الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومنها قوله سبحانه: {قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} . قلتُ: هذه أقوى حجّةٍ في الباب. لأنّ الله سبحانه جمَع فيها بين طرفي المسألةِ. فأثبَتَ الحجّةَ البالغة له على الخلقِ، باعتبار تَصرُّفِه التكليفىّ فيهم. فكأنّه قال:"لي الحجّة البالغة عليكم؛ وأنا قَدَّرتُ الضلالَ عليكم. وغاية ما في الباب أنّكم لا تَفهَمون حقيقةَ هذا. لكنّ تَصرُّفى فيكم لا يَتَوقَّف على فهمِكم؛ لأني فعّالٌ لما أُريد، ولست بظلامٍ للعبيد".
ونظير هذه الآية في إِثبات الصفات ونفي التشبيه قوله تعالى: {ليس كمثله شئ} ، فهذا تنزيهٌ، {وهو السميع البصير} ، وهذا إِثباتٌ. وغاية ما في الباب أنّه لا يُدرَك سميعٌ بصيرٌ إِلاّ جسمٌ؛ لكنّ الله سبحانه في ذاته وصفاته بخلاف المساهَدات. وكذلك في أفعاله. والله أعلم.
ومنها قوله تعالى: {قل إننى هدانى ربى إلى صراط مستقيم} ، الآية. نَسَبَ الهدايةَ إِليه. فإِن قيل. "فإِنها واجبةٌ على الله؛ بخلاف الإِضلال؛ فإِنّه قبيحٌ"، قلنا: على تقير تسليم ذلك، فإِنّ تقدير أسباب الضلال قبيحٌ أيضًا؛ وقد سَلَّمتم أنّه يَفعَلها.
سورة الأعراف
فمنها قوله تعالى، حكايةً عن إِبليس، قال:{قال فبما أغويتنى} . فنَسَب الإِغواءَ إِلى اللهِ؛ وأقَّره عليه مع قوله له: {قال ما منعك ألا تسجد إذا أمرتك قال أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طرين} . فإِبليس عَلِم أنّه عوقِب بكَسبِه، وفَهِم أنّ الله قَدِّر ذلك عليه وأقَّره اللهُ على ذلك، فلم يُنكِره عليه. ثّم الإِغواء المنسوب إِلى الله سبحانه إِمّا أن يكون بخلقِ الغوايةِ في القلب، فيحصل المقصود؛ أو بالتسبُّبِ إِليها، وهو قبيحٌ عندكم، يُنافي اللطفَ ورعايةَ الأصلحِ الواجب عليه. ولا يَصِحّ حملُ "أَغْوَيْتّنِي" على معنى
"أَصَبتَني غاويًا"، من "أحببنُ الرجلَ وأبخلتُه"؛ لأنّه احتمالٌ مرجوحٌ جدًا، ظاهرُ الفسادِ؛ لأنّ إِبليس أراد المقابَلةَ؛ أي "اجْعَلْ إِنظارَك لي في مقابِل إِغوائك لي" ولو كان الإِغواءُ بالمعنى المذكور، لما صَحَّ ذلك؛ لأنّه كان يقال له:"أنا ما أغويتُك لأخلف عليك إِغواءَك بإِنظارِك؛ بل أنت أغويتَ نفسَك. فماذا أخلف عليك؟ بل أَهلِكُك، وأُرِيح الناسَ منك".
ومنها قوله تعالى: {فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة} . ومعناه حَقت عليهم الضلالةُ بقَدَر اللهِ؛ كما قال: {ولكن حق القول منى لأملأن جهنم} . وأمّا تعليله ذلك بقوله: {إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله} ، فتلك العلّة مع معلولها مَقدورةٌ مقضيّةٌ لله. فهو الذي قَدَّر الضلالَة جاريةً على سببِها؛ فهما مقدوران هل؛ كما أنّه خَلَقَ سائرَ المضارِّ والمنافعِ مع أسبابها.
ومنها قوله سبحانه: {وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كان لنهتدى لولا أن هدانا الله} . وإِذا كانت الهدائةُ مع فِعلِه وإِرادته سبحانه وجودًا وعدمًا، فكذلك الضلالة، كما سبق.
ومنها قوله شعيبٍ لقومه: {وما يكون لنا أن نعود فيها} ، يعني لملّتهِم، {إلا أن يشاء الله ربنا} ؛ فدَلَّ على أنّ الرِدّة عن الإِيمان بمشيئة الله مع قدرته، لما سبق مِن [أنّ] الإِرادة لا تِستقِلّ بالإِيجاد.
ومنها قوله تعالى: {وما أرسلنا في قرية من نبى إلأا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء} ، إِلى قوله:{فأهذناهم بغتة وهم لا يشعرون} . فإِنّ هذا، وما سبق في الأنعام، مِن قوله:
{فتحنا عليهم أبواب كل شئ} ، تفصيلٌ لقوله:{سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} . وهذا إِما إِضلالٌ حقيقىٌّ، أو تَسبٌ إِليه. وكلاهما قبيحٌ عندهم؛ فكان الواجب انتفاؤه، لأنّه أصلح.
ومنها قوله تعالى: {أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون} . والاستدلال لمِثلِه سبق. وبعده، } كذلك يطيع الله على قلوب الكافرين}.
ومنها قوله موسى: {إن هي لأفتنتك تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء} . فأقرَّه اللهُ على ذلك. وقد سبق أنّه قال له: "أنت حكيم الحكماءِ"، حيث اعتَرَف بالقدر، وأنّ لا خالق إِلاّ الله.
ومنها قوله: {إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم} . وهذا اضطرارٌ سَبَي؛ فليَجُر الاضطرارَ الخَلقيَّ، لاستوائهما في الاضطرار. ومَن زعَم أنّ هذا ليس باضطرارٍ، فهو كمن أَلَقى حطبًا في النار؛ فاحتَرَق؛ ثمّ قال:"ما أحرَقتُه". ولا فرق بينهما، إِلاّ إِرادة الإِنسان الاختياريّة؛ وهي مسخَّرةٌ لله سبحانه، مصَرَّفةٌ فيما يريد.
ومنها قوله سبحانه: {وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم} ، إِلى قوله:{أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} . ووجه الاستدلال بها أنّه أَخَذ ميثاقَهم، ثمّ أنساهم إِياّه؛ فهم اليوم يَفعلون ما كان منهم غير ذاكِرين للميثاق؛ بل أكثرهم منكِرٌ له. ولعلّهم لو ذَكَروه، لَوَفُوا به. فهُم الآن غافلون عنه، بل جاهلون به قطعًا. ثمّ يوم القيامة يُذكرهم إِيّاه؛ ثمّ يُعاقِبهم. وهذا تكليف ما لا يطاق قطعًا. فليكن خلقُ الأفعالِ