المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

[أغراض التعريف بالإشارة]: (وبالإشارة) أى: تعريف المسند إليه بإيراده اسم إشارة - حاشية الدسوقي على مختصر المعاني - جـ ١

[محمد بن أحمد الدسوقي]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم

- ‌ترجمة جلال الدين القزوينى صاحب" التلخيص

- ‌اسمه ونسبه:

- ‌ولادته ونشأته:

- ‌صفته:

- ‌طلبه للعلم ومشايخه:

- ‌مصنفاته:

- ‌وفاته:

- ‌ترجمة سعد الدين التفتازاني صاحب" مختصر السعد شرح التلخيص

- ‌مولده:

- ‌منزلته وشهرته:

- ‌مصنفاته:

- ‌مذهبه الفقهي:

- ‌عبقرية التفتازاني:

- ‌ذكر وفاته- رحمه الله تعالى

- ‌كتاب" مختصر السعد

- ‌ترجمة محمد بن عرفة الدسوقى صاحب" حاشية الدسوقى

- ‌اسمه وكنيته

- ‌مولده وحياته:

- ‌صفاته:

- ‌شيوخه:

- ‌تلاميذه:

- ‌ وفاته

- ‌مؤلفاته:

- ‌منهج التحقيق

- ‌مقدمة مختصر السعد

- ‌كلمة الافتتاح للدسوقي

- ‌[القول فى البسملة]:

- ‌[القول فى الحمد]:

- ‌[الكلام فى الشكر]:

- ‌[مقدمة فى بيان معنى الفصاحة والبلاغة]:

- ‌[المقدمه ما هي

- ‌ الفصاحة

- ‌[تقسيم الفصاحة بالمفرد والكلام]

- ‌[يوصف المتكلم بالفصاحه كما يوصف بها الكلام]

- ‌[البلاغة]

- ‌[يوصف الكلام والمتكلم بالبلاغه]

- ‌[الفصاحه في المفرد خلوها عن]

- ‌[عن التنافر]

- ‌[الضابط في التنافر]

- ‌[والغرابه]

- ‌[والمخالفة]

- ‌[من الكراهة فى السمع]

- ‌[الفصاحة فى الكلام خلوها عن: ]

- ‌[الضعف]

- ‌[(والتعقيد)]

- ‌بلاغة الكلام

- ‌[تعريف الحال]

- ‌[مقتضى الحال]

- ‌ أعلى

- ‌لبلاغة الكلام (طرفان:

- ‌[أسفل]

- ‌بلاغة المتكلم

- ‌الفن الأول علم المعاني

- ‌[عله تقديمه علي البيان]

- ‌[تعريف علم المعاني]

- ‌[انحصار الخبر فى الصادق والكاذب]:

- ‌تنبيه حول «تنبيه»

- ‌[الباب الاول] (أحوال الإسناد الخبرى):

- ‌[الحقيقة والمجاز العقليان]:

- ‌[المجاز العقلي]:

- ‌[أقسام المجاز العقلي]:

- ‌[[الباب الثانى] أحوال المسند إليه]:

- ‌ ذكر المسند إليه

- ‌‌‌[تعريف المسند اليه]

- ‌[تعريف المسند اليه]

- ‌[أغراض التعريف]:

- ‌[تعريفه بالإضمار]:

- ‌[تعريفه بالعلمية]:

- ‌[تعريفه بالموصولية]:

- ‌[تعريفه بالإشارة]:

- ‌ تعريف المسند إليه باللام

- ‌ تعريف المسند إليه بالإضافة

- ‌[أغراض التنكير]:

- ‌ تنكير المسند إليه

- ‌أغراض الوصف

- ‌[أغراض التوكيد]:

- ‌[أغراض عطف البيان]

- ‌[بيان المسند إليه]:

- ‌[أغراض البدل]:

- ‌[الإبدال من المسند إليه]:

- ‌[أغراض العطف]:

- ‌[العطف على المسند إليه]:

- ‌[أغراض ضمير الفصل]:

- ‌[أغراض التقديم]:

- ‌ تقديم المسند إليه

- ‌[رأى عبد القاهر]:

- ‌[موافقة السكاكى لرأى عبد القاهر]:

- ‌ تأخير المسند إليه

- ‌[تخريج المسند إليه على خلاف مقتضى الظاهر]

- ‌[وضع المضمر موضع المظهر]:

- ‌[إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر]:

- ‌[التعبير بالمستقبل بلفظ الماضى]:

- ‌خاتمة

الفصل: [أغراض التعريف بالإشارة]: (وبالإشارة) أى: تعريف المسند إليه بإيراده اسم إشارة

[أغراض التعريف بالإشارة]:

(وبالإشارة) أى: تعريف المسند إليه بإيراده اسم إشارة (لتمييزه) أى:

المسند إليه (أكمل تمييز)

===

السماء بناء البيت المذكور فقد وجد الإيماء فيه بدون التحقيق، وظهر لك من هذا أن الإيماء إلى وجه بناء الخبر أعم من الإيماء إلى تحقيق الخبر بالنظر للمحل، فكلما وجد تحقيق الخبر وجد الإيماء، ولا عكس لحصول الإيماء لوجه الخبر من غير إيماء إلى تحقيقه فى نحو: إن الذى سمك السماء بنى لنا بيتا إلخ، فإن فيه الإيماء لوجه الخبر وليس فيه إيماء إلى تحقيق الخبر، إذ لا دلالة لسمك السماء على بناء بيتهم ولحصول الإيماء إلى التحقيق مع الإيماء لوجه الخبر فى نحو: إن التى ضربت بيتا إلخ، لكون الوجه الذى أشير إليه كالدليل على ذلك الخبر، وإذا قد علمت الفرق بينهما وأن بينهما العموم والخصوص المطلق باعتبار المحل تعلم أن الإيماء لوجه بناء الخبر غير الإيماء إلى تحقيق الخبر، وحينئذ فلا يستغنى بذكر الإيماء لوجه عن الإيماء إلى التحقيق، فسقط اعتراض المصنف فى الإيضاح على القوم بأنه لم يظهر فرق بينهما فكيف يجعل الإيماء لوجه بناء الخبر ذريعة إلى التحقيق مع أنه عينه.

[تعريفه بالإشارة]:

(قوله: أى تعريف المسند إليه) يعنى: لفظه لأنه الذى يعرف (وقوله: لتمييزه) أى: المسند إليه، أى فى معنى المسند، ففى الكلام استخدام حيث ذكر المسند إليه أولا مرادا به اللفظ، وأعيد عليه الضمير مرادا به المعنى، أو حذف مضاف أى: لتمييز معناه

(قوله: لتمييزه أكمل تمييز) أى: لكون المقصود تمييزه تمييزا أكمل فهو من إضافة الصفة للموصوف والتمييز الأكمل هو ما كان بالعين والقلب، فإنه لا تمييز أكمل منه، ولا يحصل ذلك التمييز إلا باسم الإشارة، فإن قلت: إن كلام المصنف يقتضى أن اسم الإشارة أعرف المعارف، وليس كذلك. أجيب بأن المراد أنه أكمل تمييزا بالنسبة لما تحته من المعارف لا بالنسبة لما فوقه أيضا، ويكون الكلام فى مقام لا يمكن فيه التعبير بما فوقه من المعارف، أو يقال إن دلالة اسم الإشارة على أكملية التمييز إنما هو من حيث إن

ص: 532

لغرض من الأغراض (نحو: هذا أبو الصقر فردا) نصب على المدح، أو على الحال

===

معه إشارة حسية، ولا يتأتى معها اشتباه أصلا بخلاف العلم فإن مدلوله وإن كان جزئيا مانعا من الشركة، لكن ربما يكون مشتركا اشتراكا لفظيا أو يكون مسماه غير معلوم للسامع، فلا يحصل التمييز فضلا عن كماله وهذا لا ينافى أن غير اسم الإشارة أعرف منه من جهة أخرى؛ وذلك لأن من المضمرات ضمير المتكلم الذى لا يتصور فيه اشتباه أصلا من حيث ذاته ومدلول العلم متعين مشخص بحسب الوضع والاستعمال معا بخلاف اسم الإشارة، فإن مدلوله متعين بحسب الاستعمال لا غير وبالجملة فدلالة اسم الإشارة على أكملية التمييز لا تقتضى أعرفيته فلا يكون كلام المصنف مخالفا للقول الصحيح وهو قول سيبويه من أن أعرف المعارف المضمرات، ثم الأعلام، ثم المبهمات- كذا قرر شيخنا العدوى.

وعبارة اليعقوبى: كون المعارف فيها ما هو أعرف من اسم الإشارة لا ينافى أن يكون فيه خصوصية يفوق بها ما سواه؛ لأن المراد بكون المعرفة أعرف من غيرها أنها أكثر بعدا من عروض الالتباس وهذا لا ينافى أن يكون ما هو دونه أقوى منه فى هذا المعنى فى بعض الصور، فإن اسم الإشارة إذا كان المشار إليه حاضرا محسوسا للسامع بحاسة البصر، أو نزل تلك المنزلة أقوى من العلم المشترك فى الحالة الراهنة.

(قوله: لغرض من الأغراض) علة للعلة أى، وإنما قصد تمييزه تمييزا أكمل لغرض؛ كأن يكون المقام مقام مدح أو مقام إجراء أوصاف الرفعة عليه، فإن تمييزه حينئذ تمييزا كاملا أعون على كمال المدح؛ لأن ذكر الممدوح إذا صاحبه خفاء كان قصورا فى الاعتناء بأمره

(قوله: أبو الصقر) خبر عن اسم الإشارة أو بدل منه، أو بيان له وخبر المبتدأ قوله: من نسل شيبان (قوله نصب على المدح) أى: نصب بفعل محذوف لأجل إفادة المدح فعلى للتعليل، تقدير ذلك الفعل أمدح أو أعنى، إذ لا يشترط فى منصوب المدح ما يدل على المدح، فالمحترز عنه تقدير ما يدل على الذم فقط

(قوله: أو على الحال) أى: من الخبر، إن قلت: الحال لا تأتى من الخبر كما

ص: 533

(فى محاسنه)(1) من نسل شيبان بين الضال والسلم؛ وهما شجرتان بالبادية؛

===

لا تأتى من المبتدأ عند الجمهور، قلت: سوغ ذلك هنا كون ذلك الخبر مفعولا فى المعنى لمعنى اسم الإشارة أو ها التنبيه لتضمن كل منهما معنى الفعل وهو أشير أو أنبه أى:

أشير إليه فى حال كونه منفردا بالمحاسن أو أنبه عليه فى تلك الحالة، وهذا على حد قوله تعالى هذا بَعْلِي شَيْخاً (2).

(قوله: فى محاسنه) جمع محسن بمعنى حسن أى منفردا بحسن ذاته ومكارم صفاته

(قوله: من نسل شيبان) حال ثانية من صاحب الأولى، فيكون من قبيل المترادفة أى: متولدا من نسل شيبان أو خبر ثان ذكر بيانا لنسبه بعد ذكر حسبه، ولا يصح أن يكون حالا من الضمير المستتر فى فردا لما فيه من القصور؛ لأن الحال قيد فى العامل فيصير تمييزه بالانفراد فى المحاسن مقيدا بكونه من نسل شيبان، والمناسب لمقام المدح الإطلاق وعلى تقدير جواز ذلك يكون من قبيل الحال المتداخلة فيكون العامل فيه فردا، وتكون متعلقة بمحذوف، وأما جعله ظرفا لغوا متعلقا بفردا- أى ممتازا منهم فليس بحسن؛ لأن مقام المدح يقتضى أن يثبت للممدوح الفردية فى المحاسن بالنسبة إلى كافة الناس لا بالقياس إلى نسل شيبان فقط، إلا أن يدعى أن نسل شيبان ممتازون بالمحاسن عمن سواهم، والنسل الولد وشيبان بفتح الشين: اسم لأب ى القبيلة المسماة باسمه

(قوله: بين الضال) حال من نسل شيبان، وهو الأوجه أى: حال كونهم مقيمين بين الضال والسلم، أو من شيبان، أو من أبو الصقر والضال بتخفيف اللام جمع ضالة بلا همز وهو شجر السدر البرى، والسلم جمع: سلمة وهو شجر ذو شوك من شجر البادية يقال له شجر العضاه.

(قوله: وهما شجرتان) الأولى شجران بدون تاء؛ لأنهما نوعان من الشجر لا فردان، إلا أن يقال أن التاء للوحدة النوعية لا الشخصية، ويحتمل أن المراد منهما فى

(1) هو لعلى بن العباس المعروف بابن الرومى فى مدح أبى الصقر الشيبانى وزير المعتمد، من قوله:

هذا أبو الصقر فردا فى محاسنه

من نسل شيبان بين الضال والسلم

والضّال: شجر السدر البرّى، والسلم: شجر ذو شوك، وقوله" بين الضال والسلم" كناية عن عزهم؛ لأن هذه الأشجار بالبادية، وهى مجد العرب وعزهم.

(2)

هود: 72.

ص: 534

يعنى: يقيمون بالبادية؛ لأن فقد العز فى الحضر (أو التعريض بغباوة السامع) حتى كأنه لا يدرك غير المحسوس (كقوله (1):

أولئك آبائى فجئنى بمثلهم

إذا جمعتنا يا جرير المجامع

===

هذا البيت الفردان لا النوعان بناء على أن إقامتهم كانت بين فردين من النوعين، فأشار الشارح إلى بيان المعنى المراد لا المعنى الأصلى

(قوله: يعنى يقيمون إلخ) أى: فقوله بين الضال والسلم كناية عن إقامتهم بالبادية

(قوله: لأن فقد العز فى الحضر) وذلك لأن من كان فى الحضر تناله الأحكام بخلاف من كان فى البادية فهو آمن مما ينغصه، وأشار الشارح بذلك إلى أن مراد الشاعر بوصفهم بسكنى البادية بين الضال والسلم: وصفهم بالعز، والشاهد فى إيراد المسند إليه اسم إشارة لقصد تمييزه تمييزا كاملا لغرض مدحه بالانفراد فى المحاسن وبالعز، ويحتمل أن يكون المراد بالوصف بسكنى البادية وصفهم بكمال البلاغة ونهاية الفصاحة لكونهم لا يخالطون فى الحضر طوائف العجم فتكون لغاتهم سالمة مما يخل بالفصاحة، وكأن الشارح اختار الأول تأسيا بكلام أبى العلاء المعرى حيث قال:

الموقدون بنجد نار بادية

لا يحضرون وفقد العزّ فى الحضر.

(قوله: حتى كأنه لا يدرك غير المحسوس) أى: غير المدرك بحاسة البصر أى الذى وضع له اسم الإشارة

(قوله: أولئك آبائى (2) إلخ) هذا من كلام الفرزدق يهجو جريرا، والشاهد فى إيراد المسند إليه اسم إشارة للتنبيه على غباوة جرير، حتى إنه لا يدرك غير المحسوس، ولو قال فلان وفلان وفلان آبائى لم يحصل التعريض بذلك، وقوله: فجئنى بمثلهم: أمر تعجيز على حد قوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ (3) أى لا تقدر على الإتيان بمثلهم فى مناقبهم إذا جمعتنا مجامع الافتخار يوما ما

(قوله: فجئنى بمثلهم)

(1) من الطويل وهو للفرزدق فى ديوانه 11/ 418، وأساس البلاغة (جمع).

(2)

البيت للفرزدق فى ديوانه (1/ 418) والإشارات والتنبيهات (184) والتبيان للطيى (1/ 157) بتحقيق د/ عبد الحميد هنداوي.

(3)

البقرة: 23.

ص: 535

أو بيان حاله) أى: المسند إليه (فى القرب أو البعد أو التوسط كقولك:

هذا أو ذلك أو ذاك زيد) وأخر ذكر التوسط؛ لأنه إنما يتحقق بعد تحقق الطرفين، وأمثال هذه المباحث تنظر فيها اللغة من حيث إنها تبين أن هذا مثلا للقريب، وذاك للمتوسط، وذلك للبعيد، وعلم المعانى من حيث إنه إذا أريد بيان قرب المسند إليه يؤتى بهذا وهو زائد على أصل المراد

===

أى اذكر لى مثلهم من آبائك

(قوله: أو بيان حاله) أى أنه يؤتى بالمسند إليه اسم إشارة لبيان حال معناه من القرب والبعد والتوسط، قوله فى القرب فى بمعنى من البيانية

(قوله: كقولك هذا زيد) مثال لما إذا أريد بيان حاله من القرب، وقوله ذلك زيد مثال لما إذا أريد بيان حاله من البعد وقوله ذاك زيد مثال لما إذا أريد بيان حاله من التوسط

(قوله: وأخر ذكر التوسط) أى: فى قوله فى القرب إلخ أى مع أن الترتيب الطبيعى يقتضى توسطه (قوله لأنه إنما يتحقق بعد تحقق الطرفين) أى: لأنه نسبة بين شيئين يتوقف تعقله على تعقلهما.

(قوله: وأمثال هذه المباحث) أى: وهذه المباحث وأمثالها كالتكلم والخطاب والغيبة بالنسبة للضمير وإحضاره بعينه بالنسبة للعلم، وهذا جواب عما يقال: إن كون ذا للقريب وذلك للبعيد وذاك للمتوسط مما يبينه أهل اللغة؛ لأنه بالوضع، ولا ينبغى أن يتعلق به علم المعانى؛ لأنه إنما يبحث عن الزائد على أصل المراد وما هنا غير زائد عليه، وحاصل الجواب أن اللغويين إنما يبينون معانى هذه الألفاظ فيبينون أن لفظ ذا موضوع للقريب وذاك للمتوسط وذلك للبعيد، والذى بينه أهل المعانى هو أنه إذا كان المشار إليه قريبا واقتضى المقام بيان حاله، فإنه يؤتى بهذا، وهكذا، فإذا أريد الإخبار عن ذات بالعلم فيتحقق ذلك الإخبار بالتعبير عن الذات بالعلم بأن تقول زيد عالم وبالموصول بأن تقول الذى قام أبوه عالم، وبالإشارة بأن تقول هذا عالم لكن الإتيان بالإشارة يفيد المراد وهو ثبوت العلم لتلك الذات وزيادة، وهو بيان حالها من كونها قريبة فقول الشارح وهو زائد أى قرب المسند إليه الذى أتى بهذا لبيانه وقوله زائد على أصل المراد أى على المعنى الذى أراده المتكلم وهو ثبوت المسند للمسند إليه فهو كالتأكيد المدلول

ص: 536

الذى هو الحكم على المسند إليه المذكور المعبر عنه بشىء يوجب تصوره على أى وجه كان.

(أو تحقيره) أى: تحقير المسند إليه (بالقرب، نحو: أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ،

===

عليه بأن فى قولك: إن زيدا قائم، فإنه زائد على المعنى الوضعى للتركيب أعنى ثبوت القيام لزيد، (وقوله الذى هو الحكم) صفة للمراد، (وقوله المعبر عنه) أى: عن المسند إليه أى:

الذى يمكن أن يعبر عنه، (وقوله بشىء) أى: بطريق من الطرق التى توجب تصوره على أى وجه كان، وهى الموصول والعلم والإشارة، وقوله على أى وجه كان أى سواء أفادت حاله من قرب أو بعد أو لا، والحاصل أن المسند إليه يمكن أن يعبر عنه بالموصول والعلم، لكن البليغ يعدل عنهما لاسم الإشارة لبيان حاله وهذا الحال زائد على أصل المراد واعترض بأن بيان الحال من ثمرة اللغة؛ لأنه إذا علم أن هذا موضوع للقريب علم أنه إذا قصد قرب المشار إليه يؤتى به وهكذا، وأجيب بأن معرفة أنه إذا قصد إلخ من علم المعانى مما يقصد فيه بالذات، وأما معرفة ذلك من اللغة فبالتبع، فالأمور اللغوية قد يتعلق بها غرض البليغ إذا لم يكن المقام مقتضيا لأزيد منها فيبحث عنها أهل اللغة من حيث الوضع، وأهل المعانى يبحثون عنها من حيث إنها مطابقة لمقتضى الحال فهما مختلفان بهذا الاعتبار.

(قوله: أو تحقيره بالقرب) أى أنه يؤتى بالمسند إليه اسم إشارة قصدا لتحقير معناه، بسبب دلالته على القرب، ووجه ذلك أن القرب من لوازمه الحقارة يقال: هذا أمر قريب أى: هين سهل التناول، وما كان كذلك يلزمه أن يكون حقيرا لا يعتنى به لكونه مبتذلا، فإذا عبر باسم الإشارة الدال على القرب أفاد الاحتقار اللازم للقرب.

وفى سم: القرب هنا عبارة عن دنو المرتبة وسفالة الدرجة ووجهه أن الشخص كلما كان أعلى قدرا وأشرف درجة احتاج الوصول إليه إلى الوسائط أكثر وأشد عرفا وعادة، فارتفاع الوسائط والاستغناء عنها دليل ظاهر على دنو قدره كما لا يخفى

(قوله: أهذا الذي) قاله أبو جهل مشيرا للنبى- صلى الله عليه وسلم، وأول الآية وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهذَا الَّذِي (1) إلخ أى: قائلين أهذا

(1) الأنبياء: 36.

ص: 537

أو تعظيمه بالبعد، نحو: الم. ذلِكَ الْكِتابُ (1)) تنزيلا لبعد درجته ورفعة محله منزلة بعد المسافة (أو تحقيره بالبعد كما يقال: ذلك اللعين فعل كذا) تنزيلا لبعده عن ساحة عز الحضور والخطاب منزلة بعد المسافة

===

الذى

(قوله: أهذا الذى إلخ) أى: فقد أورد المسند إليه اسم إشارة موضوعا للقرب قصدا لإهانته.

فكأن- الكفرة قبحهم الله- يقولون أهذا الحقير يذكر آلهتكم المستعظمة بنفى الألوهية عنها، واعلم إن إشارة القريب كما تستعمل لقصد الإهانة كما قلنا تستعمل لقصد إفادة التعظيم نظرا لاعتبار مخالطة القريب للنفس، وأنه حاضر عندها لا يغيب عنها، إذا علمت هذا، فقول المصنف أو تعظيمه بالبعد فيه اكتفاء أى: أو بالقرب

(قوله: أو تعظيمه بالبعد) أى: يؤتى بالمسند إليه اسم إشارة لقصد تعظيم معناه بسبب دلالته على البعد نظرا إلى أن البعيد شأنه العظمة، إذ لا ينال بالأيدى

(قوله: تنزيلا لبعد درجته إلخ) جواب عما يقال إن الكتاب المشار إليه حاضر، فما وجه استعمال إشارة البعيد فيه فقوله تنزيلا معمول لمحذوف أى: استعمل إشارة البعيد هنا تنزيلا إلخ، وقوله لبعد درجته أى: عظم درجته.

(قوله: أو تحقيره بالبعد) أى: يؤتى بالمسند إليه اسم إشارة قصدا لتحقير معناه بسبب الدلالة على البعد نظرا إلى أن البعيد شأنه عدم الالتفات إليه لعدم مخالطته للنفس

(قوله: كما يقال) أى: للحاضر فى المجلس ذلك اللعين فعل كذا فقد عبر عن المسند إليه باسم الإشارة الموضوع للبعيد قصدا لحقارته؛ لأن شأن البعيد عدم الالتفات إليه

(قوله: تنزيلا لبعده إلخ) جواب عما يقال كيف يصح استعمال إشارة البعيد فى الحاضر فى المجلس فهو معمول لمحذوف أى: واستعمل إشارة البعيد فى الحاضر تنزيلا، وقوله لبعده أى: لحقارته

(قوله: عن ساحة عز الحضور) إضافة عز لما بعده من إضافة الصفة للموصوف أى: عن ساحة الحضور، والخطاب العزيزين وفى الكلام استعارة بالكناية حيث شبه الحضور بدار عزيزة تشبيها مضمرا فى النفس وطوى ذكر المشبه به، وإثبات الساحة تخييل والعز ترشيح، أو بالعكس.

(1) البقرة: 1، 2.

ص: 538

ولفظ: ذلك- صالح للإشارة إلى كل غائب؛ عينا كان أو معنى، وكثيرا ما يذكر المعنى الحاضر المتقدم بلفظ ذلك؛

===

(قوله: ولفظ ذلك إلخ) قصد الشارح بهذا مجرد إفادة فائدة، وحاصلها أن لفظ ذلك قد يشار به للغائب عن حاسة البصر مطلقا، سواء كان ذاتا أو معنى وللحاضر الغير المحسوس، وهذا الاستعمال مجاز؛ لأنها موضوعة للبعيد المحسوس بحاسة البصر لا للغائب عن الحس المذكور ولا للحاضر غير المحسوس.

(قوله: إلى كل غائب) أى: عن حس البصر وهذا الصلوح مجاز كما عرفت؛ لأن أسماء الإشارة مطلقا وضعت لأن يشار بها إلى المحسوس المشاهد فخرج بالمحسوس المعقولات وبالمشاهد- وهو ما أدرك بالبصر- ما أدرك بغير البصر من باقى الحواس، فإذا قلت: سمعت هذا الصوت أو شممت هذا الريح أو ذقت هذا الطعم كان مجازا- كما يفيده كلام عبد الحكيم.

(قوله: عينا) المراد به الذات سواء كانت تلك الذات الغائبة عن الحس مما يستحيل إحساسها نحو: ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ* (1) أو كانت محسوسة، لكن غير مشاهدة نحو تِلْكَ الْجَنَّةُ (2) وكما فى قولك: جاءنى رجل، فقال لى ذلك الرجل كذا- تحكى أمره بعد غيبته-

(قوله: أو معنى) المراد به ما ليس بذات أى: ما قام بغيره فيصدق باللفظ كقولك: قال لى إنسان كذا فسرنى ذلك القول، وضرب زيد عمرا فسرنى ذلك الضرب، فإن القول والضرب معنى غائب، وقد استعمل فيه ذلك مجازا

(قوله: وكثيرا إلخ) قصده بهذا بيان ما فى الآية السابقة

(قوله: وكثيرا إلخ) كقوله تعالى، كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ (3)، فإن ذلك إشارة إلى ضرب المثل الحاضر المتقدم ذكره قريبا فى قوله: ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ (4) إلخ، وكما فى قولك بالله الطالب الغالب، وذلك قسم عظيم لأفعلن، ومنه ذلِكَ الْكِتابُ (5) لما تقدم أن المراد بالمعنى ما يشمل اللفظ، والمراد بالحاضر ما يعده العرف حاضرا كالقسم المذكور، فإن

(1) الزمر: 6، وفاطر:13.

(2)

مريم: 63.

(3)

محمد: 3.

(4)

محمد: 3.

(5)

البقرة: 2.

ص: 539

لأن المعنى غير مدرك بالحس فكأنه بعيد.

(أو للتنبيه) أى: تعريف المسند إليه بالإشارة للتنبيه (عند تعقيب المشار إليه بأوصاف) أى: عند إيراد الأوصاف على عقب المشار إليه؛ يقال: عقبه فلان إذا جاء على عقبه، ثم تعديه بالباء إلى المفعول الثانى، وتقول: عقبته بالشىء إذا جعلت الشىء على عقبه؛ وبهذا ظهر فساد ما قيل:

===

حضوره ليس إلا لتلفظه وعدم انفصاله عما بعده، وقوله المتقدم أى: على اسم الإشارة

(قوله: غير مدرك بالحس) أراد به حس البصر دون السمع لما مر، ولأن المراد بالمعنى هنا ما يشمل اللفظ، فإنه المراد بالمعنى بالنسبة لقوله: الم. ذلِكَ الْكِتابُ (1) واللفظ مدرك بحس السمع، فلا يصح نفى الإدراك به عنه

(قوله: فكأنه بعيد) أى: فقد شبه غير المدرك بالبعيد لعدم إدراك كل بحاسة البصر، واستعمل اسم المشبه به فى المشبه.

(قوله: للتنبيه) أى: يكون للتنبيه أى: تنبيه المتكلم السامع، وأعاد المصنف الجار للبعد (قوله المشار إليه) هو الموصوف، فكأنه قال عند تعقيب الموصوف بأوصاف، وليس المراد بالأوصاف خصوص النحوية

(قوله: أى عند إيراد الأوصاف إلخ) بمعنى أن الأوصاف ذكرت إثر ذكر المشار إليه

(قوله: يقال عقبه) أى: بتشديد القاف

(قوله: وتقول عقبته إلخ) المناسب فتقول بالفاء كما فى نسخة

(قوله: إذا جعلت الشىء على عقبه) أى: فالباء فى حيز التعقيب تدخل على المتأخر

(قوله: وبهذا ظهر فساد إلخ) أى: بما ذكرناه من بيان مدلول التعقيب لغة من أن الباء فى حيزه إنما تدخل على المتأخر، ولا وجه لتكلف تأويل المشار إليه باسم الإشارة ظهر فساد ما قيل أى: ظهر فساده بحسب اللغة، وإن كان المعنى حاصلا؛ لأن اسم الإشارة وقع عقب الأوصاف التى تعقب المشار إليه، لكن ذلك ليس مقصودا، والحاصل أن مقتضى اللغة أن الباء بعد التعقيب تدخل على المتأخر، وعلى كلام ذلك القائل داخلة على المتقدم فهو أى: ما قاله ذلك القائل فاسد بحسب ما تقتضيه اللغة، وإن كان صحيحا بالنظر للمعنى كما بينا ولفساده وجه آخر من جهة حمله المشار إليه على اسم الإشارة مع أن المشار إليه الذات، واسم الإشارة اللفظ.

(1) البقرة: 1، 2.

ص: 540

إن معناه عند جعل اسم الإشارة بعقب أوصاف (على أنه) متعلق بالتنبيه على المشار إليه (جدير بما يرد بعده) أى: بعد اسم الإشارة (من أجلها) متعلق بجدير؛ أى: حقيق بذلك لأجل الأوصاف التى ذكرت بعد المشار إليه (نحو: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ إلى قوله: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (1)) عقب المشار إليه؛ وهو الذين يؤمنون بأوصاف متعددة من الإيمان بالغيب، وإقام الصلاة،

===

(قوله: إن معناه عند جعل إلخ) أى: فحمل المشار إليه على اسم الإشارة، وجعل الباء داخلة على المتقدم وفى ذلك تعسف ومخالفة للغة

(قوله: جدير بما) أى:

بمسند يرد إلخ

(قوله: لأجل الأوصاف) لا يخفى أن التنبيه لا يتوقف على تعدد الأوصاف ولا على كونها عقب المشار إليه، فإنه يصح أن تكون الأوصاف قبل المشار إليه كأن تقول: جاءنى الكامل الفاضل زيد، وهذا يستحق الإكرام، ولا على أن يكون ما هو جدير به واردا بعده كأن تقول: ويستحق الإكرام هذا، وحينئذ فالأولى للمصنف أن يقول: أو التنبيه عند الإشارة إلى موصوف على أن المشار إليه جدير بما أسند لاسم الإشارة من أجل كونه موصوفا

(قوله: أُولئِكَ عَلى هُدىً إلخ) أى: فقد أورد المسند إليه اسم إشارة، مع أن المحل للضمير لأجل تنبيه السامع على أن المشار إليه حقيق بالحكم المذكور بعد اسم الإشارة من أجل ما اتصف به من الصفات قبلها.

إن قلت: إن الضمير يدل على استحقاق الموصوفين بالحكم بعده. قلت: نعم هو- وإن دل على أنهم حقيقون به- إلا أنه لا يدل على أن الأوصاف السابقة هى العلة فى الاستحقاق بخلاف اسم الإشارة، فإنه يدل على ذلك؛ وذلك لأن اسم الإشارة موضوع للدلالة على المشار إليه والمشار إليه الذوات الموصوفة بالأوصاف السابقة وتعليق الحكم على موصوف يؤذن بعلية الوصف، بخلاف ما لو أتى بالضمير فإنه لا يفيد ملاحظة الأوصاف فى العلية وإن كانت موجودة؛ لأن الضمير موضوع للذات فقط- كذا قرر شيخنا العدوى.

(قوله: وهو الذين يؤمنون إلخ) فيه نظر من وجهين.

(1) البقرة: 5.

ص: 541

وغير ذلك. ثم عرف المسند إليه بالإشارة تنبيها على أن المشار إليهم أحقاء بما يرد بعد أُولئِكَ؛ وهو كونهم على الهدى، والفوز بالفلاح آجلا

===

الأول أن هذا البيان يقتضى أن الإيمان من المشار إليه لا من الأوصاف والبيان الآتى بعد ذلك يقتضى أنه من الأوصاف، فأول الكلام ينافى آخره.

الثانى: أن المشار إليه هو المتقين؛ لأنه الموصوف بالذين يؤمنون، فالأولى أن يقول:

وهو المتقين الذين يؤمنون وأجيب عن الأول بأن المراد بالذين يؤمنون: الذوات المجردة عن الإيمان، فتكون صفة الإيمان خارجة من المشار إليه بقرينة عدها من الأوصاف فيما يأتى، وإنما لم يعبر عن تلك الذوات بنفس الموصول لقبح ذكره بدون الصلة، وأجيب عن الثانى بأن أهل التفسير على أن الذين يؤمنون منقطع عما قبله على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مفعول فعل محذوف، وحينئذ لا يكون هو المشار إليه. اهـ. غنيمى.

وفى الفنرى: إن الذين يؤمنون يمكن أن يجعل منقطعا عن المتقين على سبيل الاستئناف مرفوعا بالابتداء مخبرا عنه بأولئك على هدى وأن يجعل جاريا عليه كما ذكر فى الكشاف، فعلى التقدير الثانى يحسن أن تجعل الإشارة إلى أحدهما إشارة للآخر من غير تكلف؛ لأن الصفة والموصوف فى حكم شىء واحد، وأما على التقدير الأول فليس بذلك الحسن؛ لأن المراد بالمشار إليه المعنى الذى أشير باسم الإشارة إلى لفظه كما ينبىء عنه قوله: عقب المشار إليه بأوصاف، وذلك المعنى هو معنى الذين يؤمنون لا معنى المتقين وإن اتحدا فى الواقع ذاتا

(قوله: وغير ذلك) أى: كالإنفاق مما رزقوا

(قوله: تنبيها على أن إلخ) أى تنبيها بالإشارة فى أولئك الأول، والثانى وهذا يقتضى أن المشار إليه فى كليهما الموصولان بقطع النظر عن الكون على هدى، واختار العصام أن أولئك الأول إشارة لما ذكر من الموصولين، وفيه تنبيه على أنهم جديرون بأن يكونوا على هدى لأجل الأوصاف المتقدمة، وأن أولئك الثانى إشارة لما ذكر أيضا لكن مع زيادة كونهم على هدى، وفيه تنبيه على أنهم جديرون باستحقاق الفلاح؛ لأجل الأوصاف المتقدمة مع ما زيد بعد أولئك الأول من كونهم على هدى

(قوله: عاجلا) أى: فى الدنيا

(قوله: بالفلاح آجلا) أى: فى الآخرة والمراد به البقاء الا بدى فى النعيم.

ص: 542