الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[عله تقديمه علي البيان]
قدمه على البيان لكونه منه بمنزلة المفرد من المركب؛
…
===
فامنعه حين يستوى الجزءان
…
عرفا ونكرا عادمى بيان
ثم إن الفن عبارة عن الألفاظ أى: القضايا الكلية؛ لأنه جزء من المختصر الذى هو اسم للألفاظ المخصوصة على ما سبق فى قوله: رتب المختصر على مقدمة وثلاثة فنون، والعلم يحتمل أن يراد به الملكة، ويحتمل أن يراد به القواعد كما سيأتى ذلك قريبا للشارح، فعلى أن المراد بالعلم: القواعد والأصول التى هى قضايا كلية، فالحمل صحيح؛ لأنه من حمل الألفاظ على الألفاظ، وعلى أن المراد بالعلم الملكة فالحمل غير صحيح؛ لأن الخبر غير المبتدأ، وقد يجاب بأن الحمل من باب الإسناد المجازى لما بين الألفاظ أى: القضايا الكلية التى هى الفن، والملكة من العلاقة الشديدة لحصولها بمزاولتها، ولا يرد أن الإسناد المجازى عند المصنف خاص بإسناد الفعل أو ما فى معناه لغير ما هو له، فخرج إسناد الخبر الجامد لغير ما هو له، فلا يكون مجازا عقليا؛ لأن الصحيح خلافه كما يأتى، وما ذكره العلامة الحفيد وتبعه الغنيمى من أن العلم عبارة عن المعانى والحمل غير صحيح، وأجابا بأن الإسناد مجازى أو يجاب كما ذكره غيرهما بتقدير مضاف، إما فى الأول أى مدلول الفن الأول: علم المعاني، أو فى الأخير أى:
الفن الأول. دال علم المعاني، فهذا ينبو عنه حمل الشارح العلم على الملكة، أو على الأصول والقواعد، وقوله بعد ذلك ينحصر فى ثمانية أبواب: من انحصار الكل فى أجزائه، إذ من المعلوم أن الأبواب الثمانية ألفاظ، فإذا كانت الأجزاء ألفاظا وقضايا- كان الكل، وهو علم المعانى كذلك. فتأمل ذلك.
(قوله: قدمه على البيان) لم يقل على علم البيان مع أنه أنسب بكلام المتن، حيث قال سابقا: وما يحترز به عن التعقيد المعنوى علم البيان، إشارة إلى أن العلم المعانى والبيان، وإضافة العلم فى مثل ذلك لما بعده من إضافة العام إلى الخاص، فقد عدل عن مراعاة النكتة اللفظية وهى المجانسة اللفظية لمراعاة تلك النكتة المعنوية
(قوله: لكونه منه إلخ) حاصله أن ثمرة علم المعاني، وهى رعاية المطابقة لمقتضى الحال يتوقف عليها ثمرة علم البيان، وهى إيراد المعنى الواحد بطرق متعددة مختلفة الدلالات فى الوضوح
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والخفاء، من حيث إنه لا يعتد بذلك الإيراد إلا إذا حصلت الرعاية لمقتضى الحال، كما يشعر به تعريف البيان بأنه علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة الوضوح والخفاء بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال، فلما كانت ثمرة البيان متوقفة على ثمرة المعاني، وعلم البيان متوقف على ثمرته وهو الإيراد المذكور، صار علم البيان متوقفا على شيئين ثمرته وثمرة علم المعانى التى توقف عليها ثمرته؛ لأن المتوقف على المتوقف على شىء متوقف على ذلك الشىء، وحيث كان علم البيان متوقفا على شيئين، وعلم المعانى متوقفا على واحد منهما صار علم المعانى بمنزلة الجزء من علم البيان، والجزء مقدم على الكل طبعا، فقدم علم المعانى لذلك وضعا، والحاصل أن ثمرة علم المعانى التى هى رعاية المطابقة شديدة الارتباط به؛ لأنها المقصودة منه حتى كأنها هو، وهى تشبه الجزء من علم البيان لتوقفه عليها من حيث اعتبار ثمرته والاعتداد بها، ويتوقف على غيرها أيضا: كإيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة الوضوح والخفاء، وما يتوقف عليه الشىء يشبه جزأه بجامع التوقف عليه فى الجملة، فتلك الرعاية وذلك الإيراد يشبهان أجزاء علم البيان لتوقفه عليهما، فكان علم المعانى بمنزلة الجزء لكون ثمرته المقصود منه كالجزء، وإنما قلنا إنها تشبه الجزء؛ لأنها ليست جزءا حقيقة للبيان، لأنه ليس عبارة عنها مع شىء آخر، وإنما قلنا من حيث اعتبار ثمرته والاعتداد بها؛ لأن تحققه وحصوله لا يتوقف على رعاية المطابقة؛ لأنه يمكن تحقق ملكة يقتدر بها على إيراد المعنى الواحد بالطرق المذكورة من غير رعاية للمطابقة، ولا شك أن هذه الملكة تسمى علم البيان.
إذا علمت هذا، فقول الشارح لكونه منه بمنزلة المفرد من المركب: كلمة من فى الموضعين ابتدائية، إلا أن الابتداء باعتبار الاتصال، لا أنها ابتدائية محضة؛ لأن مجرورها ليس مبدأ ومنشأ لنفس ما قبلها، بل متصل به، والمعنى لكون المعانى حال كونه ناشئا من البيان أى: متصلا به بمنزلة المفرد حال كونه ناشئا من المركب أى: متصلا به، وملخصه: أن اتصال المعانى بالبيان ونسبته إليه: كاتصال المفرد بالمركب، ونسبته إليه من جهة التوقف على كل، وإن كان توقف المركب على المفرد من جهة كونه جزءا
لأن رعاية المطابقة لمقتضى الحال- وهو مرجع علم المعانى- معتبرة فى علم البيان مع زيادة شىء آخر؛ وهو إيراد المعنى الواحد
…
===
له بخلاف توقف البيان على المعاني، ويصح أن تكون كلمة من متعلقة بمحذوف أى:
لكون قرب المعانى من البيان بمنزلة قرب المفرد من المركب، كما ذكر فى قوله فى قوله عليه الصلاة والسلام:" أنت منى بمنزلة هارون من موسى"(1)
(قوله: لأن رعاية إلخ) علة لكون اتصال المعانى بالبيان، بمنزلة اتصال المفرد بالمركب، وقوله لأن رعاية المطابقة لمقتضى الحال أى: التى هى ثمرة المعاني؛ لأن المعانى كما قال المصنف: علم يعرف به أحوال اللفظ العربى إلخ، وثمرة ذلك العلم رعاية المطابقة لمقتضى الحال.
(قوله: وهو مرجع إلخ) الضمير للرعاية وذكر الضمير باعتبار الخبر، والمراد بالمرجع هنا الفائدة والثمرة لا ما يتوقف حصول الشىء عليه، كما مر فى قول المصنف.
فعلم أن مرجع البلاغة إلخ، وذلك لما علمت أن تحقق علم المعانى وحصوله لا يتوقف على تحقق الرعاية المذكورة، إذ يمكن أن يوجد فى شخص ملكة يعرف بها أحوال اللفظ العربي، من حيث إن بها يطابق اللفظ مقتضى الحال، ولا يحصل من ذلك الشخص رعاية المطابقة المذكورة ولا قصدها، فقد وجد علم المعانى بدون تلك الرعاية
(قوله: معتبرة فى علم البيان) أى: من حيث إنها شرط فى الاعتداد بثمرته، وهى إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة الوضوح والخفاء، وليس المراد اعتبارها فى البيان على سبيل الجزئية له؛ لأن البيان ليس مركبا من اعتبار المطابقة وإيراد المعنى الواحد بطرق، فظهر لك من هذا أن المراد بالاعتبار فى كلام الشارح ما يشمل اعتبار الخارج واعتبار الفائدة، فإن رعاية المطابقة أمر خارج عن الواحد بطرق مختلفة: فهو فائدة لعلم البيان ومقصود منه، فاعتباره فيه من تلك الحيثية.
(قوله: المعنى الواحد) أى: كثبوت الجود لزيد، فإنك تعبر عنه تارة بقولك:
زيد سخى، وتارة بقولك: زيد جبان الكلب (2)، وتارة بقولك: زيد كثير الرماد، وتارة
(1) رواه البخارى فى كتاب فضائل الصحابة، باب: مناقب على (ح 3706).
(2)
فإن" جبان الكلب" كناية والمراد منه ثبوت الكرم.