الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[تعريف علم المعاني]
فى طرق مختلفة (وهو علم) أى: ملكة يقتدر بها على إدراكات جزئية،
…
===
بقولك: زيد هزيل الفصيل، وتارة بقولك: رأيت بحرا فى الحمام يعطى، والحال أن المرئى فى الحمام زيد
(قوله: فى طرق) أى: بطرق.
(قوله: ملكة) أى: كيفية راسخة، وإنما قيدنا بالرسوخ؛ لأن الكيفية النفسانية كما مر لا تسمى ملكة إلا بعد الرسوخ، إذ فى ابتداء حصولها تسمى حالا
(قوله: يقتدر بها على إدراكات) أى: على استحضار إدراكات واستحصالها، والحاصل أن الملكة لا يقال لها علم، كما اختار صاحب المواقف وغيره من المحققين، إلا إذا كان يستحضرها بها ما كان مخزونا عنده فى الحافظة ومعلوما له من الجزئيات ويحصل بها ما ليس عنده منها، مثلا واضع هذا الفن وضع عدة أصول مستنبطة من تراكيب البلغاء، يحصل من إدراكها وممارستها قوة للنفس يتمكن الإنسان بتلك القوة من استحضار جزئيات تلك الأصول التى عنده متى أراد، ويتمكن أيضا من استحصال ما كان مجهولا له من جزئياتها، وذكر العلامة عبد الحكيم: أن المعتبر فى العالم بمعنى الملكة هو ملكة الاستحضار الحاصلة بعد تكرار المشاهدة، وأما التمكن من استحصال ما بقى فليس بمعتبر فيها، وإلى هذا يشير كلام الشارح فى المطول
(قوله: على إدراكات جزئية) إن قلت الإدراك لا يوصف بالكلية ولا بالجزئية، والذى يتصف بهما إنما هو المدرك كالإنسان وزيد، وحينئذ فالمناسب أن يقال: يقتدر بها على إدراك الجزئيات، وأجيب بأن فى الكلام حذف مضاف أى: يقتدر بها على إدراك مدركات جزئية كذا قيل، وقد يقال إنه لا حاجة لذلك؛ لأن إدراك الجزئى جزئى حقيقى؛ لأن جزئية المدرك بالفتح تستلزم جزئية الإدراك، ثم إن المراد بالإدراكات الجزئية الإدراكات المتعلقة بالفروع المستخرجة بتلك الملكة من المسائل أى: القواعد الكلية مثلا قولنا: كل كلام يلقى إلى المنكر يجب توكيده، أصل كلى يستحضر بالملكة، وفرعه المستفاد منه بالملكة، هذا الكلام الملقى لهذا المنكر يجب توكيده، وكذلك كل كلام يلقى إلى المحبوب يجب فيه
ويجوز أن يريد به نفس الأصول
…
===
الإطناب، وكل كلام يلقى إلى المريض يجب فيه الإيجاز، وفرعهما الكلام الملقى لهذا المحبوب يجب فيه الإطناب، الكلام الملقى لهذا المريض يجب فيه الإيجاز وهكذا فالجزئيات المستخرجة من القواعد بالملكة هى القضايا التى موضوعاتها جزئية، وهى مغايرة لأحوال اللفظ العربي: كالتأكيد الواقع فى هذا الكلام، والإيجاز الواقع فى هذا الكلام، والإطناب الواقع فى هذا الكلام، وهكذا فقول المصنف: يعرف به أحوال اللفظ العربي، يقتضى أن المعروف بالملكة جزئيات الأحوال، وكلام الشارح يقتضى أن المعروف بها جزئيات القواعد، وقد علمت التغاير بينهما، وقد يجاب بأن هذه الملكة يعرف بها جزئيات الأحوال بواسطة معرفة فروع القواعد بها؛ لأن معرفتها وسيلة إلى التصديق بأحوال اللفظ فيلزم من التصديق بأن هذا الكلام الملقى إلى هذا المنكر يجب توكيده ليطابق مقتضى حاله التصديق، بان هذا التأكيد مناسب لإنكار هذا الشخص الذى هو حاله، ومعرفة الجزئيات تتناول تصورها، والتصديق بحالها، فالتصديق بأن هذا التأكيد مناسب لإنكار هذا المخاطب معرفة له، فصح القول بأن الملكة يعرف بها أحوال اللفظ بهذا الاعتبار.
(قوله: ويجوز إلخ) قد تحصل من كلامه أن العلم مشترك ولا يضر وقوعه هنا فى التعريف لصحة إرادة كل من معانيه، ومحل المنع إذا لم تصح إرادة ذلك، ثم إن تصدير الشارح بالمعنى الأول وتصدير هذا بيجوز، يقتضى أن هذا مرجوح والراجح الأول، مع أن الأمر ليس كذلك، إذ الراجح إنما هو هذا الثاني؛ لأن الكثير فى استعمالهم إطلاق العلم على الأصول وإطلاقهم له على الملكة قليل، وأيضا المناسب لقوله الآتى: وينحصر فى ثمانية أبواب المعنى الثاني؛ لأن المنحصر فى الأبواب إنما هو الأصول لا الملكة، ولا يقال هذا يوجب إرادة المعنى الثاني؛ لأنا نقول يمكن أن يراد المعنى الأول ويرتكب فى قوله وينحصر إلخ: الاستخدام، أو يجعل فى الكلام حذف مضاف، أى: وينحصر متعلقه، وهى المدركات فى ثمانية أبواب كذا فى الغنيمى والحفيد، والذى ذكره العلامة عبد الحكيم: أن إطلاق العلم بمعنى الملكة أكثر فى العرف من إطلاقه بمعنى الأصول، كما صرح به فى التلويح، فحمل اللفظ عليه أولى، ولهذا قال
والقواعد المعلومة، ولاستعمالهم المعرفة فى الجزئيات قال:(يعرف به أحوال اللفظ العربى) أى: هو علم
…
===
الشارح: ويجوز؛ ولأن حمل العلم على الأصول يحوج إلى تقدير مضاف فى قوله: يعرف به، أى: بعلمه؛ لأن العلم يعنى الأصول لا يصير سببا فى المعرفة إلا بعد حصول الملكة، فالحمل عليه بعيد بالنسبة إلى الملكة، ولم يذكر الشارح جواز حمل العلم على الإدراك مع أنه يطلق عليه أيضا لفساد المعنى؛ لأن الإدراك لا يدرك به.
(قوله: والقواعد) عطف تفسير
(قوله: المعلومة) وصف القواعد بكونها معلومة إشارة إلى أن وجه إطلاق العلم عليها تعلقه بها، وأنه من باب إطلاق اسم المتعلق بالكسر على المتعلق بالفتح، على حد:" هذا خلق الله"، أى: مخلوقه؛ وذلك لأن العلم فى الأصل مصدر بمعنى: الإدراك، وهو غير القواعد فهى معلومة، وأشار الشارح بما ذكره لوجه العلاقة
(قوله: واستعمالهم المعرفة فى الجزئيات) أى: والعلم فى الكليات، وهذا جواب عما يقال: لماذا عبر بالمعرفة فى قوله يعرف به إلخ، ولم يعبر بالعلم وهو علة مقدمة على المعلول، وهو قوله: قال يعرف، أى: ولم يقل: يعلم لاستعمالهم إلخ، فى الجزئيات، أى: وأحوال اللفظ العربى كتأكيد هذا الكلام، وتقديم المسند فيه وتأخيره جزئيات فيناسبها المعرفة لا العلم.
(قوله فى الجزئيات): أى فى إدراكها تصورا لها، أو تصديقا بحالها، أى:
واستعمالهم العلم فى إدراك الكليات تصورا لها، أو تصديقا بحالها.
(قوله: يعرف به أحوال اللفظ العربي) اعترض بأن فى التعريف دورا؛ وذلك لأن أحوال اللفظ العربى أخذت فى تعريف علم المعاني، فصار متوقفا عليها وهى لا تعرف إلا منه فهى متوقفة عليه، ويجاب بأن الجهة منفكة؛ لأن العلم متوقف عليها من حيث تصور ماهيته وهى متوقفة عليه من حيث حصولها فى الخارج، فلا تحصل معرفتها بدونه؛ وذلك لأن المراد بمعرفة الأحوال التصديق بأن هذه الأحوال بها يطابق اللفظ مقتضى الحال: كالتصديق بأن هذا التأكيد مثلا فى قولك: إن زيدا قائم به يطابق هذا الكلام مقتضى الحال، ولا شك أن التصديق المذكور لا يحصل بدون علم المعاني؛ لأنه
يستنبط منه إدراكات جزئية هى معرفة كل فرد فرد من جزئيات الأحوال المذكورة بمعنى: أن أى فرد يوجد منها أمكننا أن نعرفه
…
===
هو الذى يبحث عن أحوال اللفظ التى بها يطابق مقتضى الحال، وقوله: أحوال اللفظ أعم من أن تكون أحوال مفرد: كالمسند إليه، أو أحوال جملة: كالفصل والوصل والإيجاز والإطناب والمساواة، فإنها قد تكون أحوالا للجملة، واحترز بإضافة الأحوال للفظ عن علم الحكمة؛ فإنه لا يعرف به أحوال اللفظ، بل أحوال الموجودات، وعن المنطق، فإنه يعرف به حال المعنى، وعن الفقه، فإنه يعرف به أحوال فعل المكلف وهكذا
(قوله: يستنبط منه) أى: يستخرج منه، والتعبير بيستنبط منه مشكل على تفسير العلم بالملكة لا على تفسيره بالقواعد، وذلك لأن الملكة يستنبط بها لا منها، اللهم إلا أن تجعل لفظة من للسببية، أى: يستخرج بسببه وعلى تفسير العلم بالقواعد تجعل من للتعدية
(قوله: كل فرد فرد) قيل الأولى حذف فرد الثانى لاستفادة الاستغراق من قوله:
كل فرد، ورد بأن هذا الاستعمال شائع فى كلام العرب، فيكررون الشىء مرتين إشارة لاستيعاب جميع أفراده، فالمجموع بمنزلة شىء واحد يقصد بهما إفادة التعميم، أو أنه على حذف الفاء العاطفة أى: كل فرد ففرد، أى: كل فرد يعقبه آخر، وهكذا إلى غير النهاية، كما يشهد بذلك الذوق السليم، أفاده السيرامى.
وفى كلام الحفيد: أن فردا الثانى بمعنى منفرد صفة للأول، أى: كل فرد منفرد عن الآخر، أى: معرفة كل فرد على سبيل التفصيل، والانفراد لا على سبيل الاقتران، وأما ما فى الفنرى: من أن الثانى توكيد لفظى للأول، ففيه أن التوكيد اللفظى لا بد أن يكون الثانى عين الأول، والثانى هنا غير الأول؛ لأن المراد فرد آخر
(قوله: بمعنى أن أى فرد يوجد منها) أى: حاولنا إيجاده منها أمكننا إلخ، وليس المراد أن أى فرد وجد بالفعل، إذ لا يلائمه التعبير بالإمكان، كذا قرر بعض الأشياخ، ويصح أن يكون المراد بمعنى أن كل فرد يرد علينا من هذه الأحوال يمكن معرفته بذلك العلم
(قوله: بمعنى أن أى فرد إلخ) أتى بهذا إشارة إلى أن الاستغراق عرفى، وأن المراد إمكان المعرفة لا المعرفة بالفعل كما هو ظاهر العبارة، والحاصل أن المراد من كون علم المعانى يعرف به أحوال
بذلك العلم، وقوله:(التى بها يطابق) اللفظ (مقتضى الحال) احتراز عن الأحوال التى ليست بهذه الصفة؛ مثل: الإعلال، والإدغام، والرفع، والنصب،
…
===
اللفظ العربى أن أى فرد من الأحوال حاولنا إيجاده أمكننا معرفته بذلك العلم، وليس المراد أن الأحوال بتمامها توجد فى تركيب واحد بالفعل وتعرف بذلك العلم؛ لأن أحوال اللفظ لا نهاية لها ويستحيل وجود مالا نهاية له ومعرفته، ولا أنها غير موجودة بالفعل فى تركيب، ولكن يعرف جميعها بهذا العلم لاستحالة معرفة جميع مالا نهاية له، وبهذا المراد اندفع ما يقال اعتراضا على المصنف قوله: يعرف به أحوال اللفظ العربي، جمع مضاف وحكمه حكم الجمع المعرف فى احتمالاته الأربعة، فأما أن يراد به الجنس مجازا وهو ظاهر البطلان؛ لأنه يلزم أن يكون من له ملكة يعرف بها حالا واحدا عالما بالمعاني، وإما أن يراد به الاستغراق، فيلزم أن لا يكون أحد عالما بالمعاني؛ لأن أحوال اللفظ لا نهاية لها، ومالا يتناهى يستحيل وجوده فيستحيل معرفته، وإما أن يريد البعض المطلق فيلزم ما لزم على تقدير إرادة الجنس، وإما أن يريد بعضا معينا فى نفسه بنصف أو ثلث أو غير ذلك من الكسور غير معين فى الذكر، فيلزم التعريف بالمجهول، وإما أن يريد البعض المعين فى الذكر: كالتعريف والتنكير والتأكيد والتجريد وكأحوال الإسناد أو المسند إليه أو غيرهما، فلا دلالة للفظ عليه، وحاصل الجواب: أنا نختار الاستغراق، لكن المراد العرفى به لا الحقيقى، ونريد بالمعرفة: المعرفة بحسب الإمكان، لا بالفعل كما مر
(قوله: بذلك العلم) أى: بتلك الملكة أو بالأصول والقواعد
(قوله: يطابق اللفظ) فيه إشارة إلى أن الصلة جرت على غير من هى له، وكان الواجب الإبراز (1) إلا أن يقال:
إنه جرى على المذهب الكوفى، وكان الأولى للشارح أن يقول: أى اللفظ، ليكون تفسيرا للضمير المستتر، وإلا فظاهره أن المصنف حذف الفاعل مع أنه لا يجوز حذفه إلا فى مواضع معلومة ليس هذا منها
(قوله: مثل الإعلال والإدغام) إن قلت هذا يقتضى أنهما يتوقف عليهما أصل المعنى مع أنه ليس كذلك، ألا ترى: أن أصل المعنى يستفاد
(1) الإبراز: هو الإتيان بالضمير البارز.
وما أشبه ذلك مما لا بد منه فى تأدية أصل المعنى، وكذا المحسنات البديعية من التجنيس، والترصيع، ونحوهما مما يكون بعد رعاية المطابقة،
…
===
عند الفك أيضا، كما فى قوله:(الحمد لله العلى الأجلل (1)) وحينئذ فالأولى إسقاطهما، وقد يقال المراد بالمعنى فى قوله مما لا بد منه فى تأدية أصل المعنى، المعنى المأخوذ من اللفظ الجارى على طريقة الوضع والقانون الأصلى، والمعنى المستفاد عند الفك ليس مأخوذا من اللفظ الجارى على طريقة الوضع، وكذا يقال فى الإعلال
(قوله: وما أشبه ذلك مما لا بد إلخ) أى: وذلك كالجمع والتصغير والنسبة، فإن هذه الأحوال إنما تعرف من التصريف أو من النحو، واعترض بأن هذا يتناول أحوال اسم الإشارة من كونه للقريب تارة ولغيره أخرى، مع أن هذه إذا اقتضاها الحال كانت من علم المعاني، ويجاب بأن المراد مما لا بد منه فى تأدية أصل المعنى من حيث أنه يؤدى به أصل المعنى، فعلم اللغة يبحث عنها أى: عن أحوال اسم الإشارة من حيث إنه يؤدى بها أصل المعنى، علم المعانى يبحث عنها من حيث إنها مطابقة لمقتضى الحال، فإذا أشار المتكلم بذا: الموضوعة للقريب؛ استفيد أن المتكلم قصد القرب لاقتضاء الحال إياه، وإذا أشار بذلك التى للبعيد:
استفيد أن المتكلم قصد البعد لاقتضاء الحال إياه، فالبحث عن هذه الأحوال التى لاسم الإشارة من حيث إفادتها أن المتكلم يقصدها لاقتضاء الحال إياها من علم المعاني، وكان ينبغى للشارح أن يقيد بهذه الحيثية ليندفع ما ذكر، إلا أن يقال هى مرادة له، والمراد يدفع الإيراد على ما فيه من خلاف
(قوله: وكذا المحسنات البديعية) أى: إذا
(1) صدر بيت للفضل بن قدامة العجلى أبو النجم من بنى بكر بن وائل، من أكابر الرجّاز، ومن أحسن الناس إنشادا، نبغ فى العصر الأموي، وكان يحضر مجالس عبد الملك بن مروان وولده هشام، توفى سنة (130 هـ)[الأعلام 5/ 151].
وعجز البيت:
" الواحد الفرد القديم الأزليّ"
ويروى العجز:
الواسع الفضل الوهوب المجزل"
وانظر معاهد التنصيص (1/ 19).
والبيت فيه شاهد نحوى فى قوله: " الأجلل" حيث فك الإدغام وقياس نظائره يقتضى الإدغام ولو أنه أتى به على ما يقتضيه القياس لقال" الأجلّ" بتشديد اللام. أوضح المسالك 4/ 367. وهو عند البلاغيين من عيوب الفصاحة لمخالفة القياس. انظر جواهر البلاغة لأحمد الهاشمى ص 15.
والمراد أنه علم يعرف به هذه الأحوال من حيث إنها يطابق بها اللفظ مقتضى الحال لظهور أن ليس علم المعانى عبارة عن تصور معانى التعريف، والتنكير، والتقديم، والتأخير، والإثبات، والحذف، وغير ذلك؛
…
===
لم يقتضها الحال، وإلا فلا تخرج من التعريف، بل تكون داخلة فيه بالحيثية المرادة؛ لأنها من أفراد المعرف
(قوله: والمراد إلخ) هذا جواب عما يقال إن قول المصنف: يعرف به حال اللفظ العربى يتبادر منه أن المراد بالمعرفة: المعرفة التصورية؛ لأنه أسند المعرفة للمفردات وهى الأحوال، فيقتضى أن علم المعاني: ملكة، أو قواعد يتصور بها أحوال اللفظ: كالتعريف، والتنكير، والتأكيد وعدمه، والتقديم، والتأخير، وغير ذلك.
مع أن علم المعانى لا يتصور به شىء من تلك الأحوال، وحاصل الجواب أن المراد بالمعرفة: المعرفة التصديقية، وحينئذ فمعنى كلام المصنف أنه: علم يصدق ويحكم بسببه بأن هذه الأحوال بها يطابق اللفظ مقتضى الحال، هذا محصل كلام الشارح كما يرشد إليه ما بعد، لكنه لو عبر بالتصديق لكان أصرح فى مقصوده، فقوله والمراد أنه علم يعرف به هذه الأحوال من حيث إلخ أى: يحكم بسببه على هذه الأحوال أى:
على جزئياتها بأن بها يطابق اللفظ مقتضى الحال، فهذا تصديق موضوعه الأحوال ومحموله الحيثية، أفاد ذلك شيخنا العدوى
(قوله: من حيث إلخ) هذه الحيثية مأخوذة من قول المصنف التى بها يطابق اللفظ مقتضى الحال، وذلك للقاعدة من أن تعليق الحكم على مشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق، فكأنه قال: يعرف به أحوال اللفظ من حيث إن بها يطابق اللفظ إلخ؛ لا أنه يعرف به أحوال اللفظ من حيث ذاتها بأن تتصور به فقط، فهذه الحيثية للتقييد، فإن قلت إن الحكم هنا وهو المعرفة غير معلقة بالمشتق حتى يقال ما ذكر، بل معلقة بأحوال اللفظ. قلت: الموصول والصلة كالشىء الواحد وهما فى تأويل مشتق والصفة والموصوف كالشىء الواحد
(قوله: ليس علم المعانى عبارة إلخ) أى: كما هو المتبادر من كلام المصنف، لكن فيه أن اللازم على كون المراد بالمعرفة: المعرفة التصورية الذى هو متبادر من المصنف أن يكون علم المعانى ملكة يتصور بها معانى التعريف وغيره من الأحوال، لا أن يكون نفس تصور المعانى المذكورة،
وبهذا يخرج عن التعريف علم البيان إذ ليس البحث فيه عن أحوال اللفظ من هذه الحيثية. والمراد بأحوال اللفظ الأمور العارضة له من التقديم، والتأخير، والإثبات، والحذف، وغير ذلك. ومقتضى الحال فى التحقيق الكلام الكلى المتكيف بكيفية مخصوصة- على ما أشير إليه فى المفتاح
…
===
وأجيب بأن فى الكلام حذف مضاف أى: عبارة عن ذى تصور، أو عن ملكة تصور إلخ، وإضافة معانى للتعريف للبيان، والتعريف كون اللفظ معرفة، والتنكير كون اللفظ نكرة، وكذا الباقى (قوله وبهذا) أى: بما ذكر من الحيثية
(قوله: من هذه الحيثية) أى:
بل البحث فيه عن أحوال اللفظ من جهة كونه حقيقة أو مجازا، والحاصل أن علم البيان وإن كان يعرف به أحوال اللفظ من حيث كونه حقيقة أو مجازا، لكنه لا يعلم به أحواله من حيث إن بها يطابق اللفظ مقتضى الحال، وحينئذ فلا يكون من علم المعانى
(قوله: ومقتضى الحال إلخ) حاصله أن الحال هو الإنكار مثلا ومقتضاه هو الكلام الكلى المؤكد، واللفظ هو الكلام المخصوص المحتوى على التأكيد المخصوص، وعلى هذا فالمطابقة ظاهرة؛ لأن اللفظ المخصوص بسبب ما احتوى عليه من التأكيد المخصوص طابق الكلام الكلى بمعنى: أنه صار فردا من أفراده، وعلى هذا فمعنى كلام المصنف أنه: علم يعرف به أحوال اللفظ من حيث إنه بها يصير اللفظ مطابقا أى: فردا من أفراد مقتضى الحال
(قوله: المتكيف) أى: المتصف بصفة مخصوصة
(قوله: على ما أشير إليه فى المفتاح)(1) حيث قال فيه فى تعريف علم المعاني: هو تتبع خواص (2) تراكيب الكلام فى الإفادة وما يتصل بها من الاستحسان وغيره (3)، ليحترز بالوقوف عليها من الخطأ فى تطبيق الكلام على ما تقتضى الحال ذكره، فهذا يشير إلى أن مقتضى الحال هو الكلام المتكيف بتلك الكيفيات، ووجه الإشارة فى ذلك أن الذى يذكر إنما
(1) المفتاح ص 86 - المطبعة الأدبية.
(2)
المراد بها أحوال اللفظ فى تعريف الخطيب.
(3)
غير الاستحسان هو الاستهجان، ويريد بذلك أن تراكيب الكلام لها خواص مستحسنة وخواص مستهجنة، وكل منهما يبحث فى علم المعاني.
وصرح به فى شرحه- لا نفس الكيفيات من التقديم، والتأخير، والتعريف، والتنكير على ما هو ظاهر عبارة المفتاح (1) وغيره،
…
===
هو الكلام لا الحذف والتقديم والتأخير وغيرها من الكيفيات، وأورد عليه أن الذى يذكر إنما هو الكلام الجزئى لا الكلى، فهو كالكيفيات لا يذكر، ومدعى الشارح أن مقتضى الحال هو الكلام الكلى، وأجيب بأنه شاع وصف الكلى بوصف جزئياته كقولهم: الماهيات موجودة، فإن الموجود إنما هو أفراد الماهيات، لكن لما كانت الماهية موجودة فى ضمن أفرادها وصفت بوصف أفرادها وهو الوجود، وكقولهم: وجه الشبه قد يكون حسيّا، والحسى: إنما هو جزئيات وجه الشبه الموجودة فى هذا المشبه وهذا المشبه به، لكن لما كانت الماهية موجودة فى ضمن الإفراد وصفت بوصف إفرادها وهى المحسوسية، ولم يشع وصف الكيفيات بوصف محلاتها من أفراد الكلام كالمذكورية والمسموعية، فإنها من أوصاف الكلام، فلم يقل الكيفيات مذكورة أو مسموعة بهذا الاعتبار، فلهذا جعل كلام المفتاح إشارة لما ذكر، وقد تقدم أن التحقيق: أن مقتضى الحال نفس الكيفيات المخصوصة خلافا للشارح
(قوله: وصرح به فى شرحه) فقد قال العلامة الشيرازى فى شرح قول صاحب المفتاح: وارتفاع شأن الكلام فى الحسن والقبول وانحطاطه فى ذلك بحسب مصادفة المقام لما يليق به، وهو الذى نسميه مقتضى الحال، أن المراد بما يليق به الكلام الذى يليق بذلك المقام، والكلام الذى يليق به هو مقتضى الحال.
(قوله: والتنكير) أى: وغير ذلك وإنما تركه اتكالا على ظهور إرادته وعلى المقايسة على ما سبق
(قوله: على ما هو) راجع للمنفى، وقوله ظاهر عبارة المفتاح أى:
فى غير تعريفه لعلم المعانى كقوله فى بعض المواضع: الحال المقتضية للتأكيد، للذكر، للحذف، للتعريف، للتنكير، إلى غير ذلك، فإن هذا ظاهر فى أن مقتضى الحال نفس تلك الكيفيات، وإنما كان ظاهره ذلك لا صريحه لاحتمال الكلام حذف المضاف، أى
(1) انظر المفتاح ص 364 تحقيق د/ عبد الحميد هنداوي.
وإلا لما صح القول بأنها أحوال بها يطابق اللفظ مقتضى الحال؛ لأنها عين مقتضى الحال، وقد حققنا ذلك فى الشرح. وأحوال الإسناد أيضا من أحوال اللفظ باعتبار أن التأكيد وتركه مثلا من الاعتبارات
…
===
المقتضية لذى التأكيد، وإذا علمت أن كلام السكاكى فى مواضع متعددة غير تعريفه لعلم المعانى ظاهر فى أن مقتضى الحال الكيفيات، فيقال إن قوله فى تعريف علم المعانى، على ما تقتضى الحال: ذكره يحتمل أن المراد به ذكر الوجه المقتضى بالفتح على معنى ما يقتضى الحال إيراده فى الكلام، وأن يراد به ذكر الكلام، فيحتمل على الأول؛ لأن المحتمل يجمل على الظاهر، قال بعضهم: ويدل لكون مقتضى الحال الكيفيات لا الكلام الكلى أن الباعث على اعتبار الخوض فى الكلام قد يكون غير الباعث المقتضى لإفادة أصل المعنى كما إذا كان المخاطب بليدا، فإن بلادته حال يقتضى كلاما مفيدا لأصل المعنى، فإذا كان هناك إنكار فإنه يقتضى تأكيدا، فإن لم يتجدد إلا ذلك التأكيد فذلك المتجدد وهو مقتضى الحال الثاني، فلو اقتضى الحال الثانى كلاما أيضا للزم اتحاد الحالين لاتحاد المقتضيين مع أنهما متغايران، فبطل كون مقتضى الحال الكلام الكلى، كذا قيل، وفيه نظر. إذ يمكن أن يقال مقتضى الحال الأول: الكلام الكلى المقتصر فيه على أصل المعنى، ومقتضى الحال الثانى الكلى المكيف بالتأكيد
(قوله: وإلا لما صح) أى: وإن لا نرد بمقتضى الحال الكلام الكلى، بل أردنا به الكيفيات كما هو ظاهر المفتاح لما صح القول بأنها أى: تلك الكيفيات أحوال
(قوله: لأنها عين مقتضى الحال) أى: وحينئذ فيلزم اتحاد المطابق بالفتح وهو مقتضى الحال، والمطابق بسببه وهو أحوال اللفظ، وأما المطابق بالكسر فهو اللفظ، فقولك مثلا إن زيدا قائم للمنكر طابق بسبب ما فيه من التأكيد أى: واتحادهما باطل، وقد يقال: إن المراد بأحوال اللفظ الخصوصيات الجزئية كالتأكيد المخصوص بأن مثلا فى: إن زيدا قائم، وبمقتضى الحال الخصوصيات الكلية كتأكيد الكلام مطلقا، ولا مانع من أن يقال: إن زيدا قائم قد طابق ووافق بالتأكيد المخصوص مطلق التأكيد من حيث اشتماله على فرد من أفراده لعدم اتحاد المطابق بالفتح والمطابق به
(قوله: وأحوال الإسناد إلخ) هذا جواب عما يقال قول المصنف يعرف
الراجعة إلى نفس الجملة، وتخصيص اللفظ بالعربى مجرد اصطلاح؛ لأن الصناعة إنما وضعت لذلك، فقال (وينحصر)
…
===
به أحوال اللفظ العربى غير شامل لأحوال الإسناد: كالتأكيد وعدمه، والقصر، والمجاز والحقيقة العقليين، فإن هذه ليست من أحوال اللفظ بل من أحوال الإسناد وهو غير لفظ، فيقتضى أن هذه الأحوال لا تعرف بعلم المعاني، وأن البحث عن تلك الأحوال ليس من مسائل ذلك الفن مع أنه منها، وحاصل الجواب أن هذه المذكورات وإن كانت أحوالا وأوصافا للإسناد إلا أن الإسناد جزء للجملة، فتكون المذكورات أحوالا للجملة بالواسطة كالبياض القائم باليد فإنه وصف للذات بتمامها بواسطة كون اليد جزءا من الذات.
ومن هذا يعلم أن قول المصنف يعرف به أحوال اللفظ أى مباشرة أو بواسطة
(قوله: الراجعة إلى نفس الجملة) أى: لأنه يصدق على أحوال الجزء أنها أحوال نفس الكل
(قوله: تخصيص اللفظ) أى: المبحوث عن أحواله فى هذا الفن باللفظ العربي، والباء داخلة على المقصور عليه.
(قوله: مجرد اصطلاح) أى: اصطلاح من علماء الفن مجرد عن الموجب، ولا يصح أن يكون تخصيص اللفظ بالعربى لإخراج غير العربي؛ لأن أحوال اللفظ غير العربى أيضا بها يطابق اللفظ مقتضى الحال وبها يرتفع شأنه، لكن فى كون التخصيص اصطلاحا نظر؛ لأن الاصطلاح اتفاق طائفة على أمر معهود بينهم فى لفظ بحيث إذا أطلق انصرف إليه، ولم يوجد اصطلاح على أن اللفظ إذا أطلق انصرف للعربى على أنه لو وجد ذلك الاصطلاح لاستغنى عن التقييد، كذا بحث الحفيد، وأجيب بأن معنى كونه اصطلاحا أنهم توافقوا على التعرض للبحث عن أحوال اللفظ العربى دون غيره
(قوله: لأن الصناعة إلخ) الأولى ولأن الصناعة أى: القواعد المسماة بهذا العلم، فهو خبر ثان، وقوله: إنما وضعت لذلك أى: إنما أسست للبحث عن ذلك، أى: عن اللفظ العربي، أى: عن أحواله؛ لأن مقصود مدون هذا الفن إنما هو معرفة أسرار القرآن وهو عربي، وكون الصناعة وضعت لذلك لا ينافى جريانها فى كل لغة.
المقصود من علم المعانى (فى ثمانية أبواب)
…
===
(قوله: المقصود) بدل من الضمير فى" ينحصر" العائد على علم المعاني، لا أنه الفاعل حتى يلزم المصنف حذف الفاعل، وزاد الشارح ذلك لإخراج التعريف وبيان الانحصار والتنبيه فإنها من العلم وليست من المقصود منه، فلو لم يزد المقصود لفسد الحصر لكون هذه الأمور الثلاثة ليست من الأبواب الثمانية، والحاصل أن المراد بعلم المعانى هنا ما يشمل مسائله وتعريفه، وبيان وجه الانحصار والتنبيه الآتى وبالمقصود منه مسائله التى اشتملت عليها هذه الأبواب الثمانية.
(قوله: من علم المعاني) اعترض بأنه لا يصح جعل من تبعيضية؛ لأنه يلزم على كون المقصود بعض علم المعانى أن انحصار المقصود فى الأبواب الثمانية من حصر الكلى فى جزئياته لا من حصر الكل فى أجزائه كما قال الشارح؛ لأن المنحصر الذى هو المقصود بعض علم المعاني، وكل باب من الأبواب الثمانية بعض منه، فحمل المقصود المنحصر على كل واحد من الأمور المحصور فيها صحيح، وهذا ضابط حصر الكلى فى جزئياته، ولا يصح جعلها للبيان؛ لأنه يضيع عليه ثمرة تقدير المقصود؛ لأن المقصود إذا كان هو نفس علم المعاني، والأمور الثلاثة داخلة على كل حال، ذكر المقصود أو لم يذكر، فيلزم فساد الحصر مع أنه إنما زيد لإخراج الأمور الثلاثة ليستقيم الحصر، ولا يصح جعلها صلة للمقصود؛ لأن المقصود من الشىء غير ذلك الشىء إذ المقصود من الشىء ثمرته المترتبة عليه: كالجلوس على السرير وهو غيره، وحينئذ فيلزم أن الأبواب الثمانية ليست علم المعاني، مع أنها هو، وقد يجاب باختيار الأول، ونمنع لزوم كون الحصر من حصر الكلى فى جزئياته، وبيان ذلك أن علم المعانى عبارة عن مجموع أمور أربعة التعريف، ووجه الحصر والتنبيه وجملة المسائل المذكورة فى الأبواب الثمانية، والمقصود من هذه الأمور الأربعة جملة المسائل، فبجعل العلم متناولا للثلاثة الأول، صح جعل من للتبعيض، وبجعل المقصود جملة المسائل صح جعل الحصر من قبيل حصر الكل فى الأجزاء، فلا يصح أن يقال الإسناد الخبرى المقصود من علم المعاني؛ لأن هذا الباب بعض المسائل والمقصود جميعها، فالحاصل أن المعترض فهم أن المراد من المقصود الجنس
انحصار الكل فى الأجزاء، لا الكلى فى الجزئيات
…
===
المتحقق فى كل فرد، ونحن نقول المراد بالمقصود الهيئة الاجتماعية من المسائل، وحينئذ فبعض تلك الهيئة الاجتماعية ليس المقصود، وقد يختار الثاني، وهو جعل من: بيانية، لكن على جعل صلة المقصود محذوفة، والمعنى: وينحصر المقصود من الفن الأول الذى هو علم المعاني، فقوله: من علم المعانى بيان للمقصود، ويراد بالفن الأول الألفاظ المفيدة لعلم المعانى الذى هو المسائل، وللأمور الثلاثة المتقدمة عليه من التعريف، ووجه الحصر، والتنبيه.
والمقصود من جملتها إنما هو العلم وهو المسائل خاصة، فالأمور الثلاثة داخلة فى الفن دون المقصود الذى هو علم المعاني، فصح الحصر، لكن هذا يمنع من الإخبار فى قوله: أولا: الفن الأول علم المعاني، إلا أن يقال: إنه لما كان المقصود بالذات من الفن علم المعانى صار كأنه هو أو فى الكلام حذف مضاف أى: بعض الفن الأول علم المعاني، وقد يختار الثالث وهو جعلها صلة للمقصود، لكن نريد بالمقصود ما يقصد بالذات، ويلاحظ قصدا من العلم لا ما قصد لأجله، وهو الثمرة.
وحاصله أن العلم شامل للمسائل وللأمور الثلاثة السابقة لتعلقها بها، لكن المقصود بالذات، من العلم إنما هو المسائل وهى المحصورة فى الأبواب الثمانية، وإنما عدت الأمور الثلاثة الأول من جملة العلم ومندرجة فيه تغليبا لشدة اتصالها به، حيث دونت معه فهى مقصودة تبعا لا بالذات، وإلا فالعلم إما اسم للمسائل وحدها أو الملكة كما مر.
(قوله: انحصار الكل فى الأجزاء) أى: لأن المقصود من العلم جملة المسائل التى فى الأبواب الثمانية لا كل واحد منها
(قوله: لا الكلى فى الجزئيات) أى: وإلا لصدق المقصود من علم المعانى على كل باب، وهو لا يصح؛ لأن كل باب بعض المقصود، وهذا يشعر بأن العلم المنحصر فى الأبواب الثمانية: القواعد، بمعنى: القضايا الكلية؛ لأن الأبواب المنحصر فيها ألفاظ ضرورة أنها تراجم، والمنحصر فى الألفاظ حصر الكل فى الأجزاء يجب أن يكون ألفاظا، فإذا أريد بالعلم فيما مر الملكة فيقدر هنا مضاف أى:
(: أحوال الإسناد الخبرى) و (أحوال المسند إليه) و (أحوال المسند) و (أحوال
…
===
وينحصر متعلق علم المعاني، ومتعلق العلم بمعنى: الملكة، هو القواعد بمعنى: القضايا الكلية، أو يرتكب هنا الاستخدام بأن يجعل الضمير فى (ينحصر) راجعا للعلم بمعنى القواعد
(قوله: أحوال الإسناد الخبرى) هو بالرفع خبر لمحذوف أى: أولها أحوال. ثانيها كذا، ثالثها كذا، أو يدل له تعبيره فى الإيضاح الذى هو كالشرح لهذا المتن، والجمل كلها مذكورة على سبيل التعداد، أو بالنصب على أنه مفعول لمحذوف تقديره أعنى أحوال إلخ، وبالجر على أنه بدل بعض من ثمانية أبواب، والرابط محذوف أى: أحوال الإسناد الخبرى من جملتها، وعلى هذين الوجهين ففى كلام المصنف حذف العاطف وهو جائز اختيارا عند بعضهم، وحسن حذفه دفع توهم صيرورة الثمانية أحد عشر، ويصح أن تكون مبنية للشبه الإهمالى على حد ما قيل فى الأسماء قبل دخول العوامل عليها، ذكرها على سبيل التعداد ليرفع الحساب حسابها، كما هو طريقة معرفة مرتبة المعدود.
بقى شىء، وهو أن الأمور المذكورة فى مقام التعداد مبنية على السكون، فكيف يتكلم بأحوال الإسناد الخبرى؟ وكذا الأمران بعده، هل يسكن الأول وتقطع همزة الثاني، أو يفتح الأول بنقل حركة همزة الثانى إليه أو يكسر الأول؟ قال العصام (1):
وفى ظنى أنه يتكلم بكسر اللام فى الأحوال لأجل التخلص من التقاء الساكنين لام أحوال ولام التعريف بعدها .. نعم إن وقف على الأول اضطرارا سكن، وبهذا يعلم أنه ينبغى إسكان ما ليس بمضاف كالقصر، أو كان مضافا لما أوله متحرك: كأحوال متعلقات الفعل وإضافة الأول وإعراب الثانى لا ينافى بناء الأول إذ لم يركب مع عامله
(1) هو إبراهيم بن محمد بن عرب شاه عصام الدين صاحب" الأطول" فى شرح تلخيص المفتاح فى علوم البلاغة ومن مصنفاته أيضا: " ميزان الأدب"، " حاشية على تفسير البيضاوى" وله شروح وحواش فى المنطق والتوحيد والنحو- توفى سنة 945 هـ (وانظر الأعلام 1/ 66).
متعلقات الفعل) و (القصر) و (الإنشاء) و (الفصل والوصل) و (الإيجاز والإطناب والمساواة) وإنما انحصر فيها (لأن الكلام إما خبر أو إنشاء لأنه) لا محالة يشتمل على نسبة تامة بين الطرفين
…
===
كما صرح بذلك شراح الكافية، وهذا الوجه الأخير مشكل إذ لا يظهر عليه وجه لعطف الوصل على الفصل، ولا عطف الإطناب والمساواة على الإيجاز.
وقد يقال: لا إشكال؛ لأن الذى قصد عده مجموع المعطوف والمعطوف عليه؛ لأنه صار كلمة واحدة وجعل اسما لجملة من المسائل
(قوله: متعلقات الفعل) أى: أو ما فى معناه وإنما اقتصر عليه؛ لأنه الأصل
(قوله: القصر) إنما لم يقل أحوال القصر وكذا ما بعده؛ لأنها فى نفسها أحوال فلو عبر بالأحوال إضافة الشىء إلى نفسه وهى ممنوعة عند البصريين كذا قيل، وهو منتقض بالإنشاء.
(قوله: الفصل والوصل) إنما أتى بالواو هنا وفيما بعده إشارة إلى أنه باب واحد وإنما تركها فيما تقدم لئلا يتوهم أنها أحد عشر، وكذا يقال فيما إذا تركها من الكل
(قوله: وإنما انحصر إلخ) إنما قدر ذلك إشارة إلى أن قول المصنف لأن الكلام إلخ:
علة لمحذوف معلوم مما سبق
(قوله: أو إنشاء) أى: فيكون لأحواله المختصة به باب
(قوله: لأنه) أى: الكلام وقوله: (لا محالة) مصدر ميمى بمعنى التحول وهو اسم (لا)، وخبرها محذوف، والجملة معترضة بين اسم (أن) وخبرها، وهو يشتمل مفيدة لتأكيد الحكم، أى: لأن الكلام يشتمل على نسبة ولا تحول عن ذلك موجود أى: لا بد من ذلك واشتمال الكلام على النسبة من اشتمال الكل على الجزء؛ لأن النسبة جزء من الكلام؛ لأن أجزاءه ثلاثة: المسند إليه، والمسند، والإسناد، وهو النسبة.
(قوله: على نسبة تامة) خرجت النسبة الناقصة كالتقييدية والتوصيفية: كغلام زيد، والحيوان الناطق، فلا يشتمل عليها الكلام ولا يدل عليها
(قوله: قائمة بنفس المتكلم) اعلم أن النسب ثلاثة: كلامية وذهنية وخارجية، فالأولى تعلق أحد الطرفين بالآخر المفهوم من الكلام، وتصورها وحضورها فى ذهن المتكلم هو النسبة الذهنية، وتعلق أحد الطرفين بالآخر فى الخارج خارجية، فإذا قلت: زيد قائم، فثبوت القيام لزيد
قائمة بنفس المتكلم؛
…
===
يقال له نسبة كلامية باعتبار فهمه من الكلام، وذهنية باعتبار ارتسامه فى الذهن وحضوره فيه، ونسبة خارجية باعتبار حصوله فى نفس الأمر، فالأولى والثانية قائمة بأحد الطرفين، والثانية قائمة بذهن المتكلم، إذا علمت هذا فقول الشارح قائمة إلخ فيه نظر؛ لاقتضائه قيام الكلامية بنفس المتكلم أى: ذهنه، مع أنه ليس كذلك كما علمت، وقد يجاب بأن المراد بقيام النسبة الكلامية بنفس المتكلم إدراكها لها، لا أنها صفة متحققة فيها فهو قيام علم وإدراك، لا قيام تحقق: كقيام البياض بزيد مثلا، وبهذا اندفع أيضا ما يتراءى من التنافى بين قوله:(قائمة بنفس المتكلم) المقتضى لقيامها بنفسه، وقوله (وهى تعلق إلخ)، المقتضى لقيامها بأحد الطرفين، كذا قرر شيخنا العدوى، وهو محصل ما فى الحفيد والذى نقله الفنرى عن الشارح: أن قيام النسبة التى يشتمل عليها الكلام بالذهن من قيام العرض بمحله: كقيام العلم والإرادة بمحالهما وهو النفس، فالقائم بالذهن هو نفس النسبة الكلامية لا علمها فهى صفة موجودة فى ذهن المتكلم وجودا متأصلا كسائر صفات النفس: كالعلم والإرادة، وهذا محمول على أن المراد بالنسبة الكلامية فى الخبر إيقاع التعلق أى إدراك أن ذلك التعلق مطابق للواقع وانتزاعه أى: إدراك أنه غير مطابق للواقع، وأما فى الإنشاء: فالمراد بها الطلب، ولا شك أن الإيقاع والانتزاع والطلب أمور موجودة فى النفس قائمة بها على أنها صفات لها، لا على أنها معقولة لها حاصلة صورتها فيها للقطع بأنه لا يحتاج فى التصديق إلى تصور الإيقاع والانتزاع، وبأن الموجود فى نفس من قال:(اضرب) طلب إيجاد الضرب، لا مجرد تصوره، وهذا لا ينافى ما قرره شيخنا؛ لأن مراد شيخنا بالنسبة الكلامية القائم بالذهن صورتها وظلها التعلق، ومراد الشارح بالنسبة الكلامية القائمة بالنفس بذاتها لا ظلها الطلب والإيقاع والانتزاع، وهو المسمى بالتصديق عند الحكماء، وعلى ما نقل عن الشارح فلا بد من تأويل كلامه هنا أعنى قوله: وهى تعلق أحد الشيئين بالآخر، بأن يقال:
وهى ذو تعلق إلخ، ثم إن دلالة الكلام على النسبة القائمة بالنفس على ما نقل عن الشارح لا يقتضى قيامها بها فى الواقع؛ لأن الدلالة المذكورة وضعية يجوز تخلفها،
وهى تعلق أحد الشيئين بالآخر بحيث يصح السكوت عليه، سواء كان إيجابا أو سلبا أو غيرهما؛ كما فى الإنشائيات، وتفسيرها
…
===
فلا يرد أن كلام الشاك والمجنون ومن تيقن خلاف ما يتكلم به كلها أخبار مع عدم قيام النسبة بأنفسهم.
(قوله: وهى) أى: النسبة التامة التى يشتمل عليها الكلام تعلق أحد الشيئين أى: أحد الطرفين وهما المسند إليه والمسند بالآخر، والمراد بالتعلق هنا ما يشمل النسبة الحكمية أعنى: ثبوت المحمول للموضوع وما يشمل النسبة الإنشائية كما سيذكره الشارح، وليس المراد بها خصوص النسبة الحكمية إذ ليس فى الإنشاء ثبوت المحمول للموضوع؛ لأن النسبة في: اضرب يا زيد عمرا تعلق الضرب بزيد على وجه طلبه منه، وفي: هل قام زيد تعلق القيام بزيد على وجه الاستفهام عن صدوره منه، فإن قلت قوله: تعلق أحد الطرفين بالآخر يقتضى أنها وصف لأحد الطرفين، وهذا لا يلائم قوله سابقا بين الطرفين. قلت: لا مانع من أن يراد بتعلق أحد الطرفين بالآخر التعلق والارتباط بين الطرفين بمعنى مدلولهما
(قوله: عليه) أى: التعلق
(قوله: سواء كان) أى: ذلك التعلق إيجابا نحو: زيد قائم، أو سلبا نحو: زيد ليس بقائم، وهذا إنما يكون فى الخبر بخلاف الإنشاء؛ لأنه لا يتصف بإيجاب ولا بسلب؛ لأن الإيجاب والسلب من أنواع الحكم، والإنشاء ليس بحكم، بل هو إيجاد معنى بلفظ يقارنه فى الوجود.
(قوله: إيجابا أو سلبا) أى: متعلق إيجاب، أو متعلق سلب، أو ذا إيجاب، أو ذا سلب، وإنما احتجنا لذلك؛ لأن التعلق المذكور ليس إيجابا ولا سلبا لأن الإيجاب:
إدراك الثبوت، أى: إدراك أنه مطابق للواقع أو غير مطابق له، والسلب:
إدراك الانتفاء أى: إدراك أنه مطابق أو غير مطابق للواقع، ومثلهما الإيقاع والانتزاع، فالإيقاع إدراك الوقوع، والانتزاع إدراك اللاوقوع.
(قوله: كما فى الإنشائيات) الكاف استقصائية أى: فإنه لا إيجاب ولا سلب فيها بحسب معناها الوضعى وإن لزمه الإيجاب والسلب فإن: (اضرب) مثلا أمر معناه
بإيقاع المحكوم به على المحكوم عليه أو سلبه عنه خطأ فى هذا المقام؛ لأنه لا يشمل النسبة فى الكلام الإنشائى فلا يصح التقسيم، فالكلام (إن كان لنسبته خارج)(1)
===
طلب الضرب من المخاطب ويلزمه أن الضرب مطلوب وهو إيجاب أى: ذو إيجاب على ما مر، والحاصل أنك إذا قلت: اضرب زيد؛ فنسبته طلب ضرب زيد من المخاطب، وليس هذا متعلقا للإيجاب ولا للسلب بحسب ذاته وإن كان يلزمه أن الضرب مطلوب وهذا إيجاب.
(قوله: بإيقاع المحكوم به) أى: المحكوم بوقوع المحكوم به على المحكوم عليه أى:
إدراك أن النسبة التى بينهما واقعة أى: مطابقة للواقع، وقوله: أو سلبه، أى: إدراك أن النسبة ليست بواقعة أى: ليست مطابقة للواقع
(قوله: فى هذا المقام) أى مقام تقسيم الكلام إلى خبر وإنشاء
(قوله: لأنه) أى: هذا التفسير لا يشمل إلخ أى: لأن نسبة الإنشاء لا يتأتى فيها إيقاع أى: إدراك أنها مطابقة للواقع أو ليست مطابقة للواقع؛ لأن هذا لا يتأتى إلا فى نسبة الخبر كما سيأتى
(قوله: فلا يصح) تفريع على النفى، وقوله التقسيم أى: تقسيم الكلام باعتبار نسبته إلى الخبر والإنشاء، وإنما لم يصح التقسيم حينئذ لانعدام النسبة بهذا التفسير من الإنشاء، فلم يوجد فيه ما التقسيم باعتباره.
(قوله: فالكلام) أى: مطلقا كان خبرا أو إنشاء
(قوله: لنسبته) أى: للنسبة المفهومة منه الحاصلة فى الذهن
(قوله: خارج) أى: نسبة خارجية حاصلة بين الطرفين فى الخارج، أى: فى الواقع، ونفس الأمر مع قطع النظر عما يفهم من الكلام، وذلك كما فى قولك: زيد قائم، فإن ثبوت القيام لزيد يقال له نسبة كلامية باعتبار فهمه من الكلام، وذهنية باعتبار ارتسامه فى الذهن، وخارجية باعتبار الحصول فى نفس الأمر، والخارجية لا بد منها سواء كان هناك كلامية تحكيها أو لا؛ لأنه لا بد فى الواقع من أن يكون زيد قائما أو غير قائم، وإنما سمى المصنف النسبة الخارجية: خارجا لوقوعها فى الخارج بمعنى: نفس الأمر والواقع.
(1) المراد بالخارج الواقع ونفس الأمر ولو لم يكن له وجود خارجى.
فى أحد الأزمنة الثلاثة؛ أى: يكون بين الطرفين فى الخارج نسبة ثبوتية أو سلبية (تطابقه) أى: تطابق تلك النسبة ذلك الخارج بأن يكونا ثبوتيين أو سلبيين (أو لا تطابقه) بأن تكون النسبة المفهومة من الكلام ثبوتية، والتى بينهما فى الخارج والواقع سلبية، أو بالعكس (فخبر) أى
…
===
(قوله: فى أحد) أى: واقع ذلك الخارج بمعنى النسبة الخارجية فى أحد الأزمنة الثلاثة، وأفاد الشارح بهذا دفع ما يتوهم من أن الأخبار الموجبة الاستقبالية نحو: سيقوم زيد كلها كاذبة، إذ لا نسبة لها خارجية فى الحال تطابقها، وأن الأخبار السلبية الاستقبالية كلها صادقة لموافقة نسبتها المفهومة منها للخارجية، وحاصل ما ذكره الشارح من الدفع أن المعتبر ثبوت النسبة الخارجية فى أحد الأزمنة الثلاثة على حسب اعتبار النسبة الكلامية، فإن كانت ماضوية: اعتبر ثبوت الخارجية فى الماضى، وإن كانت حالية: اعتبر ثبوتها فى الحال، وإن كانت استقبالية: اعتبر ثبوتها فى الاستقبال، فالنسبة الخارجية تعتبر بحسب اعتبار النسبة الكلامية.
(قوله: أى يكون بين الطرفين فى الخارج) المراد بالخارج هنا الواقع ونفس الأمر فهو غير الخارج فى كلام المصنف؛ لأن المراد بالنسبة الخارجية كما علمت، وأشار الشارح بهذا التفسير إلى أن المصنف أطلق الخارج وأراد به الواقع فيه وهو النسبة الخارجية، وقوله: أى يكون تفسيرا لقول المصنف إن كان لنسبته إلخ، وحينئذ فكان الأولى أن يقول أى يكن؛ لأنه تفسير للمجزوم محلا أو يقول أى كان
(قوله: أى تطابق تلك النسبة) أى: المفهومة من الكلام، وقوله ذلك الخارج وهو النسبة الخارجية.
واعلم أنه يلزم من مطابقة النسبة الكلامية للخارجية مطابقة الخارجية للكلامية، لأن المطابقة لا تتحقق إلا بين أمرين، فكل منها مطابق للآخر إلا أن الأولى أن يجعل الأصل مطابقا بالفتح، فلذا أسند المطابقة للكلامية وجعل الخارجية مطابقة بالفتح لكونها الأصل
(قوله: بأن يكونا ثبوتيين) نحو: زيد قائم، وكان زيد قائما فى الواقع، وقوله: أو سلبيين أى نحو: ليس زيد قائما، والحال أنه غير قائم فى الواقع
(قوله: بأن تكون النسبة إلخ) أى: نحو زيد قائم، والحال أنه غير قائم فى الواقع
(قوله: أو بالعكس) أى: كقولك ليس زيد قائما وكان زيد فى الواقع قائما.
فالكلام خبر (وإلا) أى: وإن لم يكن لنسبته خارج كذلك فإنشاء؛
…
===
وقد علم من كلام الشارح أن النسبة الكلامية فى القضية الموجبة ثبوت شىء لشىء، وفى السالبة انتفاء شىء عن شىء، وهذا مذهب المتقدمين من المناطقة والذى عليه المحققون من المتأخرين أن النسبة بين الطرفين دائما ثبوتية، بمعنى أنها دائما تعلق أحد الطرفين بالآخر، ولا تكون عدم التعلق، قالوا: وهذا لا ينافى أنها تكون سلبية؛ لأنه ليس معنى كونها سلبية أنها سلب شىء عن شىء كما يقول المتقدمون، بل بمعنى أنها تسلط عليها السلب كما فى النفى المحصل نحو: ليس زيد بقائم، أو دخل السلب فى مفهومها كما فى النفى المعدول نحو: زيد هو ليس بقائم، والأولى أن يحمل قول الشارح أو سلبية على هذا المعنى ليوافق ما عليه المحققون من المتأخرين وليوافق قوله سابقا وهى تعلق أحد الشيئين بالآخر، فإن ظاهره أنها لا تكون عدم التعلق.
(قوله: فالكلام خبر) أى: من حيث احتماله للصدق والكذب لما تقرر أن المركب التام المحتمل للصدق، والكذب يسمى خبرا من حيث احتماله لهما، ومن حيث اشتماله على الحكم قضية، ومن حيث إفادته الحكم إخبارا، ومن حيث كونه جزءا من الدليل يسمى مقدمة، ومن حيث كونه يطلب بالدليل مطلوبا ومن حيث كونه يحصل من الدليل نتيجة، ومن حيث إنه يقع فى العلم ويسأل عنه مسألة فالذات واحدة، واختلاف العبارات بحسب الاعتبارات، وإنما قدر الشارح فالكلام لأن جواب الشرط لا يكون إلا جملة
(قوله: أى وإن لم يكن لنسبته خارج كذلك) أى: تطابقه تلك النسبة أو لا تطابقه فهو إنشاء.
اعلم أن الكلام المنفى إذا كان فيه قيد، أو قيود، كان النفى متوجها للقيد أو القيود فى الغالب، ومن غير الغالب قد يتوجه للقيد والمقيد معا. إذا علمت هذا، فاعلم أن فى كلام المصنف مقيدا وهو النسبة وقيدين وهما الخارج، والمطابقة وعدمها، فإن جعلت النفى منصبا على المقيد والقيدين اقتضى ذلك أن الإنشاء لا نسبة له ولا خارج يطابق أو لا يطابق وهذا لا يصح؛ لأن الإنشاء له نسبة قطعا إلا أنها غير حكمية كما تقدم لك ذلك عن قرب، وإن جعلت النفى منصبا على القيدين دون المقيد كما هو
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الغالب اقتضى أن الإنشاء له نسبة ولا خارج لها أصلا يطابق أو لا يطابق، وهذا خلاف التحقيق.
والتحقيق كما قال الشارح: إن الإنشاء له نسبة كلامية ونسبة خارجية تارة يتطابقان ولا يتطابقان تارة أخرى، فنحو: هل زيد قائم، وقم النسبة الكلامية للأول طلب الفهم من المخاطب، وللثانى طلب القيام منه والنسبة الخارجة لهما الطلب النفسى للفهم فى الأول، والقيام فى الثاني، فإن كان الطلب النفسى ثابتا للمتكلم فى الواقع كان الخارج مطابقا للنسبة الكلامية، وإن كان الطلب النفسى ليس ثابتا للمتكلم فى الواقع كان الخارج غير مطابق، ونحو: بعت الإنشائى نسبته الكلامية إيجاد البيع المفهوم من اللفظ والخارجية الإيجاد القائم بنفس المتكلم، فإن كان الإيجاد ثابتا للمتكلم فى الواقع كان مطابقا، وإلا فلا، ومما يدل على أن الإنشاء له نسبة خارجية تطابقه أو لا تطابقه، أن النسبة بين كل أمرين فى الواقع، إما ثبوتية أو سلبية على طريق الحصر العقلى، وإلا لزم ارتفاع النقيضين أو اجتماعهما، والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، والنسبة بين الأمرين فى الواقع نسبة خارجية، وهى إما: مطابقة للنسبة المفهومة من الكلام أولا، فعلم من هذا أن النسبة الكلامية والخارجية والمطابقة وعدمها أمور لا بد منها فى الخبر والإنشاء، والفارق بينهما إنما هو القصد وعدم القصد، فالخبر لا بد فيه من قصد المطابقة أو قصد عدمها، والإنشاء ليس فيه قصد للمطابقة ولا لعدمها، وهذا محصل ما أشار له الشارح بقوله: وتحقيق ذلك إلخ، ويمكن تمشية كلام المصنف عليه بأن يجعل فى قوله: فى جانب الخبر إن كان لنسبته خارج تطابقه أى: يقصد مطابقتها له أو يقصد عدم مطابقتها له فخبر، وقوله وإلا فإنشاء أى: وإلا يكن لنسبته خارج تقصد مطابقته أو عدم مطابقته فإنشاء، ويجعل النفى منصبا على القيد الأخير أعنى: تقصد مطابقته، فكأنه قيل: وإن كان لنسبته خارج تطابقه أو لا تطابقه، لكن لم يقصد فإنشاء وفيه بحث؛ لأنه لا خبر يقصد به عدم مطابقة نسبته؛ لأن الخبر وضع للمطابقة، وأما عدمها وهو الكذب فلا دلالة للفظ عليه، وإنما هو احتمال عقلى كما يأتي.
وتحقيق ذلك أن الكلام إما أن تكون نسبته بحيث تحصل من اللفظ ويكون اللفظ موجدا لها
…
===
بقى شىء آخر وهو أن المراد بقصد مطابقة النسبة الكلامية للخارجية أن يقصد المتكلم بالكلام حكاية معنى حاصل فى الخارج بدونه، ومؤدى الحكاية هو مؤدى المطابقة، فقولنا: زيد قائم. قصدنا به حكاية ثبوت القيام لزيد فى الواقع، بمعنى أن فى الواقع شيئا هو قيام زيد حكيته بقولك: زيد قائم، بخلاف: اضرب ونحوه من صيغ الإنشاء، فإنه لم يقصد به حكاية شىء، بل المقصود بإحداث مدلوله وهو طلب الضرب وإيجاده بذلك اللفظ بحيث لا يحصل ذلك المعنى بدون اللفظ، فإن قصدت بصيغة الإنشاء المطابقة أى: حكاية ما فى الواقع وهو النسبة الخارجية وهو الطلب القائم بالنفس مثلا كان خبرا مجازا، وصار معنى: اضرب: أنا طالب للضرب، والحاصل أن النسبة التى لها خارج هى التى تكون حاكية عن نسبة أى حالة بين الطرفين فى نفس الأمر ونسب الإنشاء ليست حاكية، بل محضرة ليترتب عليها وجود أو عدم أو معرفة أو تحسر أو نحو ذلك، وحينئذ فالنسب الإنشائية لا خارج لها، ولهذا اختار أرباب حواشى المطول كالفنارى والقرمى وعبد الحكيم رجوع النفى فى كلام المصنف للقيدين كما هو المتبادر منه، وأن النسبة لا محالة موجودة فى الإنشاء دون الخارج ودون قيده، واستدلوا على أنه لو كان له خارج لزم أن يتصور فيه الصدق والكذب؛ لأنهما من لوازم الخارجية، واللازم باطل فكذلك الملزوم.
(قوله: وتحقيق ذلك) أى: الفرق بين الإنشاء والخبر، وقوله أن الكلام: يعنى مطلقا، وحاصله أن للإنشاء أيضا نسبة خارجية تطابقه أو لا تطابقه، والفرق بينه وبين الخبر قصد المطابقة واللامطابقة فى الخبر وعدم قصد ذلك فى الإنشاء، وفى قوله وتحقيق إلخ: إشارة إلى أن ما يقتضيه ظاهر المتن من أن الفرق بينهما أن الخبر له خارج، والإنشاء لا خارج له، كلام ظاهرى خلاف التحقيق، وقد علمت ما فى ذلك التحقيق وأن الحق خلافه
(قوله: بحيث تحصل) الباء للملابسة أى: ملتبسة بحالة، وهى أن تحصل من اللفظ أى: تفهم منه، فالعطف مغاير أو توجد، فالعطف تفسيرى، ومعنى إيجاد اللفظ
من غير قصد إلى كونه دالا على نسبة حاصلة فى الواقع بين الشيئين وهو الإنشاء، أو تكون نسبته بحيث يقصد أن لها نسبة خارجية تطابقه أو لا تطابقه وهو الخبر؛ لأن النسبة المفهومة من الكلام
…
===
لها: أن لا تحصل بدونه، فإذا قلت: اضرب زيدا، فنسبته المفهومية منه طلب الضرب، ولا شك أن ذلك لا يحصل إلا بهذا اللفظ، ولم يقصد بذلك اللفظ حكاية شىء حاصل فى الواقع: كالطلب القائم بالنفس، ثم لا يخفى أن الفعل المتعدى للمفعول فيه النسبتان:
نسبة الفعل للفاعل، ونسبته للمفعول، فقول الشارح. إما أن تكون نسبته إلخ: يصح أن يراد بها كل منهما؛ لأن كلا منهما يحصل باللفظ بحيث يكون موجدا لها.
(قوله: من غير قصد إلى كونه دالا على نسبة حاصلة فى الواقع) هذا لا ينافى أن الإنشاء له نسبة خارجية؛ لأن نفى القصد إلى كونه دالا على النسبة الواقعية لا يستلزم نفى حصول تلك النسبة، ثم إن الأولى للشارح أن يقول: من غير قصد إلى كونها مطابقة لنسبة فى الواقع وهو الإنشاء، وذلك لأن ظاهره يقتضى أن الفرق بين الإنشاء والخبر قصد الدلالة على نسبة فى الواقع بين شيئين، وعدم قصد تلك الدلالة، مع أن الفرق قصد المطابقة بين النسبتين وعدم قصد ذلك وإن كان يمكن أن يقال: إنه يلزم من عدم قصد الدلالة على نسبة حاصلة فى الواقع عدم قصد المطابقة.
(قوله: بحيث يقصد) المناسب أن يقول أو يكون نسبة تقصد مطابقتها للنسبة الخارجية أو عدم مطابقتها لها
(قوله: لأن النسبة المفهومة إلخ) علة لما تضمنه قوله: أو تكون نسبته بحيث إلخ، من أن فى الخبر نسبتين لا أنه متعلق بجميع التحقيق على أنه علة لما تضمنه من أن فى الكلام مطلقا نسبتين؛ لأنه وإن كان صحيحا لما تقرر من أن فى الإنشاء أيضا خارجا إلا إنه لا يناسب قوله: فإنك إذا قلت إلخ؛ لأنه لا تعرض فيه للإنشاء، وقد يقال: إن قوله: المفهومة من الكلام دون أن يقول من الخبر، ربما يؤيد الاحتمال الثاني، وتمثيل الشارح بما إذا قلت: زيد قائم لا يخصص، نعم قول الشارح بأن يكون هذا ذاك، وقوله: بأن لا يكون هذا ذاك يعينان الاحتمال الأول؛ لأن كون هذا عين ذاك أو غيره يختص بالخبر، إذ النسبة في:(اضرب) مثلا تعلق الضرب بالمخاطب
الحاصلة فى الذهن لا بد أن تكون بين الشيئين، ومع قطع النظر عن الذهن لا بد وأن يكون بين هذين الشيئين فى الواقع
…
===
على وجه طلبه منه، وحاصل ما أفاده هذا التعليل: أن هناك نسبة مفهومة من الكلام حاصلة فى الذهن بقطع النظر عن الخارج، ونسبة فى الخارج بقطع النظر عن الذهن.
(قوله: الحاصلة فى الذهن) أشار به إلى أن النسبة الكلامية والذهنية متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار، فمن حيث دلالة الكلام عليها يقال لها: نسبة كلامية، ومن حيث إدراكها فى الذهن وتصورها فيه يقال لها: ذهنية، وقوله الحاصلة فى الذهن يشمل الكواذب عمدا؛ لأن الذهن يتصور النسبة الكاذبة ولو كانت مستحيلة.
(قوله: لا بد أن تكون بين الشيئين) هما الموضوع والمحمول، أى: لأنها من المعانى الجزئية فلا تتعقل إلا بتعقل هذين الشيئين، وقوله لا بد: خبر أن
(قوله: ومع قطع النظر عن الذهن لا بد إلخ) لا بد عطف على لا بد السابقة وفى الكلام تقديم وتأخير، والأصل ولا بد من قطع النظر عن الذهن أن يكون إلخ، والواو وفى قوله وأن يكون:
زائدة فى متعلق اسم لا، والأصل لا بد أن يكون أى: لا بد من أن يكون، أى: لا غنى عن أن يكون، فالواو هنا ك (هى) فى قول الشاعر (1):
فما بال من أسعى لأجبر كسره
…
حفاظا وينوى من سفاهته كسري
فإن الواو فى قوله وينوى: زائدة دخولها فى الكلام كخروجها، وخبر لا محذوف أى: حاصل، ومصب التعليل قوله: ولا بد أن يكون بين هذين الشيئين إلخ، بقى شىء آخر وهو أن فى كلام الشارح أمورا منها: أن كون النسبة المفهومة من الكلام لا بد أن تكون بين شيئين، هذا أمر معلوم لا يتوهم إنكاره فلا فائدة فى الإخبار به، فالأولى أن يقول: لأن النسبة المفهومة من الكلام حاصلة فى الذهن قطعا، ومع قطع النظر عن الذهن
(1) البيت من الطويل، وهو لعامر بن مجنون فى حماسة البحترى ص 75، وشرح شواهد المغنى 2/ 781، ومجالس ثعلب 1/ 173؛ ولكنانة بن عبد الثقفى أو للحارث بن وعلة فى الحماسة الشجرية 1/ 264؛ وللأجرد فى الشعر والشعراء 2/ 738؛ وبلا نسبة فى مغنى اللبيب 2/ 362 ويروى:
وما بال من أسعى لأجبر عظمه
…
...
نسبة: ثبوتية بأن يكون هذا ذاك، أو سلبية بأن لا يكون هذا ذاك
…
===
نجد نسبة بين جزأى الكلام حاصلة فى الخارج، فقد تحقق وجود النسبتين فى الكلام وتحقق الفرق بينهما، وذلك لأن الكلامية طرفها الذهن والخارجية طرفها الخارج أفاده شيخنا العدوى.
ومنها أن قوله ولا بد مع قطع النظر عن الذهن أن يكون إلخ: ظاهره اختصاص النسبة الخارجية بالقضايا الخارجية التى حكم فيها على أفراد الموضوع المحققة الوجود فى الخارج كقولنا: الإنسان حيوان، فإن الحيوانية ثابتة لأفراد الإنسان فى الخارج، مع قطع النظر عن الذهن دون الذهنية التى حكم فيها على أفراد الموضوع التى لا تحقق لها فى الخارج بأن كانت كلها ذهنية أو بعضها ذهنى وبعضها خارجى، فالأولى كقولنا: شريك البارى ممتنع، والثانية كقولنا: ما سوى الواجب تعالى ممكن؛ لأن أفراد ما سوى الواجب يشمل المستحيل العادى كبحر من زئبق ولا وجود له إلا فى الذهن؛ لأن القضايا الذهنية لا يصح فيها قطع النظر عن الذهن، إذ لا وجود لها إلا فيه ولا وجود لها فى خارج الأعيان مع أن القضايا مطلقا لها نسبة خارجية.
وقد يجاب بأن المراد بقطع النظر عن الذهن قطع النظر عن فهم الذهن، النسبة الكلامية من الكلام وبالواقع نفس الأمر لا خارج الأعيان، فدخلت تلك القضايا المذكورة، أو يقال: إن قوله ومع قطع النظر إلخ، فى معنى المبالغة، وكأنه قال ولا بد أن يكون بين هذين الشيئين نسبة فى الواقع حتى ولو قطع النظر عن الذهن أى: هذا إذا لم يقطع النظر عن الذهن، بل نظر إليه كما فى القضايا الذهنية، بل وقطع النظر عنه كما فى القضايا الخارجية، وليس قوله مع قطع النظر: شرطا لوجود النسبة الخارجية، وحينئذ فاشتمل كلامه على القسمين المذكورين
(قوله: نسبة ثبوتية) أى: وهى النسبة الخارجية، وقوله بأن يكون هذا أى: الموضوع ذاك أى: المحمول كما في: زيد قائم، فإن المراد من القائم نفس زيد، وقوله بأن لا يكون هذا أى: الموضوع ذاك، أى: المحمول، كما في: زيد ليس بقائم، فإنه يدل على أن زيدا غير القائم فى الواقع، وقوله بأن يكون هذا ذاك أى: مثلا لأجل دخول القضايا الشرطية، فإن النسبة فيها اللزوم لا أن هذا
ألا ترى أنك إذا قلت: زيد قائم- فإن القيام حصل لزيد قطعا، سواء قلنا إن النسبة من الأمور الخارجية، أو ليست منها؛
…
===
ذاك، إذ هذا إنما يظهر فى الحملية
(قوله: ألا ترى إلخ) هذا استدلال على النسبة الخارجية.
(قوله: فإن القيام حاصل لزيد) يحتمل أن المراد حاصل له فى الواقع إذا كان الكلام صادقا، وفى الكلام حذف شىء يتم به البيان والتقدير حاصل لزيد قطعا أو ليس بحاصل له قطعا، وحصوله وعدم حصوله فى الواقع هو النسبة الخارجية التى تعتبر المطابقة بينها وبين النسبة المفهومة من الكلام، وقوله: قطعا، أى: وإن قطعت النظر عن إدراك الذهن فليس القطع بمعنى الجزم، وهذا الاحتمال هو المناسب لسياق الكلام ويحتمل أن المراد، فإن القيام حاصل لزيد أى بمقتضى دلالة الكلام لا بالنظر للواقع من كونه صادقا أو كاذبا لأن الكلام يدل على تحقق النسبة وحصولها فى الخارج، وأما احتمال الكذب فهو عقلى لا مفهوم للفظ
(قوله: سواء قلنا إلخ) هذا تعميم فى قوله:
فإن القيام حاصل لزيد قطعا، وهذا التعميم زيادة فائدة ولا دخل له فى الاستدلال المشار له بقوله ألا ترى إلخ.
(قوله: من الأمور الخارجية) أى: بناء على مذهب الحكماء من أن الأعراض النسبية لها وجود أى تحقق فى الخارج، أى: خارج الأعيان يمكن رؤيتها، وقوله أو ليست منها أى: من الأمور الخارجية، بل من الأمور الاعتبارية كما يقوله أهل السنة فإنهم يقولون: إن الأعراض النسبية أمور اعتبارية لا تحقق لها فى خارج الأعيان، بل فى خارج الأذهان؛ لأن لها تحققا فى نفسها، لكنها لم تصل لمرتبة المشاهدة بالبصر، بل ذكر بعضهم أنه لا ثبوت لها فى نفسها، بل فى الذهن فقط، فإن قلت: حيث كانت الأمور الاعتبارية لا وجود لها فى خارج الأعيان، بل ولا فى خارج الأذهان على هذا القول، فما الفرق بين الصادق منها والكاذب؟ قلت: الفرق أن الاعتبار الكاذب لا مستند له، بل هو أمر ينتزعه الذهن كبخل الكريم وكرم البخيل، والاعتبار الصادق يستند للأمور الخارجية: كأبوة زيد لعمرو، فإن قلت إذا كانت النسبة أمرا اعتباريا على ما يقوله أهل
وهذا معنى وجود النسبة الخارجية (والخبر
…
===
السنة، فما معنى نسبتها للخارج وقولهم خارجية ووصفهم لها بالوجود فى قولهم إنها موجودة فى الخارج، وهل هذا إلا تناف؟ قلت: المراد بوجودها ثبوتها وتحققها والمراد بالخارج الذى نسبت له خارج الأذهان، وهو نفس الأمر لا خارج الأعيان، وإلى هذا أشار الشارح بقوله: وهذا معنى إلخ.
(قوله: وهذا معنى إلخ) أى: وما ذكرناه من ثبوت النسبة فى الواقع بين الشيئين المذكورين مع قطع النظر عن الذهن معنى وجود إلخ، فاسم الإشارة راجع لوجود النسبة فى الواقع بين الشيئين المذكورين مع قطع النظر عن الحاصل فى الذهن، أى: إن معنى وجود النسبة الخارجية تحققها فى الواقع أى: تحققها فى ذاتها بين الشيئين بقطع النظر عن اعتبار معتبر وفرض فارض، وليس المراد بوجودها تحققها فى خارج الأعيان بحيث يمكن رؤيتها: كبياض الجسم فمعنى الخارج الذى نسبت إليه النسبة خارج الذهن وهو الواقع ونفس الأمر، وليس المراد به خارج الأعيان؛ لأن الخارج يطلق بمعنى الواقع ونفس الأمر أى: نفس الشىء، وبمعنى الأعيان أى: الأشياء المعينة المشاهدة، ومعنى وجود الشىء فيها أنه فرد من أفرادها ومعدود منها، إذا علمت هذا فقولهم النسبة موجودة فى نفس الأمر معناه: أنها متحققة فى نفسها، بقطع النظر عن اعتبار المعتبر وفرض الفارض، فهو إظهار فى محل الإضمار، وإذا قيل: زيد موجود فى خارج الأعيان، فمعناه أنه من جملة الأمور المعينة المشاهدة التى يمكن رؤيتها.
واعلم أن الموجود أى: المتحقق فى خارج الأذهان أعم من الموجود، أى:
المتحقق فى خارج الأعيان؛ لأن الأول إما أن يصل لمرتبة المشاهدة فيكون موجودا فى خارج الأعيان أيضا أو لا، فيكون موجودا فى خارج الأذهان فقط، فزيد يصدق عليه أنه موجود فى خارج الأذهان والأعيان، والنسبة الخارجية يصدق عليها أنها موجودة فى خارج الأذهان لا فى خارج الأعيان؛ لأن لها تحققا فى نفسها، لكن لم تصل لمرتبة المشاهدة، وأن الاعتباريات قسمان: قسم لا تحقق له فى نفسه، بل هو أمر توهم محض يحصل بمجرد اعتبار المعتبر وفرض الفارض، وهذا لا تحقق له لا فى خارج الأذهان ولا
لا بد له من مسند إليه ومسند وإسناد، والمسند قد يكون له متعلقات إذا كان فعلا
…
===
فى خارج الأعيان، ومنها ماله تحقق فى نفسه بقطع النظر عن اعتبار المعتبر وفرض الفارض، وهذا الثانى هو الموجود من الاعتبارات خارج الأذهان. قرر ذلك كله شيخنا العلامة العدوى عليه سحائب الرحمة والرضوان.
(قوله: لا بد له من مسند إليه ومسند وإسناد) أى: وحينئذ فلا بد لها من أبواب ثلاثة تبين أحوالها، فإذا ضممت هذه الثلاثة لباب الإنشاء المبين لأحواله كانت الأبواب أربعة وكان الأولى للمصنف أن يقول: من إسناد ومسند إليه ومسند ليوافق ما مر من قوله: وينحصر فى ثمانية أبواب أحواب الإسناد إلخ، وما يأتى فى ترتيب الأبواب، وليتصل المسند بما يتعلق به، إلا أن يقال إنه لاحظ أن الإسناد رابطة بين شيئين لا يعقل إلا بعد تعقلهما، فرتبته التأخير، لكن فيه ما يأتي.
(قوله: والمسند قد يكون إلخ) وذلك نحو: ضرب زيد عمرا، فاحتيج لباب خامس يبين أحواله، وقضية كلامه أن المسند إليه لا يكون له متعلق وليس كذلك، إذ المسند إليه قد يكون له متعلقات حيث كان مشتقا نحو: المنطلق يوم الجمعة زيد، والضارب زيدا قائم، ومعلم زيد عمرا شاخصا حاضر، ويجاب بأن المسند إليه فى الأولين فى الحقيقة إنما هو أل والمتعلق المذكور للصلة لا للمسند إليه، وأما فى الثالث فالمنصوب فيه ليس بفضلة، وإنما هو عمدة بدليل الإضمار فى التنازع أو يجاب بأن المصنف إنما اقتصر على المسند؛ لأن الغالب فى المسند أن يكون له متعلق دون المسند إليه وإنما كان الغالب فى المسند أن يكون له متعلقات دون المسند إليه؛ لأن المسند فى الغالب يكون مشتقا والمسند إليه جامد، وما كان الغالب عليه أن يكون مشتقا يكون له متعلقات أكثر.
بقى شىء آخر: وهو أن المسند إذا كان فعلا أو بمعناه فلا بد له من متعلقات؛ لأنه وإن لم يلزم أن يكون متعديا لكن لا بد له من مفعول مطلق ومفعول فيه، نعم قد يحذف وكلام المصنف أعم من الذكر والحذف بدليل أنه سيقول: أما حذفه فلكذا وظاهر
أو فى معناه) كالمصدر، واسم الفاعل، واسم المفعول، وما أشبه ذلك. ولا وجه لتخصيص هذا الكلام بالخبر (وكل من
…
===
قول المصنف هنا، والمسند قد يكون له متعلقات إذا كان فعلا أنه لا تلزمه المتعلقات إذا كان فعلا أو بمعناه وليس كذلك كما علمت، والجواب أن فى كلام المصنف حذفا، والتقدير قد يكون له متعلقات وقد لا يكون له ذلك، أى: كما إذا كان جامدا نحو:
زيد أخوك، وإنما يكون له ذلك إذا كان فعلا إلخ
(قوله: أو فى معناه) أى: أو كان فى معناه أى ملتبسا بمعناه التضمنى من التباس الدال بالمدلول بأن كان اسما دالا على الحدث.
(قوله: كالمصدر إلخ) التمثيل بالمصدر وما معه لما هو فى معنى الفعل إنما يستقيم على تقدير أن يراد بالفعل الفعل الاصطلاحى فيكون ما فيه معنى الفعل أعم مما تضمن حروفه: كالمصدر والوصف أو لا كحروف التنبيه وأسماء الإشارة ونحوها، وأما على تقدير أن يراد بالفعل الفعل الحقيقى أعم من أن يعبر عنه بالمصدر وغيره مما يتضمن حروفه، فيكون المراد بما فى معناه مالا يتضمن حروفه: كالظرف واسم الفعل واسم الإشارة ونحوها
(قوله: ولا وجه لتخصيص إلخ) أى: لأن الإنشاء لا بد له أيضا مما ذكر، فكان على المصنف أن يقول: وكل من الخبر والإنشاء لا بد له من مسند إلخ، وقد يجاب بأنه إنما خص الخبر بالذكر لكونه أعظم شأنا وأكثر فائدة واشتمالا على النكات والخصوصيات البديعة التى بها التفاضل ولكونه أصلا فى الكلام لحصول الإنشائية، إما بنقل كما في: بعت، أو زيادة أداة كما في: لتضرب ولا تضرب، أو حذف كما في: اضرب، فإن أصله لتضرب، وبالجملة فالخبر هو الجزء الأعظم، فلذا أفرد المصنف الأبحاث عن أحوال أجزائه من مسند إليه ومسند وإسناد بالتدوين، وجعل للبحث عن حال كل واحد منها بابا على حدة، وأحال معرفة أحوال أجزاء ما عداه عليه فيما يأتي، حيث يقول فى آخر أحوال المسند: تنبيه، ما تقدم من الاعتبارات فى أحوال المسند إليه أو المسند أو الإسناد كما تجرى فى الخبر تجرى فى الإنشاء.
(قوله: الإسناد) أى: بين المسند والمسند إليه، إما بقصر نحو: ما زيد إلا قائم، أو بدونه نحو: زيد قائم، وقوله والتعلق أى: بين المسند والفضلات المشار إليها بقوله قد
الإسناد والتعلق إما بقصر أو بغير قصر، وكل جملة قرنت بأخرى إما معطوفة عليها أو غير معطوفة، والكلام البليغ إما زائد على أصل المراد لفائدة) احترز به عن التطويل، على أنه لا حاجة إليه بعد تقييد الكلام بالبليغ
…
===
يكون له متعلقا إما بقصر نحو: زيد ما ضرب إلا عمرا، وقد يكون بدون قصر نحو:
زيد ضرب عمرا
(قوله: إما بقصر إلخ) أى: وحينئذ فلا بد من باب سادس للبحث عن القصر وأدواته
(قوله: إما معطوفة) أى: تلك الجملة المقرونة، وهو المسمى بالوصل، وقوله أو غير معطوفة أى: تلك الجملة المقرونة وهو المسمى بالفصل، فلا بد من باب سابع يبين فيه ذلك؛ لأن هذا حال للكلام بالقياس لكلام آخر، ثم إن المراد بقوله وكل جملة قرنت بأخرى أى: مما يقبل العطف فى أداء أصل المعنى، وحينئذ فلا يتناول الجمل الحالية المتداخلة نحو: جاء زيد يركب يسرع، فاندفع ما يقال إنها داخلة فى قوله: أو غير معطوفة مع أنها ليست من الفصل والوصل، بل من متعلقات الفعل، وإنما ذكر المصنف التذنيب فى باب الفصل والوصل لمزيد مناسبة له ولو قال بدل قوله: أو غير معطوفة أو متروكة العطف كان أولى؛ لأن الترك يشعر بقبول المتروك العطف.
(قوله: إما زائد على أصل المراد) أى: وهو الإطناب، وقوله أو غير زائد صادق بأن لا يكون ناقصا أيضا وهو المساواة أو كان ناقصا وهو الإيجاز أى: وحينئذ فلا بد من باب ثامن يبين فيه ذلك وهو باب الإيجاز والإطناب والمساواة
(قوله: احترز به) أى بقوله: لفائدة عن التطويل وهو الزيادة على أصل المراد لا لفائدة، وكذا احترز به عن الحشو، فإنه أيضا زيادة على أصل المراد لا لفائدة، لكنها فى الثانى متعينة دون الأول على ما يأتى.
(قوله: على أنه لا حاجة إليه) على للاستدراك أى: لكن لا حاجة إليه أى:
إلى ذلك القيد وهو قوله: لفائدة؛ وذلك لأن الكلام البليغ هو المطابق لمقتضى الحال، ومتى كان مطابقا لمقتضى الحال فلا بد فيه من فائدة، ومتى كان زائدا لا لفائدة فلا يكون بليغا- هذا كلامه، وفيه أن هذا لا يتم إلا لو قلنا: إن كل كلمة من الكلام البليغ لا بد أن يكون يقتضيها الحال، فإذا كانت فيه كلمة لا يقتضيها الحال بأن كانت زائدة
(أو غير زائد) هذا كله ظاهر لكن لا طائل تحته؛ لأن جميع ما ذكر من القصر والفصل والوصل والإيجاز
…
===
كان الكلام غير بليغ، كما إذا قلت لخالى الذهن: زيد قائم فى الدار، فإن قولك فى الدار غير محتاج إليه، والحق أنه يقال له بليغ، ولا يشترط ذلك الشرط وأن القيد محتاج إليه لإخراج ما ذكر، سلمنا أن قيد البليغ يغنى عن قوله لفائدة، فيقال إن قصد المصنف تحقيق معنى الإطناب وإيضاحه وبيان أن الزيادة لفائدة مأخوذة فيه ولو لم يقيد الزيادة بالفائدة لربما توهم أن الإطناب هو الزيادة مطلقا لإطلاقها عن قيد الفائدة مع أنه مقيد بها فى الواقع
(قوله: أو غير زائد) المتبادر منه أن المراد أو غير زائد على أصل المراد لفائدة فيدخل فيه التطويل والحشو؛ لأن غير الزائد لفائدة صادق بغير الزائد أصلا وبالزائد لا لفائدة، فكان الأولى أن يقول: أو غير زائد على أصل المراد أصلا ويقيده بكونه لفائدة؛ لأن عدم الزيادة فى الإيجاز والمساواة لا بد أن يكون لفائدة.
(قوله: هذا كله إلخ) اعلم أن التقديم والتأخير والذكر والحذف مثلا من أحوال كل من المسند إليه والمسند ومتعلقات المسند، فلذا ذكرت فى كل من باب أحوال المسند إليه وأحوال المسند وأحوال المتعلقات، ومثل التقديم والتأخير والذكر والحذف فى أنها أحوال للثلاثة: القصر فهو تارة يتعلق بالمسند إليه وتارة بالمسند وتارة بالمتعلقات، فكان المناسب أن لا يخص بباب، بل يذكر فى باب المسند إليه والمسند والمتعلقات مثل التقديم والتأخير والذكر والحذف والفصل والوصل من أحوال الجملة الخبرية، فالمناسب أن يذكر فى أحوال الإسناد:
كالتأكيد والحقيقة العقلية والمجاز العقلى ولا يخصهما بباب، وكل واحد من الإيجاز والإطناب والمساواة تارة يتعلق بالجملة وتارة يتعلق بالمسند إليه وتارة يتعلق بالمسند، فالمناسب ذكر هذه الثلاثة فى باب الإسناد وفى باب المسند إليه والمسند، ولا يخصها بباب، إذا علمت هذا، فيقال: كأن الأولى للمصنف أن لا يلتفت لبيان الحصر؛ لأنه معلوم بالاستقراء، بل الأولى له أن يلتفت لتخصيص كل من هذه الأمور الثلاثة بباب على حدته، وإلى هذا أشار الشارح بقوله وهذا أى: دليل الحصر، أعنى: قول المصنف؛ لأن الكلام إما خبر أو إنشاء إلى آخر ما ذكره فى دليل الحصر
(قوله: لكن لا طائل تحته) أى: لا ثمرة له
(قوله: لأن جميع إلخ)
ومقابليه إنما هو من أحوال الجملة، أو المسند إليه، أو المسند؛ مثل: التأكيد، والتقديم، والتأخير، وغير ذلك. فالواجب فى هذا المقام بيان سبب إفرادها وجعلها أبوابا برأسها؛ وقد لخصنا ذلك فى الشرح.
===
علة لمحذوف أى: والأولى الالتفات لما تحته طائل وهو بيان تخصيص بعض الأحوال:
كالقصر والفصل والوصل والإطناب ومقابليه بأبواب؛ وذلك لأن إلخ.
(قوله: ومقابليه) أى: الإيجاز والمساواة
(قوله: إنما هو) أى: جميع ما ذكر
(قوله: من أحوال الجملة) هذا بالنظر للفصل والوصل والإيجاز والإطناب والمساواة إذا تعلقت بجملة، وقوله: أو المسند إليه أو المسند- هذا بالنظر للقصر وللإطناب ومقابليه إذا تعلقت بمفرد، وكان عليه أن يزيد أو المتعلق
(قوله: مثل التأكيد) هو من أحوال الجملة فهو يناسب الفصل والوصل والإيجاز ومقابليه إذا تعلقا بجملة، وقوله والتقديم والتأخير هما من أحوال الطرفين فهو مناسب للقصر والإيجاز ومقابليه إذا تعلقا بمفرد، فظهر لك مما قلناه أن قول الشارح: لأن جميع إلخ: علة لمحذوف، وأن فى كلام الشارح توزيعا
(قوله: فى هذا المقام) أى: مقام حصر المقصود من علم المعانى فى الأبواب الثمانية
(قوله: بيان سبب إفرادها) أى: عن غيرها من الأحوال وعدم ذكرها معها فى باب أحوال الإسناد الخبرى والمسند إليه والمسند والمتعلقات.
(قوله: وجعلها أبوابا) تفسير لما قبله، والحاصل أن الثمرة فى بيان وجه إفراد هذه الثلاثة بأبواب، وعدم ذكرها مع غيرها من الأحوال فى باب الإسناد الخبرى بالنسبة للفصل والوصل، وكذا بالنسبة للإيجاز ومقابليه، وفى المسند إليه والمسند والمتعلقات بالنسبة للقصر، وكذا بالنسبة للإيجاز ومقابليه، وأما مجرد تعدادها وبيان الحصر فيها فهذا لا طائل تحته؛ لأن هذا معلوم باستقراء كلامه.
(قوله: وقد لخصنا ذلك) أى: بيان السبب فى إفرادها أى: ذكرنا السبب بعبارة ملخصة وحاصل ما ذكره الشارح فى كبيره أنه إنما أفردها بأبواب؛ لكثرة تشعبها وصعوبة أمرها بكثرة مباحثها، بخلاف غيرها من الأحوال: كالتعريف والتنكير والتقديم والتأخير وغيرها من الأحوال، فلذا لم تفرد بأبواب فتأمل.