الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
علِمهم، واعتمادهم على مجرّد عقلهم، مع تسليمهم وتقريرهم أنّ مِن أحكام الشرع ما لا يُعلَم إِلاّ بتوقيف الشارع. وهذا تناقُضٌ. فهلا جعلوا هذا الأصلَ مِن التوقيفيّات، ووافقوا نصوصَ الكتاب والسنّة وإِجماعَ سلفِ الأمّة وخلَفِها! .
ولقد أخبرني الشقةُ عن بعض رؤساء الحنفيّة ببغداد، أنّه قال:"إِني لأخرُج من بيتي قدريًّا؛ ثمّ أعود إِليه سنّيًّا". فقيل له: "كيف ذلك؟ " قال: "أخرج على أني أفعل كذا وكذا، وأذهب إِلى كذا وكذا، وأرى أني متمكنٌ من ذلك قادرٌ. فيذهب النهار، ولم يتيسر لي من ذلك شيءٌ. فأرجع، وأنا أقول: لو قُدِّر، لكان".
قلتُ: فهذه أحاديث وآثارٌ، إِن لم تكن متواترةً تواترًا حقيقيًّا، فهي متواترةٌ تواترًا معنويًّا؛ كسخاء حاتمٍ، وشجاعة عليّ. وإِن لم تكن كذلك، فهي مستفيضةٌ، تلقّتها الأمّةُ بالقبول على تعاقب الأعصارِ، في سائر الأمصار، لم يُنقَل عن أحدٍ منهم لها إِنكارٌ. فإِذن، مستَند صحّتها إِمّا التواتر لمعلوم، أو الإِجماع المعصوم. فلينظر أمره لنفسه، وليُخلِص اعتقادًا يَلقَى فائدتَه في رمسِه، ولينظر أيهما أحقّ بالاتّباع: رسول الله صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدون، والصحابة، والتابعون، وأئمّة الشرع الصالحون، والفضلاء المحقِّقون؛ أم واصل بن عطاءٍ، وعمرو بن عُبَيدٍ، وأبو الهذيل العلاّف، والشحّام، والإِسكافيّ، والجبّائي الذي يقول:"يُسمى اللهُ "مُحْبِلًا"؛ لأنّه لا يحبِل النساءَ إِلاّ هو"، و "لا يسمّى "حنانًا"؛ لأنّه مشتقٌ من الحنين"؛ وغير ذلك من مقالاتهم البائرة، المبنيّة على أصولهم الهائرة.
[مآخذ مسألة القدر]
وحيث انتهينا في مسأَلة القدَر إِلى هذا المقام بعد طويلٍ من الكلام، فلننبّه على مآخذها باختصارٍ؛ وهي ثلاثةٌ:
أحدها: أنهم ينكِرون تصرُّفَ الله التكوينيّ في أفعال خلقِه؛ ونحن نثبته. وقد سبق تقديره.
الثاني: أنّ العدل عندهم ما حَسُن في العقل، والجور ما قَبُح فيه، بناءً على التحسين والتقبيح، وأنّه يحسُن ويقبُح من الله ما حَسُن وقَبُح منًا. وعندنا، العدل ما ورد الشرعُ بإِثباته؛ والجور ما ورد بنفيه. وحظّ العقلِ عندنا فَهم الخطابِ، لا التحكم على رب الأربابِ.
الثالث: أنّ الطاعة عندهم موافَقة الإِرادةِ، بناء على أنّ الإِرادة شرطٌ في كون الصيغة أمرًا. وعندنا، الطاعة موافَقة الأمرِ. وهو راجحٌ إِلى المأخذ الأوّل.
وحكى الإِمامُ فخر الدين في شرح الأسماء الحسنى أنّ القاضي عبد الجبّار الهَمَذانيّ رئيس المعتزلة دخل على الأستاذ أبي إِسحق الإسفرائينيّ، وهو في دار الصاحب بن عبّادٍ. فقال القاضي، معرِّضًا بالأستاذ:"سبحان مِن تَنزَّه عن الفحشاء! " فقال أبو إِسحق: "سبحان مَن لا يَجري في مُلكِه إِلا ما يشاءُ! "
قلتُ: أشار عبد الجبّار إِلى قوله تعالى: {إِن الله لا يأمر بالفحشاء} . وعنده، الإِرادة شرطٌ في الأمر؛ فلا جرم لزِم على رأيه أنّ الله يُنَزَّه على الفحشاء أمرًا وإِرادةً. وأشار أبو إِسحق إِلى قوله، {فعال لما يريد} ، ونظائِرها، على ما قرّرناه في سورة البروج. فقد جَمع هذان الرئيسان عُمدةَ الطائفتين في كلمتيهما. إِلاّ إِنّ كلمة عبد الجبار جُبَارٌ، وعلى شفا جُرفٍ هَارٍ؛ لأنّه مُنازعٌ في أنّ الإِرادة شرطٌ للأمر، وفي أنّ الله إِذا نهى عمّا يريد وقوعَه، أو أمَر بما لا يريد وقوعَه، جائزٌ؛ سبحانه وتعالى عمّا يقولون علوًّا كبيرًا. وقد سبق تقريرُ ذلك.