الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فنحو: آل، وماء، وأبى يأبى، وعور يعور فصيح؛ لأنه ثبت عن الواضع كذلك
[من الكراهة فى السمع]
(قيل) فصاحة المفرد خلوصه مما ذكر (ومن الكراهة فى السمع) بأن تكون اللفظة بحيث يمجها السمع ويتبرأ من سماعها (نحو: ) الجرشى فى قول أبى الطيب:
…
===
من استعمال تكأكأتم وافرنقعوا
(قوله: فنحو آل) هذا تفريع على قوله: أعنى على خلاف ما ثبت عن الواضع؛ وذلك لأن أصل آل أهل وأصل ماء موه أبدلت الهاء فيهما همزة، وإبدال الهمزة من الهاء، وإن كان على خلاف القياس إلا أنه ثبت عن الواضع
(قوله: وأبى يأبى) أى: بفتح الباء فى المضارع والقياس كسرها فيه؛ لأن فعل بفتح العين لا يأتى مضارعه على يفعل بالفتح إلا إذا كانت عين ماضيه أو لامه حرف حلق، كسأل ونفع، فمجىء المضارع بالفتح على خلاف القياس إلا أن الفتح ثبت عن الواضع
(قوله: وعور يعور) أى: فالقياس فيهما عار يعار بقلب الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، كزال يزال؛ فتصحيح الواو خلاف القياس إلا أنه ثبت عن الواضع، فقول الشارح: لأنه ثبت عن الواضع، كذلك راجع للجميع. أى: وإن كان مخالفا للقياس
(قوله: قيل إلخ) قائله بعض معاصرى المصنف مدعيا وجوب زيادة قيد على التعريف الذى استخرجه المصنف من اعتباراتهم وإطلاقاتهم
(قوله: فى السمع) المراد به هنا القوة السامعة لا المعنى المصدرى.
(قوله: بأن تكون اللفظة بحيث) أى: ملتبسة بحالة هى مجّ السمع لها
(قوله: ويتبرأ من سماعها) عطف تفسير على ما قبله
(قوله: فى قول أبى الطيب) أى: فى مدح الأمير على سيف الدولة بن حمدان صاحب حلب لما أرسل له كتابا يطلبه من الكوفة بأمان وسأله المسير إليه، فأجابه بهذه القصيدة التى منها البيت المذكور، وهى من المتقارب وعروضها وضربها محذوفان ومطلعها (1):
فهمت الكتاب أبرّ الكتب
…
فسمعا لأمر أمير العرب
وطوعا له وابتهاجا به
…
وإن قصّر الفعل عمّا وجب
(1) من المتقارب بديوان المتنبى ج 2/ ص 197 وهى أربعة وأربعون بيتا.
مبارك الاسم أغر اللقب (كريم الجرشّى) أى: النفس (شريف النسب)
…
===
وما عاقنى غير خوف الوشاة
…
وإنّ الوشاة طريق الكذب
وتكثير قوم وتقليلهم
…
وتقريبهم بيننا والخبب
وقد كان ينصرهم سمعه
…
وينصرنى سمعه والحسب
وما قلت للبدر أنت اللّجين
…
ولا قلت للشمس أنت الذهب
فيقلق منه البعيد الأنى
…
ويغضب منه البطىء الغضب
وما لاقنى بعدكم بلدة
…
ولا اعتضت من ربّ نعماء رب
ومن ركب الثّور بعد الجوا
…
د أنكر أظلافه والغبب
وإن قست كلّ ملوك البلاد
…
فدع ذكر بعض بمن فى حلب
ولو كنت سمّيتهم باسمه
…
لكان الحديد وكانوا الخشب
أفى الرأى يشبه أم فى السخا
…
ء أم فى الشجاعة أم فى الأدب
مبارك الاسم أغرّ اللقب
…
كريم الجرشّى شريف النّسب
إذا حاز مالا فقد حازه
…
فتى لا يسرّ بما لا يهب
وأبو الطيب المذكور اسمه: أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفى الكندى الكوفى المتنبى (1)، وإنما قيل له المتنبى؛ لأنه ادعى النبوة فى بادية سماوة، وتبعه خلق كثير من بنى كلب وغيرهم، فخرج إليهم لؤلؤ أمير حمير، نائب كافور الإخشيدى، فأسره وتفرق أصحابه وحبسه طويلا، ثم استتابه وأطلقه
(قوله: مبارك الاسم) أى: إن اسم هذا الممدوح وهو على مبارك، لموافقته لاسم أمير المؤمنين: سيدنا على بن أبى طالب، ولإشعاره بالعلو، ولا بعد أن نجعل البركة لموافقته اسم الله تعالى، وقوله أغر اللقب. أى: مشهوره، لاشتهاره بسيف الدولة؛ فإن قلت الاسم أيضا أغر
(1) أبو الطيب المتنبى، شاعر، حكيم، ولد بالكوفة، ونشأ بالشام، وأكثر المقام بالبادية، وطلب الأدب وعلم العربية، فاق أهل عصره فى الشعر، واتصل بسيف الدولة الحمدانى، وقتل بالقرب من العمانية فى رمضان. [معجم المؤلفين: 1/ 201].
والأغر من الخيل: الأبيض الجبهة، ثم استعير لكل واضح معروف (وفيه نظر)
…
===
قلت: لو سلم، فاللقب أكثر شهرة؛ لأن الملوك يشار إليها بألقابها دون أسمائها تعظيما لها وإجلالا، وقوله شريف النسب: لأنه من بنى العباس
(قوله: والأغر من الخيل:
الأبيض الجبهة) اعلم أن الأغر: يطلق لغة على معنيين على الأبيض مطلقا من غير تقييد بالجبهة ولا بكونه من الخيل، وعلى أبيض الجبهة من الخيل، وهذا هو المشهور، وإذا علمت هذا، فقول الشارح الأغر من الخيل إلخ، يقتضى أن الأغر لا يختص بالخيل؛ لأن الجار والمجرور حال من الأغر، أو صفة له؛ فيكون الشارح جاريا على خلاف المشهور، لما علمت أن المشهور أن الأغر حقيقة لا يكون إلا من الخيل، وقد يجاب بأن قوله: من الخيل: حال من ضمير الأبيض، لا من الأغر ومن تبعيضية، وجعلها بيانية لا يصح لأمرين:
الأول: أن البيانية يكون ما بعدها مساويا لما قبلها كما فى قوله تعالى:
فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ (1) وما بعدها هنا أعم مما قبلها. أعنى: أبيض الجبهة، إذ الخيل منها ما هو أبيض الجبهة، ومنها ما ليس كذلك.
الثاني: أن البيان لا يتقدم إلا لضرورة شعر أو رعاية سجع كما تقدم فى قول المتن، وعلم من البيان ما لم نعلم
(قوله: استعير) يعني: نقل على طريق الاستعارة، أو على طريق المجاز المرسل لعلاقة الإطلاق؛ لأنه نقل من واضح مقيد بكونه أبيض الجبهة إلى مطلق واضح، واللقب فرد من أفراد ذلك المطلق
(قوله: وفيه نظر) أى: فى اشتراط الخلوص من الكراهة فى السمع فى الفصاحة نظر، وحاصل ما فى المقام أن شارحنا بين وجه النظر فى كلام المصنف بشىء، وغيره بينه بشىء، وحاصل ما قاله شارحنا أن الكراهة فى السمع لا سبب لها إلا الغرابة، وقد اشترطنا الخلوص من الغرابة، فاشتراط ذلك يغنى عن اشتراط الخلوص من الكراهة؛ لأنه إذا انتفى السبب المساوى انتفى المسبب، وحاصل ما وجه به غيره النظر أن الكراهة فى السمع وعدمها ليست إلا من
(1) الحج: 30.
لأن الكراهية فى السمع إنما هى من جهة الغرابة المفسرة بالوحشية؛ مثل: تكأكأتم، وافرنقعوا، ونحو ذلك،
…
===
قبح الصوت وعدم قبحه لا من ذات اللفظ، وحينئذ فلو احترز عنها لخرج كثير من الكلمات المتفق على فصاحتها، بسبب نطق قبيح الصوت بها.
ورد شارحنا هذا التوجيه بما حاصله أنا لا نسلم أن الكراهة فى السمع وعدمها إنما يرجعان لقبح الصوت وحسنه لا لنفس اللفظ، إذ لو كان كذلك لزم أن يكون الجرشى غير مكروه فى السمع إلا إذا سمع من قبيح الصوت، وليس كذلك للقطع بكراهته دون مرادفه وإن نطق به حسن الصوت، وحينئذ فحصر الكراهة فى السمع على قبح النغم باطل. فتعين ما قاله الشارح من أن الكراهة إنما هى من جهة الغرابة.
(قوله: لأن الكراهة فى السمع إنما هى من جهة الغرابة) أى: لأن الغرابة سبب فيها فالخلوص من الغرابة يستلزم الخلوص من الكراهة، فإن قلت الخلوص من الغرابة كما يستلزم الخلوص من الكراهة فى السمع يستلزم الخلوص من التنافر، ومخالفة القياس فلا حاجة إلى ذكرهما أيضا. قلت: الاستلزام ممنوع؛ لأن مستشرزا وأجلل ليسا بغريبين لعدم احتياجهما إلى التنقير والتخريج على وجه بعيد مع تنافرهما، على أن هذا الاعتراض غير متوجه؛ لأن الأصل ذكر جميع أسباب الإخلال صريحا، ولو كان بعضها مستلزما لبعض، وترك التصريح ببعضها يحتاج إلى توجيه.
(قوله المفسرة بالوحشية) أى: بكون الكلمة وحشية
(قوله: مثل تكأكأتم) هو وما بعده من كلام عيسى بن عمر النحوى حين سقط من على حمار، فاجتمع الناس عليه، فقال لهم: ما لكم تكأكأتم على تكأكؤكم على ذى جنة افرنقعوا، كما قال الجوهرى، وقال الزمخشرى فى الفائق: إنه من كلام أبى علقمة حين مر ببعض طرق البصرة، وهاجت به مرة، فأقبل الناس عليه يعصرون إبهامه، ويؤذنون فى أذنه، فأفلت نفسه منهم، وقال ذلك. فقال بعضهم: دعوه فإن شيطانه يتكلم بالهندية.
ومعنى تكأكأتم: اجتمعتم. ومعنى افرنقعوا: تنحوا
(قوله: ونحو ذلك) أى: مثل قولهم: اطلخم الليل بمعنى أظلم، ولا حاجة له لإغناء مثل عنه
وقيل: لأن الكراهة فى السمع وعدمها
…
===
(قوله: وقيل) أى: فى بيان وجه النظر، وقائل ذلك غير الخلخالى (1)، فمقصود الشارح: الرد على من قال: إن الكراهة بسبب قبح النغم فقط، وإن لم يطلع غير الشارح عليه؛ لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ. فلا يقال على الشارح إثبات ذلك القول، وإنما كان المقصود الرد على غير الخلخالى؛ لأن الخلخالى لم يحصر سبب الكراهة فى قبح النغم مثل هذا القائل، بل قال فى بيان النظر المذكور فى المتن؛ لأن الكراهة إما راجعة للنغم أو نفس اللفظ لغرابته أو إلى نفس اللفظ لاشتماله على تركيب ينفر الطبع منه، فعلى الأولين من رجوع الكراهة إلى النغم أو إلى الغرابة. ذكر الخلوص من الكراهة مستغنى عنه.
أما على الأول؛ فلأن الكلام فى أوصاف اللفظ والكراهة فى السمع من أوصاف الصوت على أن ذكره لا يصح؛ لأنه يخرج الفصيح إذا ألقى بصوت قبيح، ويدخل غير الفصيح إذا ألقى بصوت حسن؛ وأما على الثانى؛ فلأن الغرابة تغنى عنها كما سبق، وأما على الأخير من أنها ترجع لنفس اللفظ لاشتماله على تركيب ينفر الطبع منه، فلا بد من ذكر الكراهة فى تعريف الفصاحة لإخلالها بالفصاحة جزما، فلو كان مراد الشارح الرد على ذلك القول، لم يتم ما قاله من النظر؛ لأنه أراد بالنظر أن الكراهة تكون بالنغم وغيره، فالخلخالى معترف به أيضا فكيف يعترض عليه بشىء يعترف به، وإن أراد أنه لا دخل للنغم فى الكراهة أصلا فهو مشكل؛ لأن النغم إذا كان خبيثا كان اللفظ مكروها فى السمع لا محالة.
نعم ما ذكره الخلخالى فى وجه النظر باطل؛ إذ لصاحب القيل أن يلتزم ذكر الكراهة فى تعريف الفصاحة لإخراج المكروه فى بعض الصور، وهو ما كراهته للاشتمال
(1) هو محمد بن مظفر الخطيبى الخلخالي، شمس الدين، عالم بالأدب، من مصنفاته:" شرح المصابيح"، و" شرح المختصر"، و" شرح المفتاح"، و" شرح تلخيص المفتاح"، توفى- رحمه الله نحو سنة 745 هـ. انظر: الأعلام (7/ 105).