الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(ووافقه) أى: عبد القاهر (1)(السكاكى على ذلك) أى: على أن التقديم يفيد التخصيص لكن خالفه فى شرائط وتفاصيل فإن مذهب الشيخ أنه إن ولى حرف النفى فهو للتخصيص قطعا، وإلا فقد يكون للتخصيص، وقد يكون للتقوى؛ مضمرا كان الاسم أو مظهرا، معرفا أو منكرا، مثبتا كان الفعل أو منفيا. ومذهب السكاكى أنه
…
[موافقة السكاكى لرأى عبد القاهر]:
===
(قوله: أى على أن التقديم يفيد التخصيص) إنما لم يقل والتقوى؛ لأن التخصيص محل النزاع بينهما، وأما التقوى فموجود فى جميع صور التقديم، وإن كان غير ملحوظ فى بعضها.
(قوله: فى شرائط) هى ثلاثة الأول: جواز تأخير المسند إليه على أنه فاعل فى المعنى فقط، والثانى: تقدير كونه كان مؤخرا فى الأصل، فقدم لإفادة الاختصاص، والثالث: أن لا يمنع من التخصيص مانع، فهذه الشروط لا يقول بها عبد القاهر، إذا المدار عنده على تقدم حرف النفى. فمتى تقدم حرف النفى على المسند إليه كان التقديم للتخصيص
(قوله: وتفاصيل) هى ترجع إلى ثلاثة ما يكون للتقوى فقط، وما يكون للتخصيص فقط وما يحتملهما، وقد أشار إليها الشارح بقوله ومذهب السكاكى إلخ، وفيه أن عبد القاهر يقول بالتفصيل الثانى والثالث، فلعل المراد أنه خالفه فى مجموعها أو فى بعضها أى أن السكاكى قال بتفاصيل لم يقل بها كلها عبد القاهر
(قوله: فإن مذهب الشيخ إلخ) حاصل مذهبه على ما ذكره الشارح أن المسند إليه إما نكرة وإما معرفة ظاهرة، أو ضمير، فهذه ثلاث وفى كل منها إما أن يتقدم على المسند إليه حرف النفى أو لا بأن لم يكن حرف نفى أصلا أو تأخر، فالجملة تسعة، فمتى تقدم حرف النفى على المسند إليه كان التقديم مفيدا للتخصيص، كان المسند إليه نكرة أو معرفة ظاهرة أو مضمرة، وإن لم يكن نفى أصلا أو كان، ولكن تأخر عن المسند إليه كان نكرة أو معرفة ظاهرة أو مضمرة، فتارة يكون للتخصيص، وتارة يكون للتقوى،
(1) انظر الدلائل ص 166 تحقيق شاكر، وانظر المفتاح للسكاكى ص 119، 120.
إن كان نكرة فهو للتخصيص إن لم يمنع منه مانع، وإن كان معرفة فإن كان مظهرا فليس إلا للتقوى، وإن كان مضمرا
…
===
فصور الاحتمال ست، هذا حاصل مذهبه. إذا علمت هذا تعلم أن قول الشارح مضمرا كان الاسم أو مظهرا معرفا أو منكرا: راجع لما قبل إلا، ولما بعدها على ما ذكره الشارح سابقا فى قوله: والذى يشعر به كلام الشيخ، وقوله: مثبتا كان الفعل أو منفيا، راجع لما بعد إلا فقط
(قوله: وإن كان نكرة فهو) أى: التقديم للتخصيص جزما أى: سواء تقدم حرف النفى أو تأخر أو لم يكن نفى أصلا فوافق السكاكى عبد القاهر فى صورة من هذه الثلاثة وهى ما إذا تقدم حرف النفى وخالفه فيما إذا تأخر أو لم يكن نفى؛ لأنهما عند عبد القاهر من صور الاحتمال، وإنما كان تقديم المنكر يفيد التخصيص عند السكاكى فى الأحوال الثلاثة لوجود الشرطين الآتيين فى كلام المصنف فى كل منكر
(قوله: فإن كان مظهرا) أى سواء تقدم حرف النفى أو تأخر أو لم يكن نفى وهو مخالف لعبد القاهر فى هذه الصور الثلاثة؛ لأن الأولى عنده من صور التخصيص جزما، والأخيرتين عنده من صور الاحتمال، وإنما كان تقديم المعرفة الظاهرة عند السكاكى للتقوى فقط لانتفاء أحد الشرطين الآتيين بعد وهو جواز تقدير كونه مؤخرا على أنه فاعل معنى فقط
(قوله: وإن كان مضمرا) أى: سواء تقدم حرف النفى أو تأخر، أو لم يكن نفى، فقد وافق عبد القاهر فيما إذا تأخر حرف النفى أو لم يكن، وخالفه فيما إذا تقدم؛ لأنه عنده للتخصيص من غير احتمال، فصار الحاصل أن صور موافقة الشيخين ثلاثة: الأولى: ما رجل قال هذا فإنه يفيد التخصيص جزما عند الشيخ لتقدم حرف النفى وعند السكاكى لتنكير المسند إليه، وثانيتها وثالثتها: أنا ما قلت هذا، وأنا قلت هذا، فإنه محتمل للتخصيص والتقوى عندهما لوقوع المسند إليه ضميرا ولم يسبق بنفى وصور اختلافهما الستة الباقية: إحداها: الضمير الواقع بعد النفى نحو ما أنا قلت هذا، فالتقديم فيه متعين للتخصيص عند الشيخ لتقدم النفى محتمل عند السكاكى لكون المسند إليه ضميرا. ثانيتها: الاسم الظاهر المعرفة الواقع بعد النفى نحو:
ما زيد قال هذا، فهو متعين للتخصيص عند الشيخ ومتعين للتقوى عند السكاكى.
فقد يكون للتقوى وقد يكون للتخصيص من غير تفرقة بين ما يلى حرف النفى وغيره، وإلى هذا أشار بقوله:(إلا أنه) أى السكاكى (قال: التقديم يفيد الاختصاص إن جاز تقدير كونه) أى: المسند إليه (فى الأصل مؤخرا على أنه فاعل معنى فقط)
…
===
ثالثتها: النكرة الواقعة قبل النفى نحو: رجل ما قال هذا، فهو متعين للتخصيص عند السكاكى محتمل عند الشيخ. رابعتها: الاسم الظاهر الواقع قبل النفى نحو: زيد ما قال هذا فهو محتمل عند الشيخ متعين للتقوى عند السكاكى. خامستها: النكرة الواقعة فى الإثبات نحو: رجل قال هذا، فهو متعين للتخصيص عند السكاكى ومحتمل عند الشيخ.
سادستها: المعرفة المظهرة الواقعة فى الإثبات نحو: زيد قال هذا، متعين للتقوى عند السكاكى ومحتمل عند الشيخ.
وعلم من هذا أنه ليس عند الشيخ قسم يتعين فيه التقوى، بل حاصل مذهبه التفصيل إلى ما يجب فيه التخصيص وإلى ما يجوز فيه التقوى والتخصيص، وشرطه فى الأول تقدم النفى فقط، وحاصل مذهب السكاكى التفصيل إلى ما يجب فيه التخصيص وإلى ما يجب فيه التقوى، وإلى ما يجوز فيه الأمران، وشرط فى الأول جواز تأخير المسند إليه على أنه فاعل فى المعنى فقط مقدر التقديم عن تأخير مع كون النكرة خالية من المانع الذى يمنع من التخصيص.
(قوله: فقد يكون للتقوى إلخ) نحو: أنا عرفت فإنه يجوز أن يقدر ذلك الضمير مؤخرا على أنه توكيد وهو فاعل فى المعنى، ثم إن قدر كون أنا مؤخرا فى الأصل، ثم قدم كان التقديم مفيدا للتخصيص، وإن لم يقدر فيه ذلك بالفعل كان التقديم مفيدا لتقوى الإسناد لتكرره، فالحاصل أن التقديم فى: أنا عرفت مفيد للتقوى عند انتفاء الشرط الثانى ومفيد للتخصيص عند وجوده مع الشرط الأول اللازم له
(قوله: من غير تفرقة إلخ) راجع للتفاصيل الثلاثة قبله
(قوله: وإلى هذا أشار بقوله إلخ) أى: فأشار إلى أنه إن كان المسند إليه نكرة كان التقديم مفيدا للتخصيص إن لم يمنع من التخصيص مانع بقوله، واستثنى المنكر، وبقوله وشرطه إذا لم يمنع منه مانع، وأشار إلى أنه إن كان
لا لفظا (نحو: أنا قمت) فإنه يجوز أن يقدر أن أصله: قمت أنا فيكون أنا فاعلا معنى، تأكيدا لفظا (وقدر) عطف على جاز يعنى إن إفادة التخصيص مشروطة بشرطين؛ أحدهما: جواز التقدير، والآخر أن يعتبر ذلك؛ أى: يقدر أنه كان فى الأصل مؤخرا (وإلا) أى: وإن لم يوجد الشرطان (فلا يفيد) التقديم (إلا تقوى الحكم) سواء (جاز) تقدير التأخير (كما مر) فى نحو: أنا قمت (ولم يقدر أو لم يجز) تقدير التأخير أصلا (نحو: زيد قام) فإنه لا يجوز أن يقدر أن أصله: قام زيد، فقدم لما سنذكره، ولما كان مقتضى هذا الكلام
…
===
معرفة مظهرة فتقديمها ليس إلا للتقوى بقوله: بخلاف المعرفة؛ لأنها إذا تأخرت كانت فاعلا لفظا وأشار إلى أنه إذا كان مضمرا فقد يكون للتقوى بقوله: وإلا فلا يفيد إلا التقوى، وأشار إلى أنه إن كان مضمرا قد يكون تقديمه للتخصيص بقوله: إن جاز تقدير كونه فى الأصل إلخ
(قوله: لا لفظا) وذلك بأن يكون توكيدا للفاعل الاصطلاحى أو بدلا منه، فإنه إذا كان كذلك كان فاعلا فى المعنى لا فى اللفظ
(قوله: فيكون أنا فاعلا معنى) أى: لأنه مرادف للفاعل الاصطلاحى
(قوله: وقدر) أى: وقدر أنه كان مؤخرا فى الأصل، ثم قدم لأجل إفادة الاختصاص، ويعلم السامع أن المتكلم قدر ذلك بالقرائن، ثم إنه لا يستغنى بهذا الشرط عما قبله، ولا العكس؛ لأنه لا يلزم من جواز التأخير تقديره بالفعل ولا من التقدير بالفعل أن يكون جائز التأخير؛ لأن المحال يقدر
(قوله: أحدهما جواز التقدير) أى: تقديره مؤخرا.
(قوله: أى يقدر أنه كان فى الأصل مؤخرا) لم يقل على أنه فاعل معنى فقط لعلمه مما مر
(قوله: سواء جاز تقدير التأخير) أى: على أنه فاعل معنى فقط وهذا مفهوم الشرط الثانى، وقوله: ولم يقدر أى: ولم يلاحظ التقدير
(قوله: أو لم يجز تقدير التأخير) أى: وإن قدر مؤخرا بالفعل جهلا بالقواعد، وهذا مفهوم الشرط الأول فهو لف ونشر مشوش
(قوله: لما سنذكره) أى: عند قوله بخلاف المعرف من أنه يكون إذا أخر فاعلا لفظا لا معنى، فيلزم على كون أصل زيد قام: قام زيد، تقديم الفاعل اللفظى وهو لا يجوز
(قوله: ولما كان مقتضى هذا الكلام) أعنى: قوله وإلا فلا يفيد إلا تقوى
أن لا يكون نحو: رجل جاءنى مفيدا للتخصيص لأنه إذا أخر فهو فاعل لفظا لا معنى؛ استثناه السكاكى وأخرجه من هذا الحكم بأن جعله فى الأصل مؤخرا على أنه فاعل معنى لا لفظا بأن يكون بدلا من الضمير الذى هو فاعل لفظا، وهذا معنى قوله:(واستثنى) السكاكى (المنكر
…
===
الحكم، فإنه يدل على أن ما لا يجوز تقديره مؤخرا على أنه فاعل فى المعنى إنما يفيد تقديمه التقوى، وهذا صادق بالمنكر مثل رجل جاءنى، إذ لا يمكن تقديره مؤخرا على أنه فاعل معنى؛ لأنك إذا قلت جاءنى رجل كان رجل فاعلا لفظا مثل: قام زيد، وحينئذ فمقتضاه أن يكون تقديمه للتقوى فقط لا للتخصيص، فأخرجه من ذلك الحكم
(قوله: أن لا يكون نحو رجل جاءنى) أى: أن لا يكون التقديم فى نحو: رجل جاءنى مفيدا للتخصيص، ففى الكلام حذف، والمراد بنحو رجل جاءنى كل منكر إذا أخر كان فاعلا لفظا لا معنى
(قوله: فهو فاعل لفظا) أى: ومعنى وقوله لا معنى أى فقط، فاندفع ما يقال إنه يلزم من كونه فاعلا فى اللفظ أن يكون فاعلا فى المعنى فلا وجه لذلك النفى
(قوله: وأخرجه من هذا الحكم) عطف تفسير على قوله استثناه إشارة إلى أن المراد بالاستثناء المعنى اللغوى، والمراد بالحكم القاعدة من إطلاق الجزء على الكل وهى كل ما لا يجوز تأخيره على أنه فاعل معنى لم يفد تقديمه التخصيص- كذا قرر، ويصح أن يراد بالحكم امتناع التخصيص حيث لم يجز تقدير كونه فى الأصل مؤخرا على أنه فاعل معنى فقط ويقدر ذلك. ا. هـ سم.
وإذا خرج المنكر من هذا الحكم كان تقديمه مفيدا للتخصيص
(قوله: بأن جعله) أى: بسبب أن جعله وهو متعلق بأخرجه
(قوله: على أنه فاعل معنى) أى: فقط
(قوله: بأن يكون بدلا إلخ) أى: ولا شك أن البدل من الفاعل فاعل فى المعنى فقط، فإن قلت على جعل المنكر بدلا من الضمير الواقع فاعلا يلزم عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة وذلك ممنوع، قلت: أجازوا ذلك فى مواضع منها البدل ك: زره خالدا.
(قوله: واستثنى السكاكى المنكر) أى: استثناه من قوله: إن لم يوجد الشرطان فلا يفيد التقديم إلا التقوى، وأورد عليه أن الاستثناء فرع الدخول وهذا المستثنى غير داخل فى المستثنى
فجعله من باب: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا (1)) أى: على القول (بالإبدال من الضمير) يعنى: قدر أن أصل: رجل جاءنى: جاءنى رجل على أن رجل ليس بفاعل، بل هو بدل من الضمير فى جاءنى؛ كما ذكر فى قوله تعالى: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أن الواو فاعل، والَّذِينَ ظَلَمُوا بدل منه، وإنما جعله من هذا الباب (لئلا ينتفى التخصيص؛ إذ لا سبب له) أى: للتخصيص (سواه) أى: سوى تقدير كونه مؤخرا فى الأصل على أنه فاعل معنى،
…
===
منه أعنى قوله: وإلا فلا يفيد إلا التقوى؛ لأن المستثنى منه المذكور لم يوجد فيه الشرطان بخلاف هذا فقد وجدوا فيه على ما قرره السكاكى؛ لأنه إذا أخر كان فاعلا معنى عنده؛ لأنه بدل من الضمير، وحينئذ فلا وجه للتعبير بالاستثناء، وأجيب بأن التعبير بالاستثناء نظرا للظاهر من أن الفعل عند التأخير للنكرة يكون مسندا للظاهر لا للضمير، وإن كان فى الحقيقة ليس استثناء أصلا إذ النكرة موجود فيها الشرطان غاية الأمر أنه تأويل، ثم إن المراد بالمنكر الذى استثناه السكاكى المنكر الذى لا يفيد الحكم عليه حال تنكيره وهو الخالى عن مسوغ للابتداء به؛ لأنه المحتاج إلى اعتبار التخصيص، وأما المنكر الذى يصح الحكم عليه بدون اعتبار التقديم والتأخير نحو: بقرة تكلمت، وكوكب انقض الساعة، ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (2) فلا حاجة لاعتبار التخصيص فيه بالتقديم والتأخير ولا بغيره
(قوله: تجعله من باب وأسروا النجوى إلخ) أى: فجعله من باب الذين ظلموا فى قوله تعالى وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أى: أنه جعله مثله فى أنه بدل من الضمير
(قوله: على القول بالإبدال إلخ) أى أنه جعله مثله على أحد الأقوال فى إعراب الآية، وهو أن الذين بدل من الواو، وأما على القول بأن الذين ظلموا مبتدأ، وأسروا خبر مقدم، وكذا على جعل الذين فاعلا، والواو فى أسروا:
حرف زيد ليؤذن من أول وهلة أن الفاعل جمع، وكذا على جعل الذين خبر مبتدأ محذوف أى: هم أو نصبا على الذم فلا يكون المنكر مثل: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا
(قوله: وإنما جعله) أى: المنكر، من هذا الباب أى: باب وأسروا النجوى بتقدير كونه مؤخرا فى الأصل على أنه بدل، فقدم لإفادة الاختصاص
(قوله: لئلا ينتفى التخصيص)
(1) الأنبياء: 3.
(2)
القيامة: 22.
ولولا أنه مخصص لما صح وقوعه مبتدأ (بخلاف المعرف) فإنه يجوز وقوعه مبتدأ من غير اعتبار التخصيص فلزم ارتكاب هذا الوجه البعيد فى المنكر دون المعرف،
…
===
المراد به ما به يصح وقوع النكرة مبتدأ، بدليل ما سينقله الشارح عن السكاكى أنه قال إنما يرتكب ذلك الوجه البعيد عن المنكر لفوات شرط الابتداء بالنكرة، وبدليل رد المصنف فيما يأتى انتفاء التخصيص على تقدير عدم الجعل من الباب المذكور لحصول التخصيص بعد هذا التقدير كالتعظيم والتحقير والتقليل والتنكير- فتأمل.
(قوله: ولولا أنه) أى: رجل جاءنى مخصص لما صح وقوعه مبتدأ أى:
فالسكاكى مضطر إلى التخصيص فى المنكر لأجل صحة الابتداء به، ولا يتأتى له التخصيص إلا بجعله من باب وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا لأن بجعله من ذلك الباب يحصل الشرطان المحصلان للتخصيص، هذا حاصله. وقد يقال: المراد بالتخصيص المسوغ للابتداء بالنكرة تقليل الأفراد والشيوع لا بمعنى إثبات الحكم للمذكور ونفيه عن غيره الذى كلامنا فيه فقد التبس عليه الحال. اهـ تقرير شيخنا العدوى.
(قوله: بخلاف المعرف) ظاهر المصنف أن له سببا سواه ولا محصل لهذا الكلام إذ لا شيوع فيه حتى يخصص، ولهذا حاول الشارح تصليح عبارة المصنف بجعل قوله بخلاف المعرف مخرجا من محذوف معلوم من الكلام السابق.
(قوله: من غير اعتبار التخصيص) أى: لأنه لا شيوع فى المعرف حتى يخصص، بل هو معين معلوم
(قوله: فلزم ارتكاب هذا الوجه البعيد) أى: وهو جعل الضمير فاعل الفعل، ثم إبدال الظاهر منه فإنه قليل فى كلامهم، قال عبد الحكيم: وأورد على الشارح أن إبدال الظاهر من الضمير الواقع فاعلا واقع فى القرآن بلا ضرورة كما فى وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (1) فكيف يكون بعيدا؟ والجواب: أن هذا الوجه غير متعين فى كلام الله لجواز وجوه أخر لا شبهة فيها قد علمتها- كذا قال سم.
(1) الأنبياء: 3.
فإن قيل فيلزمه إبراز الضمير فى مثل: جاءانى رجلان، وجاءونى رجال، والاستعمال بخلافه- قلنا: ليس مراده أن المرفوع فى قولنا: جاءنى رجل بدل لا فاعل فإنه مما لا يقول به عاقل فضلا عن فاضل، بل المراد أن فى مثل قولنا: رجل جاءنى يقدر أن الأصل جاءنى رجل على أن رجلا
…
===
وأيضا الضمير فى الآية بارز لا التباس معه على أنه لا ضرر فى هذا الإلباس؛ لأنه فى أمر غير محقق، إذ البدلية مقدرة
(قوله: فإن قيل إلخ) هذا السؤال مع جوابه يوجد فى بعض النسخ، وحاصله: أن مقتضى كون النكرة يقدر تأخيرها على أنها بدل من الضمير أنها إذا أخرت بالفعل وكانت مثناة أو جمعا يجب إبراز ذلك الضمير فى الفعل؛ لأن ضميرى التثنية والجمع يجب إبرازهما مع أن الاستعمال بخلافه، إذ قولك: جاءنى رجلان، أو رجال أفصح من جاءانى رجلان، وجاءونى رجال، والحاصل: أن مقتضى كون رجلان جاءانى يقدر أن أصله التأخير على أنه بدل أن يجب الإبراز فى حالة التأخير كما برز فى حالة التقديم باتفاق مع أن الإبراز فى حالة التأخير مخالف للاستعمال فى الفصيح، سواء جعلت الألف فاعلا أو حرفا دالا على التثنية، وحاصل الجواب: أنه ليس مراد السكاكى أن المرفوع فى قولك: جاءنى رجل بدل لا فاعل حتى يلزمه وجوب الإبراز فى جاءانى رجلان وجاءونى رجال، وجعل رجلان ورجال بدلين، بل مراده أنه يقدر فى قولك:
رجل جاءنى أن الأصل: جاءنى رجل على أن رجلا بدل لا فاعل، ولا يلزم من تقديره ذلك فى: رجل جاءنى القول بالبدلية بالفعل فى: جاءنى رجل الذى أخر فيه المنكر لفظا ومعنى، حتى يلزم القول بالبدلية بالفعل ووجوب الإبراز فى: جاءانى رجلان، وجاءونى رجال أيضا، والحاصل: أن الذى قاله السكاكى أنه فى صورة تقديم المنكر يقدر أن المنكر مؤخر فى الأصل، وأنه فاعل معنى فقط بدل لفظا ففى مثل: رجل جاءنى، يقدر الأصل:
جاءنى رجل، على أن رجلا بدل لا فاعل وفى رجلان جاءانى رجلان كذلك، وفى رجال جاءونى، جاءونى رجال كذلك، كل ذلك على سبيل الاعتبار والتقدير، ولا يلزم من ذلك القول بالبدلية بالفعل فيما أخر فيه المنكر لفظا ومعنى، بل هو عند التأخير بالفعل فاعل حقيقة، وحينئذ فلا يلزم إبراز ضمير التثنية والجمع عند التأخير
(قوله: فيلزمه) أى:
بدل لا فاعل، ففى مثل: رجال جاءونى يقدر أن الأصل: جاءونى رجال؛ فليتأمل.
(ثم قال) السكاكى (وشرطه) أى: وشرط كون المنكر من هذا الباب، واعتبار التقديم والتأخير فيه (ألا يمنع من التخصيص مانع
…
===
السكاكى أو الوجه البعيد والمفرع عليه محذوف أى: حيث جعل النكرة بدلا من الضمير على تقدير تأخيرها فيلزمه إبراز الضمير أى: استمرار إبرازه عند التأخير بالفعل فى مثل إلخ
(قوله: بدل) أى: حقيقة
(قوله: لا فاعل) أى: بل هو فاعل؛ لأن نفى النفى إثبات
(قوله: فإنه) أى: القول بالبدلية بالفعل عند التأخير
(قوله: فضلا عن فاضل) أى:
انتفى قول العاقل به زيادة عن نفى قول الفاضل
(قوله: يقدر أن الأصل إلخ) أى: فهذه الأصالة تقديرية كما يقدر المحال، وحينئذ فلا يلزم منها وقوع تأخره على أنه فاعل معنى فقط، بل بدل لفظا
(قوله: يقدر أن الأصل جاءونى رجال) أى: ولا يلزم من كونه يقدر أن الأصل ذلك عند التقديم أنه يقال ذلك عند التأخير، بل يقال جاءنى رجال على أن رجال فاعل
(قوله: فليتأمل) إنما قال ذلك؛ لأنه مجرد اعتبار لا أنه بالفعل. اه نوبى.
(قوله: ثم قال السكاكى إلخ) ثم هنا للترتيب فى الذكر والإخبار أى: ثم بعد ما تقدم عن السكاكى أخبرك بأن السكاكى قال إلخ، وليست للترتيب الزمانى، وأن القول الثانى بعد الأول فى الزمان؛ لأن قول السكاكى إذا لم يمنع مانع متصل ببيان التخصيص والاستثناء. اه عبد الحكيم.
(قوله: من هذا الباب) أى: باب وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (1) وقوله: واعتبار التقديم إلخ من عطف السبب على المسبب
(قوله: ألا يمنع إلخ) هذا توطئة لبيان انتفاء التخصيص فى قولهم: " شرّ أهرّ ذا ناب"، وبيان وجه التوفيق، وإلا فكون التخصيص مشروطا بعدم المانع منه أمر جلى لا يحتاج لبيان
(قوله: مانع) هو انتفاء فائدة القصر من رد اعتقاد المخاطب فى قيد الحكم مع تسليم أصله. اهـ الأطول.
(1) الأنبياء: 3.
كقولك: رجل جاءنى على ما مر) أن معناه: رجل جاءنى لا امرأة، أو لا رجلان (دون قولهم شرّ أهر ذا ناب) (1) فإن فيه مانعا من التخصيص (أما على التقدير الأول) يعنى: تخصيص الجنس (فلامتناع أن يراد: المهرّ شر لا خير) لأن المهر لا يكون إلا شرا (وأما على) التقدير (الثانى) يعنى: تخصيص الواحد (فلنبوه عن مظان استعماله) أى: لنبو تخصيص الواحد عن مواضع استعمال هذا الكلام؛
…
===
(قوله: كقولك رجل جاءنى) أى: فإنه ليس فيه مانع من التخصيص فهو مثال للنفى
(قوله: شر أهر ذا ناب) الهرير صوت الكلب عند عجزه عن دفع ما يؤذيه أى:
شر جعل الكلب ذا الناب مهرا أى: مصوتا ومفزعا
(قوله: لأن المهر) أى: الأمر المفزع للكلب والموجب لتصويته لا يكون إلا شرا؛ لأن حصول الخير للكلب لا يهره ولا يفزعه، وإذا كان كذلك فلا يتوهم أحد أن الإهرار يكون بالخير حتى يرد عليه بالحصر؛ لأن نفى الشىء عن الشىء فرع عن إمكان ثبوته له، هذا حاصل كلامه. وفيه نظر؛ لأن التخصيص قد يكون فى المنزل منزلة المجهول، وقد يكون لمجرد التوكيد، فاختصاص الشر بالهرير- وإن كان معلوما لكل أحد- فيجوز أن ينزل منزلة المجهول ويستعمل فيه القصر، أو أنه استعمل فيه على سبيل التأكيد أو لغفلة المخاطب عن كون المهر لا يكون إلا شرا، بل يحتمل عنده أن يكون خيرا أيضا، وقد يجاب بأن الأصل فى التخصيص أن يكون فيما يمكن فيه الإنكار واستعماله فيما ذكر خلاف الأصل فيه. تأمل.
إن قلت كون المهر لا يكون إلا شرا إنما يقتضى عدم الاحتياج للتخصيص، لا امتناعه كما ادعاه المصنف قلت: اللازم وإن كان عدم الاحتياج فقط إلا أن ما لا يحتاج له ممتنع عند البلغاء الذين كلامهم موضوع الفن.
(قوله: فلنبوّه) أى: هذا التقدير عن مظان أى: موارد استعماله.
(1) مثل يضرب عند ظهور أمارات الشر ومخايله، وأهرّ حمله على الهرير، وهو أن يكشر السبع عن أنيابه ويصوّت إذا رأى ما يفزعه، وذو الناب: السبع. [انظر أمثال الميدانى 1/ 326].
لأنه لا يقصد به أن المهر شر، لا شران، وهذا ظاهر (وإذ قد صرح الأئمة بتخصيصه حيث تأولوه بما أهر ذا ناب إلا شر فالوجه) أى: وجه الجمع بين قولهم بتخصيصه وقولنا بالمانع من التخصيص (تفظيع شأن الشر بتنكيره) أى:
جعل التنكير للتعظيم والتهويل
…
===
(قوله: لأنه لا يقصد إلخ) وذلك لأن هذا الكلام إنما يقال فى مقام الحث على شدة الحزم لدفع هذا الشر، والتحريض على قوة الاعتناء بدفعه لعظمه، وكون المهر شرا لا شرين مما يوجب تساهل المخاطب فى دفعه وقلة الاعتناء، وحينئذ فلا يصلح قصده من ذلك الكلام
(قوله: وإذ قد صرح الأئمة إلخ) الظرف متعلق بمحذوف أى ولزم طلب وجه للتخصيص وقت تصريح الإئمة إلخ حيث تأولوه أى: لأنهم تأولوه أى: شر أهر ذا ناب أى: فسروه
(قوله: بما أهر ذا ناب إلا شر) أى: ولا شك أن ما وإلا يفيدان الاختصاص
(قوله: فالوجه) يجوز أن تكون الفاء للتفريع على متعلق الظرف الذى قدرناه أو أنه أجرى إذ مجرى إن لمرافقته إياه فى الحركة والسكون وعدد الحروف، فأدخل الفاء فى جوابه كما قالوا فى قوله تعالى فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ (1) ومحصل ما فى المقام أن السكاكى ذكر أن فى:
" شر أهر ذا ناب" مانعا من التخصيص، والنحويون تأولوا هذا الكلام بما أهر ذا ناب إلا شر، ولا شك أن ما وإلا يفيدان الاختصاص، فبين الكلامين تناقض، فأشار المصنف إلى الجمع بين الكلامين بأن التخصيص الذى نفاه السكاكى تخصيص الجنس أو الفرد وما قاله النحاة تخصيص النوع، فلا منافاة لعدم توارد النفى والإيجاب على شىء واحد
(قوله: أى وجه الجمع إلخ) فى الحقيقة الوجه المطلوب إنما هو لإفادة المثال التخصيص، وإن كان يلزم ذلك الجمع بين الكلامين- قرره شيخنا العدوى.
(قوله: وقولنا بالمانع من التخصيص) أى: قول السكاكى ذلك؛ لأن قوله: وإذ قد صرح إلخ: من كلامه
(قوله: بتنكيره) أى: بسبب تنكيره أى: إن تفظيع شأن الشر
(1) النور: 13.
ليكون المعنى: شر عظيم فظيع أهر ذا ناب لا شر حقير فيكون تخصيصا نوعيا، والمانع إنما كان من تخصيص الجنس أو الواحد (وفيه) أى: فيما ذهب إليه السكاكى (نظر؛ إذ الفاعل اللفظى والمعنوى) كالتأكيد والبدل
…
===
وتعظيمه جاء من تنكيره أى: من جعل تنكيره للتعظيم
(قوله: ليكون المعنى شر عظيم إلخ) أى: فيصح قولهم: ما أهر ذا ناب إلا شر، أى: إلا شر فظيع أى: عظيم لا شر حقير؛ لأن التقييد بالوصف نفى للحكم عما عداه، كما هو طريقة بعض الأصوليين
(قوله: فيكون تخصيصا نوعيا) أى: لكون المخصص نوعا من الشر لا الجنس ولا الواحد.
(قوله: والمانع إنما كان من تخصيص إلخ) أى: إنما كان يمنع من تخصيص الجنس أو الواحد، وحينئذ فلا منافاة بين قول السكاكى: إن فيه مانعا من التخصيص، وبين كلام القوم المفيد أن فيه تخصيصا؛ لأن كل واحد ناظر لجهة، فالقوم ناظرون للتخصيص النوعى وهو المصحح للابتداء وهو غير متوقف على تقدير التقديم من تأخير والسكاكى ناظر لتخصيص الجنس والفرد اللذين لا سبيل لهما إلا تقدير كون المسند إليه مؤخرا فى الأصل ثم قدم، قال العلامة اليعقوبى، ولا يخفى ما فى هذا الكلام من التحكم حيث التزم تقدير التأخير فى الأصل فى تخصيص الجنس والفرد دون النوع، فإن اعتبار تقدير الوصف ليتحقق جواز الابتداء مع التخصيص النوعى هو المغنى عن تقدير التقديم فيه وتجويز الابتداء فيهما يمكن بتقدير الوصف أو الموصوف بأن يكون المعنى فى الأفراد مثلا: رجل واحد جاءنى، وفى الجنس مثلا: واحد من جنس الرجال جاءنى
(قوله: أى فيما ذهب إليه السكاكى) أى: من دعواه أن التقديم لا يفيد التخصيص إلا إذا كان ذلك المقدم يجوز تقديره مؤخرا فى الأصل على أنه فاعل معنى فقط، وقدر بالفعل كونه فى الأصل مؤخرا، ومن أن رجل جاءنى لا سبب للتخصيص فيه سوى تقدير كونه مؤخرا فى الأصل، ومن انتفاء تخصيص الجنس فى: شر أهر ذا ناب
(قوله: إذ الفاعل اللفظى) أى: كما فى: زيد قام، وهذا رد لقوله التقديم يفيد الاختصاص (إن جاز إلخ) فإنه يفهم منه أنه يجوز تقديم الفاعل المعنوى دون اللفظى
(قوله: كالتأكيد والبدل)
(سواء فى امتناع التقديم ما بقيا على حالهما) أى: ما دام الفاعل فاعلا، والتابع تابعا، بل امتناع تقديم التابع أولى (فتجويز تقديم المعنوى دون اللفظى تحكم) وكذا تجويز الفسخ فى التابع دون الفعل تحكم؛ لأن امتناع تقديم الفعل إنما هو عند كونه فاعلا
…
===
مثال للمعنوى فالتأكيد كما فى أنا قمت والبدل كما فى: رجل جاءنى
(قوله: سواء فى امتناع التقديم) أى: على العامل
(قوله: أولى) أى: من امتناع تقديم الفاعل ووجه الأولوية أنه إذا قدم التابع بدون المتبوع- الذى هو الفاعل- فقد تقديم على متبوعه وعلى ما يمتنع تقديم متبوعه، عليه وهو الفعل فلامتناعه جهتان بخلاف ما إذا قدم الفاعل فله جهة واحدة وهو تقديمه على عامله، ولأن التابع لا يجوز تقديمه اتفاقا ما دام تابعا بخلاف الفاعل، فقد أجاز بعض الكوفيين تقديمه؛ ولأن الفاعل إذا فسخ عن الفاعلية وقدم يخلفه ضميره بخلاف التابع إذا قدم فإنه لا يخلفه شىء واحترز المصنف بقوله:(ما بقيا على حالهما عما إذا فسخا ولم يبقيا على حالهما) فإنه لا امتناع فى تقديمها.
(قوله: فتجويز تقديم إلخ) أى: فتجويز السكاكى تقديم المعنوى مع بقائه على التابعية دون اللفظى مع بقائه على الفاعلية تحكم هذا ما يقتضيه التفريع، وكان الأولى للمصنف أن يقول: فامتناع تقديم الفاعل اللفظى دون المعنوى تحكم ليناسب قوله:
سواء فى امتناع التقديم، إذ المدعى استواؤهما فى الامتناع. ولو قال: سواء فى تجويز الفسخ فتجويز إلخ لكان مناسبا أيضا، وتوضيح ذلك أنه يؤخذ من قول السكاكى: إن جاز تأخيره فى الأصل على أنه فاعل معنى فقط جواز تقديم الفاعل المعنوى وهو التابع، ويؤخذ من قول المصنف على لسان السكاكى: أو لم يجز كما فى: زيد قام امتناع تقديم الفاعل اللفظى، فيقال له الفاعل المعنوى واللفظى سيان فى امتناع التقديم ما بقيا على حالهما، وسيان فى جوازه إن فسخا ولم يبقيا على حالهما، فالحكم بجواز تقديم المعنوى، وبامتناع تقديم اللفظى هذا تحكم
(قوله: تحكم) أى: بل فيه ترجيح المرجوح على ما أفاده الشارح بقوله: فلا امتناع إلخ
(قوله: وكذا تجويز الفسخ فى التابع) أى: عن التابعية
وإلا فلا امتناع فى أن يقال فى نحو: زيد قام: أنه كان فى الأصل: قام زيد فقدم زيد، وجعل مبتدأ، كما يقال فى جرد قطيفة: إن جردا كان فى الأصل صفة فقدم وجعل مضافا. وامتناع تقديم التابع حال كونه تابعا مما أجمع عليه النحاة
…
===
وقوله: دون الفاعل أى: عن الفاعلية، وهذا رد لما يقال جوابا عن السكاكى، وحاصله:
أنه إنما جاز تقديم الفاعل المعنوى؛ لأن المعنوى لو أخر كان تابعا بدلا أو تأكيدا والتابع يجوز فسخه عن التبعية، فلذا قدم كما فى: جرد قطيفة، وأخلاق ثياب، والمؤمن العائذات الطير، فإن الأصل: قطيفة جرداء أى: مجرودة بمعنى بالية أو سلخاء لا وبر فيها؛ وثياب أخلاق، والمؤمن الطير العائذات، فقدمت الصفة على موصوفها، وأضيفت إليه بخلاف الفاعل اللفظى فإنه لا يجوز فسخه عن الفاعلية، فلم يقدم، وحاصل الرد أن تجويز الفسخ فى التابع دون الفاعل اللفظى تحكم، بل كل منهما يجوز فيه الفسخ والتقديم؛ لأن الفاعلية غير لازمة لذات الفاعل كالتبعية
(قوله: وإلا فلا امتناع) أى:
وإلا نقل أن امتناع تقديم الفاعل إنما هو عند كونه فاعلا، بل قلنا بالمنع مطلقا فلا يصح؛ لأنه لا امتناع فى أن يقال إلخ
(قوله: وجعل مبتدأ) أى: وجعل ضميره فاعلا بدله، وهذا مثال لتقديم الفاعل بعد انسلاخه عن الفاعلية، (وقوله كما يقال إلخ) مثال لما إذا قدم التابع بعد انسلاخه عن التبعية
(قوله: وامتناع تقديم إلخ) هذا رد لما يقال جوابا عن السكاكى، وحاصل ذلك الجواب قولكم: إن تجويز التقديم فى المعنوى دون الفاعل اللفظى تحكم ممنوع؛ لأن التابع يجوز تقديمه باقيا على تبعيته بل هو واقع كما فى قوله (1):
ألا يا نخلة من ذات عرق
…
عليك ورحمة الله السّلام
فإن قوله (ورحمة الله): عطف على السّلام فقد قدم التابع على المتبوع باقيا على تبعيته فى العطف، فيقاس عليه التوكيد والبدل، إذ لا فرق، بخلاف الفاعل اللفظى، فلا يجوز تقديمه على أنه فاعل فالقول بالتحكم مردود، وحاصل ما أشار له الشارح من رد هذا الجواب: أن النحاة أجمعوا على امتناع تقديم التابع ما دام تابعا فى الاختيار، وما
(1) البيت للأحوص- وهو فى شرح شواهد المغنى (2/ 777) ولسان العرب (4/ 2378) مادة شيع
إلا فى العطف فى ضرورة الشعر فمنع هذا مكابرة،
…
===
وقع فى هذا البيت فهو ضرورة، وحينئذ فمنع امتناع تقديم التابع ما دام تابعا مكابرة أى عناد ودعوى بلا دليل
(قوله: إلا فى العطف فى ضرورة الشعر) أى: كما فى البيت السابق.
بقى أنه قد يقدم التوكيد أيضا للضرورة كقوله (1):
بنيت بها قبل المحاق بليلة
…
فكان محاقا كلّه ذلك الشّهر
فإن كله توكيد للشهر وقد قدم عليه، ولعل الشارح أسقط ذلك لاحتمال التأويل فى ذلك البيت بعد ثبوت كونه مما يستشهد به، بجعل كله تأكيدا للضمير المستتر فى كان العائد على الشهر وهو وإن لم يتقدم له ذكر لكن يدل عليه قوله قبل المحاق فقد تقدم مرجعه حكما وقوله: ذلك الشهر بدل من ذلك الضمير وتفسير له، وإنما قلنا بعد ثبوت إلخ؛ لأن هذا البيت من جملة أبيات تنسب للثعالبى هجوا فى امرأة عجوز تزوجها غارة له لما رآها محلاة، ثم انكشفت سوءتها بعد التزوج، وهو غير عربى، وأولها:
عجوز تمنّت أن تكون فتيّة
…
وقد يبس الجنبان واحدودب الظّهر
تروح إلى العطّار تبغى شبابها
…
وهل يصلح العطّار ما أفسد الدّهر
وما غرّنى إلّا الخضاب بكفّها
…
وكحل بعينيها وأثوابها الصّفر
بنيت بها قبل المحاق إلخ، بقى شىء آخر وهو أن أبا حيان ذكر فى الارتشاف أن بدل البعض والاشتمال يتقدمان نحو أكلت ثلثه الرغيف، وأعجبنى حسنه زيد، لكن الأحسن الإضافة نحو أكلت ثلث الرغيف، وأعجبنى حسن زيد، وهذا وارد على الشارح، اللهم إلا أن يكون الشارح لا يسلم ذلك، أو أن الإجماع الذى ذكره الشارح كما فى المطول فى التقديم على المتبوع والعامل جميعا وهو مما لم يقل به أحد فى السعة لا فى التوكيد ولا فى البدل، وأما تقديمها على المتبوع فقد حكى فالحاصل أن قول الشارح
(1) البيت لجران العود، فى شرح المرشدى على عقود الجمان 1/ 85، وهو فى لسان العرب (1/ 367) مادة (بنى)
والقول بأنه فى حالة تقديم الفاعل ليجعل مبتدأ يلزم خلو الفعل عن الفاعل وهو محال بخلاف الخلو عن التابع فاسد لأن هذا اعتبار محض (ثم لا نسلم انتفاء التخصيص) فى نحو: رجل جاءنى
…
===
مما أجمع عليه النحاة يجب أن يقيد بما إذا تقدم التابع على كل من المتبوع وعامله، وأما التقديم على المتبوع فقط دون عامله فقد حكى فى البدل والتوكيد وهو غير عربى
(قوله: والقول بأنه إلخ) أى: والقول فى نفى التحكيم بأنه إلخ، وهذا رد الجواب عن التحكم من طرف السكاكى، وحاصل ذلك الجواب أن قولكم تجويز التقديم فى المعنوى دون اللفظى تحكم ممنوع، وذلك لأن المعنوى فى الأصل تابع وتقديم التابع ليجعل مبتدأ لا يلزم عليه محذور إذ غاية ما يلزم عليه خلو المتبوع من تابع، وهذا لا ضرر فيه فلذا قيل بجواز تقديمه بخلاف الفاعل اللفظى، فإن تقديمه ليجعل مبتدأ يلزم عليه خلو الفعل من الفاعل فى اللحظة التى وقع فيها التحويل وهو محال ويلزم عليه أيضا الإخلال بالجملة وخروجها عن كونها جملة، فلذا قيل بامتناع تقديمه ففرق بين الأمرين، وحينئذ فلا تحكم.
(قوله: بخلاف الخلو عن التابع) أى: فليس محالا
(قوله: فاسد) خبر القول أى:
إن هذا القول باعتبار ما تضمنه من الفرق فاسد؛ لأن هذا الخلو غير محال حتى يحسن الفرق. اهـ. سم.
وعلى هذا فقول الشارح؛ لأن هذا أى الفسخ من كونه فاعلا فى الأصل ومبتدأ الآن اللازم عليه الخلو المذكور اعتبار محض أى: اعتبار وهمى محض لا بحسب الواقع، وحينئذ فلا يضر ذلك الخلو؛ لأنه ليس أمرا تحقيقيا، والمضر إنما هو خلو الفعل عن الفاعل فى التركيب اللفظى، ويحتمل وهو المتبادر أن هذا القول فاسد باعتبار ما تضمنه من الفرق؛ وذلك لأن خلو الفعل عن الفاعل حالة التحويل اعتبار محض غير لازم، إذ يمكن اندفاعه باعتبار أن الضمير مقارن لاعتبار الفسخ فلم يخل الفعل عن فاعل فى لحظة من اللحظات، وحينئذ فلا فرق بين التابع وبين الفاعل اللفظى فى جواز الفسخ فيهما
(قوله: ثم لا نسلم إلخ) عطف على مدخول، إذ بحسب المعنى كأنه قيل،
(لولا تقدير التقديم لحصوله) أى: التخصيص (بغيره) أى: بغير تقدير التقديم كما ذكره السكاكى من التهويل وغيره كالتحقير والتكثير والتقليل، والسكاكى وإن لم يصرح بأن لا سبب للتخصيص
…
===
وفيه نظر؛ إذ لا نسلم جواز تقديم الفاعل المعنوى، ثم لا نسلم انتفاء إلخ، كذا فى الفنرى، وهذا منع لقول السكاكى لئلا ينتفى التخصيص، إذ لا سبب له سواه
(قوله: لولا تقدير التقديم) الأولى لولا تقدير التأخير، إذ المقدر التأخير لا التقديم، والجواب أن المراد بالتقديم ما هو متبادر منه وهو ما يكون فى الأصل مؤخرا، ثم قدم ولا شك أن فرض هذا التقديم إنما هو لفرض التأخير، أفاده عبد الحكيم.
(قوله: لولا تقدير التقديم) جواب لولا محذوف دل عليه ما قبله أى: لولا تقدير التقديم لانتفى التخصيص
(قوله: لحصوله بغيره) سند للمنع، ولا يخفى أن سند المنع إنما يؤتى به بنحو لجواز كذا، ولا يجزم فيه بشىء وإلا صار المانع مدعيا ولزم الغصب
(قوله: كما ذكره السكاكى) أى: فى كتابه فى قوله: شر أهر ذا ناب، وقوله:
من التهويل بيان للغير أى: وحيث كان التخصيص يحصل بهذه الأمور كما يحصل بتقدير التقديم، فيجوز أن يقال: إن رجل جاءنى فيه تخصيص باعتبار التهويل أى:
التعظيم أو التحقير لا باعتبار التقديم، وحينئذ فالقول بانتفاء التخصيص فيه لولا اعتبار التقديم لا يسلم، وقد يجاب بأن مراد السكاكى بقوله لولا اعتبار التقديم فيه لانتفى عنه التخصيص تخصيص مخصوص لا يحصل بدون اعتبار التقديم وهو تخصيص الجنس أى:
رجل لا امرأة أو الواحد أى: لا رجلان، والتخصيص بهذا المعنى يتوقف على هذا الاعتبار البعيد، ولا يحصل بغيره كتقدير النوعية أو التعظيم أو التحقير أو غير ذلك، إن قيل: هذا الجواب ينافيه ما تقدم من أن الاحتياج إلى التخصيص إنما هو لصحة الابتداء بالنكرة، فإنه يدل دلالة ظاهرة على أن المراد مطلق التخصيص؛ لأن صحة الابتداء لا تتوقف على تخصيص الجنس أو الواحد، بل على التخصيص بوجه ما ولو بتقدير النوعية أو غيرها، فالجواب أن المراد من قوله فيما تقدم الاحتياج إلى التخصيص إنما هو لصحة الابتداء أى: مع كون الغرض والمطلوب تخصيص الجنس أو الواحد وهو يتوقف على ذلك الاعتبار لعدم حصول المطلوب مع مطلق التخصيص. اهـ. سم.
سواه لكن لزم ذلك من كلامه حيث قال: إنما يرتكب ذلك الوجه البعيد عند المنكر لفوات شرط الابتداء. ومن العجائب أن السكاكى إنما ارتكب فى مثل:
رجل جاءنى ذلك الوجه البعيد لئلا يكون المبتدأ نكرة محضة، وبعضهم يزعم أنه عند السكاكى بدل مقدم لا مبتدأ، وأن الجملة فعلية لا اسمية
…
===
(قوله: سواه) أى: سوى تقدير التقديم
(قوله: لكن لزم ذلك من كلامه) أى:
فقول المصنف فيما سبق نقلا عن السكاكى، إذ لا سبب له سواه باعتبار ما لزم من كلام السكاكى، وليس تقولا عليه بما لم يقل، وهذا إشارة لجواب اعتراض على المصنف يعلم تقريره مما قلناه
(قوله: حيث قال) أى: لأنه قال
(قوله: إنما يرتكب ذلك الوجه البعيد) أى: تقدير كونه مؤخرا فى الأصل على أنه فاعل معنى، ثم قدم.
(قوله: لفوات شرط الابتداء) أى: بالنكرة، وذلك الشرط هو التخصيص أى:
لفواته عند عدم ارتكاب هذا الوجه البعيد، فإن هذا يفهم منه أنه لا سبب للتخصيص فى المنكر سواه، وعلم مما قاله هنا، ومما قاله الشارح عنه سابقا من أن التخصيص بكونه بغيره أنه قد وقع فى كلام السكاكى تناقض، لكن باعتبار الجواب السابق عنه يندفع ذلك التناقض
(قوله: ومن العجائب) من هنا إلى قوله فافهم يوجد فى بعض النسخ دون بعض، ولعله فى الأصل حاشية لا من أصل الشارح. اه يس.
(قوله: ومن العجائب إلخ) لا يخفى أن الذى من العجائب هو زعم بعضهم أنه عند السكاكى بدل إلخ، لا أن السكاكى إنما ارتكب ذلك الوجه البعيد فيما ذكر لما ذكر، فكان حق العبارة أن يقال ومن العجائب زعم بعضهم أن المنكر فى مثل: رجل جاءنى بدل مقدم عند السكاكى لا مبتدأ، وأن الجملة فعلية لا اسمية، مع أن السكاكى مصرح بأنه مبتدأ حيث قال: إنما ارتكبت ذلك الوجه البعيد لئلا يكون المبتدأ نكرة محضة، وقد يجاب بأن قوله: وبعضهم يقرأ بالنصب عطفا على السكاكى، ويجعل الذى من العجائب هو المجموع، والحاصل أن ذلك البعض يقول إن المنكر فى مثل: رجل جاءنى بدل مقدم عند السكاكى لا مبتدأ والجملة فعلية مع أنه عند السكاكى مبتدأ والجملة اسمية؛ لأن السكاكى نفسه قال: إنما ارتكبت هذا الوجه البعيد لئلا يكون المبتدأ نكرة، فقد نسب هذا القائل للسكاكى شيئا لم يقل به.
(قوله: نكرة محضة) أى: خالية
ويتمسك فى ذلك بتلويحات بعيدة من كلام السكاكى وبما وقع من السهو للشارح العلامة فى مثل: زيد قام وعمرو قعد أن المرفوع يحتمل أن يكون فاعلا مقدما أو بدلا مقدما، ولا يلتفت إلى تصريحاتهم بامتناع تقديم التوابع حتى قال الشارح العلامة فى هذا المقام: أن الفاعل هو الذى لا يتقدم بوجه، وأما التوابع فتحتمل التقديم على طريق الفسخ؛ وهو أن يفسخ كونه تابعا ويقدم، وأما لا على طريق الفسخ فيمتنع تقديمها أيضا لاستحالة تقديم التابع على المتبوع من حيث هو تابع؛ فافهم
…
===
عن المسوغ
(قوله: ويتمسك فى ذلك) أى: ويستدل على ذلك القول
(قوله: من كلام السكاكى) صفة لتلويحات أى: يتمسك بإشارات من كلام السكاكى بعيدة من جملتها قوله: إن جاز تقدير كونه مؤخرا فى الأصل على أنه فاعل معنى فقط وقدر، فقال ذلك البعض فى هذا الكلام إشارة إلى أن المرفوع بدل، وأن الجملة فعلية، ووجه البعد أن هذا الكلام إنما يفهم أنه أمر تقديرى، لا أنه بدل حقيقة مقدم
(قوله: وبما وقع) أى: ويتمسك بما وقع أى: إن ذلك البعض تمسك بالتلويحات البعيدة وبسهو الشارح العلامة، وترك تصريح السكاكى بقوله لئلا يكون المبتدأ نكرة محضة، فإنه صريح فى كون المقدم مبتدأ، وأن الجملة اسمية، والمراد بالشارح العلامة القطب الشيرازى شارح المفتاح، ومحل التمسك قوله أو بدلا مقدما
(قوله: أن المرفوع) أى: من أن المرفوع وهو بيان لما وقع
(قوله: يحتمل أن يكون فاعلا مقدما) قد وقع هذا الكلام من الشارح العلامة على وجه السهو فلا يعارض قوله الآتى: إن الفاعل هو الذى لا يتقدم بوجه
(قوله: ولا يلتفت) أى: ذلك الزاعم وهذا عطف على قوله يزعم أى: يزعم ويتمسك بما ذكر ولا يلتفت إلخ.
(قوله: حتى قال إلخ) غاية فى السهو، والسهو فى هذا من حيث تفرقته بين الفاعل والتابع وتجويزه الفسخ فى الثانى دون الأول، فهذا أيضا سهو، ويحتمل أن يكون غاية فى تصريحاتهم فيكون محل الاستشهاد قوله: وأما لا على طريقة الفسخ إلخ
(قوله: وأما التوابع إلخ) هو من جملة كلام الشارح العلامة
(قوله: فافهم) من كلام شارحنا أشار به للتناقض الواقع بين كلامى العلامة حيث قال أولا: يحتمل أن يكون فاعلا مقدما،
(ثم لا نسلم امتناع أن يراد المهر شر لا خير) كيف وقد قال الشيخ عبد القاهر:
قدم شر لأن المعنى أن الذى أهره من جنس الشر لا من جنس الخير (ثم قال) السكاكى (ويقرب من) قبيل (هو قام زيد قائم
…
===
وقال ثانيا: إن الفاعل هو الذى لا يتقدم بوجه، وحيث قال أولا: بدلا مقدما، وقال ثانيا: وأما لا على طريقة الفسخ فيمتنع تقديمهما- فتأمل.
ومن المعلوم أن غاية الشىء إما أعظم منه أو أدنى منه وهنا أعظم أى: أنه سها حتى إنه قال هذه المقالة الشنيعة وهى: أن الفاعل لا يتقدم بوجه ما، ولا شك أن هذا الكلام سهو منه ومخالف للصواب، والصواب أن الفاعل مثل التابع- قرره شيخنا العدوى.
(قوله: ثم لا نسلم إلخ) هذا رد لما ادعاه السكاكى من انتفاء تخصيص الجنس فى: " شرّ أهرّ ذا ناب".
(قوله: كيف وقد قال إلخ) أى: كيف يكون ممنوعا والحال أن الشيخ إلخ
(قوله: لا من جنس الخير) أى: فقد نفى الإهرار عن الخير، فيفيد ثبوت الإهرار له، ولكن الحق مع السكاكى؛ لأن الحصر لا يكون إلا للرد على متوهم؛ لأن الشىء إنما ينفى إذا توهم ثبوته ومعلوم أن الكلب إذا حصل له الخير لا يحصل منه إهرار فلا يتوهم ثبوت الإهرار منه، وحينئذ فيقبح الحصر، وقول بعضهم: إن من عادة الكلب أن يهر دون أهله ويذب عنهم من يقصدهم بسوء، فالهرير حينئذ لأجل الخير أعنى: إيقاظ أهله مردود؛ لأن المتبادر من قولهم: " شر أهر ذا ناب" كون الشر بالنسبة إلى ذلك الكلب فيكون الخير أيضا معتبرا بالنسبة إليه لا إلى غيره- كذا قرر شيخنا العدوى. وفى عبد الحكيم: التحقيق أن صحة القصر وعدمها مبنية على معنى الهرير، فإن كان معناه النباح الغير المعتاد فلا صحة له، إذ من المعلوم عند العرب أنه من أمارات وقوع الشر، وإن كان معناه مطلق الصوت كما فى مقدمة الزمخشرى، فهو قد يكون لخير وقد يكون لشر فيصح القصر
(قوله: ثم قال إلخ) عطف على ما قال الأول أو الثانى، وكلمة ثم: للترتيب فى الذكر والإخبار، والمعنى بعد ما أخبرتك عن قول السكاكى التقديم يفيد
فى التقوى لتضمنه) أى: لتضمن قائم (الضمير)
…
===
الاختصاص بشرطين أخبرك عن قوله ويقرب إلخ، فلا يرد أن حديث القرب فى المفتاح مقدم على حديث الاختصاص، فلا وجه لكلمة، ثم كذا فى يس، وفى عبد الحكيم: إن ثم فى جميع تلك المواضع لمجرد الترتيب فى الذكر والتدرج فى مدارج الارتقاء، ولا يلزم أن يكون الثانى بعد الأول فى الزمان، بل ربما يكون مقدما كما فى قوله:
إنّ من ساد ثمّ ساد أبوه
…
ثمّ قد ساد قبل ذلك جدّه (1)
فلا يرد أن قوله ويقرب إلخ مقدم على بيان التخصيص فى كلام السكاكى، وأما ما قيل: إن ثم للترتيب فى الإخبار فلا يقبله الطبع السليم، إذ لا فائدة فى ذلك.
(قوله: فى التقوّى) إنما اقتصر عليه ولم يقل: والتخصيص لفقد شرطه عنده فى هذا المثال ونحوه وهو جواز تقدير كونه فى الأصل مؤخرا على أنه فاعل معنى فقط؛ لأنه لو أخر تعين كونه مبتدأ عند من يشترط فى رفع الوصف الاسم الظاهر الاعتماد وفاعلا لفظا عند من لم يشترط الاعتماد فهو نظير قوله: زيد قام، ومثله لا يفيد إلا التقوى كما تقدم، وحاصل ما أراده بقوله ويقرب إلخ أن هو قام فيه تقو من غير شبهة وزيد قائم فيه تقو مع شبهة عدمه فيكون قريبا منه فى إفادة التقوى، ولو قال ويقرب من زيد قام زيد قائم لم يحتج إلى قوله فى التقوى لأن زيد قام لا يحتمل إلا التقوى بخلاف هو قام فإنه محتمل للتخصيص إن لوحظ أنه كان مؤخرا فى الأصل على أنه تأكيد للضمير المستتر، ومحتمل للتقوى إن لم يقدر مؤخرا، فإن قلت لم قال من هو قام ولم يقل من زيد قام مع أنه المناسب لفظا وهو ظاهر ومعنى؛ لأنه نص فى التقوى عنده فاعتبار القرب إليه أولى من اعتبار القرب إلى ما هو محتمل للتخصيص أيضا؛ لأنه يوهم إن زيد قائم يحتمل التخصيص، قلت: إنما قال ذلك؛ لأن المذكور فى كلام السكاكى قبل قوله ويقرب بيان التقوى فى المضمر المتقدم- أفاده عبد الحكيم.
(1) من الخفيف وهو لأبى نواس فى ديوانه 1/ 355، وخزانة الأدب 11/ 37، والدرر 6/ 93، ورصف المبانى ص 174.
مثل: قام فبه يحصل للحكم تقوّ (وشبهه) أى: شبه السكاكى مثل: قائم التضمن للضمير (بالخالى عنه) أى: عن الضمير (من جهة عدم تغيره فى التكلم والخطاب والغيبة) نحو: أنا قائم، وأنت قائم، وهو قائم كما لا يتغير الخالى عن الضمير، نحو: أنا رجل وأنت رجل وهو رجل، وبهذا الاعتبار قال: يقرب، ولم يقل نظيره، وفى بعض النسخ: وشبهه
…
===
(قوله: مثل قام) صفة لمصدر محذوف أى: تضمنا مثل تضمن قام له
(قوله: فبه) أى: فبسبب تضمنه للضمير، وقوله يحصل للحكم تقوّ أى: لتكرر الإسناد؛ لأن القيام مسند مرتين مرة لزيد، ومرة لضميره
(قوله: وشبهه) فى قوة التعليل لأحد الأمرين اللذين تضمنهما قوله، ويقرب وهو انحطاطه فى التقوى عن هو قام كما أن قوله:
لتضمنه تعليل للأمر الآخر، وهو أن فيه شيئا من التقوى هذا على ضبط شبهه بصيغة الماضى كما هو ظاهر الشارح، أما على ضبطه بصيغة الاسم فقوله وشبهه إلخ: تعليل لأحد الأمرين السابق، لا فى قوة التعليل له
(قوله: مثل قائم) أى: قائم وأمثاله (قوة:
بالخالى عنه) أى: بالاسم الجامد الذى لا يتحمل ضميرا البتة
(قوله: من جهة عدم تغيره) الضمير القائم
(قوله: وبهذا الاعتبار) أى: وهو شبهه بالخالى قال: ويقرب، وحاصله أن قائم المتضمن للضمير له جهتان جهة يشبه بها الفعل وهى جهة تحمله للضمير وجهة يشبه بها الاسم الجامد وهى عدم تغيره فى الحالات الثلاثة، فكأنه لا ضمير فيه فبالجهة الأولى قرب من هو قام فى تقوى الحكم، وبالثانية بعد عنه فلم يكن نظيره فلأجل هذا جعله قريبا ولم يجعله نظيرا
(قوله: وفى بعض النسخ وشبهه بلفظ الاسم إلخ) أنت خبير بأن هذا اللفظ لا يختلف حاله الرسمى على التقديرين فلا معنى لنسبة أحدهما لبعض النسخ، والمعروف عند المصنفين فى مثل هذا أن يقال قوله وشبهه يحتمل أن يكون بصيغة الفعل الماضى، وأن يكون بلفظ الاسم. اه يس.
وقد يقال: مراد الشارح وفى بعض النسخ وشبهه مضبوط بالقلم بلفظ الاسم، وحينئذ فلا اعتراض على الشارح- كذا قرر شيخنا العدوى.
بلفظ الاسم مجرورا عطفا على تضمنه يعنى أن قوله: يقرب مشعر بأن فيه شيئا من التقوى وليس مثل التقوى فى: زيد قام؛ فالأول لتضمنه الضمير، والثانى: لشبهه بالخالى عن الضمير (ولهذا) أى: ولشبهه بالخالى عن الضمير (لم يحكم بأنه) أى:
مثل: قائم مع الضمير، وكذا مع فاعله الظاهر أيضا (جملة
…
===
(قوله: بلفظ الاسم) أى: بفتح الشين المعجمة والباء الموحدة مصدر مضاف لفاعله بمعنى المماثلة، لا بكسر الشين وسكون الباء كما توهمه بعضهم؛ لأنه بهذا الضبط بمعنى مثل وهو لا يتعدى بالباء.
(قوله: مجرورا) أى: لا منصوبا على أنه مفعول معه؛ لأنه مقصور على السماع عند سيبويه وهذا وجه التعسف الذى ذكره فى المطول كما أفاده الفنرى، ورده العلامة عبد الحكيم: بأن ابن مالك ذكر فى التسهيل، وكذا غيره أن الصحيح أن المفعول معه قياسى فلا يظهر أن يكون هذا وجها للتعسف، ووجه التعسف المذكور بأمور كلها قابلة للخدش مذكورة فى حاشية العلامة المذكور
(قوله: وليس مثل التقوى) أى: وليس ذلك الشىء الذى فيه من التقوى مثل إلخ
(قوله: فالأول) أى: فالتقوى الذى فيه لأجل تضمنه الضمير فتضمن الضمير علة الأول
(قوله: والثاني) أى: كون التقوى الذى فيه ليس مثل التقوى فى هو قام لأجل شبهه بالاسم الجامد الخالى عن الضمير: كرجل فالشبه بالجامد علة للثانى.
(قوله: وكذا مع فاعله الظاهر أيضا) أى: نحو زيد قائم أبوه، فقائم أبوه ليس جملة ولا معاملا معاملتها، واعترض على الشارح فى جعله هذا فى حيز التعليل بقوله: ولهذا مع أن هذا التعليل لا يتأتى فيه، بل اسم الفاعل إذا دفع الظاهر كان كالفعل فى أن كلا منهما لا يتفاوت عند الإسناد للظاهر، وإنما وجه الحكم على قائم مع فاعله الظاهر بالإفراد حملا له على المسند للضمير كما أوضح ذلك فى المطول، والحاصل أن قائم إذا رفع الضمير حكموا له مع فاعله بالإفراد لشبهه بالخالى من جهة عدم تغيره فى الخطاب والغيبة، وإذا رفع اسما ظاهرا حكموا عليه بالإفراد حملا له على ما إذا رفع ضميرا ولم ينظروا لكونه: كالفعل لا يتفاوت عند الإسناد للظاهر حتى يكون مع فاعله جملة، ويستثنى من كون الاسم المشتق مع فاعله غير جملة صورتان وهما
ولا عومل) قائم مع الضمير (معاملتها) أى: معاملة الجملة (فى البناء) حيث أعرب فى مثل: رجل قائم ورجلا قائما ورجل قائم (ومما يرى تقديمه) أى: ومن المسند إليه الذى يرى تقديمه على المسند (كاللازم
…
===
ما إذا وقع مبتدأ له فاعل سد مسد الخبر نحو: أقائم الزيدان، أو وقع صلة للموصول نحو: جاء القائم أبوه؛ لأنه يقدر بالفعل- كذا ذكر السيد فى شرح المفتاح، وفى يس:
إن المقرر فى النحو أن صلة أل شبه جملة لا جملة- فتأمل.
(قوله: ولا عومل قائم مع الضمير) أى: وكذا مع فاعله الظاهر ففيه حذف من الثانى لدلالة الأول
(قوله: فى البناء) فيه نظر؛ لأن الجملة من حيث هى لا تستحق إعرابا، ولا بناء، وحاصل الجواب: أنه ليس المراد بالبناء البناء الاصطلاحى، بل عدم ظهور إعراب متبوعها عليها أى إنه لم يعامل معاملة الجملة فى عدم ظهور إعراب المتبوع عليها، بل هذا ثبت له ظهور إعراب المتبوع عليه دون الجملة فلم يثبت لها ذلك، وهذا لا ينافى أن الجملة قد تكون معربة محلا، فنفى الإعراب والبناء عنها إنما هو بالنظر للفظها.
(قوله: فى مثل: رجل قائم، ورجلا قائما، ورجل قائم) أى: فإن الوصف قد أعرب مع تحمله للضمير فى هذه الأحوال أى: للضمير فى هذه الأحوال أى: أجرى عليه إعراب المتبوع لفظا، ولو قيل رجل قام، ورجلا قام، ورجل قام لكانت تلك الجملة الواقعة صفة مبنية بمعنى أنه لم يجر عليها إعراب المتبوع لفظا، بل محلا.
(قوله: ومما يرى) على صيغة المتكلم المبنى للفاعل أو الغائب المبنى للمجهول- كذا فى الأطول، وفيه أيضا أن قوله: ومما يرى تقديمه كاللازم إلخ هذا الحكم لا ينبغى أن يخص بلفظ مثل وغير ولا بالكناية، بل يجرى فى المجاز أيضا فيرى تقديم المسند إليه فى أنت تقدم رجلا وتؤخر أخرى، كاللازم لكونه أعون على المراد وهو إيراد الحكم على وجه أبلغ، إذ المجاز أبلغ من الحقيقة
(قوله: كاللازم) حال من تقديم أى حالة كون ذلك التقديم مماثلا للتقديم اللازم فى القياس كتقديم لازم الصدارة، فتقديم هذا ليس بلازم فى القياس، بل مثله من حيث إنه لازم فى الاستعمال، ولذا لم يقل لازما،
لفظ مثل وغير) إذا استعملا على سبيل الكناية (فى نحو: مثلك لا يبخل وغيرك لا يجود؛ بمعنى: أنت لا تبخل وأنت تجود من غير إرادة تعريض بغير المخاطب)
…
===
وقال كاللازم، والحاصل إنه إنما لم يقل: ومما يرى تقديمه لازما لفظ مثل وغير إذا استعملا على سبيل الكناية إشارة إلى أن القواعد لا تقتضى وجوب التقديم، ولكن اتفق أنهما لم يستعملا فى الكناية إلا مقدمين فأشبها ما اقتضت القواعد تقديمه، حتى لو استعملا بخلافه عند قصد الكناية بأن قيل لا يبخل مثلك ولا يجود غيرك كان كلاما منبوذا طبعا، ولو اقتضت القواعد جوازه.
(قوله: لفظ مثل وغير) خصهما بالذكر؛ لأنهما المستعملان فى كلامهم، والقياس يقتضى أن يكون ما هو بمعناهما: كالمماثل والمغاير والشبيه والنظير- كذلك قاله عبد الحكيم.
وكذلك الإضافة للكاف ليست قيدا، بل كذلك مثلى أو مثله، وغيرى وغيره- كذا قرر شيخنا العدوى.
(قوله: على سبيل الكناية) أى: من إطلاق اسم الملزوم وإرادة اللازم، وبيان ذلك أنك إذا قلت: مثلك لا يبخل فقد نفيت البخل عن كل مماثل للمخاطب أى: عن كل من كان متصفا بصفاته، والمخاطب من هذا العام؛ لأنه متصف بتلك الصفات، فيلزم أنه لا يبخل للزوم حكم الخاص لحكم العام فقد أطلق اسم الملزوم وهو نفى البخل عن المماثل، وأريد اللازم وهو نفيه عن المخاطب، وكذا إذا قيل: غيرك لا يجود؛ لأنه إذا نفى الجود عن الغير على وجه العموم فى الغير انحصر الجود فيه؛ لأن الجود صفة وجودية لا بد لها من محل تقوم به ومحلها إما المخاطب أو غيره، وقد نفى قيامها بكل فرد غير المخاطب، فلزم قيامها به، فقد استعمل اللفظ فى المعنى الموضوع له وهو نفى الجود عن كل مغاير وأريد لازمه، وهو إثبات الجود للمخاطب
(قوله: مثلك لا يبخل إلخ) المجوز لوقوع مثل وغير مبتدأ تخصيصهما بالإضافة، وإن لم يتعرفا بها لتوغلهما فى الإبهام- قاله الفنرى.
(قوله: بمعنى أنت لا تبخل) وأنت تجود لف ونشر مرتب
(قوله: من غير إرادة تعريض بغير المخاطب) أى: من غير إرادة التعريض بغير المخاطب، وهذا حال من نحو
بأن يراد بالمثل والغير إنسان آخر مماثل للمخاطب، أو غير مماثل بل المراد نفى البخل عنه على طريق الكناية؛
…
===
المضاف إلى المثالين ولفظ من زائد فى الإثبات لتضمنه النفى؛ لأنه فى قوة لا مع إرادة تعريض بغير المخاطب ومفهوم كلامه أنه لو أريد التعريض بأن أريد بالمثل أو للغير إنسان معين لم يكن تقديمه كاللازم؛ وذلك لأن التقديم إنما كان كاللازم عند ارتكاب الكناية لكونه أعون على إثبات الحكم بالطريق الأبلغ وهو طريق الكناية، وإذا أريد التعريض فلا كناية
(قوله: بأن يراد بالمثل) تصوير للمنفى وهو إرادة التعريض، فإذا قلت مثلك لا يبخل مريدا من المثل شخصا معينا جوادا مماثلا للمخاطب، أو قلت غيرك لا يجود مريدا بالغير بخيلا آخر معينا كان الكلام من قبيل التعريض لا من قبيل الكناية؛ لأنه يلزم من نفى بخل شخص معين مماثل للمخاطب نفى بخله ولا يلزم من نفى الجود عن واحد معين ثبوت الجود للمخاطب؛ لأنه يتحقق فى شخص آخر مغاير لذلك المعين وللمخاطب، ثم إن جعل هذا تعريضا فيه نظر، إذ لا تعريض فى الكلام المذكور بذلك الإنسان، بل الكلام موجه نحوه بطريق الاستقامة دون الإمالة إلى عرض وجانب، وإنما يكون التركيب من قبيل التعريض إذا قصد وصف المخاطب بالبخل، وأما على ما ذكره الشارح من إرادة واحد معين بالمثل والغير فالتركيب ليس كناية ولا تعريضا، وأجيب بأنه ليس المراد بالتعريض الاصطلاحى الآتى فى الكناية وهو الإشارة إلى معنى يفهم من عرض الكلام وجانبه، بل المراد التعريض اللغوى وهو الإشارة على وجه الإجمال والإبهام وعدم التصريح ولا شك أنك لم تصرح بالمعرض به، بل أجملته وأبهمته، ولهذا الجواب اندفع أيضا ما يقال التعريض من قبيل الكناية فيلزم أن يكون الكلام كناية وغير كناية- وهو باطل، وأجيب عنه أيضا بأن التعريض لا يلزم أن يكون نوعا من الكناية، بل هو أعم من ذلك، إذ قد يكون كناية ومجازا وحقيقة
(قوله: إنسان آخر) أى: معين، وقوله مماثل للمخاطب: راجع لقوله بالمثل
(قوله: أو غير مماثل) بالإضافة راجع لقوله والغير
(قوله: بل المراد) أى: بقولك مثلك لا يبخل وغيرك لا يجود، وقوله نفى البخل عنه أى: عن المخاطب وهذا إضراب على قوله من غير إرادة
لأنه إذا نفى عمن كان على صفته من غير قصد إلى مماثل لزم نفيه عنه وإثبات الجود له بنفيه عن غيره مع اقتضائه محلا يقوم به وإنما يرى التقديم فى مثل هذه الصورة كاللازم (لكونه) أى: التقديم
…
===
تعريض إلخ، وقوله على طريق الكناية لم يجعل على طريق المجاز من ذكر الملزوم، وإرادة اللازم لجواز إرادة المعنى الحقيقى أيضا
(قوله: لأنه إذا نفى إلخ) هذا توجيه للكناية فيه، وبيان للزوم المحقق لها وقوله: لأنه أى: البخل وقوله عمن كان على صفته أى: عن كل من كان على صفة المخاطب؛ لأن معنى مثلك لا يبخل من كان على الصفات التى أنت عليها لا يبخل، والمخاطب من هذا العام؛ لأنه متصف بتلك الصفات، فيلزم أنه لا يبخل؛ لأن الحكم على العام ينسحب على كل فرد من أفراده
(قوله: من غير قصد إلى مماثل) أى: بخلاف ما إذا أريد بالمثل معين أى: إنسان آخر غير المخاطب، لا يقال التعليق بالمشتق يؤذن بعلية المشتق منه، والمشتق منه موجود فى المخاطب، فيلزم أنه لا يبخل؛ لأنا نقول الحكم على العموم من غير ملاحظة مماثل معين يفهم منه فى العرف عليه الوصف وهو المماثلة بخلاف ما إذا أريد بالمثل معين أى: إنسان آخر غير المخاطب، ولم يرد العموم فلا يفهم عرفا منه علية الوصف فلا يلزم فيه أن يكون المخاطب لا يبخل؛ لأن الغرض حينئذ مجرد التعبير عن ذلك المعين كما يظهر ذلك لصاحب الذوق السليم. ا. هـ سم.
(قوله: وإثبات الجود) عطف على نفى البخل لا على قوله نفيه عنه أى: والمراد من غيرك لا يجود؛ إثبات الجود للمخاطب بسبب نفيه إلخ وهذا توجيه للكناية فى التركيب الثانى، وبيان للزوم المحقق لها، وقوله من غيره أى عن كل مغاير له بخلاف، ما إذا أريد به معين، فإنه لا يلزم انحصار الجود فى المخاطب؛ لأنه يتحقق فى شخص آخر غير المخاطب، وقوله: مع اقتضائه محلا من جملة الدليل ووجه الاقتضاء أن الجود صفة موجودة فى الخارج وكل ما هو كذلك، فلا بد له من موصوف أى: محل يقوم به، ثم إنه ليس له إلا محلان المخاطب والغير، فإذا انتفى عن الغير تعين أن يقوم بالمخاطب
(قوله: فى مثل هذه الصورة) كان الظاهر أن يقول هاتين الصورتين كما لا يخفى، إذ
(أعون على المراد بهما) أى: بهذين التركيبين؛ لأن الغرض منهما إثبات الحكم بطريق الكناية التى هى أبلغ، والتقديم لإفادة التقوى أعون على ذلك وليس معنى قوله: كاللازم أنه قد يقدم وقد لا يقدم، بل المراد أنه كان مقتضى القياس أن يجوز التأخير لكن لم يرد الاستعمال إلا على التقديم؛ نص عليه فى دلائل الإعجاز
===
المتبادر من كلامه أن قوله مثلك لا يبخل وغيرك لا يجود تركيب واحد وكلام القوم صريح فى أنهما تركيبان
(قوله: أعون على المراد بهما) الباء بمعنى من إن قلت: إن التأخير لا إعانة فيه على المراد؛ لأن التقوى الذى يحصل به الإعانة على المراد إنما يتأتى بالتقديم، وحينئذ فلا وجه للتعبير بأعون، قلت أفعل ليس على بابه أى: لكونه معينا، وقوله: لأن الغرض علة لكونه معينا
(قوله: إثبات الحكم) أعنى الجود: وانتفاء البخل عن المخاطب وفى هذا إشارة إلى أنهما من الكناية المطلوب بها نسبة لا المطلوب بها صفة ولا المطلوب بها غير صفة ولا نسبة، بل كان المطلوب بها نفس الموصوف ومثال المطلوب بها صفة قولك: طويل النجاد، فإن المطلوب بها: طول القامة، ومثال المطلوب بها صفة وغير نسبة قولك: حتى مستوى القامة عرض الأظفار فى الكناية عن الإنسان، فإنه غير نسبة وغير صفة
(قوله: أبلغ) أى: من التصريح؛ لأنها من باب دعوى الشىء ببينة، إذ وجود الملزوم دليل على وجود اللازم، فقولك: فلان كثير الرماد فى قوة قولك:
فلان كريم؛ لأنه كثير الرماد، وكذلك هنا قولك غيرك لا يجود فى قوة أنت تجود؛ لأن غيرك لا يجود، فالحاصل أن المقصود من التركيبين إثبات الحكم على وجه أبلغ.
(قوله: لإفادته التقوى) علة لقوله أعون مقدمة عليه أى: والتقديم معين على ذلك لإفادته للتقوى، وإنما كان معينا له؛ لأنه من ناحيته؛ لأن الكناية تفيد إثبات الحكم بطريق أبلغ، وكذلك التقرير
(قوله: على ذلك) أى: على إثبات الحكم بالطريق الأبلغ
(قوله: إنه كان مقتضى القياس إلخ) أى: وذلك؛ لأن المطلوب وهو إثبات الجود للمخاطب، وانتفاء البخل عنه يحصل بالكناية، وهى حاصلة مع التأخير كالتقديم، فكان مقتضى القياس أنه يجوز التأخير لحصول المقصود معه
(قوله: إلا على التقديم) أى:
فأشبه ما اقتضت القواعد تقديمه حتى لو استعمل غير مقدم عند قصد الكناية بأن قيل
(قيل وقد يقدم) المسند إليه المسور بكل على المسند المقرون بحرف النفى
…
===
لا يبخل مثلك، ولا يجود غيرك كان كلاما منبوذا طبعا، وإن اقتضت القواعد جوازه
(قوله: قيل وقد يقدم إلخ) قائله ابن مالك وجماعة، وإنما ضعفه المصنف حيث عبر بصيغة التمريض وهو قيل للبحث فى دليله، وإلا، فالحكم مسلم كما يأتى
(قوله: وقد يقدم) الواو من جملة المحكى، وهى إما للعطف على ما قبله فى كلام القائل أو للاستئناف، وما قيل إنه معطوف على مقول قول عبد القاهر عطف تلقين، كما يقال:
سأكرمك، فتقول: وزيدا، أى: قل: وزيدا، فليس بشىء، إذ لا معنى لتلقين القائل للشيخ هذا الكلام، وأيضا لا يطرد فى قول عبد القاهر، وقد يقدم ليفيد تخصيصه فإنه لا يمكن أن يكون فيه لعطف التلقين.
(قوله: المسور بكل) فيه ميل لمذهب المناطقة القائلين الموضوع هو المضاف إليه لفظة كل، وأما هى فهى دالة على كمية الأفراد، وإلا فالنحاة يجعلون كل هى المسند إليه وقوله المسور بكل أى: أو ما يجرى مجراه فى إفادة العموم لجميع الأفراد كأل الاستغراقية، ولفظ جميع، وإنما اشترط أن يكون مقرونا بكل؛ لأنه لو لم يكن كذلك لم يجب تقديمه نحو:
زيد لم يقم ولم يقم زيد لعدم فوات العموم، إذا لا عموم فيه وكذلك إذا لم يكن المسند مقرونا بحرف النفى لم يجب تقديمه نحو: كل إنسان قام، وقام كل إنسان، لعدم فوات العموم فيه بالتقديم والتأخير لحصوله مطلقا قدم المسند إليه أو أخر، وبقى شرط ثالث: وهو أن يكون المسند إليه بحيث لو أخر كان فاعلا بخلاف قولك: كل إنسان لم يقم أبوه، فإنه لو أخر كل إنسان بأن قيل: لم يقم أبو كل إنسان لم يكن فاعلا لفظيا لأخذ المسند فاعله فلا يجب التقديم فى تلك الحالة لعدم فوات العموم؛ لأن العموم حاصل على كل حال سواء قدم المسند إليه أو أخر، بقى شىء آخر وهو أن الكلام فى بيان أحوال المسند إليه مطلقا، وحينئذ فمن أين أخذ الشارح تقييده بما ذكر، وقد يقال أخذ الشارح ذلك من قرينة السياق وفى كلام بعضهم أن الضمير فى قول المصنف، وقد يقدم إن جعل راجعا للمسند إليه فى الجملة كانت كلمة قد للتقليل؛ لأن هذا التركيب قليل بالنسبة لغيره وأن جعل الضمير راجعا للمسند إليه المقيد بما قاله الشارح بقرينة سياق الكلام كانت للتحقيق.
(لأنه) أى: التقديم (دال على العموم) أى: على نفى الحكم عن كل فرد (نحو:
كل إنسان لم يقم) فإنه يفيد نفى القيام عن كل واحد من أفراد الإنسان (بخلاف ما لو أخر، نحو: لم يقم كل إنسان فإنه يفيد نفى الحكم عن جملة الأفراد
===
(قوله: لأنه دال على العموم) أى: على عموم النفى وشموله يعنى: أن المسند إليه إذا كان مستوفيا للشروط المذكورة، وكان المتكلم قصده فى تلك الحالة إفادة العموم، فإنه يجب عليه أن يقدم المسند إليه لأجل أن يفيد الكلام قصده، إذ لو أخر لم يطابق مقصوده؛ لأنه لم يفد العموم حينئذ، فالغرض من قول المصنف لأنه دال إلخ بيان للحال التى لأجلها ارتكب التقديم لا استدلال عقلى، إذ هذا أمر نقلى والواجب إثباته بالنقل، ولبعض الأفاضل قول المصنف؛ لأنه دال إلخ أى: من دلالة المقتضى بالفتح على المقتضى بالكسر فهى غاية مترتبة على التقديم، وإن أريد الدلالة على قصد العموم كان علة باعثة
(قوله: أى على نفى الحكم) أى: المحكوم به، وقوله عن كل فرد أى من أفراد ما أضيف إليه كل
(قوله: نحو كل إنسان لم يقم) أى: كل فرد اتصف بعدم القيام ومحكوم عليه به، ولا يقال الضمير فى لم يقم عائد على كل إنسان فيكون العموم واقعا فى حيز النفى فيكون هذا التركيب من سلب العموم؛ لأنا نقول مراعاة الاسم الظاهر أولى من مراعاة ضميره، وأيضا يلزم على مراعاة الضمير أنه لم يتحقق عموم السلب أصلا، ولا قائل بذلك.
(قوله: فإنه يفيد نفى القيام عن كل واحد) الجار والمجرور متعلق بنفى لا بالقيام أى: فإنه يفيد أن انتفاء القيام ثابت لكل واحد، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الحكم فى عموم السلب يلاحظ مطلقا، وأن متعلق النفى فيه الأفراد
(قوله: بخلاف ما لو أخر) ما زائدة كما فى قوله تعالى: مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (1) ولو شرطية جزاؤها قوله: فإنه يفيد نفى الحكم إلخ إن جاز وقوع الجملة الاسمية جوابا للو كما فى المغنى ومحذوف إن لم يجز كما فى الرضى أى لم يدل على العموم، وقوله: فإنه تعليل له، وإنما لم يقل بخلاف التأخير تنصيصا على بيان مخالفة التقديم والتأخير
(قوله: فإنه يفيد نفى الحكم) أى:
(1) الذاريات: 23.
لا عن كل فرد) فالتقديم يفيد عموم السلب وشمول النفى، والتأخير لا يفيد إلا سلب العموم ونفى الشمول
…
===
المحكوم به كالقيام فى المثال، وقوله عن جملة الأفراد أى: عن الأفراد المجملة أى: التى لم تفصل ولم تعين بكونها كلا أو بعضا، بل أبقيت على شمولها للأمرين
(قوله: لا عن كل فرد) أى: فقط فلا ينافى أن رفع الإيجاب الكلى يصدق بالنفى عن كل فرد كما سيأتى، وإيضاح المقام أن تقول: إن عموم السلب وسلب العموم النظر فيهما إنما هو للأفراد لا للجملة أعنى: الهيئة الاجتماعية، وإنما الفرق بينهما من جهة كون فرد متعلقا للنفى أو متعلقا للمنفى، فإن كان الأول فهو عموم السلب، وإن كان الثانى فهو سلب العموم، فإذا قلت: كل إنسان لم يقم فمعناه القيام انتفى عن كل فرد من أفراد الإنسان، فالقيام ملحوظ على وجه الإجمال والنفى تعلق بالأفراد بعد تعلقه بالقيام وارتباطه به، وإذا قلت: لم يقم كل إنسان انتفى، فالقيام ليس ملحوظا على وجه الإجمال، بل ملحوظ تعلقه بكل فرد، ثم إن انتفاء قيام الكل يتحقق بعدم حصوله من بعض دون بعض، وبعدم حصوله من كل واحد؛ لأنه رفع للإيجاب الكلى ورفعه يتحقق بكل من السلب الكلى والجزئى وأيّا ما كان يتحقق السلب الجزئى، ولذا تراهم يقولون إن سلب العموم من قبيل السلب الجزئى؛ لأنه هو المحقق إذا علمت ما ذكرناه ظهر لك أن قول المصنف: فإنه يفيد نفى الحكم عن جملة الأفراد، عن فيه بمعنى على أى: يفيد أن الحكم على جميع الأفراد انتفى، والمراد بالجملة الأفراد المجملة التى لم تعين بكونها كلا، أو بعضا لا الهيئة الاجتماعية- فتأمل.
(قوله: يفيد عموم السلب) أى: نفى الحكم عن كل فرد
(قوله: وشمول النفى) تفسير لما قبله؛ لأن العموم معناه الشمول والسلب معناه النفى
(قوله: لا يفيد إلا سلب العموم) إنما أتى بأداة الحصر فى الثانى دون الأول؛ لأن عموم السلب يستلزم سلب العموم؛ لأن عموم السلب من قبيل السلب الكلى وسلب العموم من قبيل السلب الجزئى، والسلب الكلى مستلزم للسلب الجزئى؛ لأن انتفاء الحكم عن كل فرد يستلزم انتفاءه عن بعض الأفراد، فلذا لم يأت فيه بأداة الحصر لئلا يقتضى أن التقديم إنما يفيد
(وذلك) أى: كون التقديم مفيدا للعموم دون التأخير (لئلا يلزم ترجيح التأكيد) وهو أن يكون لفظ كل لتقرير المعنى الحاصل قبله (على التأسيس) وهو أن يكون لإفادة معنى جديد مع أن التأسيس راجح
…
===
عموم السلب دون سلب العموم، مع أنه لازم له بخلاف سلب العموم، فإنه لا يستلزم عموم السلب لاحتمال الثبوت لبعض الأفراد؛ فلذا أتى فيه بأداة الحصر، وما قلناه من أن سلب العموم لا يستلزم عموم السلب لا ينافى ما مر، من أن سلب العموم يتحقق عند عدم حصول المحكوم به من بعض، وعند عدم حصوله من كل فرد كما هو ظاهر- فتأمل.
(قوله: وذلك) أى: وإنما كان ذلك أى تقديم المسند إليه المسور بكل على المسند المقرون بحرف النفى مفيدا لعموم السلب وتأخيره عنه مفيد السلب العموم، ولم يعكس الأمر لأجل أن ينتفى لزوم ترجيح التأكيد على التأسيس الحاصل عند انعكاس المفاد، وحاصل ما ذكره المصنف من الدليل أن تقول: لو لم يكن التقديم مفيدا لعموم النفى والتأخير مفيدا لنفى العموم، بل كان الأمر بالعكس للزم ترجيح التأكيد على التأسيس، لكن اللازم باطل؛ لأن التأسيس خير من التأكيد؛ لأن حمل الكلام على الإفادة خير من حمله على الإعادة فالملزوم مثله فقول الشارح مع أن التأسيس إلخ إشارة للاستثنائية وقوله وبيان لزوم إلخ: بيان للملازمة والشرطية، وحاصله أن تقديم المسند إليه المنكر بدون كل نحو: إنسان لم يقم لسلب العموم ونفى الشمول، وتأخير نحو: لم يقم إنسان لعموم السلب وشمول النفى فبعد دخول كل يجب أن يعكس هذا لتكون كل للتأسيس الراجح لا للتأكيد المرجوح، فإن قلت: إفادة التقديم لعموم النفى وإفادة التأخير لسلب العموم أمر لغوى، والأمور اللغوية إنما تثبت بالسماع لا بالاستدلال، فقول ذلك القائل لئلا يلزم إلخ: دليل باطل لا يفيد شيئا أجيب بأن ذلك القائل متمسك فى أصل دعواه أن المسند إليه المسور بكل تقديمه يفيد عموم السلب، وتأخيره يفيد سلب العموم باستعمال البلغاء لذلك، والاستعمال دليل اللغة، وأما قوله لئلا يلزم ترجيح التأكيد إلخ فهو بيان للسبب الباعث على هذه الطريق، وللمناسبة بين التقديم والعموم وبين التأخير وسلب العموم
(قوله: لإفادة معنى جديد) أى: لم يكن حاصلا قبله
لأن الإفادة خير من الإعادة وبيان لزوم ترجيح التأكيد على التأسيس.
أما فى صورة التقديم فلأن قولنا: إنسان لم يقم- موجبة مهملة؛ أما الإيجاب فلأنه حكم فيها بثبوت عدم القيام لإنسان لا بنفى القيام عنه لأنه حرف السلب وقع جزءا من المحمول، وأما الإهمال فلأنه لم يذكر فيها ما يدل على كمية أفراد الموضوع
…
===
(قوله: لأن الإفادة خير من الإعادة) فيه نظر؛ لأن الإعادة قد تكون متعينة فيما إذا اقتضى الحال التأكيد كما إذا كان المخاطب منكرا، وليس معه ما يزيل إنكاره، فإنه يجب التأكيد والإعادة له، وأجيب بأن كون الإفادة خيرا من الإعادة بالنظر للغالب أو بالنظر لنفس الأمر وقطع النظر عن المقامات والعوارض، إذ الأصل عدم الاعتداد بالعارض، فإن قلت ما ذكره من أن الإفادة خير من الإعادة معارض بأن استعمال كل فى التأكد أكثر، فالحمل عليه راجح، قلت: كثرة استعمالها فى التوكيد ممنوع؛ لأن استعمالها فيه مشروط بإضافتها للضمير وعدم تجردها عن العوامل اللفظية. ا. هـ عبد الحكيم.
(قوله: وبيان لزوم ترجيح إلخ) أى: وانعكس المفاد بالتقديم والتأخير بأن كان مفاد التقديم نفى العموم والشمول، ومفاد التأخير شمول النفى، وبيان مبتدأ خبره محذوف أى: نذكره لك أو ظاهر
(قوله: أما فى صورة التقديم إلخ) أى: أما لزوم الترجيح المذكور فى صورة التقديم لو انعكس المفاد بالتقديم والتأخير
(قوله: فلأن قولنا إنسان لم يقم) أى: فى المثال الأول قبل دخول كل.
(قوله: موجبة مهملة) كلامه يقتضى أنه يتعين فيها ذلك، ولا يصح أن تكون سالبة وليس كذلك، بل يصح فيها ذلك إن قدرت الرابطة بعد حرف السلب على حد قولهم فى الإنسان: ليس بكاتب إنها موجبة معدولة إن قدرت الرابطة قبل حرف السلب، وجعلت حرف السلب جزءا من المحمول وسالبة إن قدرت الرابطة. بعد حرف السلب فتكون مفيدة لسلب الربط، وأجيب بأن الرابطة لا يصح تقديرها هنا بعد حرف السلب؛ لأن لم شديدة الاتصال بالفعل فلا يجوز الفصل بينهما فتعين أن تكون موجبة معدولة
(قوله: لأن حرف السلب وقع جزءا من المحمول) أى: فهى موجبة معدولة
مع أن الحكم فيها ما صدق عليه الإنسان وإذا كان إنسان لم يقم موجبة مهملة يجب أن يكون معناه نفى القيام عن جملة الأفراد لا عن كل فرد
…
===
المحمول وهذا الذى ذكره الشارح وجه لفظى للفرق بين المعدولة والسالبة، لكنه جار فى لم يقم إنسان أيضا مع أنه سالبة على ما سيأتى، والتحقيق أن الحكم إن كان بسلب الربط فهى سالبة، وإن كان بربط السلب فهى معدولة فالمحكوم به فى إنسان لم يقم ثبوت عدم القيام إلى الفاعل فهى معدولة، وفى لم يقم إنسان سلب ثبوت القيام عن الإنسان فهى سالبة- انظر عبد الحكيم.
(قوله: مع أن الحكم إلخ) هذا تتمة الدليل على أنها مهملة ولو لم يذكره لوردت الطبيعية: كالإنسان نوع فإنه لم يذكر فيها ما يدل على كمية الأفراد، لكن ليس الحكم فيها على ما صدق عليه الإنسان من الأفراد، بل الحكم فيها على الطبيعة ومحصل الفرق بينهما أن المهملة يذكر فيها ما يدل على كمية الأفراد مع كون الحكم فيها على الماصدق أى: الأفراد، وأما الطبيعية فهى وإن كان لم يذكر فيها ما يدل على كمية الأفراد، لكن ليس الحكم فيها على الماصدق، بل على الطبيعة
(قوله: وإذا كان إنسان لم يقم إلخ) مرتبط بقوله فلأن قولنا إنسان لم يقم موجبة مهملة
(قوله: يجب أن يكون معناه نفى القيام عن جملة الأفراد) أى: عن الأفراد مجملة، وانتفاء قيام الجملة يصدق بعدم حصوله من بعض وبعدم حصوله من كل واحد، وأيّا ما كان يصدق انتفاء القيام عن البعض فهو المحقق فقول الشارح لا عن كل فرد أى فقط فلا ينافى قوله الآتى أعم من أن يكون جميع الأفراد أو بعضها، ثم إن الأولى أن يقول يجب أن يكون معناها ثبوت نفى القيام عن جملة الأفراد ليوافق ما تقدم له سابقا حيث قال حكم: فيها بثبوت عدم القيام، وإلا فنفى القيام عن جملة الأفراد ليس معنى الموجبة المهملة المعدولة المحمول، نعم هو لازم لمعناها الذى هو ثبوت عدم القيام لجملة الأفراد؛ لأنه يلزم من ثبوت عدم القيام انتفاؤه، وأجيب بأن فى الكلام حذف مضاف أى يجب أن يكون محصل معناها، أو المراد يجب أن يكون معناها أى: اللازمى لا المطابقى واختار التعبير بذلك لظهور لزوم ترجيح التأكيد على التأسيس على هذا البيان- أفاده عبد الحكيم.
(لأن الموجبة المهملة المعدولة المحمول فى قوة السالبة الجزئية) عند وجود الموضوع، نحو: لم يقم بعض الإنسان؛ بمعنى: أنهما متلازمان فى الصدق لأنه قد حكم فى المهملة بنفى القيام عما صدق عليه الإنسان أعم من أن يكون جميع الأفراد أو بعضها، وأيا ما كان يصدق نفى القيام عن البعض وكلما صدق نفى القيام عن البعض صدق نفيه
…
===
(قوله: لأن الموجبة إلخ) علة للزوم ترجيح التأكيد على التأسيس لانعكاس المفاد بالتقديم، لكن بالوسائط التى ذكرها الشارح
(قوله: لأن الموجبة المهملة) أى:
وهى التى تشتمل على ما يفيد كون المحكوم عليه بعض الأفراد أو كلها وقوله المعدولة المحمول أى: التى جعل حرف النفى جزءا من محمولها كقولنا: إنسان لم يقم.
(قوله: فى قوة السالبة الجزئية) أى: وهى التى ذكر فيها ما يدل على أن السلب عن البعض نحو: لم يقم بعض الإنسان
(قوله: عند وجود: الموضوع) دفع بهذا ما يقال:
إن السالبة الجزئية أعم من الموجبة المعدولة والمهملة؛ لأنها تصدق عند وجود موضوعها فى الخارج وعند عدمه بخلاف الموجبة المهملة، فإنها لا تصدق إلا عند وجوده، وحينئذ فكيف تكون فى قوتها، وحاصل الدفع أن المراد أنها فى قوة السالبة عند وجود موضوع السالبة كما فى هذه التى مثل بها المصنف وهذا لا ينافى أنها عند عدمه لا تكون فى قوتها، بل أعم
(قوله: بمعنى أنهما متلازمان) أى: أن معنى كون الموجبة المهملة المعدولة المحمول فى قوة السالبة الجزئية أنهما متلازمان فى الصدق أى: التحقق فكلما تحقق معنى إحداهما تحقق معنى الأخرى، ثم إن ما ذكره الشارح من تلازمهما فى الصدق بيان للواقع وإلا فيكفى فى ثبوت المدعى استلزام الموجبة المعدولة للسالبة الجزئية فقط
(قوله: نحو لم يقم بعض الإنسان) مثال للسالبة الجزئية فمعناها سلب القيام عن بعض أفراد الإنسان، وهذا المعنى يصدق عند انتفاء القيام عن بعض الأفراد دون بعض، وعند انتفائه عن كل فرد
(قوله: لأنه قد حكم فى المهملة بنفى القيام) الأولى أن يقول بثبوت عدم القيام لما تقدم من أن الحكم فيها بثبوت نفى القيام لا بنفى القيام، ويمكن أن يجاب بأن المراد بالنفى الانتفاء أى: حكم فيها بانتفاء القيام على أن النفى مصدر المبنى للمفعول،
عما صدق عليه الإنسان فى الجملة فهى فى قوة السالبة الجزئية (المستلزمة نفى الحكم عن الجملة)
…
===
وانتفاء القيام عبارة عن ثبوت عدمه، أو أن الباء فى قوله بنفى ليست داخلة على المحكوم به، بل المعنى حكم فيها بطريق نفى القيام فالحكم من حيث هو عام للنفى والإثبات أى أنه تحقق فى ضمن هذا النفى الحكم الذى هو ثبوت عدم القيام- أفاد ذلك العلامة الفنارى.
(قوله: عما صدق عليه الإنسان) أى: عن الأفراد التى يصدق أى: يحمل عليها الإنسان حمل مواطأة
(قوله: أعم من أن يكون) أى: ذلك الماصدق
(قوله: وأيّا ما كان إلخ) ما زائدة وكان تامة والتنوين عوض عن المضاف إليه أى: وأى حال ثبت وهو كون الماصدق المنفى عنه القيام جميع الأفراد أو بعضها يصدق إلخ، إلا أنه على التقدير الأول يكون بالتضمن، وعلى الثانى يكون بالمطابقة وقوله يصدق نفى القيام عن البعض أى: وهو مدلول السالبة الجزئية، فظهر من هذا ملازمة السالبة الجزئية للمهملة
(قوله: وكلما صدق إلخ) بيان لملازمة المهملة للسالبة الجزئية، فقوله: نفى القيام عند البعض أى: الذى هو مدلول السالبة الجزئية أى: كلما تحقق ذلك المدلول، وقوله صدق نفيه عما صدق عليه الإنسان أى: الذى هو مدلول الموجبة المهملة المعدولة المحمول، وكأنه قال صدقت أى: تحققت الموجبة المهملة المعدولة المحمول، وقوله فى الجملة أى: مجملا من غير تعرض لكلية أو بعضية
(قوله: فهى فى قوة إلخ) تفريع على الدليل بشقيه أى:
فظهر من هذا البيان أن الموجبة المهملة المعدولة المحمول فى قوة السالبة الجزئية بمعنى أنهما متلازمان فى التحقق
(قوله: المستلزمة) صفة للسالبة الجزئية وقوله عن الجملة عن بمعنى على متعلقة بالحكم، والمراد بالجملة الأفراد مجملة بقطع النظر عن كليتها وبعضيتها أى:
المستلزمة لكون المحكوم به على جملة الأفراد منتفيا، أو أن عن على حالها صلة للنفى أى: المستلزمة لكون المحكوم به منتفيا عن جميع الأفراد فاستلزامها لذلك على طريق رفع الإيجاب الكلى كما يشير له تقرير الشارح، وليس المراد أنها تستلزم نفى الحكم عن الهيئة الاجتماعية؛ لأنها قد تتحقق من غير النفى عن الهيئة الاجتماعية، ألا ترى إلى قولك
لأن صدق السالبة الجزئية الموجودة الموضوع إما بنفى الحكم عن كل فرد أو نفيه عن البعض مع ثبوته للبعض. وأيّا ما كان يلزمها نفى الحكم عن جملة الأفراد (دون كل فرد) لجواز أن يكون منفيا عن البعض ثابتا للبعض، وإذا كان إنسان لم يقم بدون كل معناه نفى القيام عن جملة الأفراد لا عن كل فرد، فلو كان بعد دخول كل أيضا معناه كذلك- كان كل لتأكيد المعنى الأول فيجب أن يحمل على نفى الحكم عن كل فرد ليكون كل لتأسيس معنى آخر ترجيحا للتأسيس على التأكيد.
وأما فى صورة التأخير فلأن قولنا: لم يقم إنسان سالبة مهملة لا سور فيها (والسالبة المهملة فى قوة السالبة الكلية
…
===
بعض الرجال لا يحمل الصخرة العظيمة فإنها سالبة جزئية صادقة، ولا تستلزم نفى الحمل عن الهيئة الاجتماعية- قرره شيخنا العدوى.
(قوله: لأن صدق إلخ) دليل لقول المصنف المستلزمة نفى الحكم إلخ.
(قوله: عن جملة الأفراد) أى: عن الأفراد المجملة بقطع النظر عن كليتها وبعضيتها
(قوله: دون كل فرد) أى: دون النفى عن كل فرد
(قوله: وإذا كان إنسان لم يقم إلخ) مرتبط بقوله سابقا، وإذا كان إنسان لم يقم موجبة مهملة يجب أن يكون معناه نفى القيام عن جملة الأفراد لا عن كل فرد
(قوله: معناه نفى القيام) الأولى أن يقول ثبوت عدم القيام عن الأفراد مجملة إلا أن يقال فى الكلام حذف مضاف أى: محصل معناه أو المراد معناه اللازمى لا المطابقى، إذا هو ثبوت عدم القيام ويلزمه نفى القيام
(قوله: فيجب أن يحمل إلخ) قد: يقال إن الضمير الراجع إلى النكرة نكرة كما صرح به الرضى، وحينئذ فالضمير الذى فى إنسان لم يقم فى المعنى نكرة واقعة فى سياق النفى فتكون مفيدة لعموم السلب، فلو كان الكلام بعد دخول كل له لزم ترجيح التأكيد على التأسيس، وأجيب بأن عموم الضمير يستلزم مخالفة الراجع للمرجع، وحينئذ فلا يكون ذلك الضمير عاما نحو هذا رجل لم يعلم شيئا، فالضمير فى يعلم عائد على الرجل السابق، وليس الضمير فى يعلم بمعنى كل رجل- أفاده العلامة عبد الحكيم.
(قوله: وأما فى صورة التأخير) أى: وأما بيان لزوم ترجيح التأكيد لو عكس المفاد بالتأخير والتقديم فى صورة التأخير
(قوله: لا سور فيها) تفسير لقوله مهملة
المقتضية للنفى عن كل فرد) نحو: لا شىء من الإنسان بقائم ولما كان هذا مخالفا لما عندهم من أن المهملة فى قوة الجزئية- بينه بقوله: (لورود موضوعها) أى:
موضوع المهملة (فى سياق النفى) حال كونه نكرة غير مصدرة بلفظ كل فإنه يفيد نفى الحكم عن كل فرد وإذا كان لم يقم إنسان بدون كل معناه نفى القيام عن كل فرد، فلو كان بعد دخول كل أيضا كذلك كان كل لتأكيد المعنى الأول فيجب أن يحمل على نفى القيام عن جملة الأفراد لتكون كل لتأسيس معنى آخر
===
(قوله: المقتضية للنفى عن كل فرد) إنما عبر هنا بالمقتضية وفيما مر بالمستلزمة؛ لأن السالبة الجزئية تحتمل نفى الحكم عن كل فرد، وتحتمل نفيه عن بعض وثبوته لبعض، وعلى كل تقديره، وتستلزم نفى الحكم عن جملة الأفراد، فأشار بلفظ الاستلزم إلى هذا بخلاف السالبة الكلية، فإنها تقتضى بصريحها نفى الحكم عن كل فرد، فلذا عبر فى جانبها بالمقتضية المشعر بالصراحة بخلاف الاستلزام
(قوله: ولما كان هذا) أى: الحكم بأن السالبة المهملة فى قوة السالبة الكلية، وقوله مخالفا لما عندهم أى: لما تقرر عندهم، وقوله من أن إلخ: بيان لما عندهم وهذا إشارة إلى وجه تعميم هذا الحكم بقوله لورود موضوعها فى سياق النفى وعدم تعليل كون الموجبة المهملة المعدولة المحمول فى قوة السالبة الجزئية
(قوله: بينه) أى: ذلك الحكم بقوله إلخ أى فيكون هذا مخصصا لقولهم المهملة السالبة فى قوة الجزئية، فما عندهم من أن المهملة السالبة فى قوة الجزئية إنما هو فى غير ما موضعها فى سياق النفى وهو نكرة غير مصدرة بكل، وهذا صادق بصور ثلاث ما إذا كان موضوعها معرفة نحو: الإنسان لم يقم أو نكرة ولم يتقدمه نفى نحو: إنسان لم يقم أو تقدمه نفى، ولكن كانت النكرة مصدرة بكل نحو: لم يقم كل إنسان، فالمهملة السالبة فى هذه الصور فى قوة الجزئية، وأما لو كان موضوعها نكرة غير مصدرة بكل واقعا فى سياق النفى، فإنها تكون فى قوة السالبة الكلية نحو: لم يقم إنسان
(قوله: لورود موضوعها فى سياق النفى حال كونه نكرة غير مصدرة بلفظ كل) أى: وكل نكرة كذلك فهى مفيدة لعموم النفى، وأشار الشارح بقوله حال كونه نكرة إلخ إلى أن حكم المصنف بأن ورود أو الموضوع فى حيز النفى يفيد عموم السلب مقيد بقيدين أن يكون الموضوع نكرة، وأن لا يصدر بلفظ كل، وإلا كان مفيدا لسلب العموم
(قوله: فإنه يفيد)
وذلك لأن لفظ كل فى هذا المقام لا يفيد إلا أحد هذين المعنيين، فعند انتفاء أحدهما يثبت الآخر ضرورة. والحاصل أن التقديم بدون كل لسلب العموم ونفى الشمول والتأخير لعموم السلب وشمول النفى فبعد دخول كل يجب أن يعكس هذا ليكون كل للتأسيس الراجح دون التأكيد المرجوح (وفيه نظر؛ لأن النفى عن الجملة فى الصورة الأولى) يعنى: الموجبة المهملة المعدولة المحمول، نحو: إنسان لم يقم (وعن كل فرد فى) الصورة (الثانية) يعنى: السالبة المهملة، نحو: لم يقم إنسان (إنما أفاده الإسناد
…
===
أى: النكرة فى سياق النفى أو الموضوع النكرة فى سياق النفى
(قوله: وذلك) أى: وجوب الحمل على نفى القيام عن جملة الأفراد ليكون كل للتأسيس ثابت؛ لأن لفظ كل إلخ، ودفع الشارح بهذا ما يقال إنه لا يلزم من نفى أحد هذين المعنيين ثبوت المعنى الآخر، لجواز أن يثبت معنى آخر غيرهما عند دخول كل، وحاصل الدفع أنه لم يوجد فى هذا المقام معنى آخر غير هذين، فحيث انتفى أحدهما بدخول كل ثبت الآخر معها
(قوله: فى هذا المقام) أى: مقام دخولها على المسند إليه المنكر مقدما أو مؤخرا، والحال أن المسند مقرون بحرف النفى، وقوله هذين المعنيين أى: نفى القيام عن كل فرد ونفيه عن جملة الأفراد.
(قوله: إن التقديم) أى: للمسند إليه المنكر نحو: إنسان لم يقم، (وقوله: لسلب العموم) أى: للسلب الجزئى
(قوله: التأخير) أى: للمسند إليه المنكر نحو: لم يقم إنسان، (وقوله: لعموم السلب) أى: للسلب الكلى
(قوله: وفيه نظر) أى: فيما قاله ذلك القائل نظر من حيث الدليل أعنى: قوله لئلا يلزم ترجيح التأكيد على التأسيس، فالمنصف لم يمنع شيئا من الحكم الذى ادعاه ذلك القائل، وإنما نازع فى صحة دليله، ولذا رجع بعضهم ضمير فيه لقوله: لئلا يلزم إلخ، وحاصل ما ذكره المصنف ثلاثة منوعات:
الأول: مشترك بين الصورة الأولى والثانية، وهذا المنع قد أبطله الشارح، وأما المنعان الآخران فخاصان بالصورة الثانية.
(قوله: يعنى إلخ) عبر بالعناية فى الموضوعين لكون المصنف لم يعبر فيما سبق بعنوان الصورة الأولى والصورة الثانية، فخفى المراد منهما، أو أنه أتى بالعناية هنا؛ لأن
إلى ما أضيف إليه كل) وهو لفظ إنسان (وقد زال ذلك) الإسناد المفيد لهذا المعنى (بالإسناد إليها) أى: إلى كل لأن إنسان صار مضافا إليه فلم يبق مسندا إليه (فيكون) أى: على تقدير أن يكون الإسناد إلى كل أيضا مفيدا للمعنى الحاصل من الإسناد إلى إنسان يكون كل (تأسيسا لا تأكيدا) لأن التأكيد لفظ يفيد تقوية ما يفيده لفظ آخر، وهذا ليس كذلك؛ لأن هذا المعنى حينئذ إنما أفاده الإسناد إلى لفظ كل لا شىء آخر حتى يكون كل تأكيدا له، وحاصل هذا الكلام أنا لا نسلم أنه لو حمل الكلام بعد كل على المعنى الذى حمل عليه قبل كل كان كل للتأكيد،
…
===
الصورة الأولى فى كلام المصنف محتملة لها مع كل وبدونها، والمراد الثانى، فلذا قال يعنى، وكذا يقال فيما بعده.
(قوله: إلى ما أضيف إليه كل) أى: فى التركيب الآخر الذى لم يؤت فيه بكل
(قوله: وقد زال ذلك بالإسناد إليها) الضمير عائد على كل وأنثه لكون المراد اللفظة أو لتأويلها بالكلمة، أو الأداة أى: وشرط التوكيد أن يكون الإسناد واحدا وما هنا إسنادان؛ لأن قولنا: إنسان لم يقم غير كل إنسان لم يقم، واعترض بأن هذا الرد لا يناسب قواعد المنطقيين؛ لأن الموضوع عندهم ما أضيف إليه كل، ولفظ كل سور فقط، وحينئذ فليس هنا إسنادان، وعليه فتكون كل تأكيدا إن حمل الكلام على المعنى الأول قبل دخولها أو تأسيسا إن حمل على خلافه؛ لأن الإسناد واحد، وقد يجاب بأن المصنف بنى كلامه فى النظر على اصطلاح النحويين، لكن أنت خبير بأن المستدل بنى كلامه على اصطلاح المناطقة ألا ترى لما تقدم فى صدر المبحث من قوله قد يقدم المسند إليه المقرون بكل- قرره شيخنا العلامة العدوى.
(قوله: لأن التأكيد) أى: الاصطلاحى فحذف الصفة للعلم بها.
(قوله: لفظ يفيد تقوية ما يفيده لفظ آخر) أى: فى تركيب واحد وإسناد واحد: كجاء القوم كلهم، فلفظ كلهم يفيد تقوية ما يفيده القوم، وما هنا ليس كذلك
(قوله: وهذا) أى: لفظ كل ليس كذلك
(قوله: لأن هذا المعنى) أى: وهو النفى عن كل فرد فى الصورة الثانية، والنفى عن الجملة فى الصورة الأولى، وقوله حينئذ أى: حين حول الإسناد إلى لفظ كل
(قوله: وحاصل هذا الكلام) أى: النظر أنا لا نسلم أنه لو
ولا يخفى أن هذا إنما يصح على تقدير أن يراد التأكيد الاصطلاحى، أما لو أريد بذلك أن يكون كل لإفادة معنى كان حاصلا بدونه فاندفاع المنع ظاهر، وحينئذ يتوجه ما أشار إليه بقوله:(ولأن) الصورة (الثانية) يعنى: السالبة المهملة، نحو:
لم يقم إنسان (إذا أفادت النفى عن كل فرد فقد أفادت النفى عن الجملة، فإذا حملت) كل (على الثانى) أى: على إفادة النفى عن جملة الأفراد حتى يكون معنى: لم يقم كل إنسان- نفى القيام عن الجملة لا عن كل فرد (لا يكون) كل (تأسيسا) بل تأكيدا لأن هذا المعنى كان حاصلا بدونه، وحينئذ فلو جعلنا لم يقم كل إنسان لعموم السلب مثل: لم يقم إنسان- لم يلزم ترجيح التأكيد على التأسيس إذ لا تأسيس أصلا، بل إنما يلزم ترجيح أحد التأكيدين على الآخر.
===
حمل إلخ: أى: لأنه ليس هناك لفظان فى تركيب واحد أكد أحدهما الآخر، بل الموجود إسنادان: إسناد إلى كل، وإسناد إلى إنسان فلا تأكيد حتى يلزم ترجيحه على التأسيس
(قوله: ولا يخفى أن هذا) أى: المنع المشار له يقول المصنف- وفيه نظر.
(قوله: أما لو أريد بذلك) أى: بالتوكيد
(قوله: كان حاصلا بدونه) أى: سواء كان الاسناد واحدا أو متعددا
(قوله: فاندفاع المنع) أى: الذى هو حاصل تنظير المصنف.
(قوله: وحينئذ) أى: وحين إذ كان المنع المذكور مندفعا
(قوله: يتوجه) أى:
عليه ما أشار إليه بقوله أى: فقط دون البحث السابق فمحط الفائدة ذلك المحذوف وهو قولنا فقط
(قوله: فقد أفادت) أى: لزم إفادتها النفى عن الجملة الصادق بالنفى عن كل فرد، والنفى عن بعض الأفراد، ووجه اللزوم أن الخاص يستلزم العام
(قوله: فإذا حملت كل) أى: بعد دخولها
(قوله: حتى يكون) أى: بحيث يكون فحتى للتفريع
(قوله: بل تأكيدا) أى: للمعنى المفاد بطريق اللزوم
(قوله: لأن هذا المعنى) أى: نفى القيام عن الجملة
(قوله: كان حاصلا بدونه) أى: بدون كل
(قوله: وحينئذ) أى: وحين إذ كان هذا المعنى وهو النفى عن الجملة حاصلا بدون كل
(قوله: لم يلزم ترجيح التأكيد على التأسيس) أى: كما ادعاه صاحب القيل السابق
(قوله: إذ لا تأسيس أصلا) لأن لفظة كل للتأكيد على كل حال
(قوله: بل إنما يلزم ترجيح أحد التأكيدين) أى وهما تأكيد
وما يقال: إن دلالة لم يقم إنسان على النفى عن الجملة بطريق الالتزام، ودلالة لم يقم كل إنسان عليه بطريق المطابقة فلا يكون تأكيدا- ففيه نظر؛ إذ لو اشترط فى التأكيد اتحاد الدلالتين
…
===
النفى عن كل فرد، وتأكيد النفى عن الجملة، وحاصله أنه إذا كان كل من النفى عن كل فرد والنفى عن الجملة مفادا قبل دخول كل، فبعد دخول كل تكون للتأكيد سواء كانت للنفى عن كل فرد، أو عن جملة الأفراد، فإن جعلناها للنفى عن كل فرد- وهو عموم السلب- لزم ترجيح أحد التأكيدين وهو تأكيد النفى عن كل فرد على التأكيد الآخر وهو النفى عن جملة الأفراد، وإن جعلناها للنفى عن جملة الأفراد- وهو سلب العموم- لزم ترجيح أحد التأكيدين وهو النفى عن جملة الأفراد على التأكيد الآخر وهو النفى عن كل فرد، وحينئذ فلا يصح قول المستدل إنه يجب أن يحمل على النفى عن الجملة؛ لأنه لو حمل على النفى عن كل فرد للزم عليه ترجيح التأكيد على التأسيس، إذ لا تأسيس أصلا
(قوله: وما يقال) أى: من طرف ابن مالك جوابا عن اعتراض المصنف عليه، وحاصل اعتراض المصنف، أنا لا نسلم أنه لو حمل كل على الثانى وهو النفى عن الجملة يكون تأسيسا بل هو تأكيد، وحاصل ذلك الجواب إن لم يقم إنسان مدلوله المطابقى نفى الحكم عن كل فرد، وأما النفى عن الجملة فهو لازم له؛ لأن السلب الكلى يستلزم رفع الإيجاب الكلى فلو قلنا مدلوله بعد كل النفى عن الجملة كان مدلولا مطابقيا، فالنفى عن الجملة بعد كل مدلول مطابقى والتزامى قبلها، وحينئذ فلا يكون حمل لم يقم كل إنسان على نفى الجملة تأكيد العدم اتحاد الدلالتين
(قوله: إذ لو اشترط إلخ) حاصل ذلك الرد أن اشتراط اتحاد الدلالتين فى التأكيد وإن نفع هنا، لكن يعكر عليه ما سبق فلم يكن حاسما لمادة الشبهة بالكلية، وتوضيحه أن ذلك القائل يقول: إن إنسان لم يقم لنفى الحكم عن الجملة، فإذا دخلت كل، يجب أن تكون لنفى الحكم عن كل فرد، ولا تجعل لنفى الحكم عن الجملة مثل: إنسان لم يقم إذ لو جعل مثله للزم ترجيح التأكيد على التأسيس، فلو كان هذا القائل يشترط فى التأكيد اتحاد الدلالتين لورد عليه أن إنسان لم يقم معناه المطابقى ثبوت النفى عن إنسان ما، أى عن
لم يكن كل إنسان لم يقم على تقدير كونه لنفى الحكم عن الجملة تأكيدا لأن دلالة إنسان لم يقم على هذا المعنى التزام (ولأن النكرة المنفية إذا عمت كان قولنا: لم يقم إنسان سالبة كلية لا مهملة) كما ذكره هذا القائل؛ لأنه قد بين فيها أن الحكم مسلوب عن كل واحد من الأفراد، والبيان لا بد له من مبين ولا محالة هاهنا شىء يدل على أن الحكم فيها على كلية أفراد الموضوع، ولا نعنى بالسور سوى هذا
…
===
بعض مبهم، ويلزمه النفى عن الجملة، فدلالة إنسان لم يقم على نفى الحكم عن الجملة بطريق الالتزام فعلى فرض لو جعلنا كل إنسان لم يقم لنفى الحكم عن الجملة لم يلزم ترجيح التأكيد على التأسيس؛ لأن دلالة كل إنسان لم يقم على هذا المعنى وهو النفى عن الجملة بالمطابقة لا بالتزام فيلزمه أن يكون ليس هذا من باب التوكيد مع أن هذا القائل جعله من باب التوكيد، فدل هذا على أن ذلك القائل لا يشترط فى التأكيد اتحاد الدلالتين
(قوله: لم يكن إلخ) أى: وقد جعل فيما سبق تأكيدا فهذا الجواب، وإن نفعه هنا لا ينفعه فيما تقدم
(قوله: لنفى الحكم) أى: لثبوت نفى الحكم عن الجملة.
(قوله: على هذا المعنى) أى: النفى عن الجملة وقوله التزام أى: لأن مدلوله المطابقى ثبوت النفى عن إنسان ما ويلزمه النفى عن الجملة.
(قوله: ولأن النكرة إلخ) هذه مناقشة لفظية مع صاحب القيل فى التسمية فقط، واعترض عليه بمخالفة اصطلاح القوم والمناقشة واردة على قوله؛ لأن السالبة المهملة فى قوة الكلية لورود موضوعها إلخ، وحاصله أن النكرة المنفية إذا عمت كانت القضية المحتوية عليها سالبة كلية لا مهملة، فتسمية ذلك القائل لها مهملة لا يصح فمحط المنع تسمية الصورة الثانية سالبة مهملة فقوله كما ذكره هذا القائل راجع للنفى
(قوله: لأنه قد بين فيها) أى: فى القضية التى وقع موضوعها نكرة منفية عامة، وقوله: من الأفراد أى: من أفراد الموضوع أى: وكل قضية كذلك فهى سالبة كلية لا مهملة.
(قوله: والبيان) أى: بيان أن الحكم مسلوب عن كل فرد، وقوله لا بد له من مبين بصيغة اسم الفاعل، وقوله ولا محالة أى: وقطعا هاهنا شىء يدل إلخ أى: وهو وقوع النكرة فى حيز
وحينئذ يندفع ما قيل: سماها مهملة باعتبار عدم السور، وقال (عبد القاهر (1): إن كانت) كلمة (كل داخلة فى حيز النفى
…
===
النفى، وقوله سوى هذا أى سوى الشىء الدال على كمية الأفراد لا خصوص لا شىء ولا واحد مثلا فى السلب الكلى، بل المراد بالسور ما يشمل قرينة الحال ووقوع النكرة فى حيز النفى، وقول بعض المناطقة: إن السور هو اللفظ الدال على كمية الأفراد، فهو إما تعريف للسور اللفظى أو مراده اللفظ المذكور وما يقوم مقامه
(قوله: وحينئذ) أى:
وحين إذ أردنا بالسور ما يدل على كمية الأفراد، وإن لم يكن لفظا يندفع ما قيل اعتذارا عن صاحب القيل فى تسميتها مهملة، وحاصله أن قول المعترض وهو المصنف هذه القضية أعنى لم يقم إنسان قد بين فيها أن الحكم مسلوب عن كل واحد من أفراد الموضوع وكل ما هو كذلك فهى سالبة كلية لا مهملة كبراه ممنوعة، إذ لا نسلم أن ما بين فيها أن الحكم مسلوب عن كل فرد من أفراد الموضوع سالبة كلية، بل لا تكون كذلك إلا إذا كان فيها لفظ يدل على ذلك ولم يوجد هنا لفظ دال على ذلك فتسميتها مهملة لعدم السور، وحاصل دفع ذلك الاعتراض أنا لا نسلم أن القضية التى بين فيها أن الحكم مسلوب عن كل واحد من أفراد الموضوع لا تكون سالبة كلية إلا إذا وجد لفظ يدل على ذلك؛ لأن الموجود فى كتب القوم أن المهملة هى التى يكون موضوعها كليا، وقد أهمل فيها بيان كمية أفراد الموضوع أى: لم يبين فيها أن الإيجاب أو السلب لكل أفراد الموضوع أو بعضها والكلية هى التى بين فيها أن الحكم على كل أفراد الموضوع سواء كان البيان بلفظ دال على ذلك أو بغيره كوقوع النكرة فى سياق النفى.
(قوله: وقال عبد القاهر) عطف على قوله قيل، وقد يقدم، إن قلت ما ذكره الشيخ عبد القاهر هو عين ما ذكره صاحب القيل السابق، وحينئذ فما فائدة إعادته؟
قلت: فائدة ذلك الإشارة إلى أن ما ذكره صاحب القيل السابق حق، وأن الباطل دليله، وأنه لا يلزم من بطلان الدليل بطلان المدلول- كذا أجيب، وفى ذلك الجواب نظر؛ لأن
(1) انظر دلائل الإعجاز ص 186.
بأن أخرت عن أداته) سواء كانت معمولة لأداة النفى أو لا، وسواء كان الخبر فعلا (نحو:
ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه)
…
تجرى الرياح بما لا تشتهى السّفن (1)
أو غير فعل: نحو: قولك: ما كل متمنى المرء
…
===
هذا معلوم من تخصيص الدليل بالاعتراض على أنه يمكن التنبيه على ذلك بعبارة مختصرة بأن يقول وإليه ذهب عبد القاهر، أو وهو صحيح، فالأولى الجواب بأن ما ذكره الشيخ مخالف لما ذكره صاحب القيل؛ لأن تقديم النفى على كل كما فى لم يقم: كل إنسان يفيد النفى عن الجملة عند صاحب القيل وهو صادق بالنفى عن كل فرد وبالنفى عن البعض فقط، ويفيد النفى عن بعض الأفراد والثبوت للبعض الآخر عند الشيخ كما سيأتى فبينهما العموم والخصوص، فلا يرد السؤال من أصله على أن فى كلام الشيخ عبد القاهر تعميمات وتفصيلات، وأمثلة ليست فى كلام صاحب القيل السابق، إذ كلام صاحب القيل السابق فيما إذا كانت كل مسند إليها وكلام الشيخ عبد القاهر أعم من ذلك كما ستقف عليه فلو سلم عدم المخالفة كان فى إعادته هذه الفوائد الآتية
(قوله: بأن أخرت) أى: لفظا أو رتبة وقد مثل المصنف للثانى فيما يأتى بقوله كل الدراهم لم آخذ
(قوله: أو لا) أى: بأن كانت معمولة للإبتداء
(قوله: ما كل إلخ) يحتمل أن تكون ما حجازية وأن تكون تميمية، فعلى الأول تكون كل معمولة لأداة النفى لا على الثاني؛ لأنها عليه معمولة لعاملها وهو الإبتداء وهاتان صورتان أعنى: ما إذا كانت معمولة لأداة النفى أو غيره معمولة وعلى كل حال الخبر فعل
(قوله: تجرى الرياح إلخ) هذا دليل على ما ادعاه فى الشطر الأول؛ وذلك لأن كون أرباب السفن يشتهون جريان الريح لسمتهم (2) مع السلامة معلوم، وربما جاءت الرياح مخالفة لشهوتهم
(1) البيت للمتنبى من قصيدة مطلعها:
بم التعلّل لا أهل ولا وطن
…
... ولا نديم ولا كأس ولا سكن
ويروى بلفظ (تأتى) بدل (تجرى). انظر البيت فى التبيان، ودلائل الإعجاز/ 248، وشرح المرشدى على عقود الجمان 1/ 88.
(2)
كذا بالمطبوعة، ولعلها: لسفنهم.
حاصلا (أو معمولة للفعل المنفى) الظاهر أنه عطف على داخلة؛ وليس بسديد؛ لأن الدخول فى حيز النفى شامل لذلك وكذا لو عطفتها على أخرت بمعنى: أو جعلت معمولة لأن التأخير عن أداة النفى أيضا
…
===
بالجريان لما فيه عطبهم أو مشقتهم فلم يدركوا ما يشتهون، إلا أن قوله تجرى إلخ: يفيد أن جريانها آت بشىء مخالف لشهوتهم مع أن المراد أن جريانها قد يكون مخالفا لشهواتهم الجريان مع السلامة، وحينئذ فلا معنى لقوله: تجرى الرياح بما لا تشتهى السفن، قلت: المراد أنها تجرى مع الحالة التى تخالف شهوتهم وهى كونها ذاهبة بهم إلى عكس المراد، فالباء بمعنى:
مع، وما: واقعة على حالة، ثم إن إسناد الشهوة للسفن مجاز عقلى أى: أهل السفن. واعلم أن قوله تجرى إلخ قضية مهملة فى قوة الجزئية، فاندفع ما يقال: إن هذا من باب عموم السلب وهو مخالف لما يفيده قوله ما كل إلخ، فلا يصح أن يكون دليلا له- فتأمل.
(قوله: حاصلا) بالنصب على أن ما حجازية، ويصح الرفع على أنها تميمية والخبر على كل حال اسم، فهاتان صورتان أعنى ما إذا كانت كل معمولة لأداة النفى أو غير معمولة والخبر فيهما اسم
(قوله: أو معمولة للفعل) أى: أو الوصف بدليل ما يأتى
(قوله: الظاهر) أى: المتبادر وإنما كان هذا متبادرا؛ لأنه عطف صفة على مثلها
(قوله: وليس بسديد) أى: لما فيه من عطف الخاص على العام بأو وهو ممنوع
(قوله: لأن الدخول فى حيز النفى شامل لذلك) أى: ولا يضر فى شموله لذلك تفسيره بقوله بأن أخرت عن أداته، والحال أن المعمولة للفعل قد تكون متقدمة على الفعل، وعلى النافى لما تقدم أن المراد بالتأخير ما يشمل التأخير الحكمى أى الرتبى.
(قوله: وكذا لو عطفتها إلخ) أى: ليس بسديد أيضا
(قوله: بمعنى أو جعلت معمولة) يحتمل أن المراد أن معمولة بمعنى جعلت معمولة فهو اسم يشبه الفعل معطوف على فعل، ويحتمل أن جعلت المقدر هو المعطوف حذف وبقى معموله، وهو الذى صرح به فى المطول مقتصرا عليه، لكن يرد على هذا الثانى أن فيه فسادا آخر؛ وذلك لأن حذف العامل المعطوف وإبقاء معموله من خواص الواو كما فى قول الشاعر:
علفتها تبنا وماء باردا
شامل له، اللهم إلا أن يخصص التأخير بما إذا لم تدخل الأداة على فعل عامل فى كل ما يشعر به المثال، والمعمول أعم من أن يكون فاعلا أو مفعولا أو تأكيدا لأحدهما أو غير ذلك (نحو: ما جاء القوم كلهم) فى تأكيد الفاعل (أو ما جاء كل القوم) فى الفاعل. وقدم التأكيد على الفاعل لأن كلا أصل فيه (أو لم آخذ كل الدراهم) فى المفعول المتأخر (أو كل الدراهم لم آخذ) فى المفعول المتقدم
===
كما ذكره فى الخلاصة بقوله، وهى انفردت بعطف عامل إلخ
(قوله: شامل له) أى: لأن تأخيرها عن أداة النفى صادق بأن تكون معمولة للفعل أو لا فالأول نحو ما أخذت كل الدراهم، والثانى نحو: ما كل متمنى المرء حاصل
(قوله: اللهم إلخ) أى:
وعلى هذا يصح عطفه على كل من داخله وأخرت
(قوله: بما إذا لم تدخل الأداة على فعل عامل فى كل) أى: والمعنى بأن أخرت عن أداة النفى الغير الداخلة على الفعل العامل فيها، أو جعلت معمولة للفعل المنفى هذا على تقدير عطف معمولة على أخرت والمعنى على تقدير عطفها على داخلة إن كانت كل داخلة فى حيز النفى بأن أخرت عن أداة النفى الغير الداخلة على الفعل العامل فيها، أو كانت معمولة للفعل المنفى، وإذا خص التأخير فقد خص الدخول؛ لأنه تصوير للدخول
(قوله: أو تأكيدا) أى: لأن العامل فى المتبوع عامل فى التابع إلا فى البدل
(قوله: أو غير ذلك) أى: ككونها مجرورة أو ظرفا نحو ما مررت بكل القوم أو ما سرت كل اليوم
(قوله: وقدم التأكيد) أى: قدم المصنف المثال الذى فيه كل توكيدا على المثال الذى فيه كل فاعلا مع أن المناسب تقديم المثال الذى وقعت فيه كل فاعلا؛ لأن الكلام فى تمثيل كون كل معمولة، والفاعل اللفظى عمل الفعل فيه أظهر من عمله فى التأكيد
(قوله: لأن كلا أصل فيه) أى: فى التأكيد لا فى الفاعل، وهذا لا ينافى أن الفاعل أصل فى نفسه وإن غير كل من أدوات التأكيد أصول فيه أيضا، فاندفع ما يقال إن ظاهره يقتضى أن كلا أصل فى التأكيد وإن غيرها كأجمعين فرع عنها، وليس كذلك.
(قوله: أو كل الدراهم لم آخذ) هذا ونحوه لا ينافى قوله السابق بأن أخرت عن أداته بناء على قول الشارح السابق اللهم إلخ؛ لأنه حينئذ يكون مثالا لقول المصنف
وكذا لم آخذ الدراهم كلها، أو الدراهم كلها لم آخذ ففى جميع هذه الصور (توجه النفى إلى الشمول خاصة) لا إلى أصل الفعل (وأفاد) الكلام (ثبوت الفعل أو الوصف لبعض) مما أضيف إليه كل- إن كانت كل فى المعنى فاعلا للفعل أو الوصف المذكور فى الكلام (أو) أفاد (تعلقه) أى: تعلق الفعل أو الوصف (به) أى: ببعض مما أضيف إليه كل إن كانت فى المعنى مفعولا للفعل أو الوصف؛ وذلك بدليل الخطاب، وشهادة الذوق والاستعمال
…
===
أو معموله، وأما على البناء على غير هذا التوجيه، فالمراد التأخير الرتبى لا اللفظى
(قوله: وكذا لم آخذ إلخ) أشار إلى أن المصنف ترك مثالى التأكيد اعتمادا على فهمها مما سبق.
(قوله: توجه إلخ) جواب الشرط فى قوله إن كانت داخلة إلخ، فقول الشارح ففى جميع إلخ: حل معنى لا حل إعراب
(قوله: وأفاد ثبوت الفعل) أى: ثبوت مدلوله، وكذا قوله، أو الوصف نحو: ما كل الدراهم مأخوذة، ففى الكلام توسع بإقامة الدال مقام المدلول، فاندفع ما يقال إن أراد بالفعل الفعل المصطلح عليه فلا ثبوت له إلا على طريق التجوز، وإن أراد به الحدث فلا حاجة لقوله أو الوصف، ثم إن إفادة ثبوت الفعل بطريق مفهوم المخالفة وهو المعبر عنه بدليل الخطاب فى كلام الشارح الآتى، ولو قال المصنف وأفاد ثبوت الحكم بدل قوله الفعل أو الوصف لكان أولى ليشمل ما إذا كان الخبر اسما جامدا نحو: ما كل سوداء تمرة وما كل بيضاء شحمة؛ لأن تمرة وشحمة يصدق على كل أنه محكوم به ولا يصدق عليه أنه فعل أو وصف
(قوله: فى المعنى فاعلا) أى: سواء كانت فاعلا فى اللفظ أيضا أو لا بأن كانت توكيدا فى اللفظ للفاعل.
(قوله: أو أفاد تعلقه إلخ) إطلاق الثبوت على نسبة الفعل، أو الوصف للفاعل، والتعلق على نسبة أحدهما للمفعول اصطلاح شائع- كما فى ابن يعقوب.
(قوله: إن كانت كل فى المعنى مفعولا إلخ) أى: سواء كانت مفعولا فى اللفظ أيضا أو لا بأن كانت توكيدا للمفعول، وقوله أو الوصف نحو: ما أنا آخذ كل الدراهم
(قوله: وذلك) أى: ثبوت الفعل أو الوصف وتعلقهما بالبعض بدليل الخطاب أى: مفهوم
والحق أن هذا الحكم أكثرى لا كلى بدليل قوله تعالى: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ، وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (وإلا) أى: وإن لم تكن داخلة فى حيز النفى بأن قدمت على النفى لفظا،
…
===
المخالفة مثلا: ما جاء القوم كلهم منطوقه نفى المجىء عن الكل فيفهم منه ثبوت مجىء البعض بطريق مفهوم المخالفة
(قوله: والحق أن هذا الحكم) أعنى: توجه النفى للشمول وثبوت الفعل أو الوصف للبعض عند وقوع كل فى حيز النفى
(قوله: لا كلى) أى:
لأنه قد يتوجه النفى عند وقوع كل فى حيزه إلى الفعل ويكون القصد نفيه عن كل فرد بدليل إلخ، وقد يقال إن كلام الشيخ عبد القاهر مبنى على أصل الوضع، وإفادة هذه الآيات لشمول النفى ليس من أصل الوضع، وإنما هو بواسطة القرائن والأدلة الخارجية وهى تحريم الاختيال وتحريم الكفر وتحريم إطاعة الخلاف المهين، فالآيات مصروفة عن الظاهر بهذه الأدلة الخارجية؛ لأن محل العمل بمفهوم المخالفة ما لم يعارضه معارض، حتى إنه لو لم يلاحظ الدليل كان مفادها سلب العموم، على أنه قد يقال: إن هذه الآيات لا دلالة فيها على أن وقوع كل فى حيز النفى قد يفيد نفى الفعل عن كل فرد لجواز أن يعتبر فيها دخول كل بعد النفى لا قبله فيكون قيدا فى النفى لا فى المنفى فيكون من شمول النفى؛ لأن القيد إذا لوحظ بعد المنفى كان قيدا فيه لا فى المنفى فيكون النفى نفيا مقيدا لا نفى قيد- فتأمل. اهـ سم.
(قوله: كل مختال) أى: متكبر معجب، وقوله: فخور أى: كثير الفخر على الناس بغير حق
(قوله: كل كفار) أى: جاحد بتحريم الزنا، وقوله: أثيم أى: كثير الإثم.
كذا فى الفنرى.
(قوله: كل حلاف) أى: كثير الحلف فى الحق والباطل، وقوله: مهين أى: قليل الرأى والتمييز، أو حقير عند الناس لأجل كذبه- كذا فى الفنرى.
وأورد الشارح هذه الآية وإن لم تكن من قبيل النفى الذى الكلام فيه إشارة إلى أن النهى كالنفى فى الحكم السابق
(قوله: بأن قدمت على النفى إلخ) فيه إشارة إلى أن النفى المستفاد من لفظه، وإلا متوجه إلى القيد أعنى: الدخول فى حيز النفى فيفيد
ولم تقع معمولة للفعل المنفى (عم) النفى كل فرد مما أضيف إليه كل وأفاد نفى أصل الفعل عن كل فرد (كقول النبى عليه الصلاة والسلام لما قال له ذو اليدين) اسم رجل من الصحابة (أقصرت الصلاة) بالرفع فاعل أقصرت (أم نسيت يا رسول الله-
…
===
وجود النفى فى الكلام مع تقدم كل عليه، ولا يرد أن انتفاء الدخول فى حيز النفى قد يكون بانتفاء النفى من الكلام أصلا، فلا يصح حينئذ بقاء قوله عم النفى على إطلاقه
(قوله: ولم تقع معمولة إلخ) قيد به ليخرج كل الدراهم لم آخذ فإنها مقدمة على النفى، لكنها معمولة للفعل المنفى، ولو زاد ورتبة بعد قوله لفظا لاستغنى عن قوله: ولم تقع إلخ- تأمل.
(قوله: اسم رجل إلخ) المراد بالاسم اللقب أى: أنه لقب لرجل من الصحابة اسمه الخرباق، أو العرباض بن عمرو وهو بكسر الخاء فى الأول، والعين فى الثانى، وإنما لقب بذى اليدين لطول كان فى يديه، وقيل لأنه كان أضبط أى: يعمل بكلتا يديه على السواء
(قوله: أقصرت الصلاة) أى: الظهر أو العصر كما فى رواية مسلم والبخارى، والقول بأنها إحدى العشاءين: وهم نشأ من لفظ الحديث، حيث وقع فيه إحدى صلاتى العشاء، والمراد إحدى صلاتى وقت العشاء وهو من الزوال للغروب، ولفظ الحديث من رواية أبى هريرة: صلى بنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتى العشاء فى الحضر وسلم من ركعتين، فقام ذو اليدين وقال أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله، فقال كل ذلك لم يكن، فقال ذو اليدين بعض ذلك قد كان فأقبل النبى صلى الله عليه وسلم على القوم وفيهم أبو بكر وعمر، فقال: أحق ما يقوله ذو اليدين، فقالا: نعم فقام عليه الصلاة والسلام وأتم الصلاة ثم سجد سجدتين للسهو.
(قوله: بالرفع) أى: لا بالنصب بجعل أقصرت: كأكرمت فاعله ضمير النبى
(قوله: فاعل) أى: لا نائب فاعل بجعل أقصرت مبنيا للمجهول، وإنما أتى بهذا الضبط دفعا لما يتوهم أن الصلاة مفعول أقصرت بجعله: كأكرمت لمناسبته لقوله:
أم نسيت، أو نائب فاعل بجعل أقصرت مبنيا للمفعول، إذ هذا لم يثبت عند الشارح رواية
كل ذلك لم يكن) (1) هذا قول النبى عليه الصلاة والسلام؛ والمعنى: لم يقع واحد من القصر والنسيان على سبيل شمول النفى وعمومه لوجهين؛ أحدهما: أن جواب أم- إما بتعيين أحد الأمرين أو
…
===
(قوله: كل ذلك لم يكن) فيه دليل على أن من قال ناسيا لم أفعل وكان قد فعله أنه غير كاذب؛ لأن كلام الناس ليس بصدق ولا كذب- قاله الكرمانى، إن قيل لا جائز أن يكون المراد كل ذلك لم يكن فى نفس المراد؛ لأنه يلزم الكذب فى حقه- عليه الصلاة والسلام؛ لأن بعضه قد كان فى نفس الأمر، والكذب عليه لا يجوز، وإن أريد فى ظنى لم يصح رد ذى اليدين عليه بقوله، بل بعض ذلك قد كان؛ وذلك لأنه لا اطلاع له على ما فى ظن النبى حتى يقول له بعض ذلك قد كان فى ظنك، فتعين أن المراد بل بعض ذلك قد كان فى نفس الأمر، وإذا كان المراد ذلك فلا يحسن أن يكون كلام ذى اليدين ردا لقوله كل ذلك لم يكن فى ظنى لعدم اتحاد المحمول؛ لأن المحمول المنفى فى كلام النبى الكون فى ظنه والمحمول المثبت فى كلام ذى اليدين الكون فى نفس الأمر، وإذا لم يتحد المحمول فلا تناقض فلا يصح الرد، وأجيب بأن المراد كل ذلك لم يكن فى نفس الأمر بحسب ظنى، فبين ذو اليدين أن الظن لم يطابق نفس الأمر، واعترض بأن ظن الخطأ نقص ولا يجوز عليه- عليه الصلاة والسلام وأجيب بأن ظن الخطأ وكذلك النسيان إنما يكونان نقصا فى حقه إذا كان بسبب اشتغال القلب بأمور الدنيا، وأما إذا كانا من الله لأجل تبين الأحكام للأمة فلا يكونان نقصا وإلى هذا يشير قوله- عليه الصلاة والسلام فى الحديث: إنى لا أنسى، ولكن أنسى لأسن أى: ليس من طبعى النسيان كما هو طبع من لا يتحافظ بشغل الفكر بأمور الدنيا، ولكن أنسى بشغل الفكر بالله لأشرع. قرر ذلك شيخنا العلامة العدوى، عليه سحاب الرحمة والرضوان.
(قوله: هذا قول النبى إلخ) هذا إيضاح فإن كونه قوله- عليه الصلاة والسلام معلوم من قوله كقول النبى إلخ
(قوله: لوجهين) علة لكون المعنى لم يقع واحد من القصر
(1) رواه البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة، وجاء فى" الإصابة" (2/ 108): أن ذا اليدين هو الخرباق السلمى.
بنفيهما جميعا تخطئة للمستفهم لا بنفى الجمع بينهما لأنه عارف بأن الكائن أحدهما، والثانى: ما روى أنه لما قال النبى عليه الصلاة والسلام: " كل ذلك لم يكن"- قال له ذو اليدين: بعض ذلك قد كان، ومعلوم أن الثبوت للبعض إنما ينافى النفى عن كل فرد، لا النفى عن المجموع (وعليه) أى: على عموم النفى عن كل فرد (قوله) أى: قول أبى النجم:
(قد أصبحت أمّ الخيار تدّعى
…
علىّ ذنبا كلّه لم أصنع) (1)
===
والنسيان، ومما يدل على هذا المعنى أيضا ما ورد فى بعض الطرق لم أنس ولم تقصر، وخير ما فسرته بالوارد
(قوله: ونفيهما جميعا) أى: وليس فى جوابه- صلى الله عليه وسلم تعيين لأحد الأمرين، فلزم أن مراده نفى كل منهما
(قوله: تخطئة للمستفهم) أى:
فى اعتقاده الثبوت لأحدهما
(قوله: لا ينفى الجمع بينهما لأنه) أى: المستفهم عارف أى معتقد ثبوت أحدهما، وإذا كان كذلك فلا يصح أن يجاب به؛ لأنه لم يفده فائدة، والحاصل أنه إذا قيل أزيد قام أم عمرو، فإنه يجاب بتعيين أحدهما بأن يقال قام عمرو أو بنفى كل منهما بأن يقال لم يقم واحد منهما، ولا يجاب بنفى الجمع بأن يقال لم يقوما معا، بل القائم أحدهما؛ لأن هذا الجواب لا يفيد السائل شيئا؛ لأنه عالم أن أحدهما قائم ولا يعلم عينه، فكذلك هنا لا يصح أن يكون مراد النبى لم يقعا جميعا أى: بل الواقع أحدهما؛ لأنه لا يصلح جوابا
(قوله: إن الثبوت للبعض) أى: الذى هو موجبة جزئية، وقوله إنما ينافى أى يناقض النفى عن كل فرد أى: الذى هو السالبة الكلية.
(قوله: لا النفى عن المجموع) أى: عن الهيئة الاجتماعية الذى هو سلب جزئى وحينئذ (فذو اليدين) إنما قال للنبى، بل بعض ذلك قد كان لعلمه أن النبى- صلى
(1) البيت لأبى النجم فى المصباح/ 144، أسرار البلاغة 2/ 260، المفتاح 393، الإشارات والتنبيهات/ 25، دلائل الإعجاز/ 278، خزانة الأدب 1/ 359، نهاية الإيجاز ص 182، شرح المرشدى على عقود الجمان 1/ 53، الأغانى 23/ 36. ويقول عبد القاهر فى تعليقه على البيت: إنه أراد أنها تدّعى عليه ذنبا لم يصنع منه شيئا البتة لا قليلا ولا كثيرا، ولا بعضا ولا كلا، والنصب يمنع من هذا المعنى ويقتضى أن يكون قد أتى المذنب بالذنب الذى ادعته بعضه، وذلك أنا إذا تأملنا وجدنا إعمال الفعل فى" كل" والفعل منفى لا يصلح أن يكون إلا حيث يراد أن بعضا كان، وبعضا لم يكن [دلائل الإعجاز/ 278 تحقيق: محمود شاكر].
برفع كله على معنى: لم أصنع شيئا مما تدعيه على من الذنوب؛ ولإفادة هذا المعنى عدل عن النصب المستغنى عن الإضمار إلى الرفع المفتقر إليه؛ أى:
لم أصنعه.
===
الله عليه وسلم- مراده نفى كل واحد من الأمرين فلو كان ليس مراد النبى نفى كل فرد لم يصح أن يكون قول ذى اليدين، بل بعض ذلك قد كان ردا له، وما يقال إنه يمكن أن مراد النبى النفى عن المجموع، ونفى المجموع صادق بنفى كل واحد وبنفى أحد الأمرين مع ثبوت الآخر وأن ذا اليدين قد أخطأ فى فهمه مراد النبى- صلى الله عليه وسلم ففهم أنه أراد نفى كل فرد، فلذا قال: بعض ذلك قد كان الدال عليه أنه- عليه السلام أراد نفى كل فرد فهو بعيد غاية البعد.
(قوله: برفع كله) أى: على أنه مبتدأ خبره جملة لم أصنع، والرابط محذوف لا يقال: إن فى الرفع تهيئة العامل للعمل، ثم قطعه، وقد صرح فى المغنى وغيره بمنع زيد ضربت؛ لذلك لأن نقول المسألة ذات خلاف فقد نقل الشارح فى مطوله عن سيبويه أن قول الشاعر:(ثلاث كلهنّ قتلت عمدا)(1) برفع كلهن يدل على جواز التركيب المذكور- أفاده الفنرى.
(قوله: من الذنوب) أشار بذلك إلى أن ذنبا نكرة عامة بقرينة المقام وإن كانت واقعة فى سياق الإثبات، أو أن ذنبا اسم جنس يقع على القليل والكثير، فهو هنا بمعنى ذنوب بقرينة المقام.
(قوله: ولإفادة هذا المعنى إلخ) علة لقوله عدل مقدمة عليه، وقد يرد بأن عدوله إلى الرفع لا يتعين أن يكون لإفادة عموم السلب، بل يجوز أن يكون عدوله إلى الرفع لعدم صحة نصب لفظ كل، إذ لو نصبها لكانت مفعولا وهو ممنوع؛ لأن لفظة كل إذا ضربت أضيفت إلى المضمر لم تستعمل فى كلامهم إلا تأكيدا أو مبتدأ ولا تقع فاعلا ولا مفعولا ولا مجرورة فلا يقال: جاءنى كلكم، ولا ضربت كلكم، ولا مررت بكلكم،
(1) بلا نسبة فى تخليص الشواهد ص 281 وتذكرة النحاة ص 641، وخزانة الأدب 1/ 366 وهو صدر بيت عجزه:
فأخزى الله رابعة تعود.