الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نفعٍ، أو دفعُ ضررٍ؛ كالفصد والحجامة. فحاصل الأمر أنّ كلّ فعلٍ وَقَع مُستحَقًا، أو حصَّل نفعًا، أو دَفَع ضررًا، فهو حَسَنٌ. وإِلاّ، فلا".
قال: "ولهذا قلنا: يَبطُل قولُ من ينفي الزكاةَ عن الصبيّ، والحرّيّةَ عن الذميّ بعد الإِسلام، والقتلَ عن شريك الأب. ونقول: إِيجابُ هذه الأشياءِ أضرارٌ بنفسها؛ فلا تُشرع لقبحِها". قال: "لأنّا نقول لهم: لابدّ من نفي ما قلنا من وجوهِ الحُسن والمصحلة ليَصير الفعلُ إِضرارًا أو قبيحًا".
[الكلام على قاعدته في وصف الفعل بأنّه ضررٌ أو قبيحٌ]
قلتُ: أمّا تقريره لقاعدة الإِيلام، فقد سبق القولُ فيها مع لمعتزلة؛ وإِنهم يُقبِّحون الإِيلامَ إِذا تعلَّقَت به مصلحةٌ. وهذا نسجٌ على ذلك المنوال. إِلاّ إِنّ الحقّ أنّ تقريره هنا صوابٌ. لأنّ كلامه في الإِيلام، من حيث هو مشروعٌ يَترتب عليه الأحكامُ، لا من حيث هو مقدورٌ لله سبحانه. فتقريره صحيحٌ. لكن قد تَرتَّب عليه أنّه ناقَضَ ما قَدّمه في أنّ الصبيّ لا تجب عليه الزكاةُ؛ فإِنّ كلامه هنا يقتضي وجوبها.
وأمّا سقوط الجزيةِ عمّن أسلَمَ، أو مات كافرًا، فهو مذهب أبي حنيفة؛ خلافًا للشافعيّ؛ فقد خالف مذهبه أيضًا. ومأخذ الخلاف أنّ الجزية شُرِعَت عقوبةً وصَغارًا على الكفر، وبَدَلًا عن نُصَرةِ المسلمين؛ إِذ لا عقوبة على ميّتٍ أو مسلمٍ. وفي الحديث، "ليس على مسلمٍ جزيةٌ". ولأنّ المسلم قد بَذَل النصرةَ بنفسه، فسقطَت عنه في ماله على ذلك الوجهِ. والكافر الميّت سَقَطَ عنه تكليفُ الشرعِ، وصار إِلى عذاب الآخرة. ومن قال بالثاني، قال:"قد استَوفى المعوَّضَ، وهو العصمة والسكنى؛ فلم تسقط بالموت والإِسلام، كالأجرة ودَين الآدميّ".
والمأخذ الأوّل هو ظاهر الآية، حيث قال الله سبحانه:{قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله} ، إِلى قوله:{من الذين أوتوا الكتاب حت يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} ؛ فصرّح
بالصَغَار. وأشار إِلى العقوبة على تركِ الإِسلام بقوله: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله .. ولا يحرمون
…
ولا يدينون دين الحق}. واقترانُ الفعلِ بالوصف المناسب يفيد التعليلَ به، لقوله:{فاقتلوا المشركين} ، "واقطعوا السارق"، "واجلدوا الزاني". ولأنّ الجزية بَدَلٌ عن القتل؛ وهو عقوبةٌ على الكفر؛ وبَدَلُ العقوبةِ عقوبةٌ.
وأمّا القول بأنّ الجزية عِوَضٌ عن العصمة أو السكنى، فيه ضعفٌ من جهة أنّا نَعلَم أنّ مقصودَ الشارعِ وانصراف همتّه بالكلّيّة إِنما هي إِلى تحصيل الإِيمان والزجر عن الكفر، لا إِلى المعاش والتجارة. ولا شكُ أن المعاوَضَة ضربٌ من التجارة؛ والشرعُ وَرَدَ زاجرًا، لا تاجرًا. والذي يحقِّقُ هذا أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يتألّف الواحدَ من الكفّار على الإِسلام بالمال العظيم. كالذي أعطاه غَنَمًا بين جبلين، فأسلم هو وقومُه، وقال:"يا قوم! أسلِموا! فإِنّ محمّدًا يُعطي عطاءَ مَن لا يخشى الفاقة". ومه هذا، يَبعُد جدًا أنّه تَمَاكَسَ ذمّيًّا أَسلَمَ على أجرة دارٍ سنةً، مع أنّ همّة أهل الذمّة دنيئةٌُ؛ فربما رغب أحدُهم في الإِسلام طمعًا أن تسقُط عنه الجزيةُ للعام الماضي. فإشذا لم تسقُط عنه، امتنع غيرُه من الإِسلام، لفَواتِ ما يُرغَب فيه. وبهذا التقرير، يَتّجه أن يقال: تسقُط عمّن أسلَم منهم، دون من مات كافرًا- وهو مذهب أحمد رحمه الله لأنّ الكافر أهلٌ للعقوبة. وأصلُ العقوبة أن تكون في بدنه القتل. ثمّ انتقَلت إِلى ماله، بعقدِ الذّمةِ؛ ومالُه باقٍ؛ وقد استُحقّت فيه.
وأمّا شريك الأب في القتل، فيجب القصاصُ عليه. وهو قول مالكٍ والشافعيّ وأحمد؛ لأنّ المقتضى للقصاص قائمٌ في حقّهما. ولهذا أوجبَه مالكٌ على الأب إِذا ذَبَح ولدَه، ونحوه من الأفعال التي لا تحتمِل التأديبَ؛ بخلاف ما لو حَذَفَه بسيفٍ ونحوه، لاحتماله ذلك. وإِنما قلنا:"إِن المقتضى قائمٌ"، لأنّ مقتضى القصاص هو القتل العمد
العدوان؛ وهو موجودٌ منهما؛ فاقتضى وجوبَ القصاص عليهما. وإِنما تخلَّف الحكمُ عن مقتضيه في حقّ الأب، لمانعٍ مختصِّ به؛ وهو قوله عليه السلام:"لا يُقتَل والدٌ بولده". ومن حيث الحكمة، إِنّ الأب كان سببَ وجودِ الولد، فلا يناسِبُ أن يكون الودُ سببَ عدمه. وهذا قلنا: إِذا مَلَك أباه، عتق عليه؛ لأنّ الرقّ عَدَنٌ حُكميُّ، والجزية وجودٌ حُكميُّ. فوَجب في الحكمة أن يُكافئ والدَه على إِيجاده له حقيقةً بالولادة، بإِيجاده لأبيه حُكمًا بالإعتاق.
وقد أُورِدَ على هذه الحكمة ما إِذا زنى بابنته؛ فإِنّه يُرجَم. فهي إِذن سببُ إِعدامه، مع أنّه سبب إِيجادها. فمن أراد تصحيحَ حكمِ نفيِ القصاصِ عن الأب، قال:"لا يكون الابنُ سببَ إِعدامِه، لحقِّ نفسه؛ فيَخرُج رجمُه بزناه بابنته؛ لأنّ ذلك الحقَّ الله. ولهذا، لو قَتَلها، لم يُقتَل بها؛ لأنّ القصاص حقُّها، أو حقّ وَرَثتِها". وقد يُمنَع هذا أيضًا بناءً على أنّ المانع من القصاص اختصَّ بالأب؛ بقي الأجنبيُّ في وجوب القصاص على أصل المقتضى له.
ومَن أقط القصاصَ عنه، أَلحقه بشريك المخطئ؛ بجامعِ أنّ كلاُّ منهما قصاصٌ منتَفضٌ في الحُكم، أى وَجَب على أحد القاتلَين، دون الآخر؛ فصار شُبهةَ تَدرأُ الحدَّ.
وهو ضعيفٌ. إِذ الفرق بنيهما أنّ المانع من القصاص في حقّ الأب منشأٌ كالأبوة- أي كونه أبًا؛ لما ذكر من الحكمة المناسِبة- والمانع في حقّ المخطئ إِنما هو من جهة فِعله؛ وهو الخطأ. فسرى حكمُ الخطأ من فِعله إِلى فِعل شريكه لاتّحاد محلً الفعلين. فلم يتمحّض العَمد في حقّ الشريك؛ ولم يكن منشأُ المانعِ كونَ المخطئ أجنبيًّا مثلًا، ليختصّ به. ولو كان، لشاركه الآخرُ أيضًا فيما إِذا كان كذلك. فحاصل هذا الفرق أنّ المانع في حقّ الأب راجعٌ إِلى ذاته، فاختصَ به؛ وفي حقّ المخطئ راجعٌ إِلى فِعله، فسرى إِلى فعلِ شريكه.
وأمّا قولهم، "ينقض القصاص شبهةٌ تَدرأُ الحدَّ". قلنا: ليس ذلك مطلقًا. إِنما
تدرأ الأحدَّ شبهةٌ متمكّنةٌ تصلح لدَرئه. وهي كذلك في شريك المخطئ، لكونها في الفعل المشتَرك بينهما؛ بخلافها في شريك الأب، فإِنها المختصّة بالفاعلة، الذي هو الأب، دونَ شريكه؛ وذلك لا يقتضي التعدّي إِلى ذاته، ولا إِلى فِعله. أو نقول: شَرطُ وجوبِ القَوَدٍ العمدُ وهو موجودٌ في شريك الأب؛ بخلاف شريك المخطئ.
هذا ما تيسّر إِيرداُه من فروع الأصل المذكور، وما ناسَبَه وقارَنَه ونَزع إِليه على ما بَيّنّا وجهَه. وفي ذلك كثرةٌ لمن أراد الإطلاعَ عليه.