الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[الوجوه العقليّة التي أوردها أبو الحسين البصريّ المعتزليّ]
إِنّا لما استَدللنا على أنّ أفعال العباد مخلوقةٌ لله بدللِ المرجِّح واجبٌ؛ فثَبَت أنّ فِعلَ العبد مخلوقٌ لله، وقد سبق تقريره غير موضعٍ- اعترضوا عليه بما أَمكَن.
ثمّ قال أبو الحسين وأصحابُه: "هذا الاستدلال فاسدُ الاعتبارِ؛ لأنّه في مقابَلة ما عُلِم صحّتُه بضرورة العقلِ. وبيانه من وجوهٍ.
"الأوّل: أنّ كلّ عاقلٍ يَعلم بالضرورة منه ومِن غيرِه أنّ أفعاله تابعةٌ لدواعيه وقصوده وجودًا وعدمً. فيَتناول الطعامَ والشرابَ، إِذا احتاج إِليهما، ولم يمنعه منهما مانعٌ. ويَتركهما إِذا لم يحتج إِليهما، أو كانا مضرَّين له. وكذلك يَنغمِس في الماء في الصيف للتبّرد، ويجتنبه في الشتاء للمضرّة؛ وبالعكس في اصطلاء النار. وإِذا كان الموجِد للشيء هو الذي يَحدث منه الفعلُ موافِقًا لدواعيه، وثَبَتَ أنّ العقلاء تَقرَّر في بداية عقولهم أنّ العبد كذلك، علِمنا أنَ عِلمَهم بأنهم هم الذين يُحدثِون أفعالهم علمٌ ضروريٌّ.
"الثاني: أنّ العقلاء بالضرورة يَعلمون حُسنَ ذمّش المسيءِ ومَدحِ المحسِنِ، ويُبادِرون إِلى ذلك ببدائههم. حتى إِنّ الصبيّ، أو المراهق، إِذا أعطيتًه كِسرةً، مَدَحَك؛ وإِذا ضربته بحجرٍ آلمه، بادر إِلى ذمِّ الرامي له ببديهته، دون الحجر أو غيره. ولولا علمه بالضرورة أنّ الرامى هو الفاعل، لما استحسَن ذلك، ولا بادر إِليه. كما إِنّه هو وغيره من العقلاء لا يَذمّون القصيرَ لقِصره، ولا الأسود لسواده؛ لأنّ ذلك ليس فِعلًا له.
"الثالث: أنّ الواحد منّا يجد من نفسه وغيره أنّه إِذا طَلَب من غيره فعلًَا، أنّه يَطلُبه منه طلبَ عالِمٍ أنّه الذي يوجِد ذلك الفعلَ ويُحدثِه؛ ولذلك يَتلطّف له بكلّ ممكنٍ، ويَتوصّل إِليه بكلّ وسيلةٍ، من تواضعٍ ومدحٍ وترغيبٍ وترهيبٍ وتوبيخٍ ومعاتبةٍ على التَرك، ويتعجَب منه، ويُعَجٍَب منه، ويُعَجِّب منه غيره، ويَستظرفه. ونجد من أنفسنا الفرقَ الضروريَّ بين أمرِ الشخص بالقيام والقعود، وبين أمرِه بإِيجاد السماء والكواكب، أو حيوانٍ، أو إِنسانٍ مِثله. ولولا أنّ العلم لضروريّ حاصلٌ بأنّ العبد هو الموجِد بأفعاله
الاختياريّة، [لَما وجَدنا ذلك]. فكلّ حجةٍ تذكرونها في خلاف ذلك، إِمّا أن لا تكون قادحة فيما ذكرناه؛ فقد حَصَل مقصودُنا، لسلامة ما ذكرناه مِن قادحٍ. أو تكون قادحةً؛ فلا تَستحقّ الجوابَ؛ لأنّ القادح في الضروريّات معلومُ البطلانِ بالضرورة؛ فلا يَستحقّ الجوابَ".
والجواب أنّ ما ذكره مستدرَكٌ ضعيفٌ. أمّا كونه مستدرَكًا، فإنّ قولَه، "ما ذكرتكوه من الحجج على أنّ العبد ليس موجِدًا لأفعاله، إِمّا أن يكون قادحًا فيما ذكرناه من العلم الضروريّ، أو لا يكون"، لا معنى له؛ لأنّ المعلوم بالضرورة لا يَقدَح فيه شيءٌ. لأنّ القدح في الدليل ونحوه هو تضعيفه وتوهينه؛ والضروريّات لا يَلحَقها ذلك. وهو قد أَثبت القدحَ فيما ذكره منه على أحد التقديرية، وذكر أنّ حَكمه أنّه لا يَستحِقّ الجوابَ. وقد كان سبيله أن يَعكس، فيقول:"ما ذكرتموه، إِمّا أن لا يَستحِقّ جوابًا، فقد كُفِينا مؤونَته؛ أو يَستحِق جوابًا، لكنّه على كلّ حالٍ لا يقوى على دفعِ الضرورات".
فذلك أسدُّ ممّا ذَكَره.
وأمّا كونه ضعيفًا، فلوجهين.
أحدهما: أنّ العلم الضروريّ لا يَتنازع فيه العقلاءُ. وهذه مسألة قد وَقَع النزاعُ فيها مِن أوّل العالَمِ، وإِلى آخره. ولم يزل الناسُ قبل أبي الحسين إِمًا قائلٌ بأنّ العبد موجِدٌ لأفعاله، أو منكرٌ لذلك على جهة الجبر، أو على جهة التوسُّط. فالناس فيها ثلاث فِرَقٍ: قدريّةٌ ومجبرةٌ ومتوسّطةٌ. فكيف تصحّ نسبةُ هؤلاء كلّهم إِلى إِنكار الضرورات! وإِنما المعلوم بالضرورة أنّ أفعال العبد دائرةٌ مع قصدِه وإِرادته التامّةوجودًا وعدمًا. أمّا كونه هو المؤثِّر فيها، فلا؛ وهو محلّ النزاع.
الوجه الثاني: أنّ كلّ عاقلٍ، فهو يَعلم من نفسه بالضرورة أنّ إِرادته لشيءٍ لا تتوقّف على إِرادة له أخرى. بل سواءٌ أراد تلك الإِدارة، أو لم يُرِدها، فإنها تحصلُ له؛ ويَعلم أنّ تلك الإدارة متى حصلَت له جازمةٌ، وَجَبَ بعدها حصولُ المرادِ. وإِذا كان العلم الضروريُّ بصحّة هاتين المقدّمتين حاصلًا، عُلِم بالضرورة أنّ لا إِرادة منه ولا فِعل؛ بل الإِرادة حاصلةٌ به بِفعل الله سبحانه، وهى المسمّى"بالداعي المرجِّح لأحدِ طرفي الممكِن". والفعل واقعٌ بِفعل الله، بواسطة تلك الإِرادة. فقد انعكس ما قاله؛ وصار
بطلانُ ما ادّعى صحتَه ضرورةً ضروريًّا.
أمّا الأوّل، فوجود أفعال العبد مطابِقةً لداعيتِه وقصدِه دائرةً معه وجودًا أو عدمًا، لا يدلّ على أنّه هو المؤثِّر فيها، الموجد لها؛ لجواز أنّ الله سبحانه أوجَدها مطابِقة لقصوده، دائرةً معها، بواسطة خلقِه الإِدارةَ له، كما بيّنّا قبل.
وأنّا الوجهين الآخرين، فكلّ ما ذَكَر فيهما، مِن ذمَّ العقلاِ للمسيء، ومدحهم للمحسن، وطلبهم للأمر، وتلطّفهم لمن طَلأبوا ذلك منه، إِلى سائر ما ذكره، فإِنّه راجعٌ [إِلى] كسبه الذي أجراه اللهُ سبحانه مطابِقًا لقصدِه، بواسطة إِادته. فلِمَ قلتَ:"إِنّه ليس كذلك"؟
قوله، "لأنهم يفعلون ذلك فِعلَ عالِمٍ بأنّه الذي يُوِد ذلك الفعلَ". قلنا: الكلام على هذا من وجهين. أحدهما: لا نُسلِّم أنهم يعملون ذلك؛ بل يعتقدونه، لَمَّا رأوا الفعلَ جاريًا على أدواته، بحسب قصوده وإِرادته. والاعتقاد يُصيب ويخطئ [فتبقى] حاجةٌ إِلى أن نُبيِّن أنّ اعتقادهم ذلك صوابٌ.
الوجه الثاني: أنّ نقول: "احتجاجُك في هذا بمَن مِن العقلاءِ؟ والرعاع؟ أو بأهل النظر والإطّلاع؟ إِن كان احتجاجُك باعتقاد القسم الأوّل، فلا عبرة بهم ولا باعتقادهم. ثمّ هم معارَضون بأضعافم من أهل الإِثبات، يقولون في كلّ أمرٍ واقعٍ: "هذا فِعلُ اللهِ، وهذا مقدورٌ عليه". وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لأنَس، "لا تَقُل لشيءٍكان: "ليته لم يكن"؛ ولا لشئ لم يكن: "ليته كان"؛ ولكن قُل: "قَدَّر اللهُ، وما شاء فَعل". وإِن كان احتجاجُك بالقسم الثاني، فالمنازع لك منهم أكثُر من المتاِبِع. فهذا جوابه عن دعوى العلم الضروريّ بأنّ الهبد موجدٌ لأفعاله.
ثمّ قال أبو الحسين: وإِن سلَّمنا أنّ ما ذكرتموه يَنفي كونَ العبدِ موجِدًا، لكنّ عندنا ما يقتضي نقيضَ ذلك من وجوهٍ عقليّةٍ وسمعيةٍ. أمّا العقليّة، فثلاثةٌ.
"أحدها: وقوع أفعالِنا بحسب دواعينا، وانتفاؤها بحسب كراهتنا". وقرّره بنحو ما قرّرتُ به الوجه الأوّلَ من الثلاثة الضروريّة. وجوابُه بما سبق فيه.
"الثاني: أنّ الأنبياء اتّفقوا على أنّ الله سبحانه أمَرَ عبادَه بأشياءٍ، ونهاهم عن أشياءٍ.
والأمرُ بالفعل يَتضمَّن الإِخبارَ بقدرة المأمور عليه. حتى لو عجز عنه لمرضٍ، أو غيره من الأسباب، لعُدَّ الآمِر له سفيهًا؛ إِذ يأمره، مع علمِه أنّه لا يَقدر على الامتثال. ولو صحّ ذبك، بصحّ أن يَبعث اللهُ رسولًا إِلى الجمادات، يُبلَّغها ما أُرسِل به؛ ثمّ يخلق فيها الحياةَ، ويعاقِبها لكونها لم تمتِثل، وذلك معلوم الفسادِ بالبديهة".
والجواب: لا شكّ أنّ الأنبياء اتّفقوا على ما ذَكرَ. لكنّ قولَه: "الأمر بالفعل يَتضمَّن الإِخبارَ بقدرة المأمور عليه"، كلامٌ مجمَلٌ. فنقول: إِن ّعنَيت أنّ قدرته مؤثِّرةٌ في وجود الفعل، فهذا محلُّ النزاع. وأيضًا، إِن عنيتَ بأنّ الأمر يَتضمَّن قدرةَ المأمورِ هو الله"، فهو ممنوعٌ؛ لأنّه راجعٌ إِلى أنّ ذلك قبيحٌ عقلًا؛ لأنّه تكليف ما لا يطاق. ونحن فقد أَبطلنا الأصلَ الأوّل، وأثَبتنا الثانى، بما فيه كفايةٌ. وأمّا ما أَلزمَه على ذلك، من تكليف الجمادات، ثمّ عقابها على تَركِ الامتثالِ، فالكلام عليه من وجوهٍ.
أحدها: أنّ وقوع ذلك جائزٌ عقلًا؛ إِذ لا يَلزَم منه محالٌ لذاته، وإِنما اللازم منه قبحُه عقلًا، وسَفَهُ فاعِله. لكنّ هذا بناءٌ على التحسين والتقبيح العقليَّين؛ وهو باطلٌ. وقد قدّمنا أنّ عندنا لا يَقبُح من الله شيء كان ما عسى أن يكون. وقد سبق تقريرُه في الوجه الثالث من أدلّتهم في الحسن والقبح.
الثاني: سلَّمنا أنّ ذلك يَلزم منه محالٌ لذاته. لكن قد قرَّرنا جوازَ التكليف بالمحال؛ ويعود الكلامُ إِليه.
الثالث: أنّ الفَرق بين تكليف الحيِّ العافل، الواقعِةُ أكسابُه باختيارِه بحسبِ إِرادته دائرةً معها وجودًا وعدمًا، وبين تكليف جمادٍ لا يَتَّصف بشيءٍ من ذلك أصلًا، حاصلٌ بالضرورة، ظاهرٌ ظهورًا لا يَتردَّد فيه عاقلٌ؛ لأنّ الأوّل يَصِحّ منه كسبُ المأمورات والمنهيّات والتلذّذُ بها، سواءٌ كانت تلك الأكسابُ خلقًا له، أو لم تكن. والحجر الأصمّ لا يصحّ منه ذلك، ولا يجد له لذّةً بالضرورة. لا يَلزَم من صحّة تكليفِ الأوّل تكليفُ الثاني؛ لأنّ الأوّل أكمل؛ ولو لم يكن إِلاّ بالصورة. ولا يلزم من تكليف الأكمل تكليفُ ما هو دونه.
الوجه الثالث: قال: "لو كان الله سبحانه هـ الخالق لأفعال العباد، للزم فيه محذوراتٌ.
"منها سدُّ باب الاستدلال على وجود الصانع. وذلك لأنّه لا طريق إِلى إِثبات الصانع إِلاّ القياس؛ لأن يُقال: "العالَم محدَثٌ؛ فيحتاج إِلى المحدِث"، قياسًا على أفعالنا المحتاجَة إِلينا. فمَن مَنَع حُكمَ الأصلِ في هذا القياس، وحَكَمَ بأنّ العباد غيرُ موجِدين لأفعالهم، لم يمكنه الاستدلالُ به على وجود الصانع.
والجواب: لا نُسلم أنّ هذا المحذور لازمٌ للقول بأنّ الله خالقُ أفعال العباد. قوله: "لا طريق إِلى إِثبات الصانع إِلاّ القياس المذكور". قلنا: لا نُسَلِّم حصرَ طريقِ ذلك في هذا القياس؛ بل ولا أنّ العالَم محدَثٌ؛ لأنّه مؤلَّفٌ؛ وكلّ مؤلَّفٍ محدَثٌ؛ وكل محدَثٍ، فالعقلِ لذاته يَدلّ على أنّ له محدِثًا. فذلك المحدِث، إِن كان محدَثًا أيضًا، لَزم الدورُ والتسلسلُ الباطلان. وإِن كان قديمًا، فهو المطلوب. ولا واسطة بين المحدَث والقديم.
قوله: "مَن مَنَع حُكمَ الأصلِ في القياس المذكور، انسدَّ عليه بابُ إِثباتِ الصانع".
قلنا: "مَن مَنع حُكمَ الأصلِ"؛ بمعنى أنّ لا كسبَ للعبدِ، أو بمعنى أنّ لا إِيجاد للعبد؟ الأوّل مُسلَّمٌ؛ لأنّ الأصل حينئذٍ يخلو عن العلّة في الحقيقة والصورة. والثاني ممنوعٌ؛ لأنّا، وإِن نَفَينا إِيجادَ العبد لأفعاله، لكنّا أَثبتنا كسبَه لها، بمعنى صدورها عن قدرة الله سبحانه خلقًا على أدوات العبد، دائرةً مع إِرادته كسبًا. وحينئذٍ، يمكننا أن نجعل الجامعَ
فى القياس هو القَدْر المشتَرك بين الأصل والفرع؛ وهو الظهور. أعني أنّ العالَم ظَهَر بعد أن لم يكن ظاهرًا. وأفعال العبد ظهَرت بعد أن لم تكن ظاهرةً.
فإِن قيل: "لكن يَلزم من ذلك أن يكون صانعُ العالم كاسبًا له، لا موجِدًا، كالعبد مع أفعاله. فيحتاج أيضًا إِلى موجِدٍ؛ ويلزم التسلسلُ، أو يَفسد القياسُ"، قلنا: لا يَتعيَّن أن يِلزمَ ذلك. بل جاز أن يَلزم ذلك. بل جاز أن يَلزمَ أنّ المعدوم شيء وذاتٌ وجوهرٌ، وأنّ العالَم كذلك في الأزل. والقدرة القديمة إِنما أثَّرت في إِظهاره بعد خفائه، كما سبق من مذاهب المعتزلة. فيكون القياس على أصلِهم صحيحًا؛ وإِن كنا ننازِع في ذلك.
"ومنها أنّ الله سبحانه سدَّ باب النبوّات؛ لأنّ الله سبحانه، إِذا كان خالقًا لجميع القبائح، لم يمتنِع مِن أن يُظهِر المعجزاتِ على أيدي الكّاتبين؛ فيَقع اللبسُ بين النبيّ والمتنّبيء."
قلتُ: وقد سبَق جوابُ هذا مستوفيًا في الوجه الثالث من أدلّتهم على تحسين العقل وتقبيحه. ونزيد ها هنا بأن نقول: هذا المحذور، كما هو لازمٌ علينا، فهو لازمٌ عليكم. أمّا على أبي الحسين، فلأنّه سَلَّم أنّ العبد لا يَفعل إِلاّ لداعٍ من الله، دفعًا للتسلسل، وسَلَّم أنّ حصول الفِعل عقيب الداعي واجبٌ. فحينئذٍ، قد فَعَل اللهُ في العبد ما أوجَب صدورَ الكفرِ عنه. ولا فرق في العقل بين فعلِ القبيح وقِعلِ ما يوجِب القبيحَ. فإِن لَزم علينا من الأوّل سدُّ بابِ النبوّة، لَزم عليه من الثاني ذلك بعينه؛ وقد سبق هذا أيضًا.
وأمّا على مشايخ المعتزلة، فلأنهم حَكَموا بأنّ الله قادرٌ على القبيح، وعلى إِيجاد ما عَلمَ أنّه لا يوجَد. فلمّا قيل لهم:"ذلك يَدُلّ على السَّفَه، وعلى انقلاب العِلم جهلًا؛ وهو محالٌ على الله سبحانه"، قالوا:"القبيح الذي يوجِده اللهُ سبحانه لا يُقال إِنّه يَدلّ على السفه والجهل، ولا إِنًه لا يَدلّ؛ بل يُمسك عن القولين". وإِذا جاز لهم مثلُ هذا
الجواب، جاز لنا مِثلُه ها هنا؛ فنقول: إِظهارُ اللهِ سبحانه المعجِزَ على يدِ الكاذب، لا إِنّه قبيحٌ، ولا إِنّه غير قبيحٍ؛ بل يُمسَك عن القولين. أو نقول: المعجِز الظاهر على يدِ الكاذب، لا نقول إِنّه يَدلّ على صدِقه، ولا إِنّه لا يَدلّ؛ بخلاف الصادق، فإِنّ معجِزه يَدلّ على صِدقِه، ولابدّ.
قلتُ: كذا أَلَزمهم الإِمامُ فخر الدين في النهاية. وفيه نظرٌ؛ لأنّ المعجِز إِذا ظَهَر على أيديهما، لم يُعلَم أيّهما الصادقُ، ليكون معجِزهُ دليلَ صدقِه؛ ولا أيّهما الكاذبُ، ليُمسَك عن عدمِ ذلك ونفيه. وإِنما يَصحّ له ما ذَكَر لو عُلِمَ منهما الصادقُ من الكاذبِ قبلَ ظهورِ المعجِز. فبتقدير أن لا يُعلَم ذلك، يَقَع اللبسُ؛ وهو المدَّعى قبحُه.
والتحقيق أنّ هذا الذي أَلزَمهم به هو من باب مقابَلة الفاسد بالفاسد؛ لأنّ قولهم، "لا نقول هو خطأٌ، ولا إِنّه ليس بخطأٍ، وقوله، "لا نقول إِنّه يَدلّ على صدقِه، ولا إِنّه لا يَدلّ"، إِن عَنوا به إِثباتَ الواسطةِ بين القسمين، فلا واسطة؛ بل هو رفعٌ للنقيضيت. وإِن عَنوا به السكوتَ أدبًا مع الله، فقد قالوا بأحد النقيضين في المعنى من حيث نَفوه. والله أعلم.
"ومنها سدُّ بابِ الوثوق بوعد الله ووعيده؛ لأنّه إِذا جاز أن يخلق القبائحَ، جاز عليه الكذبُ؛ فلا يوثَق بشيءٍ مِن إِخباره".
والجواب أنّ "الكذب" إِمّا أن يقال هو الخبر غير المطابِق، أو يقال هو الإخبار غير المطابق. فإِن كان الكذب هو الأوّل، فالخبر لا شكّ أنّه كلام الله؛ وهو صفةٌ له ذاتيّةٌ، سواءٌ قيل:"هو معنًى نفسانيٌ"، على رأي الأشعريّ، أو "قولٌ متلو"، على رأي جمهور السلف. وأيًّا ما كان، استحال لحوقُ الكذبِ له؛ لأنّه نقصٌ؛ والنقص لا يَلحَق صفاتِه تعالى، كما لا يَلحَق ذاتَه. فحينئذٍ، يَصير معنى قوله:"لو جاز أن يخلق القبائحَ، لَلَحقَ النقضُ صفاتِه". وهو كقوله: "للحِقَ النقصُ ذاتَه". ولا ملازَمة بين ذلك وبين خلقِه، أو جوازِ خلقِه للقبائح.
وأيضًا، دلّ الدليلُ القاطع على استحالة الكذب عليه سبحانه. إِذا لو جاز عليه الكذبُ، لكان إِمّا كاذبًا لنفسه، كقول المعتزلة في الصفات؛ أو بكذبٍ قديمٍ؛ إِذ لا تَقومُ
به الحوادثُ؛ أو بمعنى أنّه ليس بصادقٍ. وبكلّ حالٍ، يكون الكذبُ منه قديمًا؛ فيستحيل الصدقُ منه بعد. والكذب نقصٌ؛ فيَلزَم لحُوقُ النقصِ له؛ وهو محالٌ. وإِذا كان الكذبُ عليه محالًا، استحال أن يكون لازمًا لخَلقِه الأفعالَ؛ لأنّ المحال لا وجود له حتى يكون لازمًا أو ملزومًا.
وإِن كان الكذب هو الإِخبار غير المطابِق، فالإخبار إِظهار الخبرِ؛ والخبر قديمٌ، كما بَيّنّا؛ فإِظهاره لا يُغيِّر عن صفة الكمال؛ والصدق كمالٌ له، والكذب نقصٌ فيه؛ محالًا؛ ويعود الكلامُ.
وأيضًا، الكذب إِمّا معنًى وجوديُّ، فقد بيّنّا استحالتَه؛ أو عدميّ والعدميّ يَستحيل أن يكون لازمًا لأمر الوجوديّ الذي هو خَلقُ الأفعالِ، أو جوازهُ.
وأيضًا، الكذب لابدّ له، على أصلكم، من علّةٍ؛ بناءً على تعليل الأفعال. وتلك العّلة، إِما للرهبة، أو للرغبة، لجلب نفعٍ، أو دفعِ ضررٍ؛ وذلك على الله محالٌ.
وأيضًا، إِنما يُوصِل الكذبُ إِلى أغراضه مَن يَعجَز عن تحصيلها بذاته؛ والله سبحانه لا يُعجِزه شيءٌ؛ وهو بقدرته الكاملة غنيُّ عن الوسائط.
"ومنها سَدُّ باب العلم بصحّة الشرائع، لوجهين. أحدهما: أنّه لو جاز أن يَفعل القبائحَ، جاز أن يَدعو، أو يَبعث من يَدعو، إليها. ولو جاز أنّ كلّ شرعٍ دَعَى إِليه قبيحٌ؛ فتزول الثقةُ بالشرائع.
الثاني: لو جاز ان يخلق في العبد الكفر والضلالَ، ويُزيّنه له، ويَستدرِجه بذلك إِلى عقابه، لجاز أنّ دين الإِسلام هو الكفر والضلال، استدرج أهلَه إِليه، وأنّ بعضَ الملل المخالِفة للإِسلام هي الحقُّ، ولكان صَرَف اللهُ المسلمين عنه، وزَيَّن لهم خلافَه. ومتى جاز ذلك، جاز أنّ أهل الاعتزال في هذه المسألة وغيرها على الحقّ، وأنتم على الباطل".
والجواب عن الوجه الأوّل أنّه مبنيُّ على التقبيح العقليّ، وأنّ حُسن الأشياءِ وقُبحَها معلومان قبل الشرعِ؛ وهو ممنوعٌ. بل الحُسن والقبح مستفادان من أمرِ الشارعِ ونهيِه. فلو أَمَرَ اللهُ سبحانه بما شاء، كان حسنًَا. ولو نهى عمًا شاء، لكان قبيحًا. وعن
الوجه الثاني أنّ قوله: "لجاز أن يَستدرج العبدَ، بخلق الكفر فيه، إِلى عقابه"، قلنا: نعم. هو جائزٌ وواقعٌ؛ والنزاع فيه.
وأمّا جواز أنّ دين الإسلام هو الباطل، وغيره الحقّ، فممتنِعٌ. وذلك لأنّ حقيَّة دينِ الإِسلام عَلمناها بالأدلّة العقليّة الدالّة لذواتها، لا بوَضعِ واضعٍ. فلا يجوز تغيرُ حقيقةِ دلالتها. فتجويز أنّ دين الإسلام باطلٌ، مع أن حقّيّته ثابتةٌ بالدليل العقليّ الدالّ لذاته، ممّا لا يجتمعان؛ وإِلاّ لّزِم منه قلبُ حقائقِ الأشياء؛ وهو محالٌ. فلا جرم، لَمَّا كان تجويز بطلانِ الإِسلام مَلزومًا لهذا المحال، كان محالًا. ثمّ لَمّضا كان نفي خلقِ اللهِ سبحانه الكفرَ والضلالَ في العبدِ استدارجًا له مَلزومًا لتجويز بطلانِ الإسلام، كان أيضًا محالًا. وإِذا كان نفىُ خلقِه الكفرَ والضلالَ في العبد محالًا، كان نقيضُه- وهو خلقُه الكفرَ والضلالَ في العبد- واجبًا؛ وهو المطلوب فسؤاله انقَلَب عليه.
ثمّ نقول: إِنّ الإِسلام إِنما ثَبت بدلالة المعجِز. ولا شكّ أنّ الناس اختَلَفوا في دلالة المعجزة على صِدق مدَّعي النبوّة، هل هي لذاتها، أعني لكونه معجِزًا؟ أو ليَنزل ظهورُه على يده منزلةَ قولِ الله، "صدقتَ، إِنّك رسولي"؟ فإِن كان الأوّل، لَزم منه المحالُ المتقدِّم. وهو أنّ خلاف الدليل الدالّ لذاته محالٌ؛ فملزومه، وهو تجويز بطلانِ الإِسلام، محالٌ، وإِن كان الثاني، وهو الصحيح، كان بطلان الإِسلام ملزومًا لوقوع الكذب من الله سبحانه، لينزل ظهورُ المعجِزِ على يدِ النبيّ منزلةَ قولِ الله له، "صَدَقتَ". فلو كان الإِسلام باطلًا، لكان هذا التصديق كاذبًا؛ وهو محالٌ، لما سبق من استحالة الكذب على الله سبحانه.
وأمّا تجويز أنّ المعتزلة في هذه المسألة وغيرها من مسائل النزاع الإِسلاميّة معهم على الحقّ، ونحن على الباطل، فهو صحيحٌ. لأنّا بيّنّا أنّ هذه المسألة ونحوها ليس الحُكم معلومًا فيها بالضرورة؛ وإِلاّ لما تَنازَعنا فيها. ولهذا، اختلف الناسُ في تفكيرهم بها وبأمثالها. لكنّ التجويز الطلَق أعمّ مِن أن يكون راجحًا، أو مرجوحًا، أو مساويًا. فكلُّ. فكلُّ من الفريقين، إِذا أَنصَفَ، جَوَّز على الحقّ، ونحن على الباطل، فهو صحيحٌ. لأنّا بيّنّا أنّ هذه المسألة ونحوها ليس الحُكم معلومًا فيها بالضرورة؛ وإِلاّ لما تَنازعنا فيها. ولهذا، اختَلَف الناسُ في تكفيرهم بها وبأمثالها. لكنّ التجويز المطلَق أعمّ مِن أن يكون راجحًا، أو مرجوحًا، أو مساويًا. فكلُّ من الفريقين، إِذا أَنصفَ، جَوَّز على رأيه الخطأَ؛ لكن يَدَّعي رجحانَه.
قوله: "فلا تَستحِقون الجوابَ إِلاّ لمرجحٍ". قلنا: هذا معارَضٌ بمِثلِه. فإِنّكم أيضًا إِذا استدللتم في المسألة، قلنا لكم: تجويز خطأكم غيرُ ممتنعٌ؛ فلا تَستحِقّون الجوابَ. ولا
شكٌ أنّ مناظرتنا لكم ليست ضربةَ لازِبٍ. وكذلك أنتم معنا. إِذ كلُّ منّا قد اعتَقَد صحّةَ مذهبِه؛ فهو يقول لخصمه: "لكم مذهبكم، ولي مذهبي"؛ كما يقول لخصمه من غير الدين: "لكم دينكم، ولي دينِ". وإِنما التبيان فيما إِذا انقَضَّنا على المناظرة لتحقيق الحقِّ وتعيينه في طرَفٍ، ودفعِ الشبهةِ عن ضَعفَي العامّة. أليس كلَ منّا يَلزَمُه الجوابُ عن سؤال صاحبه بمقتضى التزامِه الدخولَ معه في المناظرة؟ بلى! وذلك هو الإِنصاف.
"ومنها لزومُ أمورٍ بالإِجماع؛ وهي تسعةٌ.
"أحدها: لو كان الله سبحانه خالقِ القبائحِ، كالظلم والعبث، لجاز أن يخلقها مستقلًا منفرِدًا بها، غير مُجْر لها على أدوات العبد. وحينئذٍ، كان يكون ظالمًا عابثًا. إِذ حقيقةُ الظالمِ والعابثِ موجِدُ الظلمِ والعبثِ".
والجواب أنّ هذا السؤال محالٌ؛ ولازم المحالِ محالٌ. وبيانه أنّك إِن عنيتَ" بخلقِه للظلم والعبث ونحوه منفرِدًا به"، أنه يُجريه على ذاته على حدِّ إجرائه إِيّاه على ذاتِ الآدميّ، فهو محالٌ؛ لأنّ ذلك يجري على حركات الآدميّ وأبعاضِه وأجزائه؛ والله سبحانه منزَّهٌ بالإِجماع عن الحركات والأبعاض والأجزاء. وإِن عَنيتَ أنّه يخلقها قائمةً بنفسها، لا في ذاته، ولا ذاتِ غيره، فهو محالٌ؛ لأنها أعراضٌ لا تَقُوم بنفسها. والمحال لا يَدخل تحت المقدوريّة ولا قسم وراء هذين القمسين. إِلاّ أن يقال:"يجوز أن يَنفرِد بخلقِها". بمعنى أن يجريها على ذاتِ ما ليس بعاقلٍ، ولا مكلًّفٍ، كالجمادات والبهائم. فهو خارجٌ على تكليف المحال؛ وقد سبق الكلامُ عليه.
وعلى المقادير كلِّها، لا يَلزَم تسميتُه "ظالمًا" ولا "عابثًَا". أمّا أوّلًا، فلأنّ أسماءه عندنا توقيفيّةٌ؛ ولأنّ إِطلاق ذلك عليه يُوهِم قيامَ الظلمِ ونحوه بذاته. وإِذا كنّا لا نقول:"يا خالق القاذورات"، ونحو ذلك، مع أنّه عريُّ عن الإِبهام المذكور، فأنْ لا نُسمِّيهٍ "ظالماً" أَولى. وأمّا ثانيًا: فلأنّ عل هذا التقدير، نحن إِنما نَشتقّ للذات صفةٍ من معنًى قام بها، لا يغيرها؛ كالأَسوَد لمن قام به السوادُ، والمتحرِّك لمن قام به الحركةُ؛ خلافًا لكم في ذلك، حيث سمَّيتم اللهَ تعالى متكلَّمًا لكلامٍ زعمتم أنّه خَلَقَه في ذات غيره، من
جسمٍ، أو نبىّ، أو مَلَكٍ.
"الثاني: أنّ مِن جملة القبائح الإشراك بالله، ونسبةَ ما لا يَليق به إِليه، من سب وشتمٍ ونحوه. فلو كان خالقَ ذلك، لكان سابًا شاتمًا لنفسه؛ وذلك من أفعالِ السفهاء، لا الحكماء".
والجواب: إِن عنيتم أنّه يكون شاتمًا لنفسه حقيقةً، أعنى بغير واسطةٍ، فهو غير لازمٍ. وإِن عنيتم مجازًا، أي بواسطة خَلقِ السب والشتمِ على جارِحةِ الآدميّ، فهو كذلك. إِلاّ أنّا لا نُطلِق ذلك عليه، لإِيهامِه، أو تَوَقَُفِه على التوقيف، كما مَرَّ.
"الثالث: لو جاز أن يخلق الزنا واللواط، لجاز أن يَبعث رسولًا هذا دينُه. ثمّ لجاز أن يكون في الأنبياء المتقدمين مَن لم يُبعَث إِلاّ للدعوة إِلى المنكَرات، كالسرقة والخيانة، ومدحِ الشيطان، وعبادته، والاستخفاف بالله ورسوله، والنهي عن المعروفات، كأضداد ذلك. وهو باطلٌ".
والجواب عن مثلِ هذا قد سبق غيرَ موضعٍ. ثمّ هو لازمٌ عليهم من وجهين. أحدهما أنّ الزنا واللواط من القبائح الشرعية، لا العقليّة، فتجوز بِعثةُ رسولٍ بالدعاء إِليهما. وهو لازمٌ لكم أيضًا؛ لأنكم إِنما تَمنعون إِرسالَ الرسلِ بالدعاء إِلى القبائح العقلية.
الثاني: لابّد في هذه الأفعال من داعٍ مخلوقٍ لله، كما سبق في غير موضعٍ.
ووقوعها عقيب الداعى واجبٌ. فقد فَعَل اللهُ فعلًا أَوجَب عبده وقوعها. ففي الحقيقة، هو فاعلٌ له بواسطة الداعى. ثمّ نقول: رب شيء نُجوَزه مِن اللهِ، مع القطعِ بعدم وقوعه؛ كما تَقرَّر في العاديات. وإِذا كان تجويزُنا لتلك الأشياء لا يَقدح في القطع بعدم وقوعها، فلا محذور في التزام مجرَّدِ جوازِه؛ فنَلتزِمه.
"الرابع: لو كان يخلق الكفرَ في العبد، ثمّ يُعذبه عليه، لكان ضررُه على العبد أشدَّ
من ضررِ إبليس. لأنّ إِغواء إبليس عندكم من فِعلِ اللهِ؛ وإِبليس لا يَقدِر على اضطرارِ العبدِ إِلى المعصية؛ كما قال: {وما كان لى عليكم من سلطان إلا أنن دعوتكم فاستجبتم لى} ؛ والله سبحانه يَضطرُّهم إِل فِعلِها. فلو كان كذلك، لحَسُنَ من الكافر ثمُّ اللهِ ومدحُ إِبليس، أو تفضيلُه على الله في الشكرِ؛ لأنّه أقلّ ضررًا؛ وتقليل الضررِ نعمةٌ تُوجِب الشكرَ".
والجواب إِنّه لازمٌ لكم من وجهين.
أحدهما: أنّه خَلَق الشهواتِ المستميِلة، وشهواتهم المائلة، ونفوسَهم الأمّارة، والشيطانَ المُغوِي، وقدرتهم التي بها يّتمكّنون من مُواقعة المعاصة. ثمّ كلَّفَهم، مع عِلمِه أنهم يتضرَّرون بالتكليف، ولا يمتنِعون؛ مع أنّه كان قادرًا أن لا يخلقهم؛ أو أنّه إِذا خَلَقهم، عَصًمًهم. ومَن يَفعل مَثلَ هذا، فضررُه أعظم من ضررِ تلك الأشياء. فلنُلزِمكم ما أَلزَمتمونا، وأكثر.
الوجه الثاني: يَلزمكم أن تقولوا بتَعصيَتِه؛ لأنّه تَرَكَ الأصلحَ لهم؛ ورعايتُه واجبٌ عليه، وأيضًا، القدحُ في حكمتِه؛ لأنّ تاركَ ما يجب عليه عقلًا، أو شرعًا، لا يكون حكيمًا.
"الخامس: لو خَلَقَ الكفرَ في الكافر، لكان قد خَلَقَه للعذاب. ولو كان كذلك، لم يكن لله على الكافر نعمةٌ. لكنّه باطلٌ؛ بقوله تعالى: {ألم تر إلى الذين بذلوا نعمت الله كفرًا}؛ {فاذكروا آلاء الله}. والإجماع من دين محمد أنّ ما من عبد إِلاّ والله عليه نِعَمٌ، مسلمًا، أو كافرًا".
والجواب أنّ الله خَلَقَ الكفرَ في الكافر، وخَلَقَه للعذاب. دَلَّ على ذلك نصُّ قولِه، {ولقد ذرأنل لجهنهم} ؛ وهي لامُ الاختصاصِ والتعليلِ، لا لازم العاقِبة. قوله: " فلو كان
كذلك، لم يكن لله على الكافر نعمةٌ". قلنا: دينيّةٌ، أو دنيويّةٌ؟ الأوّل مُسلَّمٌ؛ فإِنّ الله سبحانه ليس له على أحدٍ من الكفّار نعمةٌ في دينه؛ إِذ النعمة الدينيّة هي الهداية إِلى الإِيمان، كما قال سبحانه:{بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان} ، وقوله:{ما يريد أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا} . والثاني ممنوعٌ؛ بل لله على الكفّار أجَلّ النِعَم الدنيوية؛ قال الله سبحانه: {وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها} .
قولهم، "اللذّة الدنيويّة الفانية، بالنسبة إِلى العقوبة الأبَدية الدائمة، كالقطر من البحر، بل أقلّ. وإِنما ذلك كالسمّ في الحلوى، يُستدرَج بها آكِلُها ليَهلَك بما في ضِمنِها. كما قال الشاعرُ:
هَوًى يَلَذُّ، وإِن ساءت عواقُبًه
…
كما يَلَذّ ويُؤذي حكُّه الجرَبُ
قلنا: هو كما زَعمتَ لا محالة. لكنّ لا يُخرِج ما ألُعطوه في الدنيا عن أن يكون نِعمةَ؛ لأنها مشتقةٌ في اللغة من النُعومةِ والتنعُّمِ. ومَن نازَعَ في حصول ذلك لكسرى وقيصر ونمرود وفرعون ونحوهم ممَّن هو دونهم وفوقهم من الكفّار، فهو منازعٌ في الضرورات.
"لسادس: لو خَلَقَ الكفرَ في الكافر، ثمّ كلَّفه بالإيمان، لكان ذلك تكليفَ ما لا يطاق. ولو جاز ذلك، لجاز تكليفُ الأعمى نقطَ المصحفِ، والزمَّنِ العدوَ، ولجاز التكليف بخلقِ القديمِ، والجمعِ بين الضدّين، ولو جاز ذلك تكليفُ الجمادات. وكلّ ذلك باطلٌ، بالضرورة".
والجواب: قد سبق هذا السؤالُ؛ وجوابه مستقصَيًا، ثم أكثر ما فيه التكليفُ
بالحال؛ وقد سَبَقَ بيانُ جوازِه.
"السابع: لو كان اللهُ خالقَ القبائح، لكان جاهلًا ومحتاجًا. لأنّه كذلك في الشاهد. بل كان هو أَولى بذلك؛ لأنّه مسقِلُّ بالفعل؛ بخلاف الشاهد".
والجواب أنّ قياس الغائب على الشاهد مطلقًا، فاسدٌ، وإِلاّ لَزِمكم قولُ المجسّمة؛ إِذ لا فاعل في الشاهد إِلاّ جسمٌ. ولا نُسَلَّم أنّ خلقَه القبائحَ يَستلِزم الجهلَ، أو الحاجةَ؛ لأنّا وإِيّاكم وغيرنا لم نُحِط بحكمِه ومعلوماته. فعسى له في ذلك من الحكمة خَفِيَت عنّا، كما سبق لموسى مع الخضر؛ وأَولى. ولو لم يكن في ذلك من الحكمة إِلاّ استحقاق أحدِ الفريقين منّا ومنكم الملامةَ بسوء العقيدة، لكان كافيًا. فإِذًا، إِنّا أو إِيّاكم، لعلى هُدًى، أو في ضلالٍ مبينٍ.
"الثامن: لو كان هو الخالق للأفعال، لكان إِمّا أن يَتوقّف خلقُه لها على دواعي العبيد وقُدَرهم؛ فيَلزَم احتياجُه إِلى ذلك منهم. أو لا يتوقف؛ فيَلزَم وقوعُ الأفعالِ المحكَمَة، كالكتابة والنِّساجة، ممن لا عِلم له بها. ووقوع الأفعالِ العظيمة الهائلة ممن لا قدرة له عليها، كنقلِ النملةِ جبلًا شامخًا، ونحو ذلك، ممّا فساده ضرورى. وفي ذلك زوالُ الفرقِ بين القوي والضعيفِ، وفسادُ تصَرُّفاتِ العقلاسِ، في حبسِهم اللصوصَ وقُطاعَ الطريقِ، وعقوبتِهم كلِّ جانٍ. وكلّ ذلك باطلٌ بالضرورة".
والجواب: لنا أن نَلتزِم القسمَ الأوّل، ونقول بتَوقُّف خلقِه لأفعالهم على دواعيهم وقُدَرِهم، لا تَوَقُّف حاجةٍ، بل تَوقُّف الحكمةِ على شرطِ وجودها؛ كما توقَّفَت معرفةُ ربوبيّته على إِيجاد العالم، وإِن لم يكن به إِليهم ولا إِليها حاجةٌ.
ولنا أن نَلتَزِم الثاني، ونَلتَزِم ما أَلزَموه، مِن وقوع الأفعالِ المحكَمَة ممن لا عِلم له بها، بطريق الإِلهام والتسخير، كالنحل في بنائها المسدّسات الهندسيّة، والعنكبوت في بنائها بيتَها، ومِن خلقِ الرعشةِ في المرتعِش خاليةً عن حكمة قادرٍ أن يُرتِّب عليها أفضلَ الحِكَم.
وأمّا حملُ النملةِ الجبلَ، وعجزُ الرجلِ عن رفعِ آجرةٍ من الأرض، فهو أيضًا مقدورٌ له؛
بأن يقول له: "كُنْ"، أو بسلبِ الجبلِ ذقل، والرجلِ قوّتَه. ولا استحالة في شيء من ذلك.
وأمّا ما ذكرتم، من فساد تَصرُّفاتِ العقلاء، في حبسِ اللصوص، ونحوه، فقد أَجَزتم مثلَه؛ وهو أن يُزيل اللهُ القيدَ من رِجل اللص، ويخرِق له الجدارَ، ليَفرّ. ولكنّكم تقولون:"إِنّه لا يَفعل"؛ بنحن أيضًا نقول ذلك.
قلتُ: بهذا أجاب الإمامُ فخر الدين عن هذا السؤال. وفيه نظرٌ؛ لأنّه إِلزمٌ للجواز على الوقوف؛ وبينهما بونٌ؛ لأنهم هم إِنما جَوَّزوا على الله إِزالةَ القيدِ، وخرقَ الجدارِ للّصِّ، ومنعوا وقوعَ ذلك منه؛ كسائر العاديّات التي تجوز؛ ولا تَقع. وهو كثيرًا ما يَحتَجّ بها عليهم. وهم إِنما أَلزَموه وقوعَ العقوبات من العقلاء باللصوص ونحوهم.
والأولى في الجواب أن يقال: قد قدّمنا الفرقَ بين الخلق والكسب. ونحن عندنا أنّ عقوبات العقلاء للجناةِ أكسابٌ خَلَقها اللهُ فيهم؛ ثمّ أوقَعها بالجناة مكافأة لهم على أكسابهم، التي هي الجنايات القبيحة. فالجنايت وعقوباتها مخلوقاتٌ لله سبحانه على أدوات العباد، دائرةٌ مع قصودِهم وإِراداتهم وجودًا وعدمًا. ولا يَلزم من ذلك فسادُ تصرُّفِ العقلاء في ذلك؛ لأنّكم إِن عَنيتم "بفساده" كونَه قبيحًا في العقل، حيث عاقبوا غير موجِد الجناية، فنحن قد أَبطلنا القبحَ العقليّ. وإِن عَنيتم كونَه قبيحًا في الشرع، فالإِجماع على خلافه؛ لأنّ الشرع أَذِنَ في عقوباتهم؛ وهو المحَسَِن المقَبح. على أنّ أكثر ما فيه تكليفُ ما لا يطاق؛ ونحن نجيزه. فلتكن جنايةُ الجاني مخلوقةً لله، لتكون أمارةٌ على استحقاقِه عذابَ الآخرة. وقد أقمنا الدلالة على جواز تكليف ما لا يطاق. فإِن سَلَّمنموه، بطل ما أَلزَمتُموناه. وإِن مَنَعتموه، فشنعوا به؛ لأنّ ما أَلزَمتموناه من فروعِه ولوازمه. ولا تُوهِمُوا أنّا التَزَمنا مُحالاتٍ كثيرةً؛ وإِنما هي مسألةٌ واحدةٌ.
"التاسع: لو لم يكن العبدُ موجِدًا لأفعاله، لما استَحثّ ثوابًا ولا عقابًا، ولكان الله
سبحانه مبتدِئًا بالثواب والعقاب من غير استحقاقٍ من العبدِ. ولو جاز ذلك، لجاز منه تعذيبُ الأنبياء والأولياء، وإِصابةُ الفراعنة والأبالسةِ؛ وذلك مِن فِعلِ السفهاءِ، ومنافٍ لقوله، {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} ، ونحوه من الآيات".
والجواب: عندنا أنّ العبد غيرُ موجِدٍ لأفعالِه؛ بل كاسبٌ لها، كما سبق. ولا يَستحِقّ على الله ثوابًا. وقد مرَّت المسألةُ مستوفاةً. والله سبحانه مبتدئٌ بالثواب والعقاب بشبهة الاكتساب. ولا يَستحقّ أحدٌ على الله شيئًا. وما أَلزَمتُموه، مِن جواز تعذيب الأنبياء وإِثابة الفراعنة، هو مُلتَزَم الجوازِ؛ لكن مَنَعَ من وقوعه مانعان. أحدهما: كونُه من العاديّات التي تجُوز لذاتها، ويمتنِع وقوعُها، لاطّراد العادة، كما سبق غيرَ موضعِ؛ كما جوَّزتم إِعانةَ اللصِّ على الفرار، ومَنَعتم وقوعَه منه تعالى. المانع الثاني: إِخبار القرآن بإِثابة الطائع وعقاب العاصى. والخُلف في إخبار اللهِ تعالى محالٌ. وخُصّ من هذا الدليل أصحابُ الوعيدِ من الأمّة سمعًا، بقوله تعالى:{ويغفر ما دون ذلك لمِن يشاء} ، ونحوه، مما سبق.
وقد صحّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "لن يُدخِل أحدأ منكم عملُه ". الجنّة". قالوا: "ولا أنت؟ " قال: "ولا أنا. إِلاّ أن يَتعمَدني اللهُ برحمته" ولا خلاف بين المعتبَرين مِن أهل النقلِ في صحّة هذا الحديث؛ وتَلقّته الأمّةُ بالقبول. ومذهب المعتزلة يَقتضِي أنّه باطلٌ؛ فيخالِفون بذلك جميعَ الأمّة.
ورُوي عنه عليه السلام أنّه قال: "لو عَذَّبني وابنَ مريم، لكان عادلًا".
قوله، "ذلك مِن فِعلِ السفهاءِ". قلنا: هو تقبيحٌ عقليُّ؛ وقد أبطلناه. ومهما فَرَضنا