الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بناء على أنه زمان أو سبب.
[أقسام المجاز العقلي]:
(وأقسامه) أى: أقسام المجاز العقلى باعتبار حقيقية الطرفين ومجازيتهما (أربعة؛ لأن طرفيه) وهما المسند إليه والمسند (إما حقيقتان)
…
===
لكن يقال عليه المناسب للشارح حينئذ تقديم المفنى على ما قبله اللهم إلا أن يقال: إنه لاحظ أن الفناء بعد الإنشاء
(قوله: بناء على أنه زمان) فيه أنه إذا كان المسند إليه جذب الليالى لا يكون زمانا؛ لأن الجذب بمعنى المضى وهو ليس زمانا، والجواب:
أنه من إضافة الصفة إلى الموصوف، والتقدير الليالى الجاذبة، فالمسند إليه فى الحقيقة الليالى وهى زمان.
(قوله: أو سبب) أى: عادى أى: بناء على أن الإضافة حقيقة.
(قوله: أى أقسام المجاز العقلى إلخ) اعلم أنه لا اختصاص للمجاز العقلى بهذه الأقسام الأربعة، بل الحقيقة العقلية كذلك تنقسم لهذه الأقسام الأربعة، وأمثلتها هى تلك الأمثلة التى مثل بها المصنف للمجاز بعينها، لكن يختلف الحال بالنظر لمن صدرت منه: من كونه مؤمنا أو جاهلا، وإنما ترك المصنف بيان أقسام الحقيقة لعلمها بالمقايسة ولقلة الاهتمام بحالها، وما ذكره المصنف من تقسيم المجاز العقلى لهذه الأقسام: مبنى على مذهب الجمهور من عدم رد المجاز العقلى للاستعارة المكنية، وأما على مذهب السكاكى من رده لها فطرفاه حينئذ لا يكونان إلا مجازين إن كان التخييل مجازا أو مجازا وحقيقة إن كان التخييل حقيقة. فإن قلت: حيث كانت الأمثلة الآتية يصح أن تكون أمثلة للحقيقة أيضا نجعل الضمير فى قول المصنف وأقسامه راجعا لما ذكر من الحقيقة والمجاز لا للمجاز فقط كما صنع الشارح قلت: يمنع من ذلك أمران.
الأول: تصريحه فى الإيضاح الذى هو كالشرح لهذا المتن بقوله: وأقسام المجاز أربعة.
الأمر الثاني: قوله فيما يأتى وهو فى القرآن كثير، فإن الضمير راجع للمجاز، فينبغى أن يكون الضمير فى أقسامه راجعا للمجاز أيضا ليكون الكلام على وتيرة واحدة
(قوله: باعتبار حقيقة الطرفين) أى: كلا أو بعضا، وقوله ومجازيتهما أى: كلا، وليس المراد باعتبار حقيقتهما معا ومجازيتهما معا، وبهذا اندفع ما يقال هذا التقسيم
لغويتان
…
===
بالاعتبار المذكور لا يشمل ما أحد طرفيه حقيقة والآخر مجاز، بل ما طرفاه حقيقتان أو مجازان، وحينئذ فلا تكون الأقسام أربعة، أو يقال: المراد أنه يلاحظ فى التقسيم المذكور اعتبار حقيقة مجموع الطرفين واعتبار مجازية مجموعهما، سواء وجد تمام الجزأين من الاعتبار الأول بأن كان الطرفان حقيقتين وهو القسم الأول، أو كان تمام الجزأين من الاعتبار الثانى بأن كان الطرفان مجازين وهو القسم الثاني، أو كان بعض الجزأين من الاعتبار الأول وبعضهما من الاعتبار الثانى وهو القسم الثالث والرابع، وقصد الشارح بهذا أعنى قوله: باعتبار إلخ: دفع ما يرد على المصنف من أن الكناية عنده ليست حقيقة ولا مجازا، وإذا التفت إليها كانت الأقسام أكثر من ثمانية، وحينئذ فلا يصح حصره الأقسام فى أربعة، وحاصل ما أشار له الشارح من الجواب: أن حصره الأقسام فى الأربعة إنما هو بالنظر لهذا الاعتبار، فلا ينافى زيادة الأقسام بزيادة الاعتبار المذكور، وهذا الاعتراض لا يرد على السكاكى؛ لأن الكناية عنده من قبيل الحقيقة
(قوله: لغويتان) أى: كلمتان مستعملتان فيما وضعتا له لغة فى اصطلاح التخاطب، وقيد بقوله: لغويتان مع أن كلا من المسند والمسند إليه قد يكون حقيقة غير لغوية، بل شرعية أو أحدهما حقيقة لغوية والآخر شرعية نحو: صلى زيد الظهر، ونحو: أدخلته الصلاة الجنة؛ لأن الحقيقة الشرعية مجاز لغوى، فلو اعتبر مطلق الحقيقة لزم تداخل الأقسام، إذ يصدق على نحو: أدخلته الصلاة الجنة قسم كون الطرفين حقيقتين، إذ الصلاة بمعنى الأقوال والأفعال حقيقة شرعية، كما أن الإدخال حقيقة لغوية، ويصدق عليه أيضا قسم كونهما حقيقة ومجازا، فإن الصلاة بذلك المعنى مجاز لغوى.
بقى شىء آخر، وهو أنه يجوز أن يكون الطرفان حقيقتين عقليتين نحو: خلق الله فصل الربيع، ومجازين عقليين نحو: أجرى النهر إطاعة أمر فلان، ومختلفين نحو:
أجرى النهر إطاعة فلان، وأجرى الماء إطاعة أمره، ففى كل من الأمثلة الثلاثة الأخيرة مجاز فى النسبة الإيقاعية أو الإضافية أو فيهما، والتوجيه السابق للتقييد باللغويتين لا يتأتى هنا فتقييد الشارح باللغويتين لا يظهر بالنسبة لما ذكر، إلا أن يقال: إنما قيد بذلك
(نحو: أنبت الربيع البقل، أو مجازان) لغويان (نحو: أحيا الأرض شباب الزمان) فإن المراد بإحياء الأرض: تهييج القوى النامية فيها وإحداث نضارتها بأنواع النبات. والإحياء فى الحقيقة: إعطاء الحياة؛ وهى صفة تقتضى الحس والحركة الإرادية،
…
===
لكون الأمثلة التى ذكرها المصنف من هذا القبيل- كذا أجاب الفنرى، قال سم: وفى هذا الجواب نظر؛ لأن كون الأمثلة التى ذكرها المصنف من هذا القبيل لا يقتضى التقييد به، بل التعميم فتأمله.
(قوله: نحو أنبت الربيع البقل) أى: فكل من الطرفين مستعمل فيما وضع له ولا مجاز إلا فى الإسناد إذا صدر من الموحد
(قوله: أو مجازان لغويان) أى: كلمتان مستعملتان فى غير موضوعهما الأصلى
(قوله: فإن المراد) أى للمتكلم
(قوله: تهييج القوى) مصدر مضاف للمفعول أى: تهييج الله القوى، وقوله النامية الأولى أن يقول المنمية لغيرها من النباتات؛ لأنها التى فى الأرض، وقوله فيها متعلق بتهييج أى: أن يهيج الله فيها القوى المنمية للنبات
(قوله: وإحداث) عطف على تهييج عطف لازم على ملزوم، فالإحياء مجموع الأمرين، لكن مصب القصد هو هذا الثانى فهو المستعار له لا تهييج القوى، وحينئذ فكان الأولى الاقتصار عليه بأن يقول، والمراد بإحياء الأرض:
إحداث النضارة، والخضرة فيها الناشئة عن تهييج القوى المنمية فيها- كذا قرره شيخنا العدوى
(قوله: والإحياء فى الحقيقة) أى: فى اللغة: إعطاء الحياة أى: إيجاد الحياة أى:
إيجاد الله الحياة فهو مصدر مضاف لمفعوله أى: وإذا كان الإحياء فى اللغة: إيجاد الحياة، وكان مراد المتكلم بإحياء الأرض إحداث النضارة والخضرة فيها فيكون فى قوله: أحيا الأرض استعارة تصريحية تبعية وتقريرها أن تقول: شبه إحداث الخضرة وأنواع الأزهار بإيجاد الحياة بجامع أن كلا منهما إحداث لما هو منشأ المنافع والمحاسن، واستعير اسم المشبه به للمشبه، واشتق من الإحياء أحيا بمعنى: أحدث الخضرة
(قوله: وهى) أى:
الحياة الحادثة
(قوله: تقتضى الحس) أى: الإحساس بمعنى: الإدراك بالحواس الخمس الظاهرة، وقوله: والحركة الإرادية عطف لازم على ملزوم- قال العلامة الناصر اللقانى:
وكذا المراد بشباب الزمان زمان ازدياد قواها النامية
…
===
والحق عندهم أن الروح ليست شرطا للحياة، بل للفاعل المختار أن يوجد الحياة فى أى جسم أراد، سواء كان فيه روح أو لا، وسواء كان فى صورة الإنسان أو لا، كما وقع فى الجذع الذى حن للنبى- صلى الله عليه وسلم.
قال بعض تلامذته: ولك أن تقول: يجوز أن الله تعالى أوجد الروح فى الجذع، ثم اتصف بالحياة وتأمله.
(قوله: وكذا المراد) حاصله أن الشباب الذى هو المسند إليه معناه الأصلى:
كون الحياة فى زمن ازدياد قوته، وإنما سمى هذا المعنى شبابا؛ لأن الحرارة الغريزية حينئذ تكون مشبوبة أى: مشتعلة، وقد استعير لكون الزمان فى ابتداء حرارته الملابسة له، وفى ابتداء ازدياد قواه بجامع الحسن فى كل من الابتداءين لما يترتب عليه من نشأة الأفراح والمحاسن، واستعير اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التصريحية الأصلية- كذا أفاد ابن يعقوب.
إذا علمت هذا فقول الشارح: وكذا المراد أى: مراد المتكلم بشباب الزمان، وقوله ازدياد قواها النامية- الأولى قواه المنمية للنبات؛ لأن الضمير راجع للزمان وهو مذكر، إلا أن يقال أنث الضمير نظرا لكون الزمان مدة، وفى الشيخ يس تبعا للفنرى:
أن ضمير قواها راجع للأرض، وأوردا على ذلك أن شباب الزمان يقوم به، وازدياد القوى إنما يقوم بها لا بالزمان، وحينئذ فلا يصح تفسير شباب الزمان بازدياد قوى الأرض، وأجاب الشيخ يس بأن فى الكلام حذف مضاف أى: وقت ازدياد قواها، ورد هذا الجواب: بأن الوقت لا يقوم بالزمان، بل هو نفسه، فكيف يفسر به شباب الزمان الذى هو وصف قائم به؟ وأجاب الفنرى بجواب غير هذا بأن يحمل الازدياد على المتعدى؛ لأنه قد يجىء متعديا ويجعل مضافا للمفعول، والأصل ازدياد الزمان لقواها، وعلى هذا فمعنى قولك: أحيا الأرض شباب الزمان: أحدث نضارتها ازدياد الزمان لقواها المنمية للنبات، ولا يخفى ما فى هذا كله من التكلف، فالأحسن أن يفسر شباب الزمان بازدياد قوة الأرض بسبب لطافة الهواء واعتداله وانصباب القطر من السماء فى
وهو فى الحقيقة عبارة عن كون الحيوان فى زمان تكون حرارته الغريزية مشبوبة؛ أى: قوية مشتعلة (أو مختلفان) بأن يكون أحد الطرفين حقيقة والآخر مجازا (نحو:
أنبت البقل شباب الزمان) فيما المسند حقيقة والمسند إليه مجاز (وأحيا الأرض الربيع) فى عكسه. ووجه الانحصار فى الأربعة على ما ذهب إليه المصنف ظاهر؛
…
===
هذا الزمان، وحينئذ فليس للزمان شىء من تلك الصفات، ويكون إضافة شباب الزمان لأدنى ملابسة لحصول الكائنات فيه، وعلى هذا فمعنى أحيا الأرض شباب الزمان: هيج قوى الأرض وأحدث الخضرة والنضرة، فيها ازدياد قواها النامية الحاصلة فى الزمان، وهذا ملخص ما أفاده عبد الحكيم والقرمى.
(قوله: وهو) أى: الشباب فى الحقيقة أى: فى اللغة
(قوله: الغريزية) أى:
المغروزة فيه
(قوله: أى قوية مشتعلة) إنما فسر مشبوبة بذلك لأخذه من قولهم: شب النار إذا قواها وأشعلها
(قوله: أنبت البقل شباب الزمان) أى: ازدياد قوة الأرض المنمية الحاصلة فى الزمان
(قوله: ظاهر) أى: لأنه جعل المجاز العقلى فى إسناد الفعل أو معناه إلى غير ما هو له من فاعل أو غيره مما ليس بمبتدأ، وحينئذ فلا يكون إلا فيما بين الكلمتين، والكلمتان لا يخلوان من هذه الأحوال الأربعة فنحو: زيد نهاره صائم- المجاز عند المصنف إنما هو فى إسناد صائم إلى ضمير النهار، وقوله على ما ذهب إليه المصنف أى: وأما على رأى السكاكى فلا وجه للحصر فى الأربعة؛ لأنه عرف المجاز العقلى بأنه: الكلام المفاد به خلاف ما عند المتكلم من الحكم بتأول، فيجوز أن يكون المسند عنده جملة أسندت للمبتدأ نحو: زيد صائم نهاره، أو نهاره صائم، والجملة لا توصف بالحقيقة ولا بالمجاز اللغويين لأخذ الكلمة فى تعريفهما هذا مراد الشارح، وفيه نظر؛ لأن الكلمة إنما أخذت فى تعريف الحقيقة والمجاز المفردين لا فى تعريفهما مطلقا، ألا ترى أنهم قسموا المجاز اللغوى إلى الاستعارة وغيرها، والاستعارة إلى التمثيلية وغيرها، ومثلوا للتمثيلية بما هو مركب قطعا إذا ثبت وصف الجملة بالمجاز ثبت وصفها بالحقيقة؛ لأن كل ما يوصف بالمجاز باعتبار الاستعمال فى غير الموضوع له يوصف بالحقيقة باعتبار الاستعمال فيما وضع له، وحينئذ فالحصر فى الأربعة ظاهر على مذهب
لأنه اشترط فى المسند أن يكون فعلا أو فى معناه فيكون مفردا وكل مفرد مستعمل إما حقيقة أو مجاز.
(وهو) أى: المجاز العقلى (فى القرآن كثير) أى: كثير فى نفسه لا بالإضافية إلى مقابله حتى تكون الحقيقة العقلية قليلة. وتقديم: فى القرآن على كثير لمجرد الاهتمام؛ كقوله تعالى وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ (1)) أى: آيات الله زادَتْهُمْ إِيماناً.
…
===
السكاكى أيضا، لكن على تقدير عدم رده للاستعارة بالكناية، وأما عند رده المجاز المذكور لها فطرفاه إما مجازان أو مجاز وحقيقة فقط كما مر.
نعم يشكل الحصر فى الأقسام الأربعة حتى على مذهب المصنف بنحو قولك:
سرنى ليلى، وقد أردت هذه اللفظة حين سمعتها، فإن الذى سرك من تلفظ بها، واللفظ إذا أريد به نفسه وإن قيل بوضعه لنفسه لا يوصف بحقيقة ولا مجاز كما صرح به الشارح فى حواشى الكشاف، فهذا المثال من المجاز العقلى؛ لأن الإسناد فيه لغير من هو له عند المتكلم، وأحد طرفيه حقيقة وهو المسند والمسند إليه ليس حقيقة ولا مجازا، وأجاب عبد الحكيم: بأن السرور إنما هو من سماع هذا اللفظ من حيث دلالته على معناه لا من حيث هو، ولا نسلم أن المسر من تلفظ به، وحينئذ فالإسناد فى هذا المثال حقيقة.
(قوله: لأنه اشترط إلخ) إن قلت حيث كان الحصر فى الأربعة على ما ذهب إليه المصنف ظاهرا فلا يحتاج لدليل. قلت: هذا من باب التنبيه، والأمور الضرورية قد ينبه عليها إزالة لما فى بعض الأذهان من الخفاء
(قوله: مستعمل) بالجر صفة لمفرد، أما إذا وضع للمعنى ولم يستعمل فيه فلا يتصف بحقيقة ولا مجاز، لقولهم فى تعريف كل منهما: كلمة مستعملة إلخ
(قوله: وهو فى القرآن كثير) رد به على الظاهرية الزاعمين عدم وقوع المجاز العقلى: كاللغوى فى القرآن لإيهام المجاز الكذب، والقرآن منزه عنه، ووجه الرد أنه لا إيهام مع القرينة
(قوله: لمجرد الاهتمام) أى: الاهتمام المجرد عن
(1) الأنفال: 2.
أسند الزيادة وهى فعل الله إلى الآيات لكونها سببا (يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ (1)) نسب التذبيح الذى هو فعل الجيش إلى فرعون لأنه سبب آمر
…
===
التخصيص، وإلا فهو كثير فى غير القرآن أيضا: كالسنة وكلام العرب
(قوله: كقوله تعالى) إن قلت لم لم يقل المصنف: كقوله تعالى، أو نحو قوله تعالى وإذا إلخ، لأجل أن يظهر أنه تمثيل، بل أورده بطريق التعداد؟ قلت: إنما ترك المصنف ذلك لإيهام أن المعنى: وإذا تليت على منكرى المجاز فى القرآن آياته زادتهم إيمانا بوجوده فيه، فيكون فى الكلام إيهام للاقتباس، فكأنه حمل الآية على الاستدلال على مدعاه، وإن كان الغرض الحقيقة إنما هو التمثيل، كما أشار الشارح بتقديره لقوله: كقوله تعالى: فهو ليس اقتباسا حقيقة، بل يوهم ذلك وهو من المحسنات، وإن لم يعدوه منها لعدم انحصار المحسنات فيما ذكروه، ثم إن تقدير الشارح هذا لا ينافى عدم العطف فى يذبح وما بعده؛ لأن المقول حينئذ مجموع المذكورات، فإن قلت: كيف يصح ثبوت زيادة الإيمان بوقوع المجاز فى القرآن بالنسبة إلى منكرى وقوعه فيه، مع أن إثبات الزيادة لهم يقتضى أصل حصول الإيمان به؟ قلت: نزل إنكارهم منزلة العدم، لوجود ما يزيله من الأدلة، فكأن أصل الإيمان به حاصل ببعض الآيات والزيادة حاصلة ببعض آخر، أو أن الزيادة قد يراد بها الأمر الزائد فى نفسه وهو لا يقتضى وجود المزيد عليه
(قوله: أسند الزيادة إلخ) ينبغى قراءة أسند هنا وما بعده بالبناء للمفعول تأدبا، وقوله إلى الآيات أى: التى هى ضمير زادت.
(قوله: لكونها) أى: الآيات سببا أى: سببا عاديا للزيادة، فالزيادة فعل الله والآيات يزاد بها عادة
(قوله: يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ) أى: يذبح فرعون أبناء بنى إسرائيل
(قوله: آمر) هذا بيان لكونه سببا، والحاصل أن المسند إليه هنا سبب آمر وما قبله سبب غير آمر وما يأتى سبب بواسطة، واعلم أنه يجوز أن يكون يذبح مجازا لغويا عن أمر بالذبح، وحينئذ فلا يكون مما نحن فيه لا يقال: إن احتمال ذلك غير مضر؛ لأن المثال يكفيه الاحتمال؛ لأنا نقول ليس القصد هنا مجرد التمثيل، بل الاستشهاد والاستدلال
(1) القصص: 4.
(يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما (1)) نسب نزع اللباس عن آدم وحواء وهو فعل الله تعالى إلى إبليس لأن سببه الأكل من الشجر، وسبب الأكل وسوسته ومقاسمته إياهما إنه لهما لمن الناصحين (يوما) نصب على أنه مفعول به ل (تتقون)؛ أى: كيف تتقون
…
===
على كثرته ردا على من زعم خلافه، وحينئذ فيضر الاحتمال- كذا بحث السيد الصفوى.
(قوله: يَنْزِعُ عَنْهُما) أى: ينزع إبليس عن آدم وحواء لباسهما
(قوله: لأن سببه) أى: النزع، وقوله: الأكل أى: من شجرة الحنطة، وقوله وسبب الأكل وسوسته أى: فهو سبب السبب، وسبب السبب سبب، فهو من الإسناد للسبب بواسطة
(قوله: إنه لهما لمن الناصحين) بكسر همزة إن: جوابا للمقاسمة، وبفتحها بناء على نزع الخافض أى: على أنه
(قوله: مفعول به) أى: لأن الاتقاء منه نفسه لا فيه حتى يكون مفعولا فيه.
واعلم أن أصل تتقون: توتقون من الوقاية، وهى فرط الصيانة متعد إلى مفعولين، والأول محذوف، والثانى يوما على حذف المضاف أى: عذاب يوم حذف للاستغناء عنه، والمعنى: فكيف تتقون أنفسكم عذاب يوم: كيف تصونون أنفسكم من عذاب يوم، وقد يستعمل الاتقاء بمعنى الحذر، وحينئذ يكون متعديا لواحد، ويصح إرادة ذلك هنا أيضا، والمعنى: فكيف تحذرون من عذاب ذلك اليوم، والحاصل أن فى جعل يوما مفعولا به لتتقون وجهين: كونه مفعولا به ثانيا أو مفعولا به فقط، ويحتمل أن يكون يوما مفعولا به لكفرتم، والمعنى حينئذ فكيف تحصل لكم الوقاية أو الحذر إن كفرتم فى الدنيا يوما يجعل الولدان شيبا، على أن يكون الفعل الذى هو تتقون منزلا منزلة اللازم؟ وتضمين كفرتم: أنكرتم وجحدتم، ويصح أن يكون يوما مفعولا لكفرتم، ومفعول تتقون: محذوف، والمعنى: فكيف تتقون عذاب الله الذى أمرتم باتقائه إن كفرتم فى الدنيا وجحدتم يوما يجعل الولدان شيبا، وهو المشتمل على ذلك العذاب، ويحتمل أن يكون يوما نصبا على الظرفية، والمعنى: فكيف لكم بالتقوى فى يوم يجعل إلخ،
(1) الأعراف: 27.
يوم القيامة إن بقيتم على الكفر يوما (يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً (1)) نسب الفعل إلى الزمان وهو لله حقيقة؛ وهذا كناية
…
===
إن كفرتم فى الدنيا؟ وإنما اختار الشارح الوجه الأول لقلة التقدير، والتأويل بخلاف بقية الأوجه وأما كيف: فمفعول مطلق على الصحيح، وعامله تتقون أى: تتقون أى: اتقاء
(قوله: يوم القيامة) فى ذكره نظر؛ لأنه يؤدى إلى التكرار للاستغناء عنه بقوله فى الآخر يوما، فالأولى حذفه أو ذكره على وجه التفسير فى آخر الآية بأن يقول: وهو يوم القيامة، وأجيب بأن هذا مبنى على أن يوم القيامة مفعول تتقون ويوما بدل منه، وليس كذلك- فقد ذكر العلامة عبد الحكيم: أن يوم القيامة نصب على الظرفية ويَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ مفعول به على حذف المضاف أى: عذاب يوم وليس بدلا من يوم القيامة كما وهم، إذ لا دخل فى تفسير معنى المفعول به للإبدال بخلاف الظرفية، فإنه بيان للاستقبال الذى فى تتقون. اهـ ..
وهذا هو الأوفق بقول الشارح: نصب على أنه مفعول به لتتقون
(قوله: إن بقيتم على الكفر) فسر إن كفرتم بقوله: إن بقيتم على الكفر، لكون المخاطب بهذا الكلام الكفار وكفرهم مقطوع به، وإن (لا) تدخل على المقطوع به، وإنما تدخل على المشكوك فيه ولئلا يحتاج كفرتم إلى مفعول به
(قوله: يجعل الولدان) أى: يصيرهم شيبا جمع أشيب، والأصل فى شين شيبا الضم وكسرت لمجانسة الياء
(قوله: نسب الفعل) أى وهو الجعل المذكور، وقوله إلى الزمان أى: لوقوعه فيه
(قوله: وهذا) أى: تصير الولدان شيبا
(قوله: كناية) يحتمل أن المراد الكناية اللغوية أى: عبارة ويحتمل أن المراد الكناية الاصطلاحية، وهذا هو المتبادر من قوله بعد ذلك؛ لأن الشيب إلخ؛ لأنه ظاهر فى كونه كناية على مذهب السكاكى القائل إنها اللفظ المستعمل فى ملزوم معناه؛ وذلك لأن قوله تعالى يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً موضوع للازم الذى هو تسارع الشيب، وقد استعمل اسم ذلك اللازم فى الملزوم، وهو شدة اليوم وكثرة الهموم والأحزان فيه،
(1) المزمل: 17.
عن شدته وكثرة الهموم والأحزان فيه؛ لأن الشيب مما يتسارع عند تفاقم الشدائد والمحن، أو عن طوله، وأن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة (وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (1)) أى: ما فيها من الدفائن والخزائن؛ نسب الإخراج
…
===
وفى قوله وهذا كناية به إشارة إلى أن الكناية لا تنافى المجاز العقلى
(قوله: عن شدته) أى:
اليوم وقوله: لأن الشيب أى: الحقيقى وهو بياض الشعر، وقوله: مما يتسارع أى: مما ينشأ بسرعة، وقوله: عند تفاقم الشدائد أى: عند تراكمها وتكاثرها، والحاصل أن تراكم الشدائد ملزوم يلزمه سرعة الشيب، فأطلق اسم اللازم وأريد الملزوم
(قوله: أو عن طوله) أى: أو أنه كناية عن طوله طولا يبلغ فيه الصبيان أوان الشيب والشيخوخة، ثم يحتمل أن المراد الكناية اللغوية، ويحتمل الاصطلاحية أيضا على مذهب السكاكى، وذلك لأن قوله يجعل الولدان شيبا موضوع للازم طول الزمان وهو الشيخوخة والشيب، فاستعمل فى الملزوم وهو طول الزمان الذى يبلغ فيه الصبيان أوان الشيب والشيخوخة، أو على مذهب المصنف القائل إنها استعمال اسم الملزوم فى اللازم؛ لأن الشيب والشيخوخة يلزمهما طول الزمان عادة، والحاصل أن الشيب وطول الزمان متلازمان يصح أن يعتبر كل منهما لازما والآخر ملزوما، فإن قلت جعله كناية عن الطول ينافى التعجب من عدم الاتقاء، فإن منشأ التعجب كثرة الهموم فى ذلك اليوم لا مجرد الطول؛ لأن اليوم الطويل قد يشتمل على نحو السرور فلا يقتضى التعجب، فلا بد من اعتبار كثرة الهموم معه حتى يحسن التعجب على أن طوله أزيد من أوان الشيخوخة؛ لأن أوان الشيخوخة بعد الأربعين، ويوم القيامة قال الله تعالى فيه وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (2) فالطول المخصوص ليس لازما لأوان الشيخوخة.
قلت: ليس المراد أنه كناية عن مطلق الطول، بل الطول المعهود، ولا شك أنه من أكبر الهموم، والعلاقة يكتفى فيها باللزوم الواقع بين أوان الشيخوخة ومطلق الطول ذكره الغنيمى.
(قوله: يبلغون فيه أوان الشيخوخة) أى: فيشيبون
(قوله: أَثْقالَها) جمع ثقل:
بفتح المثلثة والقاف، وهو متاع البيت، فقول الشارح أى ما فيها إلخ: تفسير مراد، وقوله
(1) الزلزلة: 2.
(2)
الحج: 47.
إلى مكانه وهو لله حقيقة (وغير مختص بالخبر) عطف على قوله: كثير؛ أى: وهو غير مختص بالخبر، وإنما قال ذلك لأن تسميته بالمجاز فى الإثبات وإيراده فى أحوال الإسناد الخبرى
…
===
من الدفائن أى: ما كان مدفونا ومخزونا فيها: كالكنوز والموتى، وقوله والخزائن: عطف تفسير
(قوله: إلى مكانه) أى: إلى الأرض التى هى مكان متعلقه وهو المخرج أعنى: الشىء المدفون لإمكان نفس الإخراج؛ لأنه معنى من المعاني، والحاصل أن الإسناد فى هذه الآية للمفعول به بواسطة من لا للظرف المكاني؛ لأن الأرض ليست بمكان للفعل، إذ لا يقال هنا أخرج فيها، بل أخرج منها؛ لأن الأثقال مخرجة منها لا فيها، والمكان الملابس للفعل هو مكان الفعل، وملابسته له لوقوعه فيه
(قوله: وغير مختص بالخبر) فيه دخول الباء بعد الاختصاص على المقصور عليه وهو عربى، وإن كان الأكثر فى الاستعمال دخولها بعده على المقصور- كما حققه الشارح وظن صاحب (عروس الأفراح) وجوب الأخير فاعترض على المصنف وقال: الصواب أن يقول وهو غير مختص به الخبر.
(قوله: عطف على قوله كثير) إن قلت هذا يقتضى أن قوله فى القرآن مسلط عليه؛ لأنه قيد فى المعطوف عليه فيجرى فى المعطوف، فيكون المعنى حينئذ أنه غير مختص بالخبر فى القرآن فقط، فيفيد أنه مختص بالخبر فى غير القرآن، مع أن المراد أنه غير مختص بالخبر مطلقا فى القرآن، وفى غيره أجيب بأن ما كان قيدا فى المعطوف عليه لا يجب أن يكون فى المعطوف على التحقيق عندهم، فقوله عطف على قوله كثير أى:
بقطع النظر عن تقييده بقوله فى القرآن
(قوله: لأن تسميته) أى: عند القوم لا فى كلام المصنف؛ لأن هذه التسمية لم يذكرها هنا
(قوله: يوهم إلخ) أفرد باعتبار كل واحد من الأمرين، وإلا فالظاهر يوهمان، ومنشأ الإبهام بالنسبة إلى التسمية المذكورة هو أن الإثبات لا يتحقق فى الإنشاء، إذ الإثبات يقابل الانتزاع وكل منهما حكم ولا حكم فى الإنشاء؛ لأنه من قبيل التصورات، فإن قلت: قد علم من هذا التوجيه أن الإثبات لا يمكن فى الإنشاء فكان الموافق لذلك تخصيصه بالجزم بدل قوله: يوهم، بأن يقول: يخصه بالخبر، أو يوجب اختصاصه بالخبر، إذ التسمية بالإثبات لا يمكن شمولها للإنشاء على أن ذكره فى
يوهم اختصاصه بالخبر (بل يجرى فى الإنشاء نحو: يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً (1)) فإن البناء فعل العملة، وهامان سبب آمر، وكذلك قولك: لينبت الربيع ما شاء، وليصم نهارك، وليجد جدك، وما أشبه ذلك مما أسند فيه الأمر أو النهى إلى ما ليس المطلوب صدور الفعل أو الترك عنه. وكذا قولك
…
===
بحث أحوال الإسناد الخبرى صريح فى الاختصاص لا موهم- فالجواب أنه إنما عبر بيوهم لإمكان أن تجعل التسمية بذلك، والإيراد فى أحوال الإسناد باعتبار تحققه فى بعض المواضع وهو الخبر لا سيما وهو الجزء الأعظم، وهذا لا ينافى أنه لا إثبات فى الإنشاء، أو أن المراد بقوله: يوهم أى: يوقع فى الوهم أى: الذهن، وإن كان جزما- كذا قرر شيخنا العدوى.
(قوله: يوهم اختصاصه بالخبر) أى: فأتى المصنف بقوله: وغير مختص بالخبر دفعا لذلك التوهم.
(قوله: بل يجرى إلخ) تصريح بما علم التزاما أتى به للإيضاح وتوطئة لقوله: نحو إلخ
(قوله: ابْنِ لِي صَرْحاً) أى: قصرا أى: مكانا عاليا وما ذكره الشارح فى هذه الآية من المجاز العقلى غير متعين، بل يجوز أن يكون ابن متجوزا به عن اؤمر بالبناء مجازا لغويا
(قوله: وكذلك قولك: لينبت إلخ) أشار بذلك إلى أنه لا فرق بين الطلب بالصيغة أو باللام، وأصل هذا المثال لينبت الله بالربيع ما شاء
(قوله: وليصم نهارك) أصله ولتصم أنت فى نهارك
(قوله: وليجد) بفتح الياء وكسر الجيم، وجدك بكسر الجيم وضم الدال، وأصله ولتجد جدا أى: ولتجتهد اجتهادا، فلما كان المصدر مشابها للفاعل الحقيقى وهو الشخص فى تعلق الفعل بكل منهما لصدوره من الفاعل، والمصدر جزء معناه، صح إقامة المصدر مقام الفاعل في إسناد الفعل إليه.
(قوله: أو النهى) نحو لا يقم ليلك ولا يصم نهارك
(قوله: إلى ما ليس إلخ) أى:
إنى مسند إليه ليس إلخ، وقوله صدور الفعل أى: فى الأمر، وقوله أو الترك أى: فى النهى
(قوله: وكذا قولك إلخ) فصلهما عما قبلهما؛ لأنهما نوعان من الإنشاء غير الأمر والنهى
(1) غافر: 36.
ليت النهر جار، وقوله تعالى: أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ (1)(ولا بد له) أى: للمجاز العقلى (من قرينة) صارفة عن إرادة ظاهره؛ لأن المتبادر إلى الفهم عند انتفاء القرينة هو الحقيقة (لفظية كما مر) فى قول أبى النجم: أفناه قيل الله (أو معنوية كاستحالة قيام المسند بالمذكور) أى: بالمسند إليه المذكور مع المسند (عقلا)؛
…
===
(قوله: ليت النهر جار) أصله ليت الماء جار فى النهر؛ لأن الذى يتمنى جريه هو الماء لا النهر، فأسند الجرى المتمنى إلى النهر مجازا لملابسته للماء بالمحلية، فالمجاز فى إسناد جار إلى ضمير النهر
(قوله: أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ) الأصل أيأمرك ربك فى صلاتك أى: فى حال تلبسك بها أن نترك أمرا عظيما هو عبادة ما كان يعبده آباؤنا فهو من الإسناد للمفعول به بواسطة الحرف، فالمجاز فى إسناد تأمر إلى ضمير الصلاة، لا فى نسبة الجملة للمبتدأ.
(قوله: ولا بد له من قرينة) إنما تعرض لهذا مع استفادته من قيد التأول توطئة لتقسيمها إلى لفظية ومعنوية، فهو بمنزلة البيان لقوله بتأول، وكان ينبغى أن يذكره متصلا بما يتعلق ولا يفصل بينهما ببيان الأقسام وما بعده من الأحكام، وقرينة فعيلة بمعنى مفعولة أى: مقرونة، أو بمعنى فاعلة أى: مقارنة
(قوله: صارفة عن إرادة ظاهره) أى من كون الإسناد لما هو له ولا يشترط أن تكون معينة لما هو الحقيقة، ولذا اختلف فى أنه هل يلزم أن يكون له حقيقة أم لا؟ ولا معينة لما هو المجازى بخصوصه من كونه إسنادا للسبب أو المفعول مثلا
(قوله: لأن المتبادر إلخ) علة لقوله: ولا بد إلخ
(قوله: لفظية) نسبة للفظ المطلق من نسبة الجزئى للكلى، وكذا يقال فى قوله: معنوية
(قوله: كما مر) أى: كالقرينة التى مرت فى قول أبى النجم، ثم لا يخفى أن قوله أفناه قيل الله، إنما يصرف ما قبله عن ظاهره، لدلالته على أنه كان موحدا، فمقابلة قوله أو صدوره عن الموحد له يقتضى أن يقيد الصدور عن الموحد بما إذا لم يعلم منه لفظ مقترن بالكلام
(قوله: كاستحالة قيام المسند بالمذكور) أى: اتصافه به أو صدوره عنه، فدخل
(1) هود: 87.
أى: من جهة العقل؛
…
===
قيام المبنى للمجهول بنائب الفاعل، إذ معنى ضرب زيد: اتصف زيد بالمضروبية، فسقط قول بعضهم: كان الأولى للمصنف أن يقول كاستحالة نسبة المسند للمسند إليه المذكور؛ ليتناول نسبة الفعل المجهول للمسند إليه الذى هو نائب الفاعل وقوله بالمذكور أى فى عبارة المتكلم لفظا أو تقديرا، وليس المراد المذكور فى عبارة المصنف سابقا، وإنما قيد المذكور؛ لأن قيام المسند بالمسند إليه لا استحالة فيه، فلو لم يقيد بذلك لربما ذهب الوهم لاستحالته مطلقا. اهـ. قرمى.
(قوله: أى من جهة العقل إلخ) قيل: إن فيه إشعارا بأن انتصاب عقلا وعادة على التمييز وفيه نظر؛ لأنه لو كان كذلك فإما أن يكون تمييز مفرد أو نسبة. لا سبيل إلى الأول؛ لأنه يقتضى أن تكون ذات المفرد مبهمة متناولة لذوات متعددة: كعشرين من قولك ملكت عشرين دينارا، والمفرد هنا: وهو الاستحالة ذاته متعينة لا إبهام فيها؛ لأنها الخروج عن الاستقامة للاعوجاج وانقسامها إلى: العقلية والعادية، إنما يوجب الإبهام فى صفتها؛ ولأنه يقتضى أن تكون الاستحالة من أفراد العقل: كقفيز برا وهو باطل، ولا سبيل إلى الثانى لعدم الإبهام فى النسبة؛ لأن الإبهام فيها بسبب أن تكون فى الظاهر متعلقة بشىء، ويجوز تعلقها بشىء آخر متعلق بما تعلقت به فى الظاهر: كتعلق نسبة طاب في: طاب زيد بزيد فى الظاهر، ويجوز تعلقها بالنفس بأن تقول: طابت نفس زيد والنفس متعلقة بزيد، وهنا قد تعلقت نسبة الاستحالة بالقيام فى الظاهر والمتعلق بالقيام الذى ذكر هنا هو العقل والعادة، ولا يجوز تعلق نسبة الاستحالة بهما لظهور أنهما ليسا مستحيلين، بل المستحيل إنما هو نفس القيام، وحينئذ فلا إبهام فى النسبة، وأجيب بأنه يجوز أن يكون عقلا وعادة تمييزا لنسبة الاستحالة للقيام محولا عن الفاعل الكائن لمتعدى الاستحالة وهو الإحالة أى: كإحالة العقل القيام المذكور؛ لأن التمييز المحول عن الفاعل لا يلزم أن يكون فاعلا للفعل المذكور، بل تارة يكون فاعلا لمتعديه وتارة للازمه، فالأول نحو: امتلأ الإناء ماء، فالماء ليس فاعلا لامتلأ، بل لمتعديه وهو ملأ، يقال: ملأ الماء الإناء، والثانى نحو قوله تعالى: فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً (1) بناء
(1) القمر: 12.
يعنى أن يكون بحيث لا يدعى أحد من المحقين والمبطلين أنه يجوز قيامه به؛ لأن العقل إذا خلى ونفسه
…
===
على أنه محول عن الفاعل، فالعيون ليست فاعلا لفجر، بل للازمه وهو تفجر الذى هو لازم لفجر؛ لأن مطاوع المتعدى لواحد لازم، ثم إن جعله تمييز نسبة بهذا الاعتبار مبنى على أن تمييز النسبة لا بد أن يكون محولا، وأما على القول بعدم الوجوب، بل ذلك هو الغالب، فلا يحتاج لذلك التكلف على أن إعراب عقلا وعادة تمييزا ليس بمتعين، فيصح نصبه بنزع الخافض أى: فى العقل، أو على أنه مفعول مطلق أى: استحالة عقل، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانتصب انتصابه على المفعولية المطلقة، أو أنه حال، وعقلا وعادة بمعنى عقلية وعادية، وقول الشارح أى من جهة العقل: لا يتعين أن يكون إشارة إلى أنه تمييز، بل يصح أن يكون بيانا لحاصل المعنى فتأمل ذلك.
(قوله: يعنى أن يكون) أى: المسند، وقوله قيامه به أى: بالمسند إليه المذكور، وهذا جواب عما يقال إذا كانت الاستحالة عقلا قرينة صارفة عن إرادة الظاهر، فلم كان قول الدهرى الذى علم حاله: أنبت الربيع البقل حقيقة، مع أن العقل الصحيح يحيله؟ وحاصل الجواب: أن المراد بالاستحالة التى تكون قرينة الاستحالة الضرورية وهى التى لو خلى العقل مع نفسه أى: من غير اعتبار أمر آخر معه من نظر، أو غيره لحكم بها، واستحالة إنبات الربيع البقل ليست كذلك، بل يحتاج العقل فى الحكم بها لدليل
(قوله: المحققين) أى: كأهل السنة، وقوله: والمبطلين أى: كالدهرية
(قوله: لأن العقل) أى: كل عقل بجعل أل استغراقية أو عقل الفريقين من المحققين والمبطلين إذا نظر فى ذلك وتأمل ونفسه أى: من غير اعتبار أمر آخر من نظر أو عادة أو إحساس، ثم إن هذا تعليل لقوله لا يدعى إلخ أى: لا يدعى أحد جواز ذلك القيام؛ لأن العقل إذا خلى ونفسه أى: من غير اعتبار أمر آخر من نظر أو عادة أو إحساس أو تجربة يعده محالا وهذا التفسير على نسخة؛ لأن العقل إلخ، وفى بعض النسخ: لا أن العقل بحرف النفى عطفا على قوله يعنى أن يكون إلخ أى: إن الاستحالة العقلية التى تكون قرينة للمجاز ما تقدم لا كون العقل إذا خلى ونفسه أى: خلى من منازعة الوهم، وغلبة الشيطان يعده
يعده محالا (كقولك: محبتك جاءت بى إليك) لظهور استحالة قيام المجىء بالمحبة (أو عادة) أى: من جهة العادة (نحو: هزم الأمير الجند) لاستحالة قيام هزم الجند بالأمير وحده عادة، وإن كان ممكنا عقلا. وإنما قال: قيامه به ليعم الصدور عنه، مثل: ضرب، وهزم، وغيره، مثل: قرب، وبعد (وصدوره)
…
===
محالا لئلا يرد قول الدهرى: أنبت الربيع البقل، فإن عقل الموحد يعده محالا مع أنه حقيقة، ولئلا يكون قول المصنف الآتى: وصدوره عن الموحد داخلا فى الاستحالة العقلية على إرادة جنس العقل فتأمل.
(قوله: يعده) أى: قيامه به
(قوله: محبتك جاءت بى إليك) أصله نفسى جاءت بى إليك؛ لأجل المحبة، فالمحبة سبب داع إلى المجىء لا فاعل له، فلما كانت المحبة مشابهة للنفس من حيث تعلق المجىء بكل منهما صح الإسناد للمحبة على جهة المجاز، والقرينة الاستحالة، لكن الاستحالة هنا ظاهرة بناء على مذهب المبرد القائل: إن باء التعدية تقتضى مصاحبة الفاعل للمفعول فى حصول الفعل، فمعنى: ذهبت بزيد- صاحبت زيدا فى الذهاب، وعلى هذا فمعنى قولك محبتك جاءت بى إليك، أن محبتك صاحبتنى فى المجىء إليك، ولا شك أن مجىء المحبة محال، أما على ما قاله سيبويه من أن باء التعدية بمعنى همزة النقل، وأن معنى ذهبت بزيد أذهبته أى: جعلته ذاهبا بمعنى: كنت سببا فى ذهابه من غير مشاركة له فى الذهاب، إذ لا نعنى بالسبب إلا الحامل على الشىء، فلا شك فى صحة إسناد مثل ذلك إلى المحبة؛ لأنها تثير المجىء وتحمل عليه فلا يكون إسناد المجىء إليها مجازا، فلعل المثال مبنى على مذهب المبرد- اهـ سم.
(قوله: وإنما قال قيامه به) هذا حكاية لكلام المصنف بالمعنى، وإلا فالمصنف عبر بالاسم الظاهر، وقصد الشارح بذلك التنبيه على أن ما ذكره المصنف فى الإيضاح من جعله جهة صدوره عنه قسيما لقيامه به حيث قال: كاستحالة صدور المسند من المسند إليه كالاتصاف أو قيامه به مما لا يجدى فائدة يعتد بها؛ والأولى ما ارتكبه هنا. اهـ. قرمى.
(قوله: الصدور عنه) أى: عن اختيار
(قوله: مثل ضرب وهزم) مثالان للصدور عنه
(قوله: وغيره) أى: غير الصدور كالاتصاف
(قوله: مثل: قرب وبعد) فتقول قربت
عطف على استحالة؛ أى: وكصدور الكلام (عن الموحد فى مثل: أشاب الصغير (1)) وأفنى الكبير
…
البيت فإنه يكون قرينة على أن إسناد أشاب، وأفنى إلى: كر الغداة ومر العشى- مجاز، لا يقال: هذا داخل فى الاستحالة؛ لأنا نقول:
===
الدار وبعدت الدار مثلا، فالقرب والبعد قائمان بالدار، لكن لا على سبيل الصدور، بل على سبيل الاتصاف
(قوله: عطف على استحالة) نبه بهذا إزالة لما عسى أن يتوهم فى بادىء الرأى عطفه على قيام المسند وفساده ظاهر. إذ يصير المعنى حينئذ كاستحالة صدوره عن الموحد فى مثل إلخ، وليس هذا مما يحيله العقل وإلا لما ذهب إليه كثير من العقلاء كما قرره الشارح
(قوله: أى وكصدور الكلام) أشار بذلك إلى أن الضمير راجع للكلام المعلوم من المقام، والذى أحوج الشارح لذلك موافقة عبارة الإيضاح والأولى رجوع الضمير للمجاز لتكون الضمائر على نسق واحد، إن قلت: إنه على هذا التقدير يصير المعنى من قرائن المجاز صدور المجاز عن الموحد، فيلزم معرفة أنه مجاز قبل قرينة أنه مجاز- قلت: المراد بالمجاز المضاف إليه فى قوله: صدور المجاز عن الموحد ما يئول إلى كونه مجازا أى: أن من جملة قرائن المجاز صدور ما يئول إلى كونه مجازا عن الموحد، ولعل عدول الشارح عن إرجاع الضمير إلى المجاز للفرار من هذا التكلف
(قوله: عن الموحد) أى: عمن اعتقد أن الله إله واحد، وفيه أنه لا يلزم من كونه قائلا بالوحدانية ومعتقدا لها أنه لا يقول بتأثير الأسباب العادية، ألا ترى للمعتزلى ونحوه ممن يعتقد صدور بعض الأفعال عن غيره تعالى، وحينئذ فلا يكون ذلك قرينة إلا أن يقال: المراد صدوره عن الموحد الكامل
(قوله: فى مثل إلخ) أى على فرض علم حال قائله وأنه مؤمن وإلا فقد مر للمصنف أنه لم يعلم حاله كذا قرر بعضهم. والحق أنه ليس فيما تقدم تصريح بأن قائل هذا البيت لم يعلم حاله كما ذكرناه فيما مر
(قوله: فإنه) أى: الصدور يكون قرينة إلخ.
(قوله: هذا) أى: الصدور عن الموحد فى مثل أشاب الصغير إلخ داخل فى الاستحالة العقلية؛ لأن الموحد يحيل قيام الإشابة والإفناء بالمسند إليه المذكور أى: وحينئذ
(1) سبق تخريج البيت.
لا نسلم ذلك، كيف وقد ذهب إليه كثير من ذوى العقول واحتجنا فى إبطاله إلى الدليل (ومعرفة حقيقته) يعنى: أن الفعل فى المجاز العقلى يجب أن يكون له فاعل أو مفعول به إذا أسند إليه يكون الإسناد حقيقة فمعرفة فاعله أو مفعوله الذى إذا أسند إليه يكون الإسناد حقيقة (إما ظاهرة كما فى قوله تعالى: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ
===
فلا يصح أن يمثل به للصدور عن الموحد الذى هو مقابل للاستحالة
(قوله: لا نسلم ذلك) أى: دخوله فى الاستحالة العقلية؛ لأن المراد بها هنا الاستحالة البديهية بحيث يحكم بها كل عاقل من غير نظر واستدلال على ما علم من تفسير لها سابقا، وهذا وإن كان مستحيلا، لكن إحالته ليست عند كل العقلاء، بل لمن وجد عنده نظر صحيح
(قوله: كيف وقد ذهب إلخ) أى: فهو من المحال الغير الضرورى الذى الكلام فيه
(قوله: واحتجنا فى إبطاله) أى: إبطال ما ذهب إليه ذلك البعض إلى الدليل.
(قوله: ومعرفة حقيقته إلخ) من المعلوم أن الحقيقة فى هذا الباب هى إسناد الفعل أو معناه إلى ما هو له، فمفاد المصنف أن ذلك الإسناد معرفته تارة تكون ظاهرة وتارة تكون خفية، مع أن الحقيقة بهذا المعنى دائما ظاهرة؛ لأن الإسناد لما هو له لا خفاء فيه، وأجاب الشارح بقوله: يعنى إلخ، وحاصل ما أجاب به أن مراد المصنف بالحقيقة الموصوفة يكون معرفتها ظاهرة أو خفية الفاعل أو المفعول الذى أسند إليه الفعل كان الإسناد حقيقة، ثم بعد هذا الجواب يرد عليه أن الظهور والخفاء إنما ينسبان إلى ما يعرف كالفاعل أو المفعول الذى يكون الإسناد إليه حقيقة لا لنفس المعرفة، وحينئذ فكان الأولى للمصنف أن يقول:
وحقيقته إما ظاهرة أو خفية، ويحذف المعرفة إلا أن يقال: إنه وصف المعرفة بالظهور والخفاء باعتبار متعلقها الذى هو المسند إليه الحقيقى- قاله يس.
وفى عبد الحكيم: أنه إنما لم يقل: وحقيقته للتنصيص على أن المراد الظهور والخفاء بحسب العلم لا بحسب الوجود أى: بحسب كثرة العلم بالحقيقة وقلته، وحاصل مراد المصنف أن المجاز العقلى لا بد له من فاعل أو مفعول به يكون إسناد الفعل له حقيقة، ثم إن ذلك الفاعل أو المفعول تارة يكون ظاهرا وتارة يكون خفيّا
(قوله: يعنى أن الفعل إلخ) اقتصر على الفعل؛ لأنه الأصل، وإلا فما فى معناه مثله
(قوله: يجب أن يكون له فاعل)
أى: فما ربحوا فى تجارتهم، وإما خفية) لا تظهر إلا بعد نظر وتأمل (كما فى قولك: سرتنى رؤيتك؛ أى: سرنى الله عند رؤيتك، وقوله (1):
===
نحو: أنبت الربيع البقل، وقوله أو مفعول به نحو: ضرب عمرو، وقوله: إذا أسند إليه أفرد الضمير؛ لأن العطف بأو
(قوله: أى فما ربحوا فى تجارتهم) أى: فالتجارة لما كانت سببا للربح أسند إليها مجازا من باب الإسناد للسبب، والرابح حقيقة أربابها، وإنما كان الفاعل الحقيقى هنا ظاهر بسبب عرف الاستعمال؛ لأن عرف أهل اللغة إذا قصدوا الاستعمال الحقيقى أضافوا الربح للتجار لا للتجارة
(قوله: وإما خفية) أى: لكثرة الإسناد إلى الفاعل المجازى وترك الإسناد إلى الفاعل الحقيقى
(قوله: إلا بعد نظر) يحتمل وهو الأقرب أن المراد به مطلق التأمل، لا النظر المصطلح عليه الذى هو ترتيب أمور معلومة للتأدى إلى مجهول؛ لأن الحقيقة قد تعرف من غير أن يكون هناك ترتيب، وعلى هذا فعطف التأمل على النظر للتفسير، ويحتمل أن المراد بالنظر المعنى المصطلح عليه، وعليه فيكون عطف التأمل من قبيل عطف اللازم على الملزوم.
(قوله: سرتنى رؤيتك) أى: فرحتنى رؤيتك، فالرؤية لا تتصف حقيقة بجعل المتكلم موصوفا بالسرور، وإنما يتصف بذلك الجعل المولى سبحانه وتعالى، فالإسناد إليه هو الحقيقة، ولذا أشار المصنف لبيانها بقوله: أى سرنى الله عند رؤيتك، إن قلت: إن التجوز هنا يستلزم أن الرؤية التى أسند إليها ملابسة للفعل وهو السرور، وأى ملابسة هنا؟ قلت: يمكن أن يقال الملابسة من جهة حصول السرور عندها فهو من الإسناد للظرف الزمانى، وخفاء الحقيقة فى هذا المثال وما بعده من جهة عرف الاستعمال، فإن الحقيقة لم تقصد بالاستعمال فى عرف اللغة، فصار بمنزلة المجاز اللغوى الذى لم يستعمل له حقيقة كما قيل فى الرحمن.
واعلم أن هذا القول إنما يكون مجازا إذا أريد منه السرور عند الرؤية كما قلنا، أما إن أريد منه أن الرؤية موجبة للسرور كان حقيقة- كذا فى عبد الحكيم.
(1) لأبى نواس فى ديوانه ص 253 ط. بيروت، والتلخيص ص 13، وشرح عقود الجمان 1/ 49، والأغانى 25/ 41، والمفتاح ص 211، والتبيان للطيبى 1/ 322، وبلا نسبة فى نهاية الإيجاز ص 177، والإيضاح ص 36.
يزيدك وجهه حسنا
…
إذا ما زدته نظرا
===
(قوله: يزيدك وجهه حسنا إلخ) نسبه فى الإيضاح لأبى نواس، ونسبه فى المطول لابن المعذل بضم الميم وفتح العين وتشديد الذال المعجمة على صيغة اسم المفعول، وذكر قبله بيتا وهو (1):
يرينا صفحتى قمر
…
يفوق سناهما القمرا
قال الفنارى: أشار الشارح بنسبة البيت لابن المعذل لرد ما فى الإيضاح من نسبته لأبى نواس، وقيل أبو نواس: كنية لابن المعذل، فلا مخالفة، وأراد بصفحتى القمر: خدى المحبوب، والسنا بالقصر: الضوء والشعاع، شبه الشاعر وجه الحبيب فى الاستنارة بالقمر فى بادئ الرأى، ثم ظهر له بعد إمعان النظر أن تشبيهه به وقع غلطا، فأعرض عنه وقال:
يفوق سناهما القمرا
وفى شرح الشواهد لعبد الرحيم العباسى أن البيت لأبى نواس من قصيدة من مجزوء الوافر يذم فيها العرب والأعراب فى تعشقهم للنساء دون الغلمان وأولها:
دع الرّسم الذى دثرا
…
يقاسى الرّيح والمطرا
وكن رجلا أضاع العم
…
ر فى اللّذات والخطرا
إلى أن قال:
أما والله لا أشرا
…
حلفت به ولا بطرا
لو انّ مرقّشا حىّ
…
تعلّق قلبه ذكرا
كأنّ ثيابه أطلع
…
ن من أزراره قمرا
ومرّ به بديوان ال
…
خراج مضمّخا عطرا
بعين خالط التّفت
…
ير فى أجفانها حورا
يزيدك وجهه حسنا
…
إذا ما زدته نظرا
(1) من قول أبى نواس- أورده فخر الدين الرازى فى نهاية الإيجاز ص 177 بلا عزو وانظر التلخيص فى علوم البلاغة بتحقيق د/ عبد الحميد هنداوى ص 13.
أى: يزيدك الله حسنا فى وجهه) لما أودعه من دقائق الحسن والجمال
…
===
لأيقن أنّ حبّ المر
…
د يلقى سهله وعرا
ولا سيما وبعضهم
…
إذا حيّيته انتهرا
فقوله: يزيدك وجهه حسنا من الزيادة المتعدية لمفعولين أحدهما: كاف الخطاب الموجه لغير معين للمبالغة، وثانيهما: حسنا، وهذا بيان لكون سناهما يفوق سنا القمر، فإن قلت: المفعول الثانى لزاد شرطه أن تصح إضافته للمفعول الأول كما فى قوله تعالى «زادهم اللَّهُ مَرَضاً (1) فإنه يصح أن يقال زاد الله مرضهم، ولا يصح إضافة الحسن هنا إلى الكاف، فلا يقال: يزيد وجهه حسنك؛ لأن الحسن ليس وصفا للمخاطب، بل للمحبوب الذى عاد عليه الضمير فى وجهه، قلت: الكلام على تقدير مضاف أى: يزيدك وجهه علم حسن أى: علما بحسن فى وجهه إذا ما زدته نظرا أى: إذا دققت النظر فى وجهه وأمعنته فيه؛ وذلك لأن وجهه مشتمل على دقائق حسن متعددة، فيظهر فى كل مرة من النظر والتأمل دقيقة لم تظهر فى المرة التى سبقت، وبتقدير المضاف الذى قلناه يندفع أيضا ما يقال: إن الحسن موجود فى الوجه على وجه معلوم؛ فلا يزداد بتكرر النظر، وحينئذ فظاهر البيت مشكل، ثم إن من المعلوم أن الوجه لا يتصف بجعل المتكلم موصوفا بإدراك الحسن الزائد، فلذا كان الإسناد إليه مجازا، وإنما يتصف بذلك الجعل المولى سبحانه وتعالى، فالإسناد إليه حقيقة، ولذا أشار المصنف لبيانها بقوله أى: يزيدك الله حسنا أى:
علما بحسن فى وجهه من حيث ظهوره لا من حيث وجوده، فإنه فى غاية الكمال فى نفسه، لكن لدقته يظهر بعد التأمل والنظر
(قوله: فى وجهه) أشار إلى أن وجهه مفعول ثالث ليزيد بواسطة الحرف، وأن الإسناد فى الكلام المذكور إلى المفعول بواسطة
(قوله: لما أودعه إلخ) هذا دافع لما عسى أن يتراءى من المخالفة بين ما فى البيت وما اشتهر من المثل وهو: كثرة المشاهدات تقل الحرمة فى العادات- ووجهه أن بكل نظر يرى حسنا آخر من محاسن جماله ودقيقة أخرى من دقائق كماله. اهـ. قرمى.
(1) البقرة: 100.
تظهر بعد التأمل والإمعان؛ وفى هذا تعريض بالشيخ عبد القاهر، ورد عليه حيث زعم أنه لا يجب فى المجاز العقلى أن يكون للفعل فاعل يكون الإسناد إليه حقيقة فإنه ليس لسرتنى فى: سرتنى رؤيتك، ولا ليزيدك فى: يزيدك وجهه حسنا- فاعل يكون الإسناد إليه حقيقة،
…
===
(قوله: تظهر) هو بالتاء المثناة من فوق فى بعض النسخ أى: تلك الدقائق المودعة فيه، وفى بعضها بالياء المثناة من تحت أى: الحسن المزيد
(قوله: وفى هذا تعريض) أى: فى قوله ومعرفة حقيقته إلخ، حيث اشترط فى المجاز العقلى أن يكون له فاعل حقيقى إلا أنه تارة يكون ظاهرا وتارة يكون خفيا
(قوله: ورد عليه) عطف تفسير
(قوله: حيث زعم) المراد بالزعم القول أى: حيث قال: إنه لا يجب فى المجاز العقلى أن يكون للفعل فاعل محقق فى الخارج يكون الإسناد له حقيقة، وتحرير النزاع أن المجاز العقلى هل يشترط فى تحققه أن يكون للفعل المسند فيه فاعل محقق فى الخارج أسند له ذلك الفعل قبل المجاز إسنادا حقيقيا معتدّا به بأن يقصد فى العرف والاستعمال إسناد ذلك الفعل لذلك الفاعل، أو لا يشترط؟ فمذهب المصنف والسكاكى اشتراط ذلك؛ لأجل أن ينقل الإسناد من ذلك الفاعل الحقيقى للفاعل المجازى، ومذهب الشيخ عبد القاهر: لا يجب ذلك إلا إذا كان الفعل موجودا، فإن كان غير موجود بأن كان أمرا اعتباريا فلا يصح أن يكون له فاعل حقيقى، بل يتوهم ويفرض له فاعل أسند إليه، ونقل الإسناد منه للفاعل المجازى، فالفاعل ليس محققا فى الخارج، بل متوهم مفروض ولا يعتد بالإسناد للمتوهم المفروض
(قوله: يكون الإسناد إليه) أى: على جهة القيام والاتصاف به لا على جهة الإيجاد له؛ لأنه لا ينفيه
(قوله: فإنه ليس لسرتنى ولا ليزيدك فاعل) أى: فى الاستعمال يكون الإسناد إليه حقيقة لعدم وجود تلك الأفعال المتعدية فى الاستعمال، والمراد بانتفاء وجودها فى الاستعمال أن المتكلم لم يقصد الإخبار بها، بل استعملها فى لازمها- فانتفاؤها بالنظر لقصد المتكلم وملاحظته لا بالنظر للواقع، وقوله يكون أى: حتى يكون، والحاصل أن الشيخ عبد القاهر ذكر أن هذين المثالين ونحوهما من المجاز فى الإسناد الذى لا حقيقة له، فبين المصنف أن له حقيقة خفيت على الشيخ؛ لأن حق الإسناد فى ذلك لله تعالى.
وكذا: أقدمنى بلدك حق لى على فلان، بل الموجود هاهنا هو السرور والزيارة والقدوم، واعترض عليه الإمام فخر الدين الرازى- رحمه الله بأن الفعل
…
===
(قوله: وكذا أقدمنى إلخ) أى: فإن الإقدام ليس له فاعل حقيقى وإسناد الإقدام فيه للحق مجاز عقلى، وتوجيه المجاز العقلى فى هذا التركيب على مذهب الشيخ أن يقال: إنه بولغ فى كون الحق له مدخل فى تحقق القدوم، ففرض إقدام صادر من فاعل متوهم، ثم نقل عنه، وأسند إلى الحق مبالغة فى ملابسته للقدوم، كما ينقل إسناد الفعل من الفاعل الحقيقى إلى الفاعل المجازى مبالغة فى ملابسة الفاعل المجازى للفعل، فالمجاز حينئذ فى الإسناد لا فى الفعل. فالفاعل الحقيقى ليس موجودا محققا فى الخارج، بل متوهم مفروض، ولا يعتد بإسناد الفاعل للفاعل المتوهم المفروض، وكذا يقال في:
سرتنى رؤيتك، ويزيدك وجهه حسنا، أنه بولغ فى كون الرؤية لها مدخل فى السرور، والوجه له مدخل فى زيادة العلم بالحسن ففرض سرور وازدياد صادران من فاعل متوهم، ثم نقلا عنه وأسند للفاعل المجازى وهو الوجه والرؤية للمبالغة فى ملابسة الفاعل المجازى للفعل، فقول الشيخ عبد القاهر: ليس لهذه الأفعال فاعل أى: محقق فى الخارج يعتد بإسنادها إليه. هذا وما ذكر من أن الإسناد في: أقدمنى بلدك حق لى على فلان من قبيل المجاز العقلى غير متعين بل يجوز أن يراد بالإقدام الحمل على القدوم على جهة المجاز المرسل، فيكون المعنى: حملنى على القدوم حق إلخ، ويصح أن يكون فى الكلام استعارة بالكناية بأن شبه الحق بمقدم تشبيها مضمرا فى النفس، وطوى ذكر المشبه به وهو المقدم ورمز له بذكر لازمه وهو الإقدام تخييلا، وعلى هذين الاحتمالين لا يكون فى الكلام مجاز عقلى- هذا ملخص ما فى القرمى والسيرامى.
(قوله: بل الموجود هاهنا هو السرور والزيادة والقدوم) أى: التى هى معانى الأفعال اللازمة يعنى: والكلام هنا فى فاعل الفعل المتعدى، لا فى فاعل الفعل اللازم، والفعل المتعدى غير موجود هنا حتى يكون له فاعل حقيقى، بل الموجود هو اللازم، فانتفاء الفاعل الحقيقى أعنى فاعل المتعدى لعدم وجود الفعل المتعدى، والحاصل أن تلك الأفعال المذكورة تستعمل متعدية، فمعناها وهو الإسرار والإقدام والزيادة أمر اعتبارى
لا بد أن يكون له فاعل حقيقة لامتناع صدور الفعل لا عن فاعل فهو إن كان ما أسند إليه الفعل فلا مجاز،
…
===
لا وجود له، فلا فاعل لها حقيقى، وتستعمل لازمة ومعناها- وهو السرور والقدوم والازدياد- أمر موجود فلها فاعل حقيقى، وإذا ذكرت تلك الأفعال المتعدية كان قصد المتكلم بها معانى الأفعال اللازمة، فإن قيل حيث كان معنى المتعدى غير موجود، وإن المقصود منه معنى اللازم لزم أن يكون سرتنى ونحوه من الأفعال المذكورة مجازا لغويا للتجوز بها عن معنى الفعل اللازم ولا مجاز هنا فى الإسناد، بل فى الأطراف، فالجواب أن مجازية الأطراف لا تنافى مجازية الإسناد، ألا ترى ما مر من أحيا الأرض شباب الزمان، قال سم: فإن قلت: كيف يصح القول بانتفاء المتعدى مع أنه متحقق قطعا، فإنا نعلم تحقق الأسرار وغيره من تلك الأفعال المتعدية فى الوجود؟ فالجواب أن المراد أن المتكلم بهذه الأفعال المتعدية لم يقصد معناها والإخبار عنها، وإن كان محققا فى الواقع إلا على سبيل التخييل والإيهام، وما كان على سبيل التخييل لا يحتاج إلى فاعل، فالحكم بانتفاء معنى المتعدى بالنظر للمقصود من الكلام لا بالنظر للواقع. اهـ.
ومراده بتحققها فى الوجود الوجود الذهنى، وكذا تحققها فى الواقع لا الوجود فى خارج الأعيان؛ لأنها أمور اعتبارية لا تحقق لها فيه
(قوله: لا بد أن يكون له فاعل) أى: موجد، وفيه أن هذا يسلمه الشيخ وليس مراده نفيه، بل مراده بقوله لا يجب فى المجاز العقلى أن يكون للفعل فاعل نفى الفاعل الذى قام به الفعل وهو الفاعل الحقيقى بالوجه المذكور الذى ينقل الإسناد عنه إلى الفاعل المجازى، ومحصله نفى لزوم الحقيقة للمجاز، وليس مراده نفى الفاعل الموجد، إذ لا يسع عاقلا أن ينفى الفاعل الموجد عن الفعل الموجود، قال العلامة ابن يعقوب وهذا الرد الذى ذكره الرازى إنما يتجه إن كان مراد الشيخ أن ثمّ أفعالا لا يتصف بها شىء على وجه الحقيقة، ولا يمكن فرض موصوف بها أصلا، وليس ذلك مراده، بل مراده أن نحو: سرتنى رؤيتك، وأقدمنى بلدك حق لى على فلان، ويزيدك وجهه حسنا، لا يقصد فى الاستعمال العرفى فيها فاعل الإقدام، ولا فاعل السرور المتعدى، ولا فاعل الزيادة المتعدية، ولذلك لم يوجد فى ذلك
وإلا فيمكن تقديره فزعم صاحب المفتاح أن اعتراض الإمام حق، وأن فاعل هذه الأفعال هو الله تعالى، وأن الشيخ لم يعرف حقيقتها لخفائها؛ فتبعه المصنف، وفى ظنى أن هذا تكلف،
…
===
الاستعمال إسنادها لما يحق أن يتصف بها؛ لأنها لكونها أمورا اعتبارية ألغى عرفا استعمالها لموصوفها الذى تعتبر فيه، ولو صح أن لها موصوفا؛ لأن الغرض من ذلك التركيب ما وجد خارجا من القدوم والسرور اللازمين والزيادة اللازمة، فصار هذا التركيب فى إسناده كالمجاز الذى لم تستعمل له حقيقة، ولم يرد الشيخ أن هذه الأفعال الاعتبارية لا موصوف لها فى نفس الأمر يكون الإسناد إليه حقيقة، بل المراد أنه لم يستعمل لعدم تعلق الغرض به، ولهذا كان ما ذهب إليه المصنف تكلفا وتطلبا لما لا يقصد فى الاستعمال ولا يتعلق به الغرض فى التراكيب- فتأمل ذلك فإنه صعب فهمه على كثير. اهـ كلامه.
(قوله: وإلا فيمكن تقديره) الأولى أن يقول: وإلا فلا بد من تقديره ليكون مناسبا للدعوى
(قوله: وإن فاعل هذه الأفعال هو الله تعالى) إن قلت: صاحب المفتاح من المعتزلة والفاعل عندهم هو النفس؛ لأن العبد يوجد عندهم الأفعال بطريق المباشرة أو التوليد كما فى حركة الأصبع وحركة الخاتم، فحركة الأصبع مخلوقة للعبد عندهم مباشرة، وحركة الخاتم مخلوقة له بطريق التوليد عن حركة الأصبع، فالمتعين أن يكون فاعل السرور، والعلم بزيادة الحسن العبد بطريق التوليد عن النظر الحسى فى الوجه بدليل أن السكاكى جعل النفس فاعلا في: أقدمنى بلدك حق لى على فلان، قلت: المراد أن فاعل هذه الأفعال هو الله تعالى على رأى الإمام، ولا يلزم من إخبار السكاكى عنه بذلك اعتقاده له
(قوله: لم يعرف حقيقتها) أى: الأفعال أى: حقيقة متعلقها وهو المسند إليه
(قوله: فتبعه) أى: تبع صاحب المفتاح
(قوله: وفى ظنى أن هذا) أى: الذى قاله المصنف تبعا للرازى والسكاكى تكلف؛ وذلك لأن تقدير الفاعل الموجد وهو الله تعالى فى مثل هذه الأفعال السابقة تقدير لما لا يقصد فى الاستعمال ولا يتعلق به الغرض فى التراكيب كما يؤخذ من كلام ابن يعقوب السابق، وعبارة سم: إنما كان تكلفا؛
والحق ما ذكره الشيخ.
===
لأن الفاعل من قام به الفعل، ولا يقال: إنه تعالى قام به السرور وغيره مما ذكر
(قوله: والحق ما ذكره الشيخ) وذلك لأنه ليس مراده نفى الفاعل رأسا، بل مراده نفى وجوب فاعل أسند إليه الفعل قبل إسناده إلى المجازى، ومحصله أنه لا يشترط فى المجاز أن يكون المسند قد أسند قبل إلى الفاعل الحقيقى، بل يجوز أن يكون من أول الأمر إلى آخره لم يسند ذلك المسند إلا إلى الفاعل المجازى. اهـ. سم.
وحاصل ما فى المقام أنه لا نزاع بين القوم فى أن الفعل الموجود فى الخارج لا بد له من فاعل يقوم به فى نفس الأمر لاستحالة وجود الفعل بذاته؛ لأنه من الأعراض ومعانى هذه الأفعال المتعدية فى هذه الصور من المسرة والإقدام والزيادة ليست موجودة فى الخارج أصلا لكونها أمورا اعتبارية، فلا يصح أن يكون لها فاعل حقيقى بحيث ينتقل الإسناد عنه إلى الفاعل المجازى، بل الموجود فيه بحسب قصد المتكلم هو معانى الأفعال اللازمة من السرور والقدوم والازدياد، وعبر عن القدوم مثلا بالإقدام؛ لأجل المبالغة فى ملابسة الفعل للفاعل، فإذا وجد القدوم لأجل الحق، والسرور لأجل الرؤية وزيادة العلم بالحسن لأجل رؤية الوجه، وأريد المبالغة فى ملابسة هذه المعانى للداعى لها فرض هناك فاعل لتلك الأفعال المتعدية، ثم ينتقل إسنادها من ذلك الفاعل المتوهم إلى الداعى المذكور لتحصيل المبالغة المذكورة، فإن نقل الإسناد من الفاعل المتوهم كنقله من الفاعل المحقق فى تحصيل المبالغة، فصح القول بأن هذه الأفعال المتعدية لا فاعل لها فى الخارج لعدم وجودها فيه، والفعل المتوهم بمنزلة العدم، وهذا مذهب الشيخ، وأما الإمام الرازى: فيرى أن معانى الأفعال اللازمة ممكنة، وقد انعقد الإجماع على أن كل ممكن لا بد له من فاعل موجد، وحينئذ فيجب أن يكون لهذه الأفعال فاعل موجود يكون إسناد الأفعال المتعدية اللازمة لها إلى ذلك الفاعل حقيقة، وهو الله عندنا والعبد عند المعتزلة، ويرد عليه بأن المراد بالفاعل فى هذا المقام فاعل الأفعال اللازمة لا فاعل الأفعال المتعدية، ولو سلم فليس المراد بالفاعل الموجود، وإنما المراد به من قام به الفعل كما مر، والله سبحانه وتعالى ليس فاعلا لهذه الأفعال بالمعنى المذكور، إذ لا يقال: إنه
(وأنكره) أى: المجاز العقلى (السكاكى) وقال: الذى عندى نظمه فى سلك الاستعارة بالكناية؛ بجعل الربيع استعارة بالكناية عن الفاعل الحقيقى
…
===
تعالى قام به السرور، ولا زيادة العلم بالحسن، على أن الشيخ ليس مراده نفى الفاعل رأسا، بل مراده نفى وجوب فاعل أسند إليه المسند قبل إسناده إلى المجازى.
ومحصله أنه لا يشترط فى المجاز أن يكون المسند قد أسند قبل إلى الفاعل الحقيقى، بل يجوز أن يكون من أول الأمر إلى آخره لم يسند ذلك المسند إلا إلى الفاعل المجازى
(قوله: وأنكره السكاكى) أى: قال ليس فى كلام العرب مجاز عقلى ووجه الإنكار أن المجاز خلاف الأصل، وقد ثبت فى الطرف قطعا وإثباته فى الإسناد، وإن كان لا فساد فيه، لكن يمكن رده إلى المجاز فى الطرف الواقع قطعا، والأصل رد ما تردد فيه إلى اليقين، والحامل له على ذلك الإنكار تقليل الانتشار وتقريب الضبط لاعتبارات البلغاء باحتمال أمثلة المجاز العقلى للاستعارة بالكناية، ويرد عليه أن ذلك ليس بأولى من العكس
(قوله: أى المجاز العقلى) أى: ما يسمونه بذلك
(قوله: وقال) أى: فى المفتاح الذى عندى إلخ، ولما لم يحك المصنف صورة إنكاره ذكرها الشارح وحكاها بالمعنى، وإلا فعبارته هكذا: والذى عندى هو نظم هذا النوع فى سلك الاستعارة بالكناية، بجعل الربيع استعارة بالكناية عن الفاعل الحقيقى بواسطة المبالغة فى التشبيه على ما عليه مبنى الاستعارة بالكناية، وجعل نسبة الإنبات إليه قرينة للاستعارة
(قوله: الذى عندى إلخ) الذى مبتدأ صلته الظرف، وقوله: نظمه أى: دخوله خبره أى: دخول أمثلته، إذ لا معنى لكون المجاز العقلى الواقع فى الإسناد من أفراد الاستعارة بالكناية الواقعة فى الطرف، وقوله: فى سلك الاستعارة أى: فى بابها ولا يخفى ما فى هذا التركيب من الاستعارة بالكناية، حيث شبه أفراد الاستعارة المذكورة: بدرر، وإثبات السلك: تخييل، والنظم:
ترشيح، والباء فى قوله بالكناية: للسببية أو المعية
(قوله: بجعل الربيع) أى: مثلا، والباء للتصوير أى: نظمه فى سلك الاستعارة مصور بجعل الربيع أى: بجعل هذا اللفظ استعارة بالكناية عن الفعل إلخ، وتوضيح المقام أنه لا بد فى الاستعارة المذكورة من مستعار منه ومستعار ومستعار له، فإذا قلت: أنشبت المنية أظفارها بفلان المستعار منه معنى السبع
بواسطة المبالغة فى التشبيه، وجعل نسبة الإثبات إليه قرينة للاستعارة؛ وهذا معنى قوله (ذاهبا إلى أن ما مر) من الأمثلة (ونحوه استعارة بالكناية) وهى عند السكاكى أن تذكر المشبه
…
===
وهو الحيوان المفترس حقيقة، والمستعار لفظ السبع، والمستعار له معنى المنية، ومعنى قولهم بالكناية: أنك كنيت عن المستعار بشىء من لوازم معناه، ولم تصرح به أعنى:
الأظفار، وهذا على طريق الجمهور، فيجعلون مدلول لفظ استعارة بالكناية المستعار أعنى اللفظ الدال على المشبه به المضمر، والسكاكى يجعل مدلوله اللفظ الدال على المشبه، فيقال عنده فى تقريرها شبهت المنية بالسبع، وادعينا أنها فرد من أفراده، ثم أوردنا اللفظ الدال على المشبه مرادا منه المشبه به بواسطة قرينة دالة على ذلك: كلفظ الأظفار، وأما على طريق المصنف فمدلوله نفس التشبيه المضمر فى النفس، وسيأتى ذلك مبسوطا، وأن تسمية التشبيه استعارة مجرد تسمية
(قوله: بواسطة إلخ) متعلق بجعل الربيع أى: إن جعل هذا اللفظ استعارة حاصل بتوسط المبالغة فى التشبيه، والمراد بالمبالغة فيه إدخال المشبه فى جنس المشبه به، وجعله فردا من أفراده ادعاء كما يرشد لذلك قول الشارح الآتى، والجواب أن مبنى هذه الاعتراضات إلى آخر ما يأتى له
(قوله: وجعل نسبة الإنبات إلخ) عطف على بواسطة، وقوله إليه أى: إلى الربيع، ثم لا يخفى أن هذا مخالف لما اشتهر من أن قرينة الاستعارة بالكناية عند السكاكى إثبات الصورة الوهمية المسماة بالاستعارة التخييلية، فيجب أن يؤول على أن المراد: وجعل نسبة ما هو شبيه بالإنبات إليه قرينة، وأجيب بأن ما اشتهر عنه محمول على الاستعارة بالكناية فى غير الكائنة فى المجاز العقلى، وأما الواقعة فيه فالقرينة قد تكون أمرا محققا، فما اشتهر عنه غير كلى، ويدل على ذلك أنه نفسه صرح فى بحث المجاز العقلى بأن القرينة قد تكون أمرا محققا كما في: أنبت الربيع البقل- فتأمل.
(قوله: وهى عند السكاكى) أى: بحسب اعتقاد المصنف بدليل الجواب الآتى فى آخر الكلام.
(قوله: أن تذكر المشبه) أى: ذكر المشبه، واعترض بأنها عند السكاكى لفظ المشبه لا ذكره، وأجيب بأن إضافة ذكر المؤول به قوله أن تذكر من إضافة الصفة
وتريد المشبه به بواسطة قرينة وهى أن تنسب إليه شيئا من اللوازم المساوية للمشبه به مثل أن تشبه المنية بالسبع، ثم تفردها بالذكر، وتضيف إليها شيئا من لوازم السبع فتقول: مخالب المنية نشبت بفلان
…
===
للموصوف أى: المشبه المذكور إلخ
(قوله: وتريد المشبه به) أى: حقيقة فى اعتقاد المصنف
(قوله: بواسطة) متعلق بتريد، وقوله: أن تنسب إليه للمشبه الذى أريد به المشبه به
(قوله: من اللوازم) أى: الروادف والتوابع
(قوله: المساوية للمشبه به) أى: التى تصدق حيث صدق وتكذب حيث كذب: كالإنبات فإنه يصدق بصدق الفاعل الحقيقى وينتفى بانتفائه، واعترض بأن الإنبات فى المثال ليس لازما مساويا لهذا المعنى؛ لأن الله تعالى موجود قبل الإنبات لكونه قديما، والإنبات حادث، فيتحقق الفاعل المختار، مع أن الإنبات قد لا يتحقق- فأين المساواة؟ وأجاب بعضهم بأن المراد بالإنبات: الإنبات بالقوة، ولا شك أنه لازم مساو. لكن قد يقال: يلزم على هذا أن يكون معنى أنبت الربيع البقل على كلام السكاكى: قدر على الإنبات، والظاهر أن هذا غير مراد من هذا التركيب، والحاصل أنه إن أريد الإنبات بالفعل ورد عليه أنه لازم غير مساو، وإن أريد الإنبات بالقوة ورد ما علمته، والأحسن أن يقال المراد بالإنبات الإنبات بالفعل، وليس المراد بالمساواة عدم الانفكاك بحيث إنها أى: اللوازم توجد إذا وجد المشبه به، وتنتفى إذا انتفى، بل المراد بكونها مساوية له أنها لا توجد إلا منه لكونها خاصة به إما مطلقا أو بالنسبة للمشبه، ولا شك أن الإنبات لا يوجد إلا منه تعالى، وهذا لا ينافى تحققه تعالى قبل تحقق الإنبات
(قوله: أن تشبه المنية بالسبع) أى:
فى اغتيال النفوس، وقوله ثم تفردها بالذكر أى: مريدا بها المشبه به وهو السبع لقوله سابقا: وتريد المشبه به
(قوله: فتقول مخالب إلخ) اعترض بأن المخالب ليست لازما مساويا لوجودها فى بعض الطيور، وأجيب بأن المراد بالسبع المشبه به كل ما يتسبع، أو المراد بالمخالب المخالب التامة: وهى التى يحصل بها اغتيال النفوس وإتلافها بقرينة المقام كذا ذكر بعضهم، لكن الذى ذكره المولى عبد الحكيم: أن المراد باللوازم المساوية للمشبه به ما كانت مختصة به: إما مطلقا وإما بالنسبة للمشبه، ولا شك أن المخالب
(بناء على أن المراد بالربيع الفاعل الحقيقى) للإنبات؛ يعنى: القادر المختار (بقرينة نسبة الإنبات) الذى هو من اللوازم المساوية للفاعل الحقيقى (إليه) أى: إلى الربيع (وعلى هذا القياس غيره) أى: غير هذا المثال؛ وحاصله: أن يشبه الفاعل المجازى بالفاعل الحقيقى فى تعلق وجود الفعل به، ثم يفرد الفاعل المجازى بالذكر وينسب إليه شى من لوازم الفاعل الحقيقى (وفيه) أى: فيما ذهب إليه السكاكى
…
===
يختص بها السبع بالنسبة للمنية، وحينئذ فهى مساوية للمشبه به بهذا الاعتبار، فلا حاجة لذلك الإيراد من أصله.
(قوله: بناء على أن إلخ) علة لقوله ذاهبا
(قوله: يعنى) أى: السكاكى بالفاعل الحقيقى
(قوله: القادر المختار) أى: هذا المفهوم، لا من حيث خصوص ذاته تعالى، فلا يرد أن ادعاء كون الربيع ذاته تعالى ركيك جدا. اهـ. عبد الحكيم.
(قوله: وعلى هذا القياس) متعلق بمحذوف أى: ويجرى على هذا القياس أى:
الطريق أعنى تقرير الاستعارة بالكناية فى هذا المثال غير هذا المثال أى: أن غير هذا المثال جار على قياسه وطريقته ففى نحو: شفى الطبيب المريض شبه الطبيب بالفاعل الحقيقى، وادعينا أنه فرد من أفراده، ثم أفرد الطبيب بالذكر مرادا به الفاعل الحقيقى بقرينة نسبة الشفاء الذى هو من لوازم الفاعل الحقيقى له، وكذا في: هزم الأمير الجند، شبه الأمير بالجيش، وادعينا أنه فرد من أفراده، ثم أفرد الأمير بالذكر مرادا به الجيش بقرينة نسبة الهزم إليه الذى هو من لوازم الجيش
(قوله: وحاصله) أى: حاصل جريان غير هذا المثال على قياسه أى: طريقته أو المراد.
وحاصل ما مر من تقرير الاستعارة بالكناية فى جميع الأمثلة
(قوله: فى تعلق وجود الفعل به) أى: بكل من الفاعلين، وإن كان تعلقه بأحدهما على جهة الإيجاد وبالآخر على جهة التسبب مثلا أى: ويدعى أن الفاعل المجازى من أفراد الفاعل الحقيقى
(قوله: ثم يفرد الفاعل المجازى بالذكر) أى: مرادا منه الفاعل الحقيقى
(قوله: وينسب إليه شىء) أى: لأجل الدلالة على أن المراد من الفاعل المجازى الفاعل الحقيقى
(قوله: أى فيما ذهب إليه السكاكى) من رد المجاز العقلى للاستعارة بالكناية
(نظر؛ لأنه يستلزم أن يكون المراد بعيشة فى قوله تعالى: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (1) صاحبها لما سيأتى) فى الكتاب من تفسير الاستعارة بالكناية على مذهب السكاكى، وقد ذكرناه؛
…
===
(قوله: لأنه) أى: لأن رده لها يستلزم إلخ، واعلم أن استلزام كون المراد بالعيشة صاحبها ليس مقابلا لعدم صحة الإضافة وأخويه كما يوهمه ظاهر المصنف، بل استلزام مثل ذلك موجود فى الجميع، إذ يستلزم أن يكون المراد بالنهار فلانا نفسه، وأن يكون المراد بضمير هامان العملة، وبالربيع هو الله تعالى، ومدار الفساد عليه، وإنما المقابل لعدم صحة الإضافة وأخويه عدم صحة أن تكون العيشة ظرفا لصاحبها، فكان الأولى للمصنف أن يقول يستلزم أن لا يصح جعل العيشة فى قوله تعالى: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ظرفا لصاحبها
(قوله: لأنه يستلزم أن يكون المراد بعيشة فى قوله تعالى: فهو فى عيشة راضية صاحبها) إما أن يراد بضمير عيشة أى: الضمير الراجع إليها المستتر فى راضية أى: وإذا كان هذا الضمير بمعنى صاحب العيشة كان مرجعه وهو عيشة المجرور بفى بمعنى صاحبها أيضا، بناء على اتحاد معنى الضمير ومرجعه كما سيذكره الشارح بقوله وهذا إلخ، فيلزم ظرفية الشىء فى نفسه، وإما أن يراد بعيشة المجرور بفى؛ لأن مذهب السكاكى عدم اختصاص المجاز العقلى بإسناد الفعل أو معناه إلى مرفوعه، فيلزم ما ذكر أيضا، ولا يرد على هذا الاحتمال أن مذهبه أن يذكر الفاعل المجازى ويراد الفاعل الحقيقى، والمجرور بفى ليس فاعلا؛ لأنه فاعل فى المعنى كالمبتدأ فى نهاره صائم. اهـ. يس.
وقول الشارح وهذا مبنى إلخ: إنما يحتاج إليه على الاحتمال الأول، إذ كون المفاد بالضمير ما أريد بمرجعه على الثانى أمر لازم قطعا لا يحتاج إلى تنبيه عليه، فلزوم ظرفية الشىء فى نفسه لا يحتاج إلى واسطة
(قوله: صاحبها) لأنه هو الفاعل الحقيقى، والفاعل المجازى يجب أن يراد به الفاعل الحقيقى أى: وحيث كان المراد بالعيشة صاحبها فيلزم ظرفية الشىء فى نفسه؛ لأن ضمير هو راجع إلى من فى قوله تعالى:
(1) الحاقة: 21.
وهو يقتضى أن يكون المراد بالفاعل المجازى هو الفاعل الحقيقى فيلزم أن يكون المراد بالعيشة صاحبها، واللازم باطل؛ إذ لا معنى لقولنا: فهو فى صاحب عيشة؛ وهذا مبنى على أن المراد بعيشة، وضمير راضية-
…
===
فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ (1) الآية فهو نفس صاحب العيشة
(قوله: وهو) أى: ما ذكرناه يقتضى إلخ؛ وذلك لأن حاصل ما ذكره أن يشبه الفاعل المجازى بالفاعل الحقيقى ويدعى أنه فرد من أفراده، ثم يفرد الفاعل المجازى بالذكر مرادا به الفاعل الحقيقى بقرينة نسبة ما هو من لوازم الفاعل الحقيقى إليه، ولا شك أن هذا يقتضى أن المراد بالعيشة صاحبها؛ لأنها فاعل مجازى فيجب أن يراد بها الحقيقى وهو الصاحب، وهذا لا يصح إذ لا معنى لقولنا فهو صاحب عيشة راض صاحبها لما فيه من ظرفية الشىء فى نفسه، وأجاب بعض الحواشى بأنه يمكن أن يصحح ذلك القول بأن يراد بالصاحب الجنس المتحقق فى أفراد أى: أنه كائن ومستقر فى أصحاب العيشة الراضين. وفيه نظر، لأنه إذا أريد الجنس خرج عن الفاعل الحقيقى، إذا ليس المراد الجنس على أن عيشة نكرة، فلا يصح إطلاقها على الجمع تأمل.
(قوله: وهذا) أى: الاستلزام المتقدم الناشئ عنه الفساد (مبنى إلخ): يعنى أن محل كون ما ذهب إليه السكاكى يستلزم أن يكون المراد بالعيشة صاحبها المستلزم لفساد المعنى المبنى على أن المراد من الضمير والمرجع واحد، وأن الضمير فى راضية للعيشة بمعنى الصاحب فتكون العيشة بمعنى الصاحب ولا معنى للظرفية حينئذ، وأما إذا ارتكب الاستخدام بأن أريد بالعيشة أولا المعنى الحقيقى وهو التعيش أى ما يتعيش به الإنسان وأريد بها فى الضمير الصاحب وأن المعنى فهو فى عيشة راض صاحبها فلا يلزم ذلك ولا اعتراض عن السكاكى، فإن قلت: إذا انتفى الاستلزام المذكور فى إسناد راضية إلى الضمير بالاستخدام المذكور لا ينتفى إسناد راضية والضمير معا إلى العيشة على سبيل الوصفية، فإن ذلك الإسناد مجاز عقلى عند السكاكى أيضا؛ لأنه اشترط فى المسند أن
(1) القارعة: 6.
واحد (و) يستلزم (أن لا تصح الإضافة فى) كل ما أضيف الفاعل المجازى إلى الفاعل الحقيقى (نحو: نهاره صائم؛ لبطلان إضافة الشىء إلى نفسه) اللازمة من مذهبه؛ لأن المراد بالنهار حينئذ فلان نفسه؛ ولا شك فى صحة هذه الإضافة ووقوعها؛ كقوله تعالى: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وهذا أولى فى التمثيل (و) يستلزم (أن لا يكون الأمر بالبناء) فى قوله: يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً
…
===
يكون مفردا أو معناه، وقد رد كل مجاز عقلى إلى الاستعارة فيلزم أن يكون المراد بالعيشة صاحبها قطعا؛ لأن الصفة هنا غير الموصوف، فالاعتراض بحاله.
وأجاب بعضهم: بأنه إذا كان الضمير بمعنى الصاحب كان إسناد الوصف مع الضمير إلى العيشة حقيقيّا؛ لأنه وصف سببى وإسناد الوصف السببى لموصوفه حقيقى نحو: مررت برجل قائمة أمه، قال العلامة الغنيمى: وفى هذا الجواب نظر؛ لأن الوصف السببى: هو الرافع للاسم الظاهر المضاف لضمير الموصوف. والوصف هنا رافع للضمير فالأولى أن يجاب بأن الضمير لم يرد به الصاحب الحقيقى، وإنما أريد به الصاحب الادعائى على ما يأتى للشارح وهو العيشة التى ادعى أنها عين الصاحب، وحينئذ فالإلزام من أصله لا يرد
(قوله: واحد) أى: وهو صاحب العيشة
(قوله: فى كل ما) أى: فى كل تركيب والرابط محذوف أى: فى كل ما أضيف فيه الفاعل إلخ
(قوله: فلان نفسه) أى: الذى هو معاد الضمير فى نهاره، وفى ذلك إضافة الشىء إلى نفسه، وحمله على أنه من إضافة المسمى إلى الاسم مما لا يلتفت إليه لبلاغة، مثل هذا الكلام وكثرة وقوعه فى كلام الله وكلام العرب. اهـ. يعقوبى.
(قوله: ولا شك فى صحة هذه الإضافة) أى: إضافة الفاعل المجازى للفاعل الحقيقى وهذا فى قوة قوله اللازم باطل
(قوله: كقوله تعالى إلخ) هذا استدلال على صحة هذه الإضافة ووقوعها
(قوله: وهذا أولى) أى: لأنه نص فى الرد عليه، فهو أدفع للجدال بخلاف مثال المتن، فإنه قد يناقش فيه بأن إضافة الشىء إلى نفسه إنما توجد إذا كان المراد بالنهار وضمير صائم واحدا، وأما إذا ارتكب الاستخدام وجعل الضمير فى صائم راجعا للنهار لا بالمعنى الأول وهو الزمان، بل بمعنى الشخص فلا يلزم إضافة الشىء
(لهامان)؛ لأن المراد به حينئذ هو العملة أنفسهم، واللازم باطل؛ لأن النداء له والخطاب معه (و) يستلزم (أن يتوقف نحو: أنبت الربيع البقل) وشفى الطبيب المريض، وسرتنى رؤيتك مما يكون الفاعل الحقيقى هو الله تعالى (على السمع) من الشارع؛ لأن أسماء الله تعالى توقيفية، واللازم باطل؛ لأن مثل هذا التركيب صحيح شائع ذائع عند القائلين بأن أسماء الله تعالى توقيفية وغيرهم، سمع من الشارع أو لم يسمع (واللوازم كلها منتفية)
…
===
إلى نفسه؛ لأن الاستعارة إنما هى فى الضمير المستتر فى صائم لا فى نهاره
(قوله: لهامان) خبر يكون فهو متعلق بالاستقرار المحذوف لا بالأمر. إن هذا الإلزام إنما يتوجه على السكاكى إذا كان المسند مستعملا فى معناه الحقيقى، وله أن يمنع ذلك مدعيا أن معنى ابن اؤمر بالبناء، وأوقد لى يا هامان: اؤمر بالإيقاد، فصح أن النداء له والخطاب معه، وفيه أن هذا خروج عما نحن بصدده، لأنه حينئذ يكون المجاز فى الطرف فيخرج عن المجاز العقلى كما يقول المصنف وغيره وعن الاستعارة بالكناية كما يقول السكاكى.
(قوله: لأن المراد به) أى: فى ضمير ابن هو العملة؛ وذلك لأنه شبه الفاعل المجازى وهو هامان بالفاعل الحقيقى الذى هو العملة، ثم أفرد المشبه بالذكر مرادا به المشبه به حقيقة، فصار الكلام: يا هامان ابن يا عملة، فالنداء لشخص والخطاب مع غيره وهذا فاسد، إذ لا يجوز تعدد الخطاب فى كلام واحد من غير تثنية أو جمع أو عطف
(قوله: لأن النداء له إلخ) أى: فيكون الأمر له أيضا، إذ لا يجوز تعدد المخاطب فى كلام واحد من غير تثنية أو جمع أو عطف
(قوله: أن يتوقف نحو أنبت إلخ) أى: أن ما قاله السكاكى يستلزم أن يتوقف استعمال نحو: أنبت الربيع البقل على السمع أى:
على السماع من الشارع.
(قوله: لأن أسماء الله إلخ) المراد بها ما أطلق عليه تعالى
(قوله: توقيفية) أى: تعليمية أى: فلا يطلق عليه تعالى اسم لا حقيقة ولا مجازا ما لم يرد إذن من الشارع كالرحمن: فإنه مجاز أى: ولم يرد إطلاق الربيع، والطبيب والرؤية على الله تعالى
(قوله: صحيح) أى: لغة وشرعا وعرفا
(قوله: عند القائلين إلخ) هذا جواب عما يقال، لعل الصحة والشيوع عند من لا يشترط التوقيف فى أسماء الله تعالى
(قوله: شائع إلخ)
كما ذكرنا فينتفى كونه من باب الاستعارة بالكناية؛ لأن انتفاء اللازم يوجب انتفاء الملزوم، والجواب أن مبنى هذه الاعتراضات على أن مذهبه فى الاستعارة بالكناية أن يذكر المشبه ويراد المشبه به حقيقة؛ وليس كذلك بل المشبه به ادعاء ومبالغة لظهور أن ليس المراد بالمنية فى قولنا: مخالب المنية نشبت بفلان- هو السبع حقيقة، والسكاكى مصرح بذلك فى كتابه،
…
===
أى: فشيوعه يدل على أن المراد بالربيع غير الله، ولو كان المراد به المولى لتوقف على السماع من الشارع عند القائل بالتوقف على الإذن.
(قوله: كما ذكرنا) حيث بين بعد كل ملازمة بطلان لازمهما
(قوله: فينتفى كونه) أى: المجاز العقلى من باب الاستعارة بالكناية أى: لأنه ملزوم، وإذا انتفى ذلك الملزوم ثبت المطلوب وهو نقيضه
(قوله: ويراد المشبه به حقيقة) أى: كما فهمه المصنف
(قوله: بل المشبه به ادعاء) أى: وهو نفس المشبه الذى ادعينا أنه فرد من أفراد المشبه به فهو يقول شبه الربيع بالفاعل المختار، وادعينا أن الربيع فرد من أفراد الفاعل المختار بحيث صار للفاعل المختار فردان: أحدهما متعارف وهو المولى، والآخر غير متعارف، ثم ذكر اسم المشبه مرادا به المشبه به ادعاء، وحينئذ فلا يلزم إطلاق الربيع على الله، وكذا تقول فى قوله فى عيشة راضية: شبه الفاعل المجازى وهو العيشة بالفاعل الحقيقى وهو الصاحب، وادعى أنه فرد من أفراده، ثم ذكر لفظ المشبه مرادا به المشبه به ادعاء وهو العيشة بمعنى التعيش، فلم يلزم ظرفية الشىء فى نفسه، وكذا تقول فى نهاره صائم شبه النهار بالصائم وادعينا أنه فرد من أفراده، ثم ذكر اسم المشبه وهو النهار مرادا به المشبه به ادعاء، وحينئذ فلم يلزم إضافة الشىء إلى نفسه- هذا محصله.
وهذا الجواب مردود؛ وذلك لأن المشبه به ادعاء هو نفس المشبه فيكون إسناد ما هو من لوازم المشبه به حقيقة: كالإثبات لذلك المشبه إسناد للشىء لغير ما هو له وهو مجاز عقلى، مثلا الربيع فى قولك: أنبت الربيع البقل، شبه بالفاعل المختار وادعى أنه فرد من أفراده، ثم ذكر لفظ الربيع مرادا منه الفاعل المختار ادعاء، لا شك أن الفاعل المختار ادعاء هو الربيع بمعنى الزمان أو المطر وهو المشبه الذى ادعى له القادرية،
والمصنف لم يطلع عليه (ولأنه) أى: ما ذهب إليه السكاكى (ينتقض بنحو: نهاره صائم) وليله قائم، وما أشبه ذلك
…
===
ولا شك أن حق الإنبات أن لا يسند إليه؛ لأنه ليس قائما به، وإنما حقه أن يسند للفاعل المختار الحقيقى، وإسناد الشىء لغير ما هو له مجاز عقلى، وكذا تقول فى باقى الأمثلة فقد اضطر السكاكى إلى القول بالمجاز العقلى. والحاصل أنه إن أريد بالمسند إليه فى أمثلة المجاز العقلى الفاعل الحقيقى لزمه ما ذكره المصنف، وإن أريد به الفاعل الادعائى لزمه القول بالمجاز العقلى وهو إشكال صعب لا محيص عنه. ويرد على هذا الجواب بحث آخر وهو أن لفظ المشبه مستعمل فيما وضع له تحقيقا، وحينئذ فلا يندرج فى الاستعارة التى هى مجاز وادعاء السبعية مثلا للمنية لا يجدى نفعا؛ لأن ذلك لا يخرجها عن كون اللفظ وضع لها حقيقة، لكن قد أجاب العلامة السيد فى شرح المفتاح عن هذا بأن ما هو خارج عن الموضوع له إذا اعتبر معه صيره غير الموضوع له، وحينئذ فيكون لفظ المنية مستعملا فى غير ما وضع له، حيث أريد بالمنية الموت مع وصف السبعية، لكن بادعاء السبعية له أى: وجعل لفظ المنية مرادا، فاللفظ السبع ادعاء ومثل ما قيل هنا يقال المراد بالعيشة: صاحبها بادعاء الصاحبية لها، وبالنهار الصائم بادعاء الصائمية له لا بالحقيقة حتى يفسد المعنى وتبطل الإضافة، ويكون الأمر بالبناء لهامان كما أن النداء له، لكن بادعاء أنه بان وجعله من جنس العملة لفرط المباشرة، ولا يكون الربيع مطلقا على الله تعالى حتى يتوقف على السمع، إذا المراد به حقيقة الربيع، لكن بادعاء أنه قادر مختار من أجل المبالغة فى التشبيه.
(قوله: والمصنف لم يطلع عليه) هذا فى غاية البعد، بل اطلع عليه ولم يرتضه، وأشار إلى رده بقوله ذاهبا إلى أن ما مر إلخ، فإنه يشير إلى قوله تعالى فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (1).
(قوله: ولأنه ينتقض إلخ) الحاصل أن السكاكى أدعى أن كل مجاز عقلى استعارة بالكناية، ودليله على ذلك- كما أشار إليه الشارح بقوله والحاصل إلخ- أن
(1) التكوير: 26.
مما يشتمل على ذكر الفاعل الحقيقى (لاشتماله على ذكر طرفى التشبيه) وهو مانع من حمل الكلام على الاستعارة كما صرح به السكاكى، والجواب أنه إنما يكون مانعا إذا كان ذكرهما على وجه ينبئ عن التشبيه
…
===
كل مجاز عقلى فقد ذكر فيه المشبه وأريد به المشبه به بواسطة القرينة، وكل ما هذا شأنه فهو استعارة بالكناية فما مر من قول المصنف وفيه نظر؛ لأنه يستلزم إلخ منع لصغرى الدليل وسند المنع استلزام الباطل من ظرفية الشىء فى نفسه، وإضافة الشىء لنفسه إلى آخر ما مر، وما ذكره المصنف هنا نقض للدليل بالتخلف، وذلك لأن دليله هذا يجرى فى المجاز العقلى الذى ذكر فيه الطرفان والاستعارة بالكناية لا يجمع فيها بينهما لاشتراطهم قاطبة عدم ذكر المشبه به فيها.
(قوله: مما يشتمل على ذكر الفاعل الحقيقى) أى: وهو الضمير فى نهاره وليله لأن المراد به الشخص والضمير فى صائم وقائم هو الفاعل المجازى وهو المشبه
(قوله: لاشتماله على ذكر طرفى التشبيه) أى: وهما المشبه وهو الفاعل المجازى الذى هو مصدوق الضمير فى صائم وقائم والمشبه به الذى هو الفاعل الحقيقى وهو الضمير فى نهاره وليله؛ لأن المراد به الشخص إن قلت: هذا خلاف ما مر للمصنف من لزوم إضافة الشىء لنفسه فى نهاره صائم فإن ما تقدم يفيد أن المراد بالنهار والضمير المضاف إليه شىء واحد، وما هنا يفيد أنهما شيئان وأن الضمير فى صائم راجع بمعنى آخر.
أجيب بأن هذا من باب الترديد فى الاعتراض فاللازم للسكاكى أحدهما فما سبق من لزوم إضافة الشىء إلى نفسه مبنى على أن المراد بالنهار الفاعل الحقيقى وأن ضمير صائم راجع له بهذا المعنى، وما هنا مبنى على أن المراد بالنهار حقيقته، وأن ضمير صائم راجع له بهذا المعنى، وما هنا مبنى على أن المراد بالنهار حقيقته، وأن ضمير صائم راجع له بمعنى آخر وهو الصائم فلا مفر له من لزوم واحد من أمرين كل منهما ممنوع.
(قوله: والجواب إلخ) هذا منع وسند، وحاصله لا نسلم أن ذكر طرفى التشبيه مانع من الحمل على الاستعارة مطلقا، بل إنما يمنع من الحمل عليها إذا كان ذكرهما ينبىء عن التشبيه وإلا فلا يمنع كما هنا
(قوله: ينبئ عن التشبيه) أى: يدل عليه بأن
بدليل أنه جعل قوله: قد زر أزراره على القمر (1) - من باب الاستعارة
…
===
يكون المعنى لا يصح إلا بملاحظة التشبيه، وذلك إذا وقع المشبه به خبرا عن المشبه حقيقة أو حكما بأن وقع صفة له أو حالا منه نحو: زيد أسدا ورأيت زيدا أسدا ومررت برجل أسد فحمل الأسد الحقيقى على زيد أو الرجل ممنوع لتباينهما، فتعين الحمل على التشبيه بتقدير أداته وأن المعنى أنه كالأسد، وأما إذا كان الجمع بينهما لا ينبئ عن التشبيه فلا يمنع من الحمل على الاستعارة كقولك: سيف زيد فى يد أسد، وإذا لقينى زيد رأيت السيف فى يد أسد، وكما فى قولك: نهاره صائم وليله قائم، فإن الإضافة فيه لامية لتعيين المشبه المستعار؛ لأن المشبه بالشخص نهار مخصوص لا مطلق نهار، وإنما يكون طرفا التشبيه مذكورين على وجه ينبئ عن التشبيه لو كانت الإضافة بيانية، فإنه فى معنى الحمل للمبالغة فى التشبيه كما في: لجين الماء، وبهذا اندفع ما قيل أى فرق بين لجين الماء ونهاره صائم حيث جعل الأول من باب التشبيه دون الثاني، بل جوزتم كونه من باب الاستعارة مع أن فى كل منهما إضافة غاية الأمر أن فى نهاره صائم إضافة المشبه إلى المشبه به وفى لجين الماء إضافة المشبه به إلى المشبه، وهل هذه التفرقة إلا محض تحكم واعلم أن ما ذكره الشارح من الجواب مبنى على تسليم كون المثال المذكور فيه جمع بين الطرفين، ولك أن تمنع ذلك؛ وذلك لأن المراد بالنهار معناه الحقيقى والمشبه به الشخص الصائم مطلقا لا بقيد كونه فلانا وهو غير مذكور، إذ هو غير الضمير المضاف إليه النهار؛ ولأنه عائد على فلان بقطع النظر عن كونه صائما أو غير صائم فتأمل
(قوله: بدليل أنه) أى: السكاكى
(قوله: قد زر أزراره على القمر) أوله:
لا تعجبوا من بلى غلالته
البلى بكسر الباء والقصر مصدر بلى الثوب يبلى بلى أى: صار خلقا، وإذا فتحت باء المصدر مددت.
(1) شرح المرشدى على عقود الجمان ج 1 ص 51، وينسبه إلى أبى الحسن بن طباطبا العلوى، وشطره الأول: لا تعجبوا من بلى غلالته.
مع ذكر الطرفين، وبعضهم لما لم يقف على مراد السكاكى بالاستعارة بالكناية- أجاب عن هذه الاعتراضات بما هو برىء عنه؛ ورأينا تركه أولى.
===
قال العجاج: (1)
والمرء يبليه بلاء السّربال
…
كرّ اللّيالى واختلاف الأحوال
والغلالة شعار يلبس تحت الثوب وتحت الدرع أيضا، وزر بضم الزاى كما هو المسموع من الأشياخ بمعنى شد من زررت القميص أزره زرا إذا شددت أزراره عليه والأزرار جمع زر بالفتح كأثواب جمع ثوب، أو جمع زر بالضم كأقراء جمع قرء وزر القميص معروف
(قوله: مع ذكر الطرفين) وهما القمر وضمير أزراره الراجع للشخص المشبه بالقمر، ومع ذلك فالقمر مستعار لذات المحبوب استعارة مصرحة، فإن قلت الجمع بين الطرفين إنما يظهر على ما قلنا من أن ضمير أزراره للمحبوب، ويمكن أن يكون راجعا للغلالة وذكر الضمير باعتبار أنها ثوب أو قميص، وحينئذ فلا يكون فيه جمع بين الطرفين.
قلت: بل فيه جمع أيضا؛ وذلك لأن ضمير غلالته راجع للمحبوب فذكر الطرفين حاصل باعتباره.
(قوله: وبعضهم إلخ) أى: وهو الشارح الخلخالى
(قوله: لما لم يقف إلخ) لأنه زعم أن مذهب السكاكى فى الاستعارة بالكناية أن يذكر المشبه، ويراد به المشبه به حقيقة كما اعتقده المصنف على ما قاله الشارح، وكان الظاهر أن يقدم الشارح هذا الكلام قبل قول المصنف؛ ولأنه ينتقض إلخ لكونه أجوبة عن الإلزامات السابقة فى قوله:
وفيه نظر؛ لأنه يستلزم إلخ لكن أخره الشارح إشارة إلى عدم الاهتمام بشأنه وأنها أجوبة لا يعتد بها.
(قوله: ورأينا تركه أولى) أى رأينا تركه وعدم ذكره فى المختصر أولى وإن أردت الاطلاع عليه فعليك بالمطول.
(1) الرجز للعجاج فى ملحق ديوانه 2/ 323، ديوان الأدب 4/ 64 وكتاب العين 8/ 339، ولسان العرب (بلا).