من صميم القلب) صميم الشىء خالصه، وإضافة صميم القلب من إضافة الصفة للموصوف أى: هذه الشهادة صادرة من قلبنا الخالص، وقوله: وخلوص الاعتقاد كذلك من إضافة الصفة للموصوف وهو تفسير مراد لما قبله

(قوله: بشهادة إن واللام إلخ) أى: وإنما كانت شهادتهم هذه من صميم القلب بشهادة إن واللام، والجملة الإسمية المفيدات للتأكيد، ومعلوم أن تأكيد الشىء يدل على اعتقاده، إن قلت: إن هذه التأكيدات إنما هى فى المشهود به، وهو أنه رسول الله لا فى لفظ الشهادة الذى هو قوله نشهد حتى يقال تأكيد الشهادة يفيد أنها من صميم القلب، وأجيب بأن الشهادة والمشهود به كالشىء الواحد، فالتأكيد فى أحدهما توكيد فى الآخر، إذ الشهادة لا تراد لذاتها، بل إنما تراد للمشهود به، فمعنى التأكيد فى الآية المشهود به أمر متيقن، وهذا يستلزم كون الشهادة عن اعتقاد وتحقق، أو يقال: إن هذه التأكيدات بالنظر للازم الفائدة وهو علمهم بأنه رسول الله لما سيأتى أن الخبر يجوز توكيده بالنظر للازم الفائدة إذا كان المخاطب عالما بالحكم ومنكرا على المخبر علمه به، وإذا كان الخبر مؤكدا بالنظر لما ذكر رجع قولهم: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ (1) إلى قولنا علمنا بأنك رسول الله ثابت تحقيقا، فتكون الشهادة بذلك من صميم القلب فتأمل

(قوله: أو فى تسميتها إلخ) حاصله أنا لا نسلم أن التكذيب راجع للمشهود به لم لا يجوز أن يكون راجعا

(1) المنافقون: 1.

ص: 328

أى: فى تسمية هذا الإخبار شهادة؛ لأن الشهادة ما يكون على وفق الاعتقاد، فقوله: تسميتها مصدر مضاف إلى المفعول الثانى،

===

لتسمية ذلك الخبر الخالى عن موافقة الاعتقاد شهادة، وفيه أن التسمية وضع الاسم وهو لا يوصف بصدق ولا كذب؛ لأن تسمية شىء بشىء ليست من باب الإخبار، وحينئذ فيكون مثل هذا غلطا فى إطلاق اللفظ لا كذبا، وأجيب بأن تسميتهم ذلك الخبر شهادة تتضمن دعوى قائلة: خبرنا هذا يسمى شهادة التكذيب راجع إلى التسمية باعتبار ما تضمنته تلك التسمية من دعواهم أن خبرهم هذا يسمى شهادة، فكأنهم قالوا خبرنا هذا يسمى شهادة، فقيل لهم كذبتم ليس خبركم هذا يسمى شهادة؛ لأن الشهادة إنما تكون على وفق الاعتقاد، فظهر لك مما قررناه الفرق بين الوجه الأول والثاني؛ وذلك لأن التكذيب فى الوجه الأول راجع للشهادة باعتبار ما تضمنته من الكلام الخبرى وهو أن شهادتنا هذه من صميم القلب، فكأنه قيل لهم: دعواكم أن هذه الشهادة من صميم القلب كذب، فإنها لم تكن من صميم القلب، والتكذيب فى الوجه الثانى راجع لتسمية خبرهم شهادة باعتبار ما تضمنته تلك التسمية من دعواهم إن أخبارهم هذا مما يطلق عليه شهادة، فكأنه قيل لهم: كذبتم فى تلك الدعوى ليس خبركم هذا مما يطلق عليه شهادة؛ لأن شرط ما يطلق عليه الشهادة أن يكون موافقا للاعتقاد وهذا ليس كذلك.

(قوله: أى فى تسمية هذا الأخبار) أى: الخالى عن موافقة الاعتقاد شهادة قال سم: فإن قلت كونه إخبارا ينافى كونه شهادة؛ لأن الشهادة إنشاء على التحقيق عندهم. قلت لا منافاة لأن الإخبار أيضا إنشاء، فالمنافى للشهادة إنما هو الخبر لا الإخبار.

(قوله: لأن الشهادة إنما تكون على وفق الاعتقاد) اعترض بأن اشتراط الموافقة للاعتقاد فى مطلق الشهادة ممنوع بدليل قولهم شهادة الزور، وأجيب بأن إطلاق الشهادة على الزور مجاز، إذ حقيقة الشهادة أن تكون عن علم بالمشهود به واعتراف به، ولك أن تقول: هذا الاعتراض غير وارد؛ لأن الكلام على سبيل المنع، وحاصله لا نسلم أن التكذيب راجع لقولهم: إنك لرسول الله لم يجوز أن يكون راجعا إلى تسمية

ص: 329

والأول محذوف (أو) المعنى: إنهم لكاذبون (فى المشهود به) أعنى: قولهم: [إنك لرسول الله] لكن لا فى الواقع، بل (فى زعمهم) الفاسد، واعتقادهم الباطل؛ لأنهم يعتقدون أنه غير مطابق للواقع فيكون كاذبا باعتقادهم وإن كان صادقا فى نفس الأمر،

===

هذا الإخبار شهادة وتكون الشهادة معتبرا فيها موافقة الاعتقاد، والمانع يكفيه الاحتمال والمنع لا يمنع

(قوله: والأول محذوف) أى: مع الفاعل أيضا، والأصل أو فى تسميتهم هذا الإخبار شهادة.

(قوله: أو المعنى إنهم لكاذبون فى المشهود به إلخ) حاصله أنا نسلم أن التكذيب راجع للمشهود به، لكن لا نسلم أن كذب هذا الخبر لعدم مطابقة الاعتقاد كما ذكرتم لم لا يجوز أن يكون كذبه لعدم مطابقته للواقع بحسب اعتقادهم، وإن كان مطابقا للواقع فى نفس الأمر وتوضيح ذلك أن قولهم: إنك لرسول الله نسبته الكلامية ثبوت الرسالة له- عليه السلام وهم يزعمون أن الواقع أنه ليس برسول فهذا الخبر لم يطابق الواقع بحسب زعمهم وإن طابق الواقع فى نفسه، فالنّظام يقول: إن هذا الخبر وهو قولهم: إنك لرسول الله كذب؛ لأنه لم يطابق الاعتقاد، فيقال له هذا الخبر وإن لم يطابق الاعتقاد لم يطابق الواقع فى زعمهم واعتقادهم، فلا نسلم أن كذبه لعدم مطابقة الاعتقاد كما ذكرت لا يجوز أن يكون لعدم مطابقته الواقع فى زعمهم واعتقادهم، وحينئذ فمعنى: والله يشهد إن المنافقين لكاذبون أى: يعلم أن خبرهم غير مطابق للواقع بحسب ما عندهم، فليس الكذب إلا باعتبار عدم المطابقة للواقع

(قوله: لكن لا فى الواقع) أى: لكن كذبهم ليس لمخالفته يعنى فى نفس الأمر

(قوله: بل فى زعمهم) أى:

اعتقادهم

(قوله: واعتقادهم الباطل) عطف تفسير

(قوله: لأنهم يعتقدون أنه) أى: بل كذبه لمخالفته للواقع بحسب زعمهم أى: ذلك الخبر وهو إنك لرسول الله غير مطابق للواقع؛ لأن الواقع بالنظر لاعتقادهم أنه غير رسول الله؛ لأنهم أى المنافقين من مشركى العرب، والذى يعرف نبوته أهل الكتاب كما يدل عليه القرآن.

(قوله: فيكون كاذبا باعتقادهم) أى: فيكون ذلك الخبر كاذبا بالنظر لاعتقادهم أنه فى الواقع غير رسول الله لعدم المطابقة لذلك الواقع

(قوله: وإن كان صادقا إلخ)

ص: 330

فكأنه قيل: إنهم يزعمون أنهم كاذبون فى هذا الخبر الصادق، وحينئذ لا يكون الكذب إلا بمعنى عدم المطابقة للواقع؛ فليتأمل لئلا يتوهم أن هذا اعتراف بكون الصدق والكذب راجعين إلى الاعتقاد.

(الجاحظ)

===

الواو للحال أى: والحال أن ذلك الخبر صادق لمطابقته للواقع فى نفس الأمر فى ذاته؛ لأن الواقع فى نفس الأمر فى ذاته أنه رسول

(قوله: فكأنه قيل إلخ) أى: فكأن الله قال:

إنهم يزعمون أى يعتقدون أنهم كاذبون فى هذا الخبر لكونه لم يطابق فى اعتقادهم، مع أنه خبر صادق لكونه مطابقا للواقع فى نفس الأمر

(قوله: وحينئذ) أى: وحين إذ كان المشهود به كاذبا لعدم مطابقته للواقع فى زعمهم

(قوله: لا يكون الكذب) أى:

المذكور فى هذه الآية

(قوله: إلا بمعنى عدم المطابقة للواقع) أى: بحسب زعمهم واعتقادهم

(قوله: لئلا يتوهم أن هذا) أى: قول المصنف فى زعمهم اعتراف إلخ، وهذا علة للتأمل أى: تأمل كلام المصنف واعرف حقيقة هذا الرد الثالث خوفا من أن تتوهم أن هذا الثالث تأييد لصاحب ذلك القول المردود عليه، فتعترض على المصنف بأن القصد الرد عليه لا لتأييده، ومنشأ ذلك التوهم قول المصنف أو المعنى: لكاذبون فى المشهود به فى زعمهم، فإنه يوهم أن الكذب لعدم المطابقة لزعمهم واعتقادهم، وحاصل الجواب أن المراد أن الكذب لعدم المطابقة للواقع، لكن بحسب زعمهم واعتقادهم فذلك الخبر غير مطابق لاعتقادهم وغير مطابق للواقع بحسب اعتقادهم، فكذبه إنما هو لمخالفته للواقع فى اعتقادهم لا لمخالفته لاعتقادهم كما يقوله النظام.

وفرق بين مخالفة الاعتقاد ومخالفة الواقع بحسب الاعتقاد، وحينئذ فكلام المصنف رد عليه لا تأييد له

(قوله: راجعين إلى الاعتقاد) أى: فيكون كلام المصنف هذا مؤيدا لكلام النظام مع أنه بصدد الرد عليه

(قوله: الجاحظ) هذا لقبه واسمه عمرو بن بحر الأصفهانى وكنيته أبو عثمان، وإنما لقب بالجاحظ؛ لأن عينيه كانتا جاحظتين أى: بارزتين، وهو أحد شيوخ المعتزلة وتلميذ النظام، وله التصانيف فى كل فن، وكان قبيح الشكل جدا، فلذا لما أحضره المتوكل ليعلم أولاده استبشع منظره فأمر له بعشرة آلاف درهم وصرفه، وقال بعضهم فيه:

ص: 331

أنكر انحصار الخبر فى الصدق والكذب،

===

لو يمسخ الخنزير مسخا ثانيا

ما كان إلّا دون مسخ الجاحظ

رجل ينوب عن الجحيم بوجهه

وهو القذى فى عين كلّ ملاحظ

من جملة شعره (1):

أترجو أن تكون وأنت شيخ

كما قد كنت أيّام الشّباب

لقد كذبتك نفسك أىّ ثوب

خليع كالجديد من الثياب

وكان موته بوقوع مجلدات العلم عليه، وهو ضعيف بالبصرة سنة خمس ومائتين، وقد جاوز السبعين

(قوله: أنكر إلخ) أشار بهذا إلى أن الجاحظ مبتدأ خبره محذوف، وأما جعله فاعلا لفعل محذوف فلا يصح؛ لأن هذا الموضع ليس من المواضع التى يحذف فيها الفعل وهى أربعة:

أن يقع الفعل فى جواب نفى أو استفهام كقولك: زيد جوابا لمن قال: من جاء، وبعد إذا وإن الشرطيتين نحو: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (2) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ (3)، وبعد فعل يستلزمه نحو:

ليبك يزيد ضارع لخصومة (4)

أى: يبكيه ضارع، لكن الحذف فى الثالث واجب وفيما عداه جائز، واعلم أنه كما يحذف الفعل فى مواضع أربعة، كذلك يحذف الفاعل فى مواضع أربعة، وقد نظم الجميع بعض الأفاضل:

(1) أورد هذه الأبيات صاحب تاريخ بغداد فى ترجمة الجاحظ مساقة بإسناده إلى المبرد راويها حيث قال:

دخلت على الجاحظ فى آخر أيامه وهو عليل فقلت له: كيف أنت؟ فقال: كيف يكون من نصفه مفلوج ولو نشر بالمناشر ما حس به؟ ونصفه الآخر منقرس لو طار الذباب بقربه لآلمه والآفة فى جميع هذا أنى قد جزت التسعين. ثم أنشد البيتين. وانظر تاريخ بغداد للخطيب البغدادى 12/ 208.

(2)

الانشقاق: 1.

(3)

التوبة: 6.

(4)

أورده بدر الدين بن مالك فى المصباح ص 46، والخصائص 2/ 424، وهو لضرار بن نهشل يرثى يزيد ابن نهشل، والفعل مبنى للمجهول، كأنه قيل: من يبكيه؟ فقال: يبكيه ضارع، وتمام البيت: ومختبط مما تطيح الطوائح.

ص: 332

وأثبت الواسطة، وزعم أن صدق الخبر (مطابقته) للواقع (مع الاعتقاد) بأنه مطابق (و) كذب الخبر (عدمها)

===

عند النيابة مصدر وتعجب

ومفرغ ينقاس حذف الفاعل

والفعل بعد إذا وإن مستلزم

وجواب نفى أو جواب السائل.

فإن قلت: من المقرر أن حذف المفرد أسهل من حذف الجملة فهلا جعل قولة:

" الجاحظ" فاعلا لمحذوف قلت: هذا إنما يظهر إذا كان الموضع مما يطرد فيه حذف رافع الفاعل كأن يكون من الأماكن الأربعة المذكورة، وأما فى غيرها فلا يجوز حذف رافع الفاعل فى سعة الكلام عند البصريين.

(قوله: وأثبت الواسطة) عطف مسبب على سبب أو لازم على ملزوم

(قوله: وزعم أن صدق الخبر إلخ) ظاهره أن قول المصنف مطابقته خبر؛ ل (لأن) المحذوفة مع اسمها وفيه أنهم لم ينصوا على جواز ذلك، اللهم إلا أن يقال: هذا حل معنى لا حل إعراب فلا ينافى ما يأتى من أنه خبر لمحذوف، وهو المحدث عنه أول التنبيه

(قوله: مطابقته) خبر لمبتدأ محذوف، وهو المحدث عنه أول التنبيه أى: صدق الخبر مطابقته وهو من إضافة المصدر لفاعله وفى الكلام حذف مضاف أى: مطابقة حكمه أى: نسبته المفهومة منه ومفعوله محذوف أى: مطابقة حكم الخبر الواقع أى: النسبة الخارجية الحاصلة بين الطرفين فى نفس الأمر، وأدخل الشارح اللام على المفعول لتقوية العامل.

(قوله: مطابقته للواقع مع الاعتقاد بأنه مطابق) كما إذا قلت: الله واحد مع اعتقادك أنه مطابق للواقع، وقوله: وكذبه عدم مطابقته للواقع أى: عدم مطابقة نسبته المفهومية منه للنسبة الخارجية الحاصلة بين الطرفين فى نفس الأمر مع اعتقاد عدم المطابقة كأن تقول: السماء تحتنا مع اعتقادك أنه غير مطابق، فالاعتقاد المعتبر فى الصدق اعتقاد متعلق بالمطابقة، والاعتقاد المعتبر فى الكذب اعتقاد متعلق بعدم المطابقة

(قوله: مع الاعتقاد بأنه مطابق) الظرف مستقر وقع حالا من ضمير مطابقته أى: صدق الخبر مطابقته للواقع حال كون الخبر مصاحبا لاعتقاد المطابقة وليس حالا من المطابقة، لئلا يلزم وقوع الحال من خبر المبتدأ والجمهور يمنعونه، وفى كلام الشارح إشارة إلى أن

ص: 333

أى: عدم مطابقته للواقع (معه) أى: مع اعتقاد أنه غير مطابق (وغيرهما) أى: غير هذين القسمين؛ وهى أربعة؛ أعنى: المطابقة مع اعتقاد عدم المطابقة أو بدون الاعتقاد أصلا وعدم المطابقة مع اعتقاد المطابقة أو بدون الاعتقاد أصلا (ليس بصدق ولا كذب) فكل من الصدق والكذب بتفسيره أخص منه بالتفسيرين السابقين لأنه اعتبر فى الصدق مطابقة الواقع والاعتقاد جميعا، وفى الكذب عدم مطابقتهما جميعا بناء على أن اعتقاد المطابقة يستلزم

===

متعلق الاعتقاد محذوف بقرينة المقام؛ لأن اللام فيه للعهد، والمراد منه اعتقاد أنه مطابق كذا فى عبد الحكيم، وقال غيره قوله مع الاعتقاد: حال من المطابقة وهو قيد.

وقوله: بأنه مطابق قيد آخر: فخرج بالأول المطابقة مع عدم الاعتقاد أصلا كخبر الشاك، وبالثاني: المطابقة مع اعتقاد عدمها، وهاتان الصورتان من صور الواسطة، فالصدق صورة واحدة وهى المطابقة مع اعتقادها، وقوله: معه حال من العدم أى: مع اعتقاد أنه غير مطابق فقولنا: مع اعتقاد؛ يخرج عدم المطابقة مع عدم الاعتقاد أصلا، وقولنا أنه غير مطابق: يخرج عدمها مع اعتقادها، فإن هاتين الصورتين من صور الواسطة أيضا، فالكذب صورة واحدة وهى عدم المطابقة مع اعتقاد عدمها

(قوله: أى مع اعتقاد أنه غير مطابق) فيه أن المرجع إنما هو اعتقاد أنه مطابق كما مر، لا اعتقاد أنه غير مطابق، فقد اختلف الراجع والمرجع، ويمكن أن يجعل من باب الاستخدام بأن يجعل الضمير فى معه راجعا للاعتقاد بدون قيد إضافته إلى المطابقة، بل بقيد إضافته إلى عدم المطابقة، وأجاب عبد الحكيم بجواب آخر: وحاصله أن الضمير فى معه راجع لمطلق الاعتقاد المذكور، وكون متعلقه فى جانب الصدق مطابقة الواقع، وفى جانب الكذب عدم مطابقته بمعونة المقام أ. هـ.

(قوله: وهى) أى: الغير، وإنما أنث الضمير مراعاة للخبر (قوله أعنى المطابقة مع اعتقاد إلخ) هذا وما بعده محترز قوله مع الاعتقاد بأنه مطابق، وقوله وعدم المطابقة مع اعتقاد إلخ: هذا وما بعده محترز قوله معه فى جانب الكذب

(قوله: بتفسيره) أى: الجاحظ وقوله أخص منه أى: من نفسه وقوله: لأنه أى: الجاحظ

(قوله: بالتفسيرين السابقين) أى: تفسير الجمهور، وتفسير النظام

(قوله: والاعتقاد) أى: ومطابقة الاعتقاد

(قوله: بناء)

ص: 334

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

أى: واعتباره هذين الأمرين بناء إلخ، وهذا جواب عما يقال: إن الجاحظ إنما اعتبر فى الصدق المطابقة للواقع واعتقاد المطابقة كما قال المصنف لا مطابقة الاعتقاد كما قال الشارح، وكذلك الكذب إنما اعتبر فيه على ما قال المصنف عدم المطابقة للواقع واعتقاد عدم المطابقة لا عدم المطابقة للاعتقاد كما قال الشارح، فكان الأولى للشارح أن يبدل مطابقة الاعتقاد فى جانب الصدق باعتقاد فى جانب الصدق باعتقاد المطابقة ويبدل عدم مطابقة الاعتقاد فى جانب الكذب باعتقاد عدم المطابقة ليكون كلامه موافقا لما قاله المصنف، وحاصل الجواب الذى ذكره الشارح أن اعتقاد المطابقة الذى ذكره المصنف فى جانب الصدق يستلزم مطابقة الاعتقاد الذى حكمنا عليه هنا بأن الجاحظ يعتبره؛ وذلك لأن الخبر إذا طابق الواقع واعتقد المخبر مطابقته له؛ فقد توافق الواقع والاعتقاد، فمطابق أحدهما مطابق للآخر، وكذلك اعتقاد عدم المطابقة للواقع الذى ذكره المصنف فى جانب الكذب يستلزم عدم مطابقة الاعتقاد للواقع الذى حكمنا عليه هنا بأن الجاحظ يعتبره، وذلك لأن الخبر إذا كان غير مطابق للواقع واعتقد المخبر عدم مطابقته له فقد توافق الواقع والاعتقاد، فالخبر إذا كان غير مطابق لأحدهما كان غير مطابق للآخر، وحينئذ فلا مخالفة بين ما نسبه المصنف للجاحظ وما نسبناه إليه لتلازمهما، فإن قلت: لا حاجة فى إثبات الأخصية إلى إثبات أنه اعتبر فى الصدق مطابقة الواقع الاعتقاد جميعا، وفى الكذب عدم مطابقتهما جميعا بإثبات أن اعتقاد المطابقة يستلزم الاعتقاد ضرورة توافق الواقع والاعتقاد حينئذ؛ لأنه يكفى فى إثبات الأخصية أنه اعتبر مع مطابقته للواقع اعتقاد المطابقة، ولا يخفى أن المطابقة للواقع مع اعتقاد المطابقة أخص من مجرد المطابقة للواقع أو للاعتقاد، وأن عدم المطابقة للواقع مع اعتقاد عدم المطابقة أخص من مجرد عدم المطابقة للواقع أو للاعتقاد، فما الحامل للشارح على ما فعله؟ قلت: الحامل للشارح على ما فعله أنه هو المنقول عن الجاحظ، لكن تفسير المصنف يستلزمه، فلا يعترض عليه بالمخالفة لما نقل عنه.

ص: 335

مطابقة الاعتقاد ضرورة توافق الواقع والاعتقاد حينئذ، وكذا اعتقاد عدم المطابقة يستلزم عدم مطابقة الاعتقاد،

===

(قوله: مطابقة الاعتقاد) أى: مطابقة الخبر للاعتقاد توضيحه أنك إذا قلت:

العالم حادث، كان الخبر مطابقا للواقع، فإذا اعتقدت مطابقته له كان الواقع والاعتقاد متوافقين، وحينئذ فيكون ذلك الخبر المطابق للواقع مطابقا للاعتقاد أيضا، وإذا قلت:

العالم قديم، فالخبر غير مطابق للواقع، فإذا اعتقدت عدم مطابقته للواقع كان الواقع والاعتقاد متوافقين، وحينئذ فيكون ذلك الخبر الغير المطابق للواقع غير مطابق للاعتقاد أيضا.

(قوله: ضرورة توافق إلخ) مفعول لأجله علة لقوله يستلزم أى: لضرورة توافق إلخ أى: لتوافق الواقع والاعتقاد حينئذ ضرورة، وقوله: حينئذ أى: حين إذا اعتقد مطابقته أى: الخبر للواقع، والحال أن الخبر مطابق للواقع، واعلم أن اعتقاد المطابقة يستلزم مطابقة الاعتقاد سواء كان بين الواقع والاعتقاد موافقة أو مخالفة؛ لأن العاقل لا يعتقد مطابقة الحكم للواقع إلا بعد أن يعتقد ذلك الحكم الذى يعتقد أنه مطابق للواقع سواء طابق الواقع أم لا، فالأول: كأن يخبر شخص بأن السماء فوقنا معتقدا ذلك، فبين الواقع والاعتقاد هنا موافقة، واعتقاده مطابقة الخبر للواقع يستلزم مطابقة الخبر للاعتقاد وهذا ظاهر.

والثاني: كأن يخبر شخص فلسفى بأن العالم قديم وهو يعتقد ذلك، فاعتقاد مطابقة ذلك الخبر للواقع يستلزم مطابقة الخبر لاعتقاده وإن كان ليس بين الواقع واعتقاده توافق؛ لأن الواقع أن العالم حادث واعتقاده أنه قديم، وظاهر قول الشارح ضرورة توافق إلخ: يقتضى أن استلزام اعتقاد مطابقة الخبر للواقع لمطابقة الخبر للاعتقاد متوقف على موافقة الواقع والاعتقاد، وقد علمت أن الأمر ليس كذلك، ومثل ما قيل فى جانب الصدق يقال فى جانب الكذب، فيقال اعتقاد عدم المطابقة يستلزم عدم مطابقة الاعتقاد سواء كان بين الواقع والاعتقاد موافقة أو مخالفة؛ لأن العاقل إذا اعتقد أن الحكم غير مطابق للواقع اعتقد خلافه سواء كان الخبر مطابقا للواقع أو لا، فالأول:

ص: 336

وقد اقتصر فى التفسيرين السابقين على أحدهما (بدليل أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً

===

كأن يخبر شخص بأن السماء تحتنا غير معتقد ذلك فبين الواقع والاعتقاد هنا موافقة، واعتقاده عدم المطابقة يستلزم عدم مطابقة الخبر للاعتقاد وهو ظاهر.

والثاني: كأن يخبر الفلسفى بأن العالم حادث غير معتقد ذلك فبين الواقع والاعتقاد هنا مخالفة، واعتقاده عدم المطابقة يستلزم عدم مطابقة الخبر للاعتقاد أيضا، فظهر لك من هذا أن اعتقاد المطابقة يستلزم مطابقة الخبر للاعتقاد، وكذا اعتقاد عدم المطابقة يستلزم عدم المطابقة للاعتقاد أيضا، فظهر لك من هذا أن اعتقاد المطابقة يستلزم مطابقة الخبر للاعتقاد، وكذا اعتقاد عدم المطابقة يستلزم عدم المطابقة للاعتقاد سواء كان بين الواقع والاعتقاد مطابقة أو لا، وحينئذ فلا وجه لقول الشارح ضرورة توافق والاعتقاد المقتضى توقف الاستلزام على التوافق.

وأجيب بأن التعليل الذى ذكره الشارح إنما هو بالنظر لما نحن بصدده وهو صورة الصدق عند الجاحظ، والخبر فيها مطابق للواقع إذ لا بد فى الصدق من المطابقة للواقع عنده، ولا شك أنه إذا اعتقد المطابقة فى تلك الحالة كان الاعتقاد مطابقا للواقع، وهذا لا ينافى أن استلزام اعتقاد المطابقة الاعتقاد حاصل مطلقا أى: كان بين الواقع والاعتقاد موافقة أو مخالفة بقطع النظر عما نحن بصدده

(قوله: وقد اختصر إلخ) عطف على قول اعتبر إلخ، وأن الجملة حال من ضمير اعتبر

(قوله: على أحدهما) فالجمهور اقتصروا فى تفسيرهم على اعتبار المطابقة للواقع، والنظام اقتصر فى تفسيره على اعتبار المطابقة للاعتقاد، وحينئذ فقد ظهرت الأخصية؛ لأن الأخص ما كان أزيد قيدا

(قوله: بدليل أفترى) الإضافة بيانية وهو متعلق بحال محذوفه أى: الجاحظ أنكر انحصار إلخ، مستدلا بدليل هو قوله: أفترى، وأصله: أأفترى، مثل: أأشترى بهمزتين، الأولى استفهامية والثانية للوصل، فحذفت الثانية استغناء عنها بهمزة الاستفهام، ومعنى أفترى:

أكذب، فقوله كذبا مفعول مطلق، وعامله من معناه وهو أفترى، أو من لفظه محذوفا أى: وكذب كذبا.

ص: 337

أَمْ بِهِ جِنَّةٌ (1)) لأن الكفار حصروا إخبار النبى صلى الله عليه وسلم بالحشر والنشر على ما يدل عليه قوله تعالى: إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ

===

(قوله: أم به جنة) أم متصلة بدليل سبق همزة الاستفهام عليها، ولا يقال إن شرط المتصلة أن تقع بين جملتين متساويتين فى الفعلية أو الاسمية وهنا ليس كذلك؛ لأنا نقول أم به جنة فى تأويل أم لم يفتر، أو أم أخبر حال كونه به جنة، ويجوز أن يكون جنة مرفوعا بفعل محذوف، أى: حصل، فما بعد أم جملة فعلية بالفعل على هذا، أو مؤول بها على الأول على أنه صرح ابن مالك (2) ومن تبعه بجواز وقوع المتصلة بين غير المتساويتين فى الاسمية أو الفعلية

(قوله: لأن الكفار إلخ) علة لكون ما ذكر دليلا على المدعى وهو عدم انحصار الخبر فى الصادق والكاذب وثبوت الواسطة بينهما، والمراد هنا بالكفار كفار قريش، وقوله بالحشر متعلق بإخبار، فالمحصور فى الافتراء والإخبار حالة الجنة إنما هو إخباره بالحشر والنشر؛ لأنهم لما استبعدوا النشر الذى هو الإحياء بعد الموت والحشر الذى هو سوق الخلق للحساب ثم لمفرهم حصروا إخبار النبى بهما فى الافتراء والإخبار حال الجنون لا جميع إخباره ولا إخباره بغير ذلك كالرسالة، كما يدل لذلك الآية فقوله على ما يدل: متعلق بإخباره بالحشر والنشر، فإن قلت إثبات الواسطة بالدليل المذكور على تقدير عدم الحصر أظهر لكثرة أفراد الإخبار، واحتمال أن ما عدا هذين الفردين من الواسطة، فكثرة الأفراد أنفع للمستدل القائل بالواسطة، فالأولى للشارح أن يقول: زعموا أن إخباره بالحشر إلخ، بدل قوله: وأجيب بأن تعبير الشارح بحصر والموافقة الآية المستدل بها لا لتوقف الاستدلال على الحصر، ووجه الحصر

(1) سورة: سبأ، الآية:8.

(2)

هو أبو عبد الله جمال الدين محمد بن عبد الله بن مالك السكاكى الجيّانى الأندلسي، ولد فى جيان من أعمال الأندلس سنة 600 هـ- وهو أحد الأئمة فى علوم العربية من مصنفاته" الألفية" المشهورة فى النحو، و" تسهيل الفوائد"، و" لامية الأفعال" و" الكافية الشافية"، و" سبك المنظوم وفك المختوم" وغيرها الكثير توفى رحمه الله سنة 672 هـ (وانظر الأعلام 6/ 133).

ص: 338

فى الافتراء والإخبار حال الجنة على سبيل منع الخلو،

===

فى الآية التعداد فى مقام البيان، فإنه يفيد الحصر

(قوله: فى الافتراء) متعلق بحصروا، كما أن قوله على سبيل ذلك متعلق به.

(قوله: على سبيل منع الخلو) فيه أن المقصود إثبات الواسطة ومانعة الخلو تجوز الجمع، فلو كان الخبر حال الجنة كذبا لم تثبت الواسطة مع أن إثباتها هو المراد، فكان الأولى أن يقول على سبيل منع الخلو. والجمع إلا أن يقال: إن فى الكلام اكتفاء، وحينئذ فقولهم: أفترى على الله كذبا أم به جنة منفصلة حقيقة مانعة جمع وخلو، كقولك: العدد إما زوج أو فرد، أو يقال: إنه أراد منع الخلو بالمعنى الأعم المتنازل للانفصال الحقيقى لا بالمعنى الأخص، وتوضيح ذلك أن منع الخلو بالمعنى الأخص الحكم بالتنافى فى الكذب فقط أى: فى حال كذب الطرفين وارتفاعهما فقط كقولنا: زيد فى البحر، وإما أن لا يغرق وهذا المعنى هو المشهور، ومنع الخلو بالمعنى الأعم هو الحكم بالتنافى فى الكذب مطلقا، سواء حكم بالتنافى فى حال صدق الطرفين واجتماعها أيضا أو حكم بعدمه أو لم يحكم بشىء، وهو بهذا المعنى يشمل الانفصال الحقيقى بخلافه بالمعنى الأخص فلا يشمله، فإذا أريد منع الخلو بالمعنى الأعم صح وجود الواسطة؛ لأن من صور منع الخلو عدم جواز الاجتماع، فلا يجتمع الكذب والخبر حال الجنة وهم من أهل اللسان فتعين أن يكون الخبر حال الجنة غير الكذب؛ لأنه قسيمه، وغير الصدق لأنهم يعتقدون عدم صدقه فتوجد الواسطة وحيث وجدت فلا يصح أن يكون الصدق عبارة عن مطابقة الواقع أو الاعتقاد، والكذب عدم مطابقة الواقع أو الاعتقاد وإلا لانتفت الواسطة، فتعين أن يكون الصدق عبارة عن المطابقة لهما معا، والكذب عدم المطابقة لهما معا وهو المطلوب. فإن قلت: لم عبر بقوله على سبيل منع الخلو ولم يقل على سبيل الانفصال الحقيقى مع أن القضية من قبيله فى نفس الأمر؟ قلت: إنما عبر بمنع الخلو؛ لأنه لا غرض لهم فى منع الاجتماع بين الأمرين، وإنما مطمح نظرهم منع الخلو فتأمل.

ص: 339

ولا شك أن (المراد الثانى) أى: الإخبار حال الجنة لا قوله: أَمْ بِهِ جِنَّةٌ على ما سبق إلى بعض الأوهام (غير الكذب لأنه قسيمه) أى: لأن الثانى قسيم الكذب إذ المعنى: أكذب أم أخبر حال الجنة، وقسيم الشىء يجب أن يكون غيره (وغير الصدق لأنهم لم يعتقدوه) أى: لأن الكفار لم يعتقدوا صدقه

===

(قوله: ولا شك أن المراد) أى: مراد الكفار

(قوله: أى الإخبار إلخ) أى:

المذكور فى قوله أَمْ بِهِ جِنَّةٌ (1) لأن المعنى أم أخبر حالة كونه به جنة

(قوله: لا قوله أم به جنة) أى: الواقع فى الآية، وذلك لأنه استفهام لا يوصف بالصدق ولا بالكذب؛ لأنه تصور ونفى الشىء فرع عن صحة ثبوته

(قوله: لأنه قسيمه) أى: مقابله، وكان الأولى أن يعبر بذلك؛ لأن التقسيم من باب التصورات وكلامنا هنا فى التصديقات؛ لأن قولهم (أفترى على الله كذبا أم به جنة) قضية لا مفرد وكلام المصنف إشارة لقياس من الشكل الأول، وتقريره الإخبار حال الجنة قسيم الكذب، وكل ما كان قسيما لشىء فهو غيره ينتج الإخبار حال الجنة غير الكذب

(قوله: إذ المعنى إلخ) فيه إشارة إلى أن أم فى الآية متصلة

(قوله: يجب أن يكون غيره) أى: فى التحقق، فيجب أن يكون خبره حال الجنون غير الكذب، فتصح المقابلة على سبيل الانفصال الحقيقى

(قوله: وغير الصدق) عطف على قوله غير الكذب أى: ولا شك أن مرادهم بالثانى هو الإخبار حال الجنة غير الصدق؛ لأنهم لم يعتقدوا صدق صلى الله عليه وسلم لكونه عدوّا لهم، وحينئذ فلا يصح أن يريدوا بالثانى صدقه، واعترض على المصنف بأن قولهم: لأنهم لم يعتقدوه لا يصح أن يكون دليلا للمدعى وهو أن المراد بالثانى غير الصدق، وبيان ذلك أن عدم اعتقادهم الصدق صادق باعتقادهم عدم صدقه وبتجويزهم لصدقه وبخلو ذهنهم عن ذلك، وحينئذ فيصح أن يراد بالثانى الصدق بناء على تجويزهم صدقه، وحينئذ فلا يصح الدليل فكان الأولى أن يقول: لأنهم يعتقدون عدم صدقه، وذلك لأن اعتقاد عدم الصدق لا يصدق على تجويزه، بل إنما يصدق بنفيه، وحينئذ فلا تصح إرادته؛

(1) سبأ: 8.

ص: 340

فلا يريدون فى هذا المقام الصدق الذى هو بمراحل عن اعتقادهم، ولو قال: لأنهم اعتقدوا عدم صدقه لكان أظهر،

===

لأن العاقل إنما يريد ما يعتقده أو يجوزه، فالدليل الصحيح اعتقادهم عدم صدقه، وأجيب بأن المراد بعدم اعتقادهم صدقه أنهم يبعدون عن تصديقه غاية البعد بحيث لا يجوزونه أصلا، ولا يخطر ببالهم كما أشار له الشارح بقوله الذى هو بمراحل عن اعتقادهم، ولا معنى لكونه بعيدا عن اعتقادهم غاية البعد إلا اعتقاد عدمه، فقد رجع ذلك إلى قولنا لاعتقادهم عدم صدقه ولا مكان الجواب عن المصنف بما ذكر قال الشارح أظهر.

(قوله: فلا يريدون إلخ) من عطف المعلول على العلة، وقوله فى هذا المقام أى مقام الإنكار عليه

(قوله: الذى هو بمراحل إلخ) فى معنى التعليل لقوله فلا يريدون إلخ، لأن الموصول وصلته فى حكم المشتق المؤذن تعليق الحكم بالعلية، وفى هذا التعليل إشارة إلى أن المراد بقوله لأنهم لم يعتقدوه نفى اعتقادهم الصدق على الوجه الأبلغ فيقدم عدم تجويزهم لصدقه وعدم خطور صدقه ببالهم.

(قوله: لكان أظهر) أى: فى الدلالة على المدعى، وهو أن المراد بالثانى غير الصدق، وهذا يفيد أن هذا أظهر مما ذكره المصنف، وما ذكره المصنف ظاهر أيضا.

أما الأول: فبيانه أن اعتقاد عدم الصدق مستلزم لذلك المدعى من غير واسطة؛ لأن اعتقاد عدم الصدق إنما يصدق بنفى الصدق ولا يصدق بتجويزه، وحينئذ فلا يوجب أن يراد بالثانى غير الصدق لصحة إرادة الصدق بناء على تجويزه كما مر.

وأما الثاني: فلما علمت أن مراد المصنف بقوله: لعدم اعتقادهم صدقة: أن الصدق بعيد عن اعتقادهم غاية البعد بحيث لا يجوزونه، وحينئذ فلا يصح أن يراد بالثانى من شقى الترديد الصدق، فكلام المصنف وإن أفاد المدعى بهذه المعونة إلا أن الذى قاله الشارح أظهر فى إفادة المدعى؛ لأن أخذ هذا المعنى الذى قلناه من عبارة المصنف فيه نوع خفاء قال العلامة عبد الحكيم: لك أن تقول إن قول المصنف: لأنهم لم يعتقدوه قضية معدولة أى: إنهم موصوفون بعدم اعتقاد صدقه لاعتقادهم عدمه، وحينئذ

ص: 341

فمرادهم بكونه أخبر حال الجنة غير الصدق وغير الكذب، وهم عقلاء من أهل اللسان عارفون باللغة فيجب أن يكون من الخبر ما ليس بصادق ولا كاذب حتى يكون هذا منه بزعمهم، وعلى هذا لا يتوجه ما قيل أنه لا يلزم من عدم اعتقاد الصدق عدم الصدق؛

===

فيؤول إلى الأظهر الذى قاله الشارح، وإن كان المتبادر منه السالبة

(قوله: فمرادهم إلخ) هذا حاصل لكلام المصنف السابق

(قوله: وهم عقلاء إلخ) جواب عما يقال إنما ألزمت الواسطة من قول هؤلاء وهم كفار فلا اعتبار بهم، فأجاب بأن المعول فى مثل هذا على اللسان واللغة، لا على الإخبار، وهؤلاء من أهل اللسان واللغة فيعول عليهم فى مثله؛ لأنهم لا يخطئون فيه

(قوله: اللسان) أى: اللغة، فقوله عارفون باللغة: تفسير لما قبله.

(قوله: فيجب إلخ) هذا تفريع على قوله فمرادهم إلخ

(قوله: حتى يكون إلخ) حتى تعليلية، وقوله هذا أى الإخبار حال الجنة، وقوله منه أى: مما ليس بصادق ولا كاذب، وقوله: بزعمهم أى: وإن كانت جميع أخباره- صلى الله عليه وسلم صادقة فى نفس الأمر ولا جنة، وقد يقال: هذا الدليل وإن نفى الحصر وأثبتت الواسطة إلا أنه إنما أثبت قسما واحدا من أقسام الواسطة الأربعة، وحينئذ فلا يكون منتجا لتمام المدعى، وقد يجاب بأن مراد الجاحظ إبطال مذهب غيره وإثبات مذهبه فى الجملة.

(قوله: وعلى هذا) أى: ولأجل هذا الذى قررناه بعد قول المصنف وغير الصدق إلخ، وهو قوله: فلا يريدون فى هذا المقام الصدق إلخ، قوله بعد ذلك فمرادهم بكونه أخبر حال الجنة غير الصدق وغير الكذب، فإن هذا يقتضى أن قول المصنف؛ لأنهم لم يعتقدوه علة لكون المراد بالثانى غير الصدق، وأن قول المصنف وغير الصدق عطف على قوله غير الكذب فينحل المعنى، ولا شك أن مراد الكفار بالثانى غير الكذب، ومرادهم به أيضا غير الصدق، وإنما كان مرادهم بالثانى غير الصدق؛ لأنهم لم يعتقدوه

(قوله: لا يتوجه ما قيل) أى: ما قاله الخلخالى اعتراضا على المصنف، وحاصله أنه فهم أن قول المصنف وغير الصدق: خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير وهو أى: الثانى غير الصدق فى الواقع، وإنما كان الثانى غير الصدق؛ لأنهم لم يعتقدوا صدقه، فجعل عدم

ص: 342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

اعتقاد الصدق علة لكون الثانى غير الصدق، واعترض بأنه لا يلزم من عدم اعتقاد الصدق الذى قاله المصنف عدم الصدق فى الواقع لجواز أن يثبت الصدق مع عدم اعتقاد الصدق، ألا ترى أن الكفار لا يعتقدون صدق النبى وهو صادق فى نفس الأمر، وحينئذ فلا يتم هذا التعليل، وحاصل الرد عليه أن هذا الاعتراض لا يتوجه على المصنف إلا لو كان جعل قوله لأنهم لم يعتقدوه: علة لعدم الصدق أى: لكون الثانى غير الصدق، والمصنف إنما جعله علة لعدم إرادتهم بالثانى الصدق، والحاصل أن الاعتراض مبنى على أن المعلل عدم الصدق، ونحن نجعل المعلل عدم إرادة الصدق، ولا شك أنه يلزم من عدم اعتقاد الصدق عدم إرادة الصدق؛ فتم التعليل. أفاد ذلك شيخنا العلامة العدوى، فثبت أن من الخبر ما ليس بصادق ولا كاذب.

وأجيب عنه بأن الافتراء هو الكذب عن عمد فهو نوع من الكذب، فلا يمتنع أن يكون الإخبار حال الجنون كذبا أيضا لجواز أن يكون نوعا آخر من الكذب وهو الكذب لا عن عمد، فيكون التقسيم للخبر الكاذب لا للخبر مطلقا، والمعنى أفترى أو لم يفتر، وعبر عن الثانى بقوله: أم به جنة؛ لأن المجنون لا افتراء له.

تنبيه آخر: وهو مما يجب أن يكون على ذكر الطالب لهذا العلم قال السكاكى (1): ليس من الواجب فى صناعة وإن كان المرجع فى أصولها وتفاريعها إلى مجرد العقل أن يكون الدخيل فيها كالناشئ عليها فى استفادة الذوق منها، فكيف إذا كانت الصناعة مستندة إلى تحكمات وضعية واعتبارات إلفية؟ فلا على الدخيل فى صناعة علم المعانى أن يقلد صاحبه فى بعض فتاواه إن فاته الذوق هناك إلى أن يتكامل له على مهل موجبات ذلك الذوق، وكثيرا ما يشير الشيخ عبد القاهر فى دلائل الإعجاز (2) إلى هذا كما ذكر فى موضع ما تلخيصه هذا.

(1) المفتاح ص 90.

(2)

دلائل الإعجاز ص 190، 191.

ص: 343

لأنه لم يجعله دليلا على عدم الصدق بل على عدم إرادة الصدق؛ فليتأمل (ورد) هذا الاستدلال (بأن المعنى) أى: معنى أَمْ بِهِ جِنَّةٌ (أم لم يفتر

===

اعلم أنه لا يصادف القول فى هذا الباب موقعا من السامع ولا يجد لديه قبولا حتى يكون من أهل الذوق والمعرفة ومن تحدثه نفسه بأن (لما) تومئ إليه من الحسن أصلا، فيختلف الحال عليه عند تأمل الكلام فيجد أريحية تارة ويعرى منها أخرى، وإذا عجبته تعجب وإذا نبهته لموضع المزية انتبه، فأما من كانت الحالات عنده على سواء وكان لا يتفقد من أمر النظم إلا الصحة المطلقة، وإلا إعرابا ظاهرا، فليكن عندك بمنزلة من عدم الطبع الذى يدرك به وزن الشعر، ويميز به مزاحفه من سالمه، فى أنك لا تتصدى لتعريفه لعلمك أنه قد عدم الأداة التى بها يعرف.

واعلم أن هؤلاء وإن كانوا هم الآفة العظمى فى هذا الباب، فإن من الآفة أيضا من زعم أنه لا سبيل إلى معرفة العلة فى شىء مما تعرفه المزية فيه، ولا يعلم إلا أن له موقعا من النفس وحظا من القبول، فهذا بتوانيه فى حكم القائل الأول.

واعلم أنه ليس إذا لم يمكن معرفة الكل وجب ترك النظر فى الكل؛ ولأن تعرف العلة فى بعض الصور فتجعله شاهدا فى غيره أحرى من أن تسد باب المعرفة على نفسك وتعودها الكسل والهوينا.

قال الجاحظ: وكلام كثير جرى على ألسنة الناس وله مضرة.

(قوله: لأنه) أى: المصنف لم يجعله أى: لم يجعل قوله: لأنهم لم يعتقدوه دليلا على عدم الصدق أى: كما فهم المعترض

(قوله: فليتأمل) أمر بالتأمل للإشارة إلى أنه يمكن أن يقال: إن عدم الاعتقاد أى: الجزم لا يستلزم عدم الإرادة؛ لأن الشاك المتردد ليس عنده اعتقاد وجزم وعنده إرادة للأمر المشكوك فيه للتردد بينه وبين غيره، وحينئذ فلا يصح جعل عدم اعتقاد الصدق دليلا لعدم الإرادة، والجواب أن المراد بقوله؛ لأنهم لم يعتقدوه: نفى اعتقادهم صدقة من حيث ذاته وإمكانه، والشاك معتقد لإمكان الشىء وإن كان غير معتقد له من حيث ذاته.

(قوله: ورد) حاصله على ما يشير إليه الشارح، منع أن المراد بالثانى غير الكذب، ومنع أنه قسيم للكذب، وبيانه أنا نختار أن المراد بالثانى الكذب، وقوله أنه

ص: 344