الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[أحاديث القدَر]
ولنرجع إِلى ما هو مقصودٌ من إِيراد ما تيسَّر من أحاديث القدر؛ إِذا استيعابها لا نستطيعه؛ إِذ قد صنّف العلماءُ فيه تصانيف مستقلّةً، ككتاب القدر، لأبي داوود السجستانيّ، وغيره. فنقول، وبالله التوفيق:
[1]
أخبرنا أبو بكرٍ بن أحمد بن أبي بكرٍ الباجسريّ القلانسيّ وأحمد بن عكبر، قالا: أنا عبد الصمد بن أبي الجيش المقرِئ، قال: أنا أبو الفرج بن الجوزىّ، قال: أنا ابن الحصين، قال: حدّثني أبى، قال: حدُّنا [أبو] عبد الرحمن الحُبُلِى يقول: سمعتُ عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قدرَ اللهُ تبارك وتعالى المقاديرَ قبل أن يخلُق السماوات والأرض بخمسين ألف سنةٍ". ورواه الترمذي وصححه؛ وهو في الصحيحن. ولفظ مسلمٍ: طكتب اللهُ مقاديرَ الخلائق"، الحديث؛ وزاد: "وعرشُه على الماء".
وروى الترمذيّ من حديث عبد الله بن عمرو أيضًا، قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إِنّ الله خَلَقَ خلقَ في ظُلمةٍ؛ فألقى عليهم من نوره فمن أصابه مِن ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضَل؛ فلذلك أقول: جَف القلمُ على عِلم الله". قال الترمذى: "حديثٌ حسنٌ".
[2]
وبالإِسناد الأوّل، ثنا أحمد، ثنا يحيى بن سعيدٍ، ثنا سفيان، قال: حدّثني سعيد بن سنان، ثنا وهب بن خالدٍ، عن ابن الديلَمي قال:"لقيتُ أبي بن كعبٍ، فقلتُ: "يا أبا المنذر. إِنّه قد وَقَع في قلبي شيء من هذا القدَر؛ فحدثني بشيءٍ، لعلّه
يَذهب من قلبي ".قال: "لو أنّ الله عذب أهلَ سماواته وأهل أرضه، لعذبهم، وهو غير ظالمٍ لهم. ولو رحمهم، كانت رحمته لهم خيرًا من أعمالهم. ولو أنفقتَ مِثلَ جبلِ أُحدٍ ذهبًا في سبيل الله، ما قَبلَه منك حتى تؤمِن بالقدر، وتعلم أنّ ما أصابك ما كان ليخطئك، وما اخطأك لم يكن ليصيبك. وو مُت على غير ذلك، لدخلتَ النارَ". قال:"فأتيتُ حذيفةَ، فقال لى مِثلَ ذلك. وأتيتُ ابن مسعودٍ، فقال لي مثل ذلك. وأتيت زيدَ بن ثابت، فحدّثني عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك".
[3]
وأخبرنا أبو بكرٍ الباجسري، قال: أنا عبد الصمد، قال: أنا أبو علي الحَسن بن المبارك الزبيدي، وأبو نصرٍ الحسين بن أحمد بن حسنون النرسي، قالا: أنا أبو الوقت عبد الأوّل السجريّ، أنا أبو الحسن الداووديّ، أنا أبو عبد الله السرخسي، أنا الفرَبري، أنا البخارة، قال: ثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، قال: حفظنا من عمروٍ، عن طاووسٍ، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم:"احتَجّ آدمُ وموسى: فقال موسى: "يا آدم؛ أنت أبونا، خيبتَنا وأخرجتنا من الجنّة". فقال له آدم:"يا موسى؛ اصطفاك اللهُ بكلامه، وخطّ بك التوراة بيده؛ أتلومنى على أمرٍ قدّرَه الله على قبل أن يخلُقنى بأربعين سنةً؟ " فحج آدمُ موسى". قالها ثلاثًا. وأخرجه مسلمٌ، عن محمد بن حاتمٍ، عن سفيان.
ورواه الترمذي وصحّحه. ولفظه: "قال موسى: "يا آدم؛ أنت الذي خلقك اللهُ بيده، ونفخَ فيك من روحه؛ أغويتَ الناسَ، وأخرجتَهم من الجنَة". فقال آدم:"وأنت موسى الذي اصطفاك الله؛ أتلومني على عملٍ كتَبَه اللهُ على قبل أن يخلُق السماوات والأرض؟ " قال: "فحَج آدمُ موسى".
ولفظ الترمذيّ أولى اللفظين؛ لأنّ علم اللهِ تعالى تَعلًّق بمعصية آدم في الأزل؛ فلا معنى لتقدير مدّته بأربعين سنةً قبل خلقِه. ولوم موسى لآدم، واعتذار آدم لموسى يُحقق ما قرّرناه قبل، من تصرُّف الله الكونيّ والتكليفيّ؛ لأنّ تقدير المعصية على آدم كان
باعتبار التصرُّف الأوّل، وعقوبته بالتصرُّف الثاني.
ولما رَمَى الرواةُ الإثباتُ بالروايات المسنَدات المتقَنات بهذا الحديث بين أكتاف القدريّة، أخذوا يَنقَضُّون عنه ويَتَخلصون منه. أما أولًا، فبكونه خبر واحدٍ لا يفيد العلمَ. وسيأتى جواب ذلك، وقد سبق شيء منه. وأمّا ثانيًأ، فبتحريف لفظه؛ فإِنّ الرواة اتّفقوا على أنَ "آدم" مرفوعٌ على أنّه فاعلُ "حاج"؛ و "موسى" منصوبٌ تقديرًا؛ لأنّه مقصورٌ، على أنه مفعول "محجوج". فعكَس القدريّةُ، وجعلوا موسى الفاعلَ؛ يريدون ليطفئون نور الله بأفواههم.
[4]
وبالإِسناد الأوّل، قال: حدّثنا أحمد بن حنبل، ثنا محمّد بن جعفرٍ، نا شُعبة، عن منصورٍ، عن ربعي ن حراشٍ، عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا يؤمن عبدٌ حتى يؤمِن بأربعٍ: حتى يشهد أن لا إِله إِلاّ الله؛ وأني رسول الله، بعثني بالحقّ؛ وحتى يؤمِن بالبعث بعد الموت؛ وحتى يؤمِن بالقدر" ورواه ابن ماجه والترمذيّ.
قلتُ: وفي قصة جبريل لما جاء يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن معالم الدين، قال:"ما الإِيمان؟ " قال: "أن تؤمِن بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر، وتؤمِن بالقدر خيره وشرّه". قال: "صدقتَ". روى القصّة مسلمٌ وأبو داوود وابن ماجه والنسائيّ والترمذيّ، وقال:"حديثٌ حسنٌ صحيحٌ".
[5]
وبإِسناد البخاريّ، قال: ثنا عثمان، قال: جررٌ، عن منصورٍ، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن عليِّ، قل كنّا في جنازةٍ في بقيع الغَرقَد؛ فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فقعد رجلٌ: "يا رول الله. أفَلا نتّكِل على كتابنا، ونَدَ العملَ؟ فمَن كان منّا مِن أهل السعادة، فسيصير إِلى عملِ أهل السعادة؛ ومن كان منّا من أهل الشقاوة،
فسيصير إِلى عملِ الشقاوة": "إِمّا أهل السعادة، فسيُيسَّرون لعملِ السعادة. وأمَا أهل الشقاوة، فييسَّرون لعمل الشقاوة". ثمّ قرأ:{فأما من أعطى واتقى} ، الآية. ورواه مسلمٌ وأبو داوود وابن ماجه والترمذيّ، وصحّحه.
[6]
وبإِسناد مسنَد أحمد، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال حدّثنا شُعبة، عن يزيد الرُشك، قال: سمعت مُطرقًا يحدِّث عن عمران بن الحصين، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنّه سُئل:"أيُعرَف أهلُ النارِ مِن أهل الجنّة؟ " فقال: "نعم". قال: "فلِم يَعمل العاملون؟ " قال: "يَعمَل كلُّ لمِا خُلِق له (أو: "لِمَا يُسِّر له") " وأخرجاه في الصحيحين.
[7]
وبه، قال أحمد، ثنا صفوان بن عيسى، قال: أنا عَزرَة بن ثابتٍ، عن يحيى ابن عُقيلٍ، عن يحيى بن يَعمَرَ، عن أبي الأَسود الدُّؤلي، قال: غَدَوتُ على عمران بن حصينٍ يومًا من الأيَام، فقال لي: يا أبو الأسود. إِنّ رجلًا من جُهَينة، أو مُزَينة، أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال:"يا رسول الله. أرأيتَ ما يعمل الناسُ اليوم، ويَكدحون فيه؛ شيءٌ قُضِىَ عليهم، أو مَضَى عليهم في قدَرٍ سبق، أو فيما يُستقبَلون ممّا أتاهم به نبيُّهم؛ فاتَّخذَت عليهم به الحجّةُ: . قال: "بل شيءٌ قضِى عليهم، ومضى عليهم". قال:"فلِم يَعملون إِذن، يا رسول الله؟ " قال: "مَن كان الله عز وجل خلَقه لواحدةٍ من المنزلتين، يُهيِّئه لعملها. وتصديق ذلك في كتاب الله تبارك وتعالى، "ونَفْسٍ وما سَواهًا فَأَلْهَمهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا". وأخرجه مسلمٌ.
وهذا والذي قبله قضيُةٌ واحدةٌ، لكنّ أحد طرفيها أبسط من الآخر.
وروى ابنُ عمرو، قال: قال عمر: "يا رسول الله. أرأيتَ ما نَعمَلُ فيه، أمرٌ مبتَدعٌ، أو مُبتَدأ، أو فيما قد فُرِغَ منه؟ " قال: "فيما قد فُرِغ منه، يا ابنَ الخطّاب. وكلُّ ميسرٌ لما خُلِق له. أمّا مَن كان مِن أهل السعادة، فإِنّه يَعمَل للسعادة. وأمّا مِن كان مِن أهل
الشقاء، فإِنّه يَعمَل للشقاء". رواه الترمذي وصحّحه.
قلتُ: وحاصل هذه الأحاديث أنّ الله سبحانه جعل في علمه الأزلي استحقاقَ الثواب والعقاب جاريًا على أعمل البرَ والفجور جريانَ السبباتِ على أسبابها؛ والسبب معرفٌ لا يؤثَّر. وهذا يؤكد ما قررَناه مِن قبلِ مِن حُكمِ اللهِ في خلقِه بعلمِه في نفس الأمر.
[8]
وبالإِسناد، قال أحمد: ثنا هاشم بن القاسم، قال: ثنا ليثُ، قال: حدّثني، قال: حدّثني أبو قَبيلٍ المعافِريّ، عن شُفي الأصبَحي، عن عبد الله بن عمروٍ، قال: خرج علينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وفي يده كتابات. فقال:"أتدرون ما هذان الكتابان؟ " قلنا: "لا إِلاّ أن تخبرنا، يا رسول الله" فقال للذي في يده اليمنى: هذا كتابٌ مِن ربّ العالمين تبارك وتعالى؛ فيه أسماءُ أهلِ الجنةِ وأسماءُ آبائهم وقبائلهم. ثمّ أُجمِلَ على آخِرهم، لا يَزداد فيهم ولا يُنقص منهم أبدا. ثم قال للذي في يساره:"هذا كتاب أهلِ النار، بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم. ثمّ أُجمِلَ على آخرهم، لا يزاد فيهم ولا يُنقَص منهم أبدًا". فقال أصحابُ رسولِ الله صلة الله عليه وسلم: "فلأيّ شيءٍ نَعمَل، إِن كان هذا أمرًا قد فُرِغ منه؟ " قال رسُول الله صلى الله عليه وسلم: "سَددوا وقاربوا. فإِنّ صاحب الجنّة يُختَم له بعمل الجنّة، وإِن عَمِلَ أى عملٍ. وإِنّ صاحب النارُ يُختَم له بعمل النار، وإِن عَمِلَ أى عملِ". ثمّ قال بيده، فقبضَها. ثمّ قال:"فَرَغَ ربُّكم من العباد". ثمّ قال باليمنى، فنبذ بها، فقال:"فريقٌ في الجنّة"، ونبذ باليسرى، وقال:"فريقٌ في السعير". وأخرجه النسائيّ والترمذيّ، وقال:"حَسنٌ صحيحً غريبٌ".
[9]
وبه، قال أحمد، ثنا الحسن بن سَوارٍ، ثنا ليثُ بن سعدٍ، عن معاوية، عن راشد ابن سعدٍ، عن عبد الرحمن بن قتادة، قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إِنّ الله عز وجل خَلَقَ آدم، ثمّ أَخذ الخلقَ من ظهرِه؛ فقال: "هؤلاء في الجنّة، ولا أُبالي؛ وهؤلاء في النار، ولا أُبالي". فقال قائلٌ:"يا رسول الله. فعلى ما نعمل؟ " قال: "على مَواقع
القدرِ".
قلتُ: معناه ما سبق، أن مَن قُدِّر عليه شيءٌ، وقَع عليه لا محالة.
[10]
وبه، قال أحمد، ثنا عبد الرزّاق، عن علقَمة بن مَرثَدٍ، عن المغيرة بن عبد الله اليَشكُتريّ، عن المعرور بن سُوَسدٍ، عن عبد الله، قال: قالت أمُّ حبيبة: "اللهم متِّعني بزوجي رسول الله، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية". فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " قد سألت اللهَ عز وجل لآجالٍ مضروبةٍ، وأرزاقٍ مقسومةٍ، وآثارٍ مبلوغةٍ، لا يُعجل منها شيءٌ قبل حِلِّه، ولا يؤخَّر منها شيءٌ بعد حِله. ولو سألتِ اللهَ أن يُعافيك من عذابٍ في النار، وعذابٍ في القبر، كان خيرًا لك". رواه مسلمٌ.
وهذا أصحّ مِمّا رواه الترمذيّ من حديث سلمان، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، "لا يَرُدّ القضاءَ إِلا الدعاءُ، ولا يَزيد في العمر إِلا البرُّ". وقال: "حٍنٌ غريبٌ مِن حديث سلمان".
فتقدَّم حديثُ أمّ حبيبة عليه. فإِن صح حديثُ سلمان، حُمل على مجاز سهولة العيش وطيبته، ونحوه. فإِنّه يُسمّى "زيادةً في العمر" مجازًا.
ولمسلمٍ، من حديث جابر بن عبد الله، قال: جاء سُراقَة بن مالك بن جُعشُمٍ، فقال:"يا رسول الله: بين لنا دينَنا، كأنّا خُلقنا الآن. فيمَ العملُ اليوم؟ فيما جفَّت به الأقلامُ وجَرَت به المقاديرُ، أم فيما نَستقبِل؟ " فقال: "بل فيما جفّت به الأقلام وجَرت به المقاديرُ". فقال: "فيم العمل، يا رسول الله؟ ". فقال: "كل عاملٍ ميسَّرٌ لعمَلِه".
[11]
وبالإِسناد، إِلى عبد الله بن أحمد، قال: حدّثنا مصعبٌ الزُبيريّ، قال: حدّثني مالكٌ، عز زيد عن أبي أُنيسَة، أنّ عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب، أخبره عن مُسلِم بن يَسار الجُهَني، أنّ عمر بن الخطّاب سُئل عن هذه الآية:{وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} . فقال عمر: "سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم
سئل عنها، فقال:"إِنّ الله خَلَقَ آدمَ، ثمّ مسح ظهرَه بيمينه، فاستَخرَج منه ذُرّيّته؛ فقال: "خلقتُ هؤلاء للجنّة، وبعملِ أهلِ الجنّة يَعملون". ثمّ مسح ظهرَه، فاستَخرَج منه ذرّيّة؛ فقال: "خلقتُ هؤلاء للنار، وبعملِ أهل النار يَعملون". فقال رجلٌ:"يا رسول الله. ففيمَ العمل؟ " فقال: "إِنّ الله عز وجل إِذا خَلَقَ العبدَ للجنّة، استعمله بعملِ أهل الجنّة؛ [حتى يموتَ على عملٍ من أعمال أهل الجنّة، فيُدخِلَه به الجنّةَ وإِذا خَلَقَ العبدَ للنار، استعمله بعملِ أهل النار] حتى يموت على عملٍ من أعمال أهل النار، فيُدخلَه به النارَ".
والمراد من هذا الحديث أنّه يختُم له بأحد العملين، فيُلحِقه بأهله؛ لا أنّه يَستعمِله طولَ عمره بعملٍ واحدٍ حتى يموت عليه. بدليل حديث أبي سعيدٍ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال:"الا إِنّ بنى آدم خُلقِوا على طبقاتٍ شتّى. فمنهم مَن يُولَد مؤمنًا، ويحيى مؤمنًا، ويموت مؤمنًا. ومنهم من يولَد كافرًا، ويحيى كافرًا، ويحيى كافرًا، ويموت كافرًا. ومنهم من يولَد مؤمنًا، ويحيى مؤمنًا، ويموت كافرًا. ومنهم من يُولَد كافرًا، ويحيى كافرًا، ويموت مؤمنًا" رواه ابن ماجه والنسائيّ والترمذيّ، وقال:"حديثٌ حسنٌ".
وروى أنسٌ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذا أراد الله بعبدٍ خيرًا، استَعمله". فقيل: "كيف يستعمله؟ " قال: "يوفَقه لعملٍ صالحٍ قبل الموت". رواه الترمذيّ وصحّحه.
وفي الصحيحين، من حديث سهل بن سعدٍ:"إِنّ الرجل ليَعمل بعملِ أهل الجنّة فيما يَرى الناسُ، وهو من أهل النار. ويَعمل بعملِ أهل النار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنّة. وإِنما الأعمال بالخواتيم".
[12]
وبالإِسناد، إِلى عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبو بكر بن أبي شَيبَة، قال: حدّثنا أبو داوود الحَفَريّ، عن سفيان، عن أبي إِسحق، عن مَطَر بن عُكامِسٍ، قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذا قضى اللهُ منيّةَ عبدٍ بأرضٍ، جَعَلَ له إِليها حاجةً. ورواه الترمذيّ، قال: "حسنٌ غريبٌ". لكن صحّح مِثله مِن حديث أبي عزّة، واسمه يَسار بن عبدٍ؛ وله صُحبةٌ.
وروى حمّاد بن سلمة، عن ثابتٍ البنانيّ، أنّ أبا الدرداء ذهب مع سلمان يخطب عليه امرأةً من بني ليثٍ. فقال أهلها:"أمّا سلمان، فلا نزوّجه؛ ولكنّا نزوّجك". فتزوّجها أبو الدرداء. ثمّ جاء إِلى سلمان، فقال له:"قد كان شيءٌ؛ وأنا أستحي أن أذكره لك" ثمّ أخبره الخبرَ. فقال سلمان: "أنا أحقّ أن أستحيي منك أن أخطبها، وقد كان الله قضاها لك".
وعن عبد الواحد بن سُلَيمٍ، قال: قدِمتُ مكةَ، فلقيتُ عطاء بن أبي ريَاحٍ، فقلتُ له:"يا أبا محمّدٍ. إِنّ أهل البصرةِ يقولون في القدر". قال: "يا بُنىّ. أتقرأ القرآن؟ " قلتُ: "نعم". قال: "فاقرأ الزخرفَ. قال: "فقرأتُ: {حم والكتاب المبين} ، إِلى قوله:{وإنه في أم الكتاب} . فقال: "أتدرى ما أمُّ الكتابِ؟ " قلتُ: "الله ورسوله أعلم". قال: "فإِنّه كتابٌ كَتَبَه اللهُ قبل أن يخلُق السماءَ، وقبل أن يخلقُ الأرضَ؛ فيه إِنّ فرعون من أهل النار؛ وفيه: تبت يدا أبي لهب وتب". قال عطاءٌ: "فلقيتُ الوليدَ ابن عبادة بن الصامت، صاحب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؛ فسألتُه: "ما كان وصيّة أبيك عند الموت؟ " قال: "دعانى، فقال:"يا بُنيّ، اتَّقِ اللهَ. واعلم أنّك لن تتقي اللهَ حتى تؤمِن بالله، وتؤمِن بالقدر كلّه خيره وشرّه. فإِن مُت على غير هذا، دخَلتَ النارَ. إِني سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنّ أوّلَ ما خَلَقَ اللهُ القلمَ؛ فقال: "كتبْ". قال: "وما أكتبُ؟ " قال: "اكتبْ القدرَ، ما كان وما هو كائنٌ إِلى الأبد". رواه الترمذَي، وقال:"حسنٌ غريبٌ" وقد تضمّن هذا الحديث قولَ النبي، ووصيّة الصحابيّ، وتفسير التابعيّ.
وعن أنسٍ، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكثر أن يقول: "يا مُقَلِّبِ القلوبِ، ثِّبت قلبي على دينك". فقلتُ: "يا رسول الله. آمنَّا بك، وبما جئتَ به. فهل تخافُ علينا؟ " قال: "نعم. إِنّ القلوب بين أُصبعين من أصابعِ الله، يُقَلَّبها كيف شاء". رواه الترمذيّ، وقال:"حديثٌ شريفٌ".
ولمسلمٍ معناه، من حديث عبد الله بن عمرو؛ وقال:"بين أصابع الرحمن، كقلبٍ واحد". وقال: "صرف قلوبَنا إِلى طاعتك"
ومعنى هذا الحديث أنّ الله يصرِّف القلوبَ بقدرته كما يصرِّف الرجلُ العصا أو نحوها بين أصابعه. وهذا هو الذي نعنيه "بخلق الأفعال"؛ وهو أنّ الله سبحانه إِذا أراد من العبد طاعةً أو معصيةً، صرَّف قلبه إِليها، وقيّض له أسبابها ودواعيها؛ فوقَعت منه لا محالة.
وعن ابن عبّاسٍ، قال: كنتُ خلفَ النبي صلى الله عليه وسلم يومًا. فقال: "يا غلام. إِني أعلَّمك كلماتٍ: احفظ اللهَ يحفظك. احفظ اللهَ تجده تُجاهَك. إِذا سألتَ، فاسأل اللهَ. وإِذا استعَنتَ، فاستعِن باللهِ. واعلم أنّ الأمّة لو اجتمعَت على أن ينفعوك بشيءٍ، لم ينفعوك إِلاّ بشيءٍ قد كتبَه اللهُ لك. ولو اجتمعوا على أن يضرّوك، لم يضرّوك إِلاّ بشيءٍ، كتبه اللهُ عليك. رُفعَت الأقلامُ، وجَفَّت الصحفُ". صحّحه الترمذيّ.
وعن ابن مسعودٍ، قال: حدّثنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصادِقُ المصدَّق:"إِنَ أحدَكم يُجمَع خَلقُه في بطنِ أمِّه أربعين يومًا. ثمّ يكون عَلَقَة مثلَ ذلك. ثمّ يكون مُضغةً مثلَ ذلك. ثمّ يُرسِل اللهُ إِليه الملَكَ، فينَفُخ فيه الروحَ. ويؤمر بأربعٍ: يكَتبِ رزِقه وأجلِه وعملِه وشقيٌّ أو سعيدٌ. فوالذي لا إِله غيره، إِنّ أحدَكم ليَعمل بعملِ أهل الجنّة، حتى ما يكون بينها وبينه إِلاّ ذراعٌ؛ ثمّ يَسبِق عليه الكتابُ؛ فيُختم له بعمل أهل النار، فيدخلّها. وإِنّ أحدَكم ليعمل بعملِ أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إِلاّ ذراعٌ؛ ثمّ يَسبِق عليه الكتابُ؛ فيُختم له بعمل أهل الجنّة، فيدخلها". أخرجها في الصحيحين؛
ورواه أبو داوود وابن ماجه والترمذيّ، وصحّحه. وفي الصحيحين معناه من حديث أنسٍ.
وقد سبق ذِكرُ نهي النبيّ عليه السلام عن النزاع في القدر. وعليه حمَل بعضُ العلماءِ قولَه عليه السلام، "المراء في القرآن كفرٌ". وسبق في سورة القمر، ذِكرُ مخاصمة قريشٍ في القدر، وما نزل في ذلك، وآثارٌ عن السلف.
وعن ابن عباسٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صنفان من أمّتي ليس لهما في الإِسلام نصيبٌ: المرجئة والقدريّة". رواه الترمذيّ، وقال:"غريبٌ". وقد رُوي عن ابن عبّاسٍ من غير وجهٍ. ورواه ابن ماجه.
وعن ابن عمر، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال:"يكون في أمتّي خَسفٌ ومَسخٌ (أو: "قَذفٌ")؛ وذلك في المكذِّبين بالقدر". رواه ابن ماجه والترمذيّ، وقال:"حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ".
وروى أبو داود في سننه من حديث ابن عمر، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنّه قال:"القدريّة مجوسُ هذه الأمّة. إِن مَرِضُوا، فلا تَعُودوهم. وإِن ماتوا، فلا تَشهَدوهم".
قال الخطّابيّ: "إِنما جعلهم مجوسًا لمضاهاة مذهبهم مذهبَ المجوس في قولهم بالأصلين، النور والظلمة. يزعمون أنّ الخبر مِن فِعلِ النور، والشر مِن فعلِ الظلمة. فصاروا ثنويّةً. وكذلك القدريّة؛ يضيفون الخيرَ إِلى الله، والشر إِلى غيره؛ والله تعالى هو خالق الخير والشر".
قلتُ: ولَمَّا ورد هذا الحديث ونظائره في القدريّة، تَنَصَّلوا من هذا اللقب، وقالوا:"لسنا نحن القدريّة؛ بل خصمونا هم القدريّة؛ لأنهم يُثبِتون القدرَ، ونحن ننفيه. فإِضافة اللقب المذكور إِلى المثبِتين، لَمّا اشتُقّ منه، أولى من إَضافته إِلى مَن ينفيه".
وذلك فرارٌ منهم عن لزوم هذا اللقب لهم. ولات حين مناصٍ! فإِنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم شبّههم بالمجوس. وإِنما يصحّ ذلك فيهم، لا في المثبِتين للقدر، لأنهم موحدون ذاتًا وفعلًا.
وهذا ما تيسّر إِيراده من أحاديث القدر؛ وفيها كثرةٌ تُجاوِز حد الإِحصاء. وقد صحّ عن النبيّ عليه السلام أنّه قال في وصيّةٍ لبعض أصحابه: "لا تَقُل لشيءٍ لم يكن: "ليته كان"؛ ولا لشيء كان: "ليته لم يكن"؛ ولكن قُل: "قَدَّر اللهُ، وما شاء فَعَلَ". ولَمَّا جاءه الملَكُ بصورة عائشة في خرِقَة حريرٍ، قال: "إِن يكن من عند الله، يُمضِه". وقال:"اشفَعُوا، تؤجَروا؛ وليَقضِ اللهُ على لسان نبيّه ما شاء" ولَمَّا قيل له: "سَعَِر لنا"، قال:"إِنّ الله هو المُسَعِّر القابض الباسط". وقال علي عليه السلام: "كلّما كَمُل عقلُ المراد، ازداد إِيمانُه بالقدر". وعن سعد بن أبي وقّاصٍ، قال: رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مِن سعادةِ ابن آدم رِضَاه بما قَضى اللهُ له. ومن شقاوة ابن آدم تَركُه استخارةَ الله. ومن شقاوةِ ابن آدم سَخَطُه بما قَضَى اللهُ".
وحديث صلاة الاستخارة مشهورٌ؛ وهو يتضمَّن الإِيمانَ بالقدر؛ وفيه: "اللهمّ إِني أستخيرُك بعلمِك، وأستقدِرُك بقدرِتك، وأسألُك من فضلِك العظيم؛ فإِنّك تقدِرُ، ولا أَقدِرُ؛ وتَعَلم، ولا أَعلَم؛ وأنت عَلاّمُ الغيوبِ"وهو صريحٌ في نفي القدرة الحادثة. وهو حديثٌ شريفٌ صحيحٌ.
ومَن استقرأ سِيرَ الأنبياءِ والملوك وغيرهم، ووقف على قضاياهم ووقائعهم، عَلِم بالضرورة أنّ لا خالق ولا متصرِّف في الوجود إِلاّ الله. وإِنما أُتِي هؤلاء القومُ مِن قصورِ