الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[أغراض التنكير]:
(وأما تنكيره) أى:
تنكير المسند إليه
(فللإفراد) أى: للقصد إلى فرد مما يقع عليه اسم الجنس (نحو: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى (1) أو النوعية) أى: للقصد إلى نوع منه
…
[تنكير المسند إليه]:
===
(قوله: وأما تنكيره أى تنكير المسند إليه) أى: إيراده نكرة سواء كان مفردا أو مثنى أو مجموعا
(قوله: فللإفراد) أى: فلكون المقصود بالحكم فردا غير معين من الأفراد التى يصدق عليها مفهومه، ففى الجمع المقصود بالحكم فرد من معناه وهو جماعة مما يصدق عليه مفهومه، وفى المثنى المقصود بالحكم فرد من معناه وهو اثنان مما يصدق عليه مفهومه فقولك جاءنى رجلان أى: فرد من ما صدقات المثنى، وقولك: جاءنى رجال أى فرد من ما صدقات الجمع، والفرد فى الأول اثنان، وفى الثانى جماعة. وقوله فللإفراد أى: والحال أن المقام لا يناسبه إلا الفرد لكون الحكم المراد فى المقام ليس لغيره، فالعدول لغيره خروج عما يناسبه المقام والزيادة عليه زيادة على قدر الحاجة وهى من اللغو، واعلم أن دلالة المنكر على الفرد ظاهرة، إن قلنا: إن النكرة موضوعة للفرد المنتشر، وأما إن قلنا إنها موضوعة للحقيقة من حيث هى فدلالتها على الفرد باعتبار الاستعمال الغالب؛ لأن الغالب استعمالها فى الفرد فتذكر النكرة لتحمل على الغالب الذى هو الفرد بقرينة المقام. اهـ. سم.
(قوله: وجاء رجل) أى: رجل واحد لا رجلان ولا رجال، والمراد بذلك الرجل مؤمن آل فرعون، وقوله من أقصى المدينة أى: من آخرها والمراد بالمدينة مدينة فرعون، وهى منف كما فى الجلالين، وليس المراد بمنف البلدة المشهورة الآن، بل بلدة كانت بناحية الجيزة فخربت بدعوة موسى عليه السلام، وهى بالقرب من البلدة المعروفة بمنية رهينة بإقليم الجيزة
(قوله: أى للقصد إلى نوع منه) أى: لكون المقصود بالحكم نوعا من أنواع اسم الجنس المنكر؛ وذلك لأن التنكير كما يدل على الوحدة
(1) القصص: 20.
(نحو: وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ (1)) أى: نوع من الأغطية؛ وهو غطاء للتعامى عن آيات الله، وفى المفتاح أنه للتعظيم؛ أى: غشاوة عظيمة (أو التعظيم، أو التحقير،
===
شخصا يدل عليها نوعا، ولعل الشارح أخذ القصد من ياء المصدر بجعله مصدر المتعدى أى: الجعل نوعا، والجعل بالقصد، وقد تقدم نظير ذلك فى قوله وبالعلمية
(قوله: غشاوة) أى: فليس المراد فردا من أفراد الغشاوة؛ لأن الفرد الواحد لا يكون بالأبصار المتعددة، بل المراد نوع من جنس الغشاء، وذلك النوع هو غطاء التعامى كما قال الشارح، وإنما لم يعبر الشارح بالعمى إشارة إلى تكلفهم العمى عن الآيات؛ لأنه ليس بهم عمى حقيقة، بل يعرفون الآيات ويفهمونها، ولكن يظهرون أنهم لا يعرفونها، فالحاصل أن التعامى تكلف العمى، والمراد هنا الإعراض عن آيات الله، فإضافة الغطاء للتعامى من إضافة السبب للمسبب؛ لأن الغطاء القائم بالقلوب الذى يصرف الأبصار عن النظر فى آيات الله سبب فى تعاميهم، وإعراضهم عن آيات الله
(قوله: أى نوع من الأغطية) الأولى نوع من الغشاء؛ لأن الغشاء جنس تحته نوعان متعارف وهو القائم بالأعين المسمى بالعمى، والثانى غير متعارف وهو الغطاء الذى يصرف الأبصار عن النظر فى آيات الله لأجل الاعتبار، وأما الأغطية فهو جمع تحته أفراد وكلامنا فى الأنواع
(قوله: وفى المفتاح إلخ) أى: والأول ذكره الزمخشرى فى الكشاف.
(قوله: أى غشاوة عظيمة) أى: لكونها تحجب أبصارهم بالكلية وتحول بينها وبين إدراك الأدلة الموصولة لمعرفة المولى أى: وما قاله فى المفتاح أولى؛ لأن المقصود بيان بعد حالهم عن الإدراك والتعظيم أدل عليه وأوفى بتأديته، وقد يقال لا تنافى بين كلام المصنف والمفتاح؛ لأن الغشاوة العظيمة نوع من مطلق الغشاوة، فمراد المصنف بقوله نحو: وعلى أبصارهم غشاوة أى: نوع من الغشاء، وهو الغشاوة العظيمة، وذلك النوع هو غطاء التعامى- فتأمل.
(قوله: أو التعظيم أو التحقير) أى: يذكر المسند إليه نكرة لإفادة تعظيم معناه أو تحقيره، وأنه بلغ فى ارتفاع الشأن أو فى الانحطاط مبلغا لا يمكن أن يعرف لعدم الوقوف على عظمه فى الأول، ولعدم الاعتداد به والالتفات إليه فى الثانى.
(1) البقرة: 7.
كقوله: له حاجب (1)) أى: مانع عظيم (فى كل أمر يشينه) أى: يعيبه (وليس له عن طالب العرف حاجب)
…
===
(قوله: كقوله) أى: قول ابن أبى السمط بكسر السين وسكون الميم وهو من قصيدة من الطويل وقبل البيت:
فتى لا يبالى المدلجون بناره
…
إلى بابه ألا تضىء الكواكب
يصمّ عن الفحشاء حتى كأنّه
…
إذا ذكرت فى مجلس القوم غائب
له حاجب
…
إلخ
…
...
والمراد بالحاجب هنا نفسه الإنسانية التى هى لطيفة ربانية لها تعلق بالقلب اللحمانى الصنوبرى الشكل تعلق العرض بالجوهر، وتسمى أيضا قلبا وروحا، وهى المخاطبة والمثابة والمعاقبة، فإن قلت: إن النفس بهذا المعنى تميل إلى القبائح الدينية والدنيوية فكيف تكون مانعة عن تلك الأمور؟ أجيب بأن ميلها لذلك بالنظر لذاتها، وأما إذا حفتها العناية الإلهية صارت مائلة إلى التطهير فتمنع بسبب ذلك من كل ما يشين
(قوله: أى مانع عظيم) أخذ هذا من كون المقام مقام مدح أى: إنه إذا أراد أن يرتكب أمرا قبيحا منعه مانع حصين عظيم بالغ فى العظمة إلى حيث لا يمكن تعيينه، وإذا طلب منه إنسان معروفا وإحسانا لم يكن له مانع حقير فضلا عن العظيم يمنعه من الإحسان إليه فهو فى غاية الكمال ولم يقم به نقص
(قوله: يشينه) من الشين وهو القبح
(قوله: وليس له عن طالب العرف) أى المعروف والإحسان، ثم إن الحجب يستعمل بعن بالنظر للمفعول الثانى، وأما الأول فيصل إليه بنفسه قال تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (2) وحجبت زيدا عن الأمر، إذا علمت هذا فحاجب الأول قد جاء على الأصل؛ لأن صلته محذوفة وفى كل أمر ظرف مستقر صفة لحاجب أى له حاجب عن ارتكاب ما لا يليق فى كل أمر يشينه، أو أن فى بمعنى عن، وأما حاجب الثانى فقد جاء
(1) فى الإيضاح الفقرة 37، التبيان 1/ 71، الإشارات والتنبيهات/ 41، المفتاح/ 13، شرح المرشدى على عقود الجمان 1/ 66، ديوان المعانى 1/ 127، معاهد التنصيص 1/ 27.
(2)
المطففين: 15.
أى: مانع حقير، فكيف بالعظيم (أو التكثير، كقولهم: إن له لإبلا، وإن له لغنما، أو التقليل،
…
===
على خلاف الأصل؛ لأن العرف مفعوله الثانى والطالب له مفعوله الأول؛ وذلك لأن الحجب للطالب عن العرف لا للمدوح عن الطالب فكان القياس أن يقول وليس له حاجب عن المعروف طالبه، وأجيب بأن فى الكلام حذف مضاف أى: ليس له حاجب عن إحسان طالب العرف أى: عن الإحسان إليه والمفعول الأول محذوف أى: طالبه.
وقال عبد الحكيم: إن عدم الحاجب عن طلاب المعروف كناية عن ورودهم واجتماعهم عليه وهو كناية عن حصول مقاصدهم وهو إحسانه إليهم، وحينئذ فلا حاجة إلى تقدير عن إحسانه كما قيل، وقوله وليس له عن طالب العرف: كان الأولى أن يأتى بالفاء لدلالة الأول عليه لأنه لو كان له مانع من طالب العرف كان من جملة ما يشينه ويعيبه.
(قوله: أى مانع حقير) يحتمل أن يكون للفردية شخصا، لا نوعا فيكون من القسم الأول على حد قوله تعالى: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى (1) فتكون النكرة عامة لوقوعها فى حيز النفى، بل هذا الاحتمال أولى لدلالة التركيب على نفى جميع الأفراد مطابقة- كذا قال الحفيد. ورد ذلك العلامة الفنرى قائلا: إن حمل التنكير فى الثانى على التحقير أولى لما فيه من سلوك طريق البرهان وهى إثبات الشىء بدليل؛ لاستفادة انتفاء الحاجب العظيم من انتفاء الحقير بالأولى مع حسن مقابلة تنوين التعظيم بتنوين التحقير وفيه صنعة الطباق.
(قوله: أو التكثير) أى: يورد المسند إليه نكرة لإفادة تكثيره
(قوله: إن له لإبلا إلخ) أى: فإن مقامات هذا الكلام تقتضى أن المراد إبلا كثيرة وغنما كذلك، وإنما أفاد التنكير التكثير مع أن الأصل فى النكرة الإفراد؛ لأن التنكير يشعر بأن هذا أمر منكر لعدم الإحاطة به
(قوله: ورضوان إلخ) أى: وشىء ما أى قليل من الرضوان أكبر من ذلك كله أى مما ذكر قبله من الجنة ونعيمها، وعلى هذا فقوله: ورضوان مبتدأ، وأكبر خبر، والجملة حالية أى: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ (2).
(1) القصص: 20.
(2)
التوبة: 72.
نحو: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ (1)) والفرق بين التعظيم والتكثير- أن التعظيم
…
===
والحال أن شيئا ما من الرضوان أكبر من ذلك كله، ووصف الرضوان بالقلة مجازا باعتبار تنزيل الرضا منزلة المعدودات نظرا لتعدد متعلقاته كعدم الفضيحة فى الموقف، وإلا من العذاب والخلود فى دار السّلام، وإلا فالرضا نفسه لا يقبل القلة والكثرة حقيقة؛ لأنه صفة واحدة، وإنما كان الرضوان ولو قل متعلقه أكبر وأعظم من مجرد دخول الجنة ومن كل ما فيها من النعيم؛ لأن المراد بالرضوان إعلامهم به، ولا شك أن إعلامهم به ولو مع أدنى متعلقاته أكبر من مجرد نعيم الجنة دون الإعلام به وسماعه؛ لأن لذة النفس بشرف كونها مرضية عند الملك العظيم أكبر من كل لذة ولو كان ذلك قليل المتعلق- أفاده اليعقوبى أولا، وكل ما سواه من ثمراته قيل: إن التنكير فى" ورضوان" للتعظيم، وعلى هذا فرضوان مبتدأ حذف خبره، وأكبر صفته، والجملة عطف على جملة: وعد المؤمنين أى: ولهم رضوان عظيم من الله تعالى أكبر من ذلك كله زيادة على تلك النعم، قال الفنارى: وهذا أولى؛ لأن فيه دلالة على حصول الرضوان لهم صريحا بخلاف ما ذهبوا إليه؛ ولأن المقام مقام امتنان بنعم الوعد وبيان عظم نعم الجنة فترجيح شىء من الأشياء عليها بطريق لقصد لا يناسب المقام، وإن كان رضوان قليل من الله تعالى أكبر من ذلك كله فى نفس الأمر. وفى عبد الحكيم: أن جعل التنوين فى قوله تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ للتقليل- كما قال المصنف- أولى من جعله للتعظيم، وأن المعنى ولهم رضوان عظيم من الله أكبر من ذلك كله لعدم حصول الرضوان العظيم لجميع المؤمنين والمؤمنات؛ ولأن جعله للتقليل يشير إلى كمال كبريائه والوعد لا بطريق الجزم كما هو شأن الملوك، إشارة إلى أنه غنى عن العالمين
(قوله: والفرق إلخ) إنما فرق ردا على من لا يفهم الفرق، فاعترض على المصنف بأنه لا حاجة لذكر التنكير والتقليل بعد ذكر التعظيم والتحقير؛ لأن التكثير هو التعظيم والتقليل هو
(1) التوبة: 72.
بحسب ارتفاع الشأن، وعلو الطبقة، والتكثير باعتبار الكميات والمقادير؛ تحقيقا:
كما فى الإبل، أو تقديرا: كما فى الرضوان، وكذا التحقير، والتقليل، وللإشارة إلى أن بينهما فرقا قال:(وقد جاء) التنكير للتعظيم، والتكثير، نحو: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ (1)) مِنْ قَبْلِكَ
…
===
التحقير، وحينئذ ففى كلام المصنف تكرار
(قوله: بحسب ارتفاع الشأن) أى: فهو راجع للكيفيات، وقوله وعلو الطبقة أى: المرتبة مرادف لما قبله.
(قوله: باعتبار الكميات) أى: المنفصلة كما فى المعدودات، فالمائة بيضة يقال إنها أكثر من الخمسين باعتبار الكم الذى هو العدد العارض، لذلك المعدود
(قوله: والمقادير) أراد بها الكميات المتصلة كالطول والعرض والعمق، وذلك فيما عدا المعدودات كالمكيالات والموزونات، فالعشرة أرطال من السمن مثلا يقال إنها أكثر من ثمانية منه باعتبار ما قام بها من الكم المتصل، وكذا يقال فى العشرة أرادب من القمح والثمانية منه- كذا قرره شيخنا العدوى.
(قوله: كما فى الرضوان) أى: كالرضا فهو معنى من المعانى فيقدر أن له أفرادا باعتبار متعلقة، فالكميات والمقادير فيه إنما هى باعتبار متعلقاته لا باعتبار نفسه، وحينئذ فالكميات والكيفيات فيه تقديرية، لكن فى كلام الشارح شىء وهو أن كلام الشارح فى التنكير والرضوان ذكره المصنف مثالا للتقليل، وحينئذ فلا يناسب قوله كما فى الرضوان إلا أن يقال إن التمثيل به من حيث إن الكميات والمقادير فيه تقديرية فلا ينافى أن التنوين فيه للتقليل كما فعل المصنف أو يقال: إن جعله مثالا للتكثير باعتبار الكميات، تقدير إلا ينافى كونه فى الآية للتقليل فليس المراد بقول الشارح: كالرضوان الرضوان الواقع فى الآية.
(قوله: وكذا التحقير والتقليل) أى: فالأول يرجع للكيفيات لأنه عبارة عن انحطاط الشأن ودنو المرتبة وهو يرجع للامتهان ودناءة القدر، والثانى يرجع للكميات؛ لأنه عبارة عن قلة الأفراد والأجزاء إما حقيقة كقولك: فلان رب غيمة، وإما تقديرا كما فى قولك: قد يكون لفلان رضوان عن أهل عدواته
(قوله: وللإشارة إلخ) أى: لأن
(1) الحج: 42.
(أى: ذوو عدد كثير) هذا ناظر إلى التنكير (و) ذوو (آيات عظام) هذا ناظر إلى التعظيم، وقد يكون للتحقير، والتقليل معا؛ نحو: حصل لى منه شىء؛ أى: حقير قليل (ومن تنكير غيره) أى: غير المسند إليه (للإفراد أو النوعية، نحو: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ) أى: كل فرد من أفراد الدواب من نطفة معينة
…
===
العطف يقتضى المغايرة، وقوله إلى أن بينهما أى بين التعظيم والتكثير
(قوله: أى ذوو عدد كثير) فيه أن الكثرة مستفادة من جمع الكثرة وهو رسل، فكيف يمثل بهذه الآية لإفادة التنكير للتكثير؟ وقد يجاب بأن المراد بالتكثير المبالغة فى الكثرة، لا أصلها؛ لاستفادته من صيغة الجمع، فالكثرة مقولة بالتشكك، فالمأخوذ من التنكير خلاف المأخوذ من صيغة الجمع.
(قوله: وآيات عظام) لم يقل رسل عظام مع أن مقتضى كون التنوين للتعظيم أن يكون العظم وصفا لهم لا للآيات؛ لأن كون آياتهم عظيمة يستلزم أن يكونوا عظاما فهو من الكناية أطلق الملزوم وأراد اللازم وهى أبلغ من الحقيقة؛ لأن محصلها إثبات الشىء بالدليل
(قوله: وقد يكون للتحقير والتقليل) أى: فكما أن التعظيم والتكثير قد يجتمعان وقد يفترقان، فكذلك التحقير والتقليل
(قوله: ومن تنكير غيره إلخ) لما مثل صاحب المفتاح فى هذا المقام بأمثلة لتنكير غير المسند إليه، وتوهم بعضهم أنها أمثلة للمسند إليه، فاحتاج إلى تكلف التأويل، أفاد المصنف أن مراد السكاكى التمثيل لتنكير غيره لئلا يتوهم اختصاص تلك الأمور بتنكير المسند إليه، فقال ومن تنكير غيره إلخ
(قوله: أى غير المسند إليه) أى: لأن دابة مجرور بالإضافة وماء مجرور بمن.
(قوله: أى كل فرد إلخ) حاصل التفسير الأول خلق الشخص من الشخص، فالتنكير فى دابة وماء للوحدة الشخصية، وحاصل التفسير الثانى أن خلق النوع من النوع، فالتنكير فى دابة وماء للوحدة النوعية، وأورد على التفسير الأول آدم وحواء وعيسى، وكذلك الغراب والبرغوث والعقرب والفأر والدود على ما صرحوا به من أنها قد تخلق من التراب، وأجيب بأن هذا فى حكم المستثنى، وسكت عن استثنائها لشهرة أمرها، وقيل: إن الكلام محمول على الغالب فهو من قبيل تنزيل الأكثر منزلة الكل،
[و] هى نطفة أبيه المختصة به، أو كل نوع من أنواع الدواب من نوع من أنواع المياه؛
…
===
أو أن قوله مِنْ ماءٍ متعلق بمحذوف صفة لدابة لا صلة لخلق، وحينئذ فلا يرد شىء من ذلك، وإنما عدل الشارح عما قاله البيضاوى من أن المعنى خلق كل فرد من أفراد الدواب من ماء هو جزء مادته، مع أنه لم يرد عليه هذا الإشكال المتقدم؛ لأن ما قاله مبنى على مذهب الحكماء من تركيب كل حيوان من العناصر الأربعة وهى الماء والنار والهواء والتراب
(قوله: وهى نطفة أبيه) أراد بالأب مطلق الأصل الشامل لكل من أبيه وأمه على طريق المجاز المرسل من إطلاق اسم الخاص وإرادة العام، فاندفع ما يقال إن خلقه من نطفة أبيه يتوقف على مخالطة نطفة أمه لنطفة أبيه، فكان الأولى أن يقول والنطفة الممتزجة من ماء أبويه، أو يقال: تخصيص الأب بالذكر- وإن كان مخلوقا من نطفتى الأب والأم- لكونه منسوبا إليه:
(قوله: أو كل نوع إلخ) هذا الاحتمال هو المناسب للتفصيل بعد ذلك وهو قوله: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي (1) إلخ، إذ هو تفصيل للأنواع وحمله على الأفراد تكلف. قاله ابن قاسم.
إن قلت: إن النوع أمر كلى لا وجود له فى الخارج فلا يتعلق به ولا منه.
أجيب بأن الحكم بخلقه، والخلق منه باعتبار تحققه فى الأفراد، والحاصل أن المراعى على الاحتمال الأول: الأفراد، وعلى الاحتمال الثانى: النوع، لكن من حيث تحققه فى الأفراد فهما مختلفان من جهة الملحوظ أولا وبالذات
(قوله: من نوع من أنواع المياه) اعترض بأن هذا يقتضى أن كل نوع من أنواع المياه لا يخلق منه إلا نوع واحد من أنواع الحيوان، مع أنه قد يخلق من النوع الواحد من المياه نوعان من الدواب كالحمار والبغل، فإنهما يخلقان من ماء الحمار، وأجيب بأن المراد بنوع الماء الممتزج من ماء الذكر وماء الأنثى، وماء الحمار مع ماء الفرس غيره مع ماء الحمارة، هذا وترك الشارح حمل التنكير فى الأول على النوعية، والثانى على الفردية، والعكس لعدم صحة ذلك؛ لأنه لم يخلق نوع من الفرد ولا فرد من النوع، وإن كان ذلك ممكنا عقلا، لكن
(1) النور: 45 وهى وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ
…
الآية.
وهو نوع النطفة التى تختص بذلك النوع من الدواب (و) من تنكير غيره (للتعظيم نحو: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (1)) أى: حرب عظيم (وللتحقير؛ نحو:
إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا (2)) أى: ظنا حقيرا ضعيفا، إذ الظن مما يقبل الشدة والضعف، فالمفعول المطلق هاهنا للنوعية لا للتوكيد، وبهذا الاعتبار صح وقوعه بعد الاستثناء
…
===
لم يقع ولا استحالة فى شىء منهما خلافا لما ذكره بعضهم من استحالة خلق نوع من شخص من الماء، ولا وجه له، إذ لا يبعد أن يخلق نوع من شخص الماء
(قوله: وهو نوع النطفة) أى: فالمعنى خلق كل نوع من الدواب من نوع من النطفة.
(قوله: أى حرب عظيم) إنما جعل التنكير هنا للتنظيم؛ لأن الحرب القليل يؤذن بالتساهل فى النهى عن موجب الحرب الذى هو الربا وهو غير مناسب للمقام؛ لأن المقام مقام تنفير عنه فالمناسب له حمل الحرب على العظيم للدلالة على أن النهى عن موجب الحرب أكيد جدا، ويحتمل أن تنكير حرب للنوعية أى نوع من الحرب غير متعارف وهو حرب جند الغيب
(قوله: إن نظن) أى: بالساعة
(قوله: للنوعية) أى: مع التوكيد، وقوله لا للتوكيد أى: للتوكيد المجرد عن إفادة النوعية، وإلا فالمفعول المطلق لا ينفك عن التوكيد، وإنما لم يكن للتوكيد المجرد عن إفادة النوعية لئلا يلزم استثناء الشىء من نفسه والتناقض؛ لأن الظن الذى نفى أولا هو الذى أثبت ثانيا
(قوله: وبهذا الاعتبار) أى:
جعل المفعول المطلق هنا مبينا للنوعية لا لمجرد التوكيد، وهذا جواب عن إشكال يورد على مثل هذا التركيب وهو أن المستثنى المفرغ يجب أن يستثنى من متعدد مستغرق حتى
(1) البقرة: 279.
(2)
الجاثية: 32.
هذا، وقد يأتى التنكير لأغراض أخرى: منها قصد التجاهل فى قوله تعالى: هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [سبأ: 7].
ومنها أن يمنع مانع من التعريف كما فى قول الشاعر:
إذا سئمت مهنّده يمين
…
لطول الحمل بدّله شمالا
لم يقل" يمينه" لأنه كره أن ينسب ذلك إلى يمين ممدوحه، فنكرها ولم يضفها إليه. [انظر الإيضاح للقزوينى].
مفرغا مع امتناع نحو: ضربته إلا ضربا، على أن يكون المصدر للتأكيد؛ لأن مصدر ضربته لا يحتمل غير الضرب، والمستثنى منه يجب أن يكون متعددا يحتمل المستثنى وغيره، واعلم أنه كما أن التنكير الذى فى معنى البعضية يفيد التعظيم فكذلك صريح لفظة البعض كما فى قوله تعالى: وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ أراد محمدا صلى الله عليه وسلم ففى هذا الإبهام
…
===
يدخل فيه المستثنى فيخرج بالاستثناء، وليس مصدر نظن محتملا غير الظن مع الظن حتى يخرج الظن من بيته، وحينئذ فيلزم استثناء الشىء من نفسه مع التناقض وبما ذكره الشارح ينحل الإشكال ولا حاجة لما ذكره بعض النحاة من حمل الكلام على التقديم والتأخير أى: إن نحن إلا نظن ظنا، وكذا يقال فى نظائره
(قوله: مفرغا) أى استثناء مفرغا، فمفرغا نعت لمصدر محذوف وهو مصدر نوعى، ولا يصح جعله حالا من الاستثناء لفقدان شرط مجىء الحال من المضاف إليه المعتبر عند النحاة
(قوله: على أن يكون المصدر للتأكيد) أى:
وأما على جعله مبينا للنوعية أى: ضربا كثيرا أو قليلا، فيصح فلا فرق بين قولك ما ضربت إلا ضربا، وبين قوله تعالى إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا (1) فى أنه إن أريد بالمصدر فيهما بيان النوعية صح الاستثناء وإن أريد به مجرد التأكيد امتنع للزوم استثناء الشىء من نفسه والتناقض
(قوله: والمستثنى منه يجب إلخ) أى: لئلا يلزم استثناء الشىء من نفسه ويلزم التناقض؛ لأن ما ضربته مثلا يقتضى نفى الضرب وإلا ضربا يقتضى إثباته
(قوله: الذى فى معنى البعضية) وهو المراد به نوع من الجنس، وقوله يفيد التعظيم أى: أو التحقير أو التكثير أو التقليل، وذلك لأن التنكير للتنويع وكل من التعظيم والتحقير والتكثير والتقليل نوع
(قوله: فكذلك صريح لفظة البعض) أى: تفيد التعظيم من باب أولى، وكذلك قد يقصدها بها التحقير والتقليل، فمثال التعظيم ما ذكره الشارح، ومثال قصد التحقير بها قولك: هذا كلام ذكره بعض الناس، ومثال قصد التقليل قولهم كفى هذا الأمر بعض اهتمامه، وهذا مثل يقال لمن رأى شخصا فى همّة عظيمة لأجل أمر قليل، فبعض مفيدة لقلة الأمر أى: أن هذا الأمر لقلته يكفيه بعض ذلك الاهتمام.
(1) الجاثية: 32.