المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

خارج عن حد البلاغة، وإلى أن هذه الوجوه إنما تعد - حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - جـ ١

[محمد بن أحمد الدسوقي]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم

- ‌ترجمة جلال الدين القزوينى صاحب" التلخيص

- ‌اسمه ونسبه:

- ‌ولادته ونشأته:

- ‌صفته:

- ‌طلبه للعلم ومشايخه:

- ‌مصنفاته:

- ‌وفاته:

- ‌ترجمة سعد الدين التفتازاني صاحب" مختصر السعد شرح التلخيص

- ‌مولده:

- ‌منزلته وشهرته:

- ‌مصنفاته:

- ‌مذهبه الفقهي:

- ‌عبقرية التفتازاني:

- ‌ذكر وفاته- رحمه الله تعالى

- ‌كتاب" مختصر السعد

- ‌ترجمة محمد بن عرفة الدسوقى صاحب" حاشية الدسوقى

- ‌اسمه وكنيته

- ‌مولده وحياته:

- ‌صفاته:

- ‌شيوخه:

- ‌تلاميذه:

- ‌ وفاته

- ‌مؤلفاته:

- ‌منهج التحقيق

- ‌مقدمة مختصر السعد

- ‌كلمة الافتتاح للدسوقي

- ‌[القول فى البسملة]:

- ‌[القول فى الحمد]:

- ‌[الكلام فى الشكر]:

- ‌[مقدمة فى بيان معنى الفصاحة والبلاغة]:

- ‌[المقدمه ما هي

- ‌ الفصاحة

- ‌[تقسيم الفصاحة بالمفرد والكلام]

- ‌[يوصف المتكلم بالفصاحه كما يوصف بها الكلام]

- ‌[البلاغة]

- ‌[يوصف الكلام والمتكلم بالبلاغه]

- ‌[الفصاحه في المفرد خلوها عن]

- ‌[عن التنافر]

- ‌[الضابط في التنافر]

- ‌[والغرابه]

- ‌[والمخالفة]

- ‌[من الكراهة فى السمع]

- ‌[الفصاحة فى الكلام خلوها عن: ]

- ‌[الضعف]

- ‌[(والتعقيد)]

- ‌بلاغة الكلام

- ‌[تعريف الحال]

- ‌[مقتضى الحال]

- ‌ أعلى

- ‌لبلاغة الكلام (طرفان:

- ‌[أسفل]

- ‌بلاغة المتكلم

- ‌الفن الأول علم المعاني

- ‌[عله تقديمه علي البيان]

- ‌[تعريف علم المعاني]

- ‌[انحصار الخبر فى الصادق والكاذب]:

- ‌تنبيه حول «تنبيه»

- ‌[الباب الاول] (أحوال الإسناد الخبرى):

- ‌[الحقيقة والمجاز العقليان]:

- ‌[المجاز العقلي]:

- ‌[أقسام المجاز العقلي]:

- ‌[[الباب الثانى] أحوال المسند إليه]:

- ‌ ذكر المسند إليه

- ‌‌‌[تعريف المسند اليه]

- ‌[تعريف المسند اليه]

- ‌[أغراض التعريف]:

- ‌[تعريفه بالإضمار]:

- ‌[تعريفه بالعلمية]:

- ‌[تعريفه بالموصولية]:

- ‌[تعريفه بالإشارة]:

- ‌ تعريف المسند إليه باللام

- ‌ تعريف المسند إليه بالإضافة

- ‌[أغراض التنكير]:

- ‌ تنكير المسند إليه

- ‌أغراض الوصف

- ‌[أغراض التوكيد]:

- ‌[أغراض عطف البيان]

- ‌[بيان المسند إليه]:

- ‌[أغراض البدل]:

- ‌[الإبدال من المسند إليه]:

- ‌[أغراض العطف]:

- ‌[العطف على المسند إليه]:

- ‌[أغراض ضمير الفصل]:

- ‌[أغراض التقديم]:

- ‌ تقديم المسند إليه

- ‌[رأى عبد القاهر]:

- ‌[موافقة السكاكى لرأى عبد القاهر]:

- ‌ تأخير المسند إليه

- ‌[تخريج المسند إليه على خلاف مقتضى الظاهر]

- ‌[وضع المضمر موضع المظهر]:

- ‌[إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر]:

- ‌[التعبير بالمستقبل بلفظ الماضى]:

- ‌خاتمة

الفصل: خارج عن حد البلاغة، وإلى أن هذه الوجوه إنما تعد

خارج عن حد البلاغة، وإلى أن هذه الوجوه إنما تعد محسنة بعد رعاية المطابقة، والفصاحة، وجعلها تابعة لبلاغة الكلام دون المتكلم؛ لأنها ليست مما يجعل المتكلم متصفا بصفة.

‌بلاغة المتكلم

(و) البلاغة (فى المتكلم ملكة يقتدر بها

===

فيه؛ لأن المطابقة مع الفصاحة هى البلاغة، ويلزم من كون هذه الوجوه تابعة للبلاغة أن تكون سواها؛ لأن التابع غير المتبوع على أنه يوهم أن المطابقة والفصاحة يتبعان البلاغة مع أنها هما؛ أجيب بأن المطابقة مع الفصاحة ليستا عين البلاغة، بل هما أعم منها من حيث التحقق؛ لأنهما يوجدان بدون البلاغة فيما إذا لم تراع الخصوصية، فالبلاغة عبارة عن المطابقة والفصاحة واعتبار الخصوصيات، وحينئذ فلا يعلم من كون تلك الوجوه تابعة للبلاغة كونها غير هذين الأمرين؛ لأنهما تابعان لها أيضا باعتبار أنهما من جملتها، فاحتاج إلى إفادة أنها غيرهما فيكون فى قوله آخر فائدة، وهى أن تلك الوجوه ليست لازمة للبلاغة لكونها سوى الأمرين اللذين تحصل بهما البلاغة، بل اعتبار تلك الوجوه فى الكلام، إنما يكون بعد البلاغة.

(قوله: خارج عن حد البلاغة) هذا تفسير لقوله عرضى، والمراد بحدها أصلها، وحينئذ فالإضافة بيانية

(قوله: والفصاحة) أى: وبعد الفصاحة فهو عطف على رعاية، فحسن الكلام بهذه الأوجه لا يعتبر حتى يحصل متبوعه الذى هو البلاغة، ولا تحصل البلاغة إلا إذا حصلت الفصاحة وروعيت المطابقة لمقتضى الحال.

(قوله: وجعلها) أى: تلك الوجوه، وقوله: لأنها أى: تلك الوجوه

(قوله: متصفا بصفة) أى: فهى مناسبة لبلاغة الكلام؛ لأنها لا تجعل المتكلم متصفا بصفة، وإنما تجعل الكلام متصفا بصفة بخلاف بلاغة المتكلم، فإنها تجعل المتكلم متصفا بصفة، فيقال له بليغ، فلما كانت تلك الوجوه مناسبة لبلاغة الكلام جعلت تابعة لها، فإن قلت: كما يجعل المتكلم موصوفا بالبلاغة بحيث يقال له متكلم بليغ باعتبار ما قام به من ملكة الاقتدار على ذلك؛ لأنهم صرحوا بأن من قام به وصف يجب أن يشتق له منه اسم،

ص: 261

على تأليف كلام بليغ فعلم)

===

وحينئذ فلا يتم قول الشارح؛ لأنها ليست مما يجعل المتكلم موصوفا بصفة أجيب بأن المراد أنها ليست مما يجعل المتكلم متصفا بصفة معهودة فى العرف إذ لا يقال عرفا لمن يتكلم بما فيه تجنيس مجنس، ولا لمن يتكلم بما فيه تطبيق، أو ترصيع مطبق أو مرصع كما يقال عرفا: بليغ وفصيح للمتكلم بالكلام البليغ أو الفصيح، وهذا لا ينافى أنه يوصف بكونه مجنسا، أو مرصعا لغة، فتحصل أن المانع من جعلها تابعة لبلاغة المتكلم كونها؛ لأنها لا تجعل المتكلم متصفا بصفة معهودة فى العرف كبلاغة الكلام، وهناك مانع آخر وهو أن هذه الوجوه محسنة للكلام لا للمتكلم، فلذا جعلت تابعة لبلاغة الكلام دون المتكلم.

(قوله: على تأليف كلام بليغ) اعترض بأن كلام نكرة فى سياق الإثبات، فلا تعم عموما شموليا بل عموما بدليا، فيصدق التعريف بما إذا قدر على تأليف كلام بليغ فى نوع واحد من المعاني: كالمدح دون آخر كالذم والشكر والشكاية والتضرع والنهى، أو على اثنين مثلا دون البقية مع أنه لا يقال له بليغ، وحينئذ فالتعريف غير مانع، وأجاب العلامة عبد الحكيم بأن النكرة هنا وإن كانت فى سياق الإثبات إلا أنها موصوفة وهى تفيد العموم نحو أكرم رجلا عالما، أى: رجل عالم، وحينئذ فالمعنى هنا يقتدر بها على تأليف أى كلام بليغ يقصده، فيخرج عن التعريف ملكة الاقتدار على تأليف كلام خاص، وما ذكره من أن النكرة الموصوفة تفيد العموم صرح به الحنفية فى أصولهم، أو يجاب بأن إضافة المصدر تفيد العموم، أو أن المتبادر من الملكة هو الكامل منها، وهو ما ذكرناه.

والتعريف يحمل على المتبادر، فإن قلت: إن العموم مضر؛ لأنه يلزم على اعتباره فى التعريف أن لا توجد البلاغة فى أحد من البشر بل ولا فى غيرهم؛ وذلك لأن من جملة الكلام البليغ: القرآن، فلا يكون الشخص بليغا إلا إذا كان فيه ملكة يقتدر بها على التعبير بمثله إذا قصد ذلك مع أن الإتيان بمثل القرآن ليس فى قدرة أحد.

ص: 262

مما تقدم (أن كل بليغ) كلاما كان أو متكلما- بناء على استعمال المشترك فى معنييه، أو على تأويل كل ما يطلق عليه لفظ البليغ- (فصيح) لأن الفصاحة مأخوذة فى تعريف البلاغة مطلقا (ولا عكس) بالمعنى اللغوى؛ أى: ليس كل فصيح بليغا؛

===

قلت: المراد بالعموم هنا: العموم العرفى لا الحقيقى، وحينئذ فلا يرد ذلك

(قوله: مما تقدم) أى: من تعريف البلاغة والفصاحة.

(قوله: بناء على استعمال المشترك إلخ) أى: بناء على جواز استعمال المشترك فى معنييه، فإن البليغ موضوع للكلام والمتكلم بوضعين مختلفين، فلفظ بليغ من قبيل المشترك اللفظى الذى تعدد فيه الوضع، فقوله استعمال المشترك أى: اللفظى

(قوله: أو على تأويل كل إلخ) الإضافة بيانية أى: أو على تأويل هو كل إلخ، أو على تأويل البليغ بما يطلق عليه لفظ البليغ، فالبليغ على هذا أمر كلى تحته فردان، فهو من قبيل الكلى المتواطىء وهو المشترك المعنوى، وهذان الاحتمالان يجريان فى قوله ليس كل فصيح

(قوله: مطلقا) أى: كانت بلاغة كلام أو متكلم، لكن أخذها فى بلاغة الكلام بطريق الصراحة، وأما أخذها فى بلاغة المتكلم فبواسطة، وذلك لأنه أخذ فى بلاغة المتكلم قوله على تأليف كلام بليغ، وقد أخذ الفصاحة فى تعريف الكلام البليغ

(قوله: ولا عكس بالمعنى اللغوى) أى: وهو عكس الموجبة الكلية موجبة كلية أى: لا عكس بالمعنى اللغوى صحيح، وليس المراد: ولا عكس ممكن؛ لأنه ممكن أن يقال: كل فصيح بليغ وإن كان غير صحيح، أو المراد: ولا عكس بالمعنى اللغوى ثابت فى الواقع، واحترز بقوله بالمعنى اللغوى من العكس بالمعنى الاصطلاحى وهو عكس الموجبة الكلية موجبة جزئية فإنه صحيح بأن يقال بعض الفصيح بليغ.

(قوله: أى ليس كل فصيح بليغا) يحتمل أن يكون علة لقوله ولا عكس بالمعنى اللغوى، أى: لأنه ليس كل فصيح بليغا، ويحتمل أن يكون تفسيرا، ففسر النفى وهو لا بليس، وفسر المنفى وهو العكس اللغوى بما بعد ليس، وقوله أى ليس كل فصيح بليغا بالفعل، بل تارة يكون بليغا وتارة لا، ولذا صح التعليل بقوله لجواز إلخ، وليس المراد أنه

ص: 263

لجواز أن يكون كلام فصيح غير مطابق لمقتضى الحال، وكذا يجوز أن يكون لأحد ملكة يقتدر بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح من غير مطابقة لمقتضى الحال (و) علم أيضا

===

ليس كل فصيح بليغا بالإمكان، أو الضرورة وإلا فسد التعليل

(قوله: لجواز إلخ) هذا بيان لانفراد فصاحة الكلام عن البلاغة وذلك كما إذا قيل لمنكر قيام زيد: زيد قائم من غير توكيد، وقوله كذا يجوز إلخ: بيان لانفراد فصاحة المتكلم عن البلاغة، وذلك بأن يكون الإنسان ملكة يقتدر بها على كلام فصيح مثل: زيد قائم الملقى للمنكر من غير أن يقتدر بها على مراعاة الخواص المناسبة للحال.

(قوله: وعلم أيضا) أى: من تعريف الفصاحة والبلاغة، أن مرجع البلاغة إلخ، وحاصل ما فى المقام أن الفصاحة والبلاغة يتوقفان على أمور: الاحتراز عن تنافر الحروف، وعن الغرابة، وعن مخالفة القياس، وعن تنافر الكلمات، وعن ضعف التأليف، وعن التعقيد اللفظى، وعن التعقيد المعنوى، وتزيد البلاغة بتوقفها على الاحتراز عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد، فمتى فقد الاحتراز عن واحد من الأمور السبعة الأولى- انتفت الفصاحة فتنتفى البلاغة لتوقفها عليها، ومتى فقد الاحتراز عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد، كما لو كان الكلام غير مطابق لمقتضى الحال كان الكلام غير بليغ، ولو كان فصيحا، والاحتراز عن الغرابة يكون بعلم اللغة، والاحتراز عن مخالفة القياس يكون بعلم الصرف، والاحتراز عن ضعف التأليف، وعن التعقيد اللفظى يكون بعلم النحو، والاحتراز عن تنافر الحروف، وعن تنافر الكلمات يكون بالذوق السليم، والاحتراز عن التعقيد المعنوى يكون بعلم البيان، والاحتراز عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد يكون بعلم المعاني، وأما الوجوه التى تورث الكلام حسنا زائدا فتعرف بعلم البديع.

إذا علمت ذلك تعلم أن مراجع البلاغة أى: الأمور التى يتوقف عليها حصول البلاغة شيئان: الاحتراز عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد.

والاحتراز عن الأسباب المخلة بالفصاحة، وهذا الثانى يندرج تحته الاحتراز عن الأمور السبعة المذكورة، وقصد المصنف بهذا الكلام التمهيد لبيان وجه الحاجة إلى هذين

ص: 264

(أن البلاغة) فى الكلام (مرجعها) أى: ما يجب أن يحصل

===

العلمين؛ لأنه إذا علم ما يحتاج إليه فى حصول البلاغة، وعلم أن بعضه يدرك بعلوم أخر، وبعضه بالحسن، وبعضه بهذين العلمين، علم أن الحاجة ماسة إليهما.

(قوله: أن البلاغة فى الكلام) كذا قيد فى الإيضاح، وتبعه الشارح، فإن قلت كما أن بلاغة الكلام ترجع إلى هذين الأمرين وتتوقف عليهما كذلك بلاغة المتكلم، فالأحسن ترك التقييد ليعم البلاغة فى الكلام وفى المتكلم، قلت: إنما قيد بالكلام للإشارة إلى أن رجوع بلاغة المتكلم للأمرين إنما هو بالتبع لرجوع بلاغة الكلام لهما، فتوقف بلاغة المتكلم عليهما باعتبار توقف بلاغة الكلام عليهما؛ لأن بلاغة المتكلم متوقفة على بلاغة الكلام لأخذها فى مفهومها، فإذا كانت بلاغة الكلام موقوفة عليهما كانت بلاغة المتكلم كذلك؛ لأن المتوقف على المتوقف على شىء متوقف على ذلك الشىء، فلو أطلق الشارح فى البلاغة وترك القيد بحيث يكون كلام المصنف متناولا للبلاغتين أو صرح بهما لم يعلم ذلك، لجواز أن يكون توقف بلاغة المتكلم عليهما لا لأجل توقف بلاغة الكلام عليهما، بل لأجل أمر آخر.

(قوله: أى ما يجب أن يحصل) أى: شىء يعنى احترازا وتمييزا يجب أن يحصل، أو الشىء الذى يجب أن يحصل: وهو بتشديد الصاد، وحينئذ فالمراد بالمرجع: الأمر الذى يتوقف حصولها على حصوله، وهذا التفسير يدل على أن المرجع اسم مكان أى ومكان رجوعها الاحتراز والتمييز، ويكون جعلهما مكانا للبلاغة مجازا، باعتبار أن توقفها عليهما كتوقف الحاصل فى المكان عليه، أو أنه مصدر ميمى بمعنى اسم المفعول أى: والأمر المرجوع إليه فى البلاغة الاحتراز والتمييز، ففيه على هذا الاحتمال حذف وإيصال، فالأصل المرجوع إليه هى أى: البلاغة أى: التى رجعت إليه البلاغة، فحذف الجار، فاتصل الضمير المجرور، واستتر واتصل بالمصدر ضمير البلاغة مضافا إليه المصدر، فعندنا ضميران، أحدهما: المستتر عند الحذف والإيصال هو الراجع؛ لأن الموصولة والثانية عند التقدير، وثانيهما: البارز وهو راجع للبلاغة، فإن قلت: جعل المرجع اسم مكان مفعول، أو اسم ينافيه إتيان المصنف بلفظ إلى، فإنه يقتضى أن المرجع مصدر ميمى

ص: 265

حتى يمكن حصولها، كما يقال مرجع الجود إلى الغنى (إلى الاحتراز عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد)

===

بمعنى الرجوع، إذ لو حمل المرجع على ما مر لكان المعنى مكان رجوع البلاغة منته إلى الاحتراز والتمييز، أو الأمر الذى رجع إليه البلاغة منته إلى الاحتراز والتمييز، وهذا فاسد للزوم انتهاء الشىء إلى نفسه؛ لأن المرجع هو نفس الاحتراز والتمييز، أجيب بأنه لا مانع من جعله اسم مكان أو اسم مفعول، ومعنى انتهائه إلى الاحتراز، والتمييز تحققه فيهما من تحقق العام فى الخاص، أفاده عبد الحكيم وذكر العلامة الحفيد أن هذا التفسير الذى ذكره الشارح بيان لمجموع الكلام بحسب المآل لا لمجرد المرجع، وذلك لان مآل رجوع البلاغة إلى الاحتراز والتمييز أنه لا بد من حصولهما فى تحقق البلاغة، وهذا لا ينافى أن (مرجع) فى كلام المصنف مصدر ميمى بمعنى الرجوع بدليل تعبيره بإلى

(قوله: حتى يمكن حصولها) المراد هنا بالإمكان: الإمكان الوقوعى وهو الحصول بالفعل، لا الإمكان الذاتي، وهو الجواز العقلى، فكأنه قال لأجل أن تحصل بالفعل، وحينئذ فلا يرد أن الإمكان للمكن لا يتوقف على شىء؛ لأن ذلك إنما هو فى الإمكان الذاتى

(قوله: مرجع الجود إلى الغنى) أى: ما يجب أن يحصل حتى يحصل الجود هو الغنى، بمعنى أنه لا يحصل الجود إلا إذا كان الغنى حاصلا بالفعل، وأورد على هذا قول الشاعر (1):

ليس العطاء مع الفضول سماحة

حتى تجود وما لديك قليل

فقد سمى الإعطاء مع قلة المال جودا، وقلة المال ليست غنى، وحاصل الجواب أن مراد الشارح بالغنى: وجود الشىء الذى يجود منه مطلقا، وإن كان قليلا

(قوله: إلى الاحتراز) أى: التباعد عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد فإذا قلت لمنكر قيام زيد: زيد قائم، فقد أخطأت فى تأدية المعنى المراد عند البلغاء، فلا يكون الكلام بليغا ولا تكون التأدية للمعنى صحيحة عندهم، إلا إذا كان الكلام مطابقا لمقتضى الحال، فإذا كان مطابقا كان مؤديا للمعنى المراد عند البلغاء ولم يكن فيه خطأ، والمعنى المراد هو الزائد

(1) البيت من الكامل، وهو للمقنّع الكندى فى خزانة الأدب 3/ 370، والدر 4/ 75، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقى ص 1734، وبلا نسبة فى الجنى الدانى ص 555.

ص: 266

وإلا لربما أدى المعنى المراد بلفظ فصيح غير مطابق لمقتضى الحال فلا يكون بليغا

===

على أصل المراد: كالخصوصيات الزائدة على ثبوت المحكوم به للمحكوم عليه، ولو قال المصنف: ما يحترز به عن الخطأ فى تطبيق اللفظ على مقتضى الحال لكان أوضح

(قوله: وإلا لربما) فيه أن (إن) شرطية، ولا نافية، والنفى إما للاحتراز، وإما لكون الاحتراز مرجعا للبلاغة، والمعنى على الأول، وإن لا يحترز عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد، فلا يكون الكلام بليغا؛ لأنه (ربما) أدى المعنى المراد بلفظ فصيح غير مطابق لمقتضى الحال، وهذا لا يكون بليغا، ويعترض على هذا بأنه متى نفى الاحتراز عن الخطأ تعين أن يكون أداء المعنى المراد بلفظ غير مطابق لمقتضى الحال، لا أنه يصح أن يؤدى المعنى المراد بلفظ غير مطابق، ويصح أداؤه بلفظ مطابق، كما يقتضيه قوله ربما، وحينئذ فالأولى إسقاطها والمعنى على الثانى وإن لا يكن مرجعها للاحتراز، بل إلى شىء آخر فلا يصح؛ لأنه ربما إلخ، واعترض على هذا بعدم صحة التفريع، أعنى قوله: فلا يكون بليغا؛ لأن الاحتراز إذا لم يكن مرجعا للبلاغة لم تكن متوقفة عليه، بل على غيره، فإذا أدى المعنى بلفظ فصيح غير مطابق كان بليغا، فالمناسب فى التفريع أن يقول: فيكون بليغا، يعنى: واللازم وهو كونه بليغا باطل، فبطل الملزوم وهو عدم كون الاحتراز مرجعا، فالحاصل أن كلام الشارح لازم له الفساد إما فى صدره أو فى عجزه، وأجيب باختيار الأول أعنى:

رجوع النفى للاحتراز وتجعل ربما للتحقيق على ما قاله ابن الحاجب فى قوله تعالى:

رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (1) أى: أنهم يودون ذلك تحقيقا وهنا كذلك وليست للتقليل ولا للتكثير، وحينئذ فالمعنى هنا وإن لا يجعل الاحتراز عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد كان المعنى المراد مؤدى بلفظ غير مطابق تحقيقا فلا يكون بليغا، أو نختار الثانى وهو كون الاحتراز مرجعا للبلاغة، ونجعل ربما: للنفى مجازا للمناسبة بين النفى والقلة، ويكون ذلك النفى منصبا على التفريع، أعنى. قوله: فلا يكون بليغا ونفى النفى إثبات، فكأنه قال فيكون بليغا وتقدير الكلام على هذا، وإن لا يكن الاحتراز مرجعا لم يؤد المعنى المراد بلفظ فصيح غير مطابق، فلا يكون بليغا، ومحصله وإن لا يكن

(1) الحجر: 2.

ص: 267

(وإلى تمييز) الكلام (الفصيح من غيره) وإلا لربما أورد الكلام المطابق لمقتضى الحال بلفظ غير فصيح فلا يكون بليغا لوجوب وجود الفصاحة فى البلاغة، ويدخل فى تمييز الكلام الفصيح من غيره تمييز الكلمات الفصيحة من غيرها

===

الاحتراز مرجعا أدى المعنى المراد بلفظ فصيح غير مطابق وكان بليغا أى: مع أنه ليس بليغا، وعبارة عبد الحكيم قوله: وإلا لربما أدى إلخ أى: وإن لا يكن مرجع البلاغة للاحتراز المذكور لجاز حصول البلاغة بدون الاحتراز أى: مع الخطأ فى التأدية وحينئذ فلا يكون مطابقا لمقتضى الحال، فلا يكون بليغا، هذا خلف- فتدبر.

(قوله: وإلى تمييز الفصيح إلخ) كان الأحسن فى المقابلة أن يقول: وإلى الاحتراز عن أسباب الخلل فى الفصاحة؛ لأنه أنسب بالمقابل لفظا ومعنى، أما الأول: فلأن المقابل لفظ الاحتراز، وأما الثاني: فلأن التمييز يشمل التمييز فى الذهن فقط بأن يعلم الفصيح من غيره من غير تكلم بالفصيح، وليس بمراد؛ لأنه لا يلزم من العلم والتمييز بين الفصيح وغيره الإتيان بالفصيح، والبلاغة إنما تتوقف على الإتيان بالفصيح بالفعل، بخلاف الاحتراز عن الأسباب المخلة بالفصاحة، فإنه خاص بالثاني، ويمكن الجواب عن عدم المناسبة المعنوية: بأن المراد التمييز بحسب الوجود الخارجى بأن يؤتى بالكلام فصيحا، لا بحسب العلم، أو يقال قوله: وإلى تمييز الفصيح، أى: فيؤتى به، وقوله من غيره أى: فلا يؤتى به، فأطلق المصنف التمييز وأراد به ما يترتب عليه بحسب العادة فآل الأمر إلى قولنا: إن مرجعها الكلام الفصيح المتميز، أى: المعروف

(قوله: وإلا لربما إلخ) أورد عليه ما تقدم إيرادا وجوابا أى: وإن لا يوجد تمييز فلا يكون بليغا؛ لأنه ربما أورد إلخ، أو وإلا يكن مرجعها للتمييز، فلا يصح؛ لأنه ربما إلخ، ويرد على الأول هنا ما ورد على الأول سابقا، وكذا يرد على الثانى هنا ما ورد على الثانى سابقا وعبارة بعضهم أى: وإن لم يحصل التمييز بأن لم يتميز الفصيح من غيره وأتى الكلام اتفاقيا أمكن أن يؤتى به غير فصيح فتنفى البلاغة، بل الغالب ذلك وعبر هنا بالإيراد: لأن الورود من صفات الألفاظ، وفيما تقدم بأدى؛ لأن التأدية من صفات المعانى

(قوله: بلفظ غير فصيح) أى: كما لو قيل:

أنفك مسرج، وشعرك مستشزر، فهذا مطابق إلا أنه غير فصيح

(قوله: ويدخل إلخ)

ص: 268

لتوقفه عليها (والثانى) أى: تمييز الفصيح من غيره (منه) أى: بعضه

===

إنما احتاج لذلك الاعتذار لكونه قيد التمييز بالكلام حيث جعل الفصيح صفة له ولو لم يقيد بذلك وجعل الفصيح صفة اللفظ لم يحتج إلى هذا الاعتذار، وكان الأولى إسقاط ذلك القيد لعدم الإحواج لذلك الاعتذار، لكن العذر للشارح، حيث تبع المصنف فى الإيضاح الذى هو كالشرح لهذا المتن، فإنه قيد فيه بذلك القيد إشارة إلى أن البلاغة متوقفة على فصاحة الكلام أولا، وبالذات وعلى فصاحة الكلمات ثانيا وبالعرض.

وأيضا قد سبق أن فصاحة المفرد والكلام حقيقتان مختلفتان، فلو قدر الموصوف ما يتناول الكلام والمفرد كاللفظ الفصيح لكان كالجمع بين معنى المشترك بلا ضرورة، وهذا أعنى قول: الشارح: ويدخل إلخ، جواب عما يقال إن كلامه يقتضى أن البلاغة إنما تتوقف على تمييز الكلام الفصيح دون تمييز الكلمات، مع أنها تتوقف على تمييزها أيضا

(قوله: لتوقفه عليها) أى: لأن فصاحتها جزء من فصاحته

(قوله: أى تمييز الفصيح من غيره) هو بحسب التفصيل خمس تمييزات بعدد المخلات بالفصاحة، وهى تمييز الغريب من غيره، وتمييز المخالف للقياس من غيره، وتمييز المتنافر من غيره، وتمييز ما فيه تعقيد من غيره، وتمييز ضعف التأليف من غيره

(قوله: منه) ظاهره أنه خبر مقدم لقوله ما يبين وفيه أن كون ما يبين فى العلوم المذكورة من ذلك التمييز أمر معلوم، بخلاف كون بعض التمييز يبين فى العلوم المذكورة فأمر مجهول، والأنسب هو الإخبار بالمجهول لا بالمعلوم، فالأقعد من حيث المعنى أن تجعل (من) مبتدأ لكونها اسما بمعنى بعض، وإنما بنيت لكونها على صورة الحرف وما يبين خبر، والمعنى والثاني: بعضه التمييز الذى يبين متعلقه فى علم اللغة أو الصرف، وإلى هذا يشير الشارح بوجه ما، حيث قال: أى بعضه، وما قلناه من أن (من) اسم؛ لأنها بمعنى بعض، أحسن مما ذكره هنا بعض الحواشى من أنه ليس لفظ من مبتدأ، بل حالة محل المبتدأ وقائمة مقامه وهو بعض، إذ هذا خلاف المعروف عندهم، إذ المعروف أن لفظ (من) إذا كان بمعنى (بعض) كان اسما لاستقلال معناه بالمفهومية، إذ هو غير التبعيض الجزئى، وممن صرح باسميتها

ص: 269

(ما يبين) أى: يوضح (فى علم متن اللغة) كالغرابة؛ وإنما قال: فى علم متن اللغة؛ أى: معرفة أوضاع المفردات؛ لأن اللغة

===

القطب (1) والطيبى فى قوله تعالى: فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ (2)

(قوله: ما يبين) أى: تمييزات يبين متعلقها فى علم إلخ، فصح الحمل فى قوله منه ما يبين بتقدير ذلك المضاف، ولك أن تقدره بعد من أى، والثانى من متعلقه ما يبين إلخ، ولك أن تقدر تمييز قبل ما أى: والثانى منه تمييز ما يبين.

(قوله: متن اللغة) يطلق المتن على أمور منها: الأصل كما هنا، والإضافة بيانية، ويطلق على الظهر كما فى قوله:

وقفت على الدّيار فكلّ متنى

فلا والله ما نطقت بحرف

وعلى الشديد القوى

(قوله: كالغرابة) ظاهره أنه مثال لما يبين وهو تمييز فينحل المعنى، وتمييز الفصيح من غيره بعضه وهو الغرابة يبين فى علم متن اللغة، مع أن الغرابة ليست بعض التمييز، والجواب أن فى كلام المصنف حذفا، والأصل كتمييز ذى الغرابة من غيره أى: كتمييز غير السالم من الغرابة من غيره وكذا يقال فى قوله: كمخالفة القياس وما بعده، أو يقال: إنه تمثيل للمتعلق المقدر سابقا، والكاف فى قوله: كالغرابة استقصائية، إذ ليس شىء من متعلقات تمييز الفصيح يبين فى اللغة غيرها، أو يقال إنها الإدخال الأفراد الذهنية، وكذا يقال فى ضعف التأليف ومخالفة القياس

(قوله: وإنما قال فى علم متن اللغة) أى: ولم يسقط لفظ متن ويقول فى علم اللغة

(قوله: أى معرفة) هذا تفسير لقوله علم، وهذا أحد إطلاقاته، الثانى المسائل، والثالث الملكات، ولو حمل الشارح العلم هنا على المسائل، وقال أى مسائل أوضاع المفردات لكان أنسب بقول المصنف يبين فى علم إلخ، وقوله: أوضاع المفردات هذا بيان لمتن اللغة، وهو من إضافة

(1) هو محمد بن مسعود بن مصلح الفارسى قطب الدين الشيرازي- قاض- عالم بالعقليات- مفسر- كان من بحور العلم من مصنفاته" فتح المنان فى تفسير القرآن" و" تاج العلوم" و" مشكلات التفاسير" و" مفتاح المفتاح" و" غرة التاج" فى الحكمة و" شرح مختصر ابن الحاجب" وغيرهما. وتوفى رحمه الله سنة 710 هـ وانظر الأعلام (7/ 187).

(2)

البقرة: 22.

ص: 270

أعم من ذلك؛ يعنى به

===

الصفة للموصوف أى: معرفة المفردات الموضوعة لمعانيها، وإنما سمى ذلك العلم الباحث عن معانى المفردات الموضوعة بعلم المتن؛ لأن المتن ظهر الشىء ووسطه وقوته، وهذا العلم تعلق بذات اللفظ ومعناه، والعلوم المتعلقة باللغة غير هذا العلم: كالنحو مثلا تعلقت بالألفاظ من حيث المعنى الذى وضع له اللفظ وما تعلق بالمعنى أقوى؛ لأن الناس إلى إدراك المعنى أحوج.

(قوله: أعم من ذلك) أى: أعم من متن اللغة؛ لأن علم اللغة قد يطلق على غير معرفة أوضاع المفردات من معرفة أحوال اللفظ العارضة له من صحة وإعلال وإعراب وبناء وغير ذلك؛ وذلك لأنه يشمل اثنى عشر علما نظمها بعضهم بقوله:

لغات المعانى نحو صرف اشتقاقهم

بيان قواف قل عروض وقرضهم

وإنشاء تاريخ وخطّ وأسقطوا

بديعا ووضعا فزت بالعلم بعدهم

وعد الناظم التاريخ من علم اللغة تبع فيه الزمخشرى، والحق أنه ليس منه؛ لأن التاريخ ليس خاصا بلغة العرب، فالأولى إبداله بعلم التجويد وهذه الاثنا عشر علما كما تسمى بعلم اللغة تسمى بعلم العربية أى: وإذا كان علم اللغة أعم من متن اللغة فلو عبر به لاقتضى أن ذا الغرابة يوضح ويبين فى الاثنى عشر علما.

(قوله: لأن اللغة أعم) أى: لأن علم اللغة أعم فهو على حذف مضاف، فاندفع ما يقال إن اللغة هى الألفاظ الموضوعة لمعانيها، وهى لا تشمل ما ذكر من العلوم فأين العموم؟ والحاصل أن الذى يشمل هذه الاثنى عشر علما علم اللغة لا اللغة، فلا بد من هذا التقدير.

(قوله: يعنى به) أى: بعلم متن اللغة، أى: أن مراد المصنف بكون الغرابة تبين فى علم متن اللغة، أن بذلك العلم يعرف اللفظ السالم من الغرابة من غيره، وهذا لا يخص علم اللغة، بل يجرى فيه والصرف والنحو، ولعل الشارح ترك التنبيه على ذلك فيهما لعلمه بالمقايسة، وأتى الشارح بهذه العناية جوابا عما يقال: إن ظاهر كلام المصنف يقتضى أن علم متن اللغة يبين فيه أن هذا اللفظ مثل: (تكأكأتم) غريب يحتاج

ص: 271

يعرف تمييز السالم من الغرابة عن غيره؛ بمعنى أن من تتبع الكتب المتداولة وأحاط بمعانى المفردات المأنوسة علم أن ما عداها مما يفتقر إلى تنقير أو تخريج فهو غير سالم من الغرابة، وبهذا يتبين فساد ما قيل: إنه ليس فى علم متن اللغة

===

فى بيان معناه إلى البحث فى الكتب المبسوطة فى اللغة، ومثل:(مسرج)(1) غريب يحتاج إلى تخريج على وجه بعيد، وإن هذا اللفظ مثل (اجتمعتم) ليس بغريب مع أنه لم يذكر ذلك فى علم اللغة أصلا، وحاصل ما أجاب به الشارح أن مراد المصنف بكون الغرابة تبين فى متن اللغة أن بهذا العلم يعرف السالم من الغرابة من غير السالم، بمعنى: أن من تتبع إلى آخر ما قال وأنت خبير بأن المناسب لهذا التقرير أن يقول المصنف: منه ما يستفاد من علم متن اللغة إلخ، كما لا يخفى.

(قوله: يعرف تمييز إلخ) إن أريد التمييز ذهنا، وهو معرفة السالم من غيره احتيج لتقدير مضاف أى: يعرف متعلق تمييز، وإلا كان المعنى به يعرف معرفة السالم ولا يخفى تهافته، وإن أريد التمييز خارجا وهو التكلم بالسالم وترك التكلم بغير السالم فالأمر ظاهر

(قوله: علم أن ما عداها إلخ) أى: لأن الأشياء تبين بأضدادها

(قوله: إلى تنقير) أى: زيادة بحث وتفتيش لعدم وجوده فى الكتب المتداولة: كالقاموس والأساس والمصباح والمختار.

(قوله: أو تخريج) أى: على وجه بعيد، فالأول مثل: تكأكأتم (2) وافرنقعوا (3)، والثانى مثل: مسرج

(قوله: وبهذا) أى: بما ذكر من قوله بمعنى: أن من تتبع إلخ

(قوله: ما قيل) أى: اعتراضا من بعض الشراح وهو الزوزنى على المصنف، ومنشأ ذلك الاعتراض النظر لظاهر كلام المصنف؛ لأن قوله منه ما يبين فى علم متن اللغة: كالغرابة يقتضى أنه يذكر فى كتب علم اللغة أن بعض الكلمات الغريبة مثل: تكأكأتم يحتاج فى معرفة معناها إلى البحث فى الكتب المبسوطة فى اللغة؛ لأنها من ما صدقات الغرابة التى حكم

(1) وردت فى قول رؤبة بن العجاج:

ومقلة وحاجبا مزجّجا

وفاحما ومرسنا مسرّجا

(2)

اجتمعتم.

(3)

انصرفوا.

ص: 272

أن بعض الألفاظ يحتاج فى معرفته إلى أن يبحث عنه فى الكتب المبسوطة فى اللغة (أو) فى علم (التصريف) كمخالفة القياس؛ إذ به يعرف أن الأجلل مخالف للقياس دون الأجل (أو) فى علم (النحو) كضعف التأليف والتعقيد اللفظى

===

المصنف عليها بأنها تبين فى علم اللغة، مع أنه لم يقع ذلك فى كتاب من كتب اللغة أصلا.

(قوله: أن بعض الألفاظ) أى: لا يقال فى بعض معين من الألفاظ إنه يحتاج إلخ أى: فكيف يقول إن تمييز السالم من غيره يبين فى علم متن اللغة؟

(قوله: إلى أن يبحث عنه) أى: او يخرج على وجه بعيد

(قوله: أو فى علم التصريف) ظاهره أن هذه صلات متعددة لموصول واحد مع اختلاف الموصول هنا، إذ الذى يبين فى متن اللغة مغاير لما يبين فى التصريف، والجواب أن (أو) للتقسيم، والمراد بما يبين متعلقه نوع كلى، والمعنى أن هذا النوع ينقسم إلى أقسام: قسم يبين متعلقه فى علم متن اللغة، وقسم يبين متعلقه فى التصريف إلخ، واعترض بأن المخل بالفصاحة هو مخالفة ما ثبت عن الواضع، وهذا لا يعلم من الصرف، وأجيب بأنهم يذكرون الألفاظ الشواذ الثابتة فى اللغة ويقولون إنها شاذة، فيعلم منه أن ما عدا هذه الألفاظ خلاف ما ثبت عن الواضع

(قوله: إذ به يعرف إلخ) أى: لأن من قواعدهم أن المثلين إذا اجتمعا فى كلمة وكان الثانى منهما متحركا ولم يكن زائدا لغرض وجب الإدغام

(قوله: كضعف التأليف) أى: مثل الإضمار قبل الذكر لفظا ومعنى وحكما.

(قوله: والتعقيد اللفظى) يرد عليه أن التعقيد اللفظى قد يكون سببه اجتماع أمور كل منها شائع الاستعمال جار على القوانين كما سبق، وإذا لم يجب أن يكون لمخالفة القانون النحوى، فكيف يبين فيعلم النحو؟ وأجيب بأن تسبب التعقيد اللفظى عن اجتماع تلك الأمور إنما هو لمخالفة الأصل فيها من تقديم وتأخير مثلا، ومخالفة الأصل وإن جازت توجب عسر الدلالة والتعقيد، والنحو يبين فيه ما هو الأصل وما هو خلاف الأصل ويبين فيه أن الأصل تقديم الفاعل على المفعول، وأن تقديم المفعول على الفاعل خلاف الأصل، وأن الأصل تقديم المستثنى منه على المستثنى، وأن عكس

ص: 273

(أو يدرك بالحس) كالتنافر إذ به يعرف أن مستشزرا متنافر دون مرتفع، وكذا تنافر الكلمات (وهو) أى: ما يبين فى العلوم المذكورة أو يدرك بالحس، فالضمير عائد إلى ما، ومن زعم أنه عائد إلى ما يدرك بالحس فقد سها سهوا ظاهرا (ما عدا التعقيد المعنوى)

===

ذلك خلاف الأصل، وحينئذ: فالنحو يعرف به التعقيد اللفظى الحاصل بكثرة مخالفة الأصل.

(قوله: أو يدرك بالحس) عطف على قوله يبين أى ومنه تمييز يدرك متعلقه وهو التنافر بالحس، كما يدل عليه قوله: إذ به يعرف إلخ، والمراد بالحس الحس الباطنى وهو القوة المدركة للطائف الكلام ووجوه تحسينه المعبر عنها فيما مر بالذوق لأجل أن يوافق ما مر من أن إدراك التنافر إنما هو بالذوق الصحيح، فما عده الذوق ثقيلا متعسر النطق فهو متنافر سواء كان من قرب المخارج أو بعدها، أو غير ذلك على ما صرح به ابن الأثير، وليس المراد بالحس حس السمع، وإلا خالف ما مر، وإن كان وصول ذلك للحس الباطنى بواسطة السمع.

(قوله: كالتنافر) أى: سواء كان تنافر حروف أو كلمات

(قوله: أن مستشزرا)(1) هذا فى تنافر الحروف

(قوله: وكذا تنافر الكلمات) كقوله: (وليس قرب قبر حرب قبر)(2)

(قوله: أى ما يبين) أى: التمييز الذى يبين متعلقه

(قوله: أو يدرك بالحس) عبر هنا بأو مشاكلة للمصنف، وإلا فالظاهر الواو؛ لأن الضمير راجع لما المبينة بالجميع أعنى يبين ويدرك

(قوله: فقد سها إلخ) أى: لأن قضيته أن كل ما عدا التعقيد

(1) هو من قول امرئ القيس فى معلقته:

وفرع يزين المتن أسود فاحم

أثيث كقنو النخلة المتعثكل

غدائره مستشزرات إلى العلا

تضلّ المدارى فى مثنّى ومرسل

الديوان 17.

(2)

عجز بيت صدره: وقبر حرب بمكان قفر

والبيت فيما زعموا لبعض الجن، وكان قد صاح على حرب بن أمية فى فلاة فمات بها- بغية الإيضاح 1/ 19 والبيان والتبيين 1/ 65، دلائل الإعجاز 57 وهذا التنافر الذى فى الشطر الثانى إنما هو نتيجة لتنافر الكلمات بضم بعضها إلى بعض هذا الضم هو الذى أكسبها الثقل وذلك لتقارب حروف كلماتها.

ص: 274

إذ لا يعرف بتلك العلوم والحس تمييز السالم من التعقيد المعنوى من غيره؛ فعلم أن مرجع البلاغة بعضه مبين فى العلوم المذكورة وبعضه مدرك بالحس. وبقى الاحتراز عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد والاحتراز عن التعقيد المعنوى؛ فمست الحاجة إلى علمين مفيدين لذلك؛ فوضعوا علم المعانى للأول، وعلم البيان للثانى؛ وإليه أشار بقوله: (وما يحترز به عن الأول- أى: عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد-

===

المعنوى يدرك بالحس وليس كذلك، بل المدرك بالحس بعض ما عداه لا جميعه، ويحتمل أن وجه السهو أنه يوهم أن التعقيد المعنوى يدرك العلوم المذكورة؛ لأنه قال ما عدا التعقيد المعنوى يدرك بالحس أى: أو ما هو فلا يدرك بالحس وهو محتمل لإدراكه، بالعلوم السابقة أى: وحينئذ فلا يكون محتاجا لعلم البيان، لبيان التعقيد المعنوى مع أننا بصدد بيان الحاجة إليه لأجل بيانه.

(قوله: إذ لا يعرف إلخ) بيانه

(قوله: إذ لا يعرف إلخ) هذا تعليل لاستثناء التعقيد المعنوى

(قوله: تمييز السالم) أى: متعلق تمييز السالم

(قوله: فعلم أن مرجع البلاغة) أى: بعض مرجعها وهو تمييز الفصيح من غيره، وقوله: بعضه مبين أو بعضه مبين متعلقه وهو الغرابة ومخالفة القياس وضعف التأليف والتعقيد اللفظى، وقوله:

وبعضه مدرك بالحس، أى: مدرك متعلقه، وهو التنافر سواء كان فى الحروف أو فى الكلمات

(قوله: وبقى) أى: من المرجع الاحتراز إلخ، أى: فإنهما غير مبينين فى علم ولا مدركين بالحس فمست إلخ.

(قوله: وبقى الاحتراز عن الخطأ) أى: الذى هو المرجع الأول بتمامه، وقوله:

والاحتراز عن التعقيد المعنوى، أى: الذى هو بعض المرجع الثانى

(قوله: فمست الحاجة) أى: دعت وحملت

(قوله: مفيدين لذلك) أى: لمعرفة ذلك المذكور من الاحترازين

(قوله: وإليه) أى: إلى كونهم وضعوا علمين مفيدين لما ذكر من الاحترازين، أشار بقوله: والمراد بالإشارة الذكر، وإلا فهو مصرح لا مشير

(قوله: وما يحترز به عن الأول) فيه أن الأول هو الاحتراز عن الخطأ، وعلم المعانى لا يحترز به عن الاحتراز المذكور،

ص: 275

علم المعانى، وما يحترز به عن التعقيد المعنوى علم البيان) وسموا هذين العلمين علم البلاغة لمكان مزيد اختصاص لهما بالبلاغة،

===

بل عن الخطأ، والجواب: أن فى كلام المصنف حذف مضاف أى: عن متعلق الأول، فقول الشارح أى عن الخطأ: تفسير لذلك المقدر.

(قوله: علم المعاني) إن أريد به القواعد، فالأمر ظاهر، وإن أريد به الملكة أو الإدراك احتيج إلى تقدير مضاف أى: فوضعوا متعلق علم المعاني، وكذا يقال فيما بعده

(قوله: لمكان) مصدر من الكينونة وهى التحقق، والوجود والمزيد مصدر بمعنى الزيادة، والمراد بالاختصاص: التعلق، أى: لوجود زيادة تعلق لهما بالبلاغة، وإنما فسرنا هنا الاختصاص بالتعلق؛ لأن الاختصاص شىء واحد لا يزيد ولا ينقص بخلاف التعلق، وأورد على هذا التعليل أن مرجع البلاغة كما مر شيئان: الاحتراز عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد، وتمييز الفصيح من غيره، والشىء الأول: إنما يكون بعلم المعانى ولا يشاركه فيه غيره من العلوم، فلا يظهر بالنسبة إليه التعبير بمزيد، والشىء الثاني: كما يتوقف على علم البيان يتوقف على اللغة والصرف والنحو، فلا زيادة له عن غيره، وأجيب عن الأول: بأن المراد بقوله: مزيد اختصاص لهما أى: لمجموعهما لا لكل منهما، وعن الثاني: بأن علم البيان المقصود منه بالذات التمييز المذكور بخلاف النحو مثلا، فإنه ليس المقصود منه بالذات ذلك التمييز، بل ذلك حاصل منه تبعا، والمقصود بالذات منه معرفة حال اللفظ إعرابا وبناء، وحاصل ما ذكره الشارح أن البلاغة مرجعها لأمرين:

الاحتراز عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد، والاحتراز عن الأسباب المخلة بالفصاحة، والأول: موقوف على علم المعاني، والثاني: موقوف على اللغة والصرف والنحو والبيان، وحينئذ فالبلاغة متعلق بها علوم خمسة، وهذا بيان لكون التعلق مشتركا إلا أن تعلق مجموع علم المعانى والبيان بها أزيد من تعلق غيرهما؛ وذلك لأن علم المعانى يعرف ما به يطابق الكلام مقتضى الحال، والبلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال، وأما فى البيان: فإنه وإن كان مفاده وثمرته معرفة ما يزول به التعقيد المعنوى، وهو مما يتوقف عليه البلاغة كتوقفها على مفاد النحو والصرف واللغة، فإنه يزول بالأول: ضعف التأليف،

ص: 276

وإن كانت البلاغة تتوقف على غيرهما من العلوم، ثم احتاجوا لمعرفة توابع البلاغة إلى علم آخر فوضعوا لذلك علم البديع؛ وإليه أشار بقوله (وما يعرف به وجوه التحسين علم البديع) ولما كان هذا المختصر فى علم البلاغة وتوابعها انحصر مقصوده فى ثلاثة فنون (وكثير) من الناس من (يسمى الجميع علم البيان وبعضهم يسمى الأول علم المعانى و) يسمى (الأخيرين) يعنى: البيان والبديع (علم البيان، والثلاثة: علم البديع)

===

وبالثاني: مخالفة القياس، وبالثالث: الغرابة، لكن المقصود بالذات من البيان تمييز السالم من التعقيد المعنوى من المشتمل عليه الذى تتوقف عليه البلاغة، بخلاف النحو والصرف، فإن المقصود بالذات من الأول: البحث عن اللفظ من حيث الإعراب والبناء، وأما تمييز السالم من ضعف التأليف والتعقيد اللفظى من المشتمل عليهما فهذا ليس مقصودا بالذات من النحو، بل هو أمر عارض له، وكذلك المقصود بالذات من الصرف البحث عن اللفظ من حيث الصحة والإعلال، وأما تمييز الموافق للقياس من المخالف له فهو أمر عارض له، فلما كان المقصود بالذات من البيان تتوقف عليه البلاغة دون المقصود بالذات من غيره، كان البيان أشد تعلقا بها من غيره

(قوله: وإن كانت البلاغة تتوقف على غيرهما من العلوم) أى: من حيث رجوعها إلى تمييز الفصيح من غيره، وإنما كان لهما مزيد اختصاص بالبلاغة مع توقفها من هذه الحيثية على عدة علوم؛ لأن هذين العلمين لا يبحثان إلا على ما يتعلق بالبلاغة

(قوله: لمعرفة البلاغة) اللام للتعليل مقدمة على المعلول لا صلة الاحتياج، وقوله إلى علم آخر: صلة لاحتاجوا أى: ثم احتاجوا لعلم آخر لأجل معرفة إلخ

(قوله: فوضعوا لذلك) أى: لما ذكر من المعرفة

(قوله: وجوه التحسين) أى: الطرق والأمور التى يحصل بها تحصيل الكلام.

(قوله: مقصوده) أى: مقصود مؤلفه، وأن فيه استعارة بالكناية وتخييلا

(قوله: والثلاثة علم البديع) من تتمة الطريقة الثالثة، والحاصل أن الطريقة الأولى: تسمى الفن الأول بعلم المعاني، والثانى بالبيان، والثالث بالبديع، والطريقة الثانية: تسمى الثلاثة بعلم البيان، والطريقة الثالثة: تسمى الأول بالمعاني، والأخيرين: بالبيان، وتسمى الثلاثة:

ص: 277

ولا تخفى وجوه المناسبة.

===

بالبديع، وهذا هو ظاهر المصنف، وكتب بعضهم قوله: والثلاثة أى: وبعضهم يسمى، الثلاثة علم البديع

(قوله: ولا تخفى وجوه المناسبة) أما وجه مناسبة تسمية الأول بعلم المعاني؛ فلأنه يعرف به المعانى التى يصاغ لها الكلام وهى المدلولات العقلية المسماة بخواص التراكيب، وأما وجه تسمية الثانى بعلم البيان؛ فلأنه يعرف به بيان إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة فى وضوح الدلالات وخفائها، وأما وجه تسمية الثالث بالبديع، إما لبداعة ما اشتمل عليه من الوجوه أى: حسنها، وإما لأنه لما لم يكن له مدخل فى تأدية المعنى المراد الموضوع له أساس الكلام صار أمرا مبتدعا أى: زائدا، وأما وجه تسمية الجميع بعلم البيان؛ فلأن البيان: هو المنطق الفصيح المعرب عما فى الضمير، ولا شك أن العلوم الثلاثة لها تعلق بالكلام الفصيح المذكور تصحيحا وتحسينا، وأما على الطريقة الثالثة: فوجه تسمية الأول بالمعانى يعلم مما تقدم، ووجه تسمية الأخيرين بالبيان فلتعلقهما بالبيان أى: المنطق الفصيح، أو غلب اسم الثانى على الثالث، وأما وجه تسمية الجميع بالبديع فلبداعة مباحثها أى: حسنها؛ لأن البديع: هو الشىء المستحسن لظرافته وغرابته وعدم وجود مثاله من جنسه ومباحث هذه العلوم كذلك، أو لأنه يعرف بها أمور مبتدعة بالنسبة إلى تأدية أصل المراد الذى يعرفه الخاص والعام، وتلك الأمور كالخصوصيات والمجاز والكناية والجناس والترصيع وغير ذلك.

ص: 278

الفن الأول علم المعانى

ص: 279