المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[رسالة في القدر منسوبة للحسن البصري، أوردها القاضي عبد الجبار] - درء القول القبيح بالتحسين والتقبيح

[الطوفي]

فهرس الكتاب

- ‌[مقدمة]

- ‌[أولًا: في العقل، وفي أصل التحسين والتقبيح]

- ‌الأُولى: في لفظ العقل

- ‌المسألة الثانية: في حقيقة العقل

- ‌المسألة الثالثة: في مكان العقل

- ‌المسألة الرابعة: في فعلِ العقل وأثره

- ‌المسألة الخامسة: في تحقيق القول في التحسين والتقبيح

- ‌[مفهوم التحسين والتقبيح]

- ‌[مآخذ الخلاف في مسألة التحسين والتقبيح]

- ‌[المأخذان الكيّان]

- ‌[المآخذ الجزئيّة]

- ‌[أدلّة المعتزلة على التحسين والتقبيح]

- ‌[إبطال التحسين والتقبيح]

- ‌[ثانيًا: فروع التحسين والتقبيح في أصول الدين]

- ‌[وجوب النظر عقليِّ عند المعتزلة]

- ‌[إِنكارهم كلامَ النفس]

- ‌[قولهم: "يقبح من الله ما يقبح منّا

- ‌[إيجابهم رعاية مصالح الخلق على الله]

- ‌[إِنكارهم الشفاعةَ]

- ‌[قبول التوبة واجبٌ على الله عندهم]

- ‌[إنكارهم الاستثناء في الإيمان]

- ‌[إِيجابهم إِرسالَ الرسلِ، وإِيجابُ الرافضةِ نصبَ الأئمة، على الله عقلًا]

- ‌[قول أبي هاشم: "دفع الضرر عن النفس واجبٌ عقلًا، وعن الغير سمعًا

- ‌[المعدوم شيءٌ، أو ليس بشيءٍ]

- ‌[قولهم: "إِنّ البنية شرطٌ في الكلام

- ‌[حكموا بقبح الآلام في العالم إِلاّ لغرضٍ صحيحٍ]

- ‌[الأنبياء أفضل أم الملائكةُ

- ‌[إِنكارهم كرامات الأولياء]

- ‌[إِنكارهم السحرَ]

- ‌[إِنكارهم الجنَّ والشياطينَ]

- ‌[غايةُ الأجَلِ والرزقُ]

- ‌[إِنكارهم عذابَ القبر]

- ‌[إنكارهم أنّ الجنّة والنار مخلوقتان الآن]

- ‌[ثالثًا: فروع التحسين والتقبيح في أصول الفقه]

- ‌[عندهم أنّ شكر المنعم واجبٌ عقلًا]

- ‌[حكم الأفعال الاختياريّة قبل ورود الشرع]

- ‌[تكليف ما لا يُطاق]

- ‌[القدرة مع الفعل أو قبلَه

- ‌[وقت العبادة مُضيِّقٌ أو مُوسَّع

- ‌[الفعل الواحد لا يكون مأمورًا به منهيًا عنه]

- ‌[تكليف الصبيّ والمجنون]

- ‌[تكليف المُلجأ]

- ‌[تكليف الحائض بالصوم]

- ‌[التكليف بفعلٍ عَلِمَ الآمرُ انتفاءَ شرطِ وقوعه]

- ‌[تأخير البيان عن وقت الحاجة]

- ‌[بقاء التكليف مع زوال العقل]

- ‌[تكليف المعدوم]

- ‌[إِبطال اليهودِ النسخَ]

- ‌[مَنعُ جمهور المعتزلة مِن نسخِ الحكمِ قبل دخول وقته]

- ‌[نسخُ وجوبِ معرفة الله وشكر المنعم وتحريم الكفر والظلم]

- ‌[رابعًا: فروع التحسين والتقبيح في الفروع الفقهيّة]

- ‌[النية في الوضوء]

- ‌[رؤية الهلال في الصحو]

- ‌[صحة إِسلامِ الصبيّ]

- ‌[صحة شهادةِ الكفّارِ بعضهم على بعضٍ]

- ‌[حكاية مسائل ذكرها العالميّ الحنفيّ نازعةٌ إِلى التحسين والتقبيح]

- ‌[لزوم النفلِ بالشُروع]

- ‌[نقاش كلامه في لزوم النفلِ بالشروع]

- ‌[قاعدته في الزكاة]

- ‌[فروع قاعدته في الزكاة]

- ‌[وجوب الزكاة على الصبيّ والمجنون]

- ‌[من مات وعليه زكاة]

- ‌[وجوب الزكاة على المديون]

- ‌[وجوب الزكاة في مال الضمار]

- ‌[وجوب الزكاة في الحليّ]

- ‌[الكلام على قاعدته في الزكاة]

- ‌ومِن قواعده قاعدةُ الصيام

- ‌[فروع قاعدته في الصيام]

- ‌[الكلام على قاعدته في الصيام]

- ‌ومنها قاعدته في الكفّارات والمقدَّرات

- ‌[فروع قاعتدته في الكفّارات والمقدّرات]

- ‌[الكلام على قاعدته في الكفّارات والمقدّرات]

- ‌[الكلام على فروع قاعدته في الكفّارات والمقدّرات]

- ‌ومنها قاعدته في الأنكحة

- ‌[فروع قاعدته في الأنكحة]

- ‌[الاشتغال بالنكاح أفضل من التخلّي للنوافل]

- ‌[إِجبار لمولى عبده على النكاح]

- ‌[إرسال الطلقات الثلاث جملةً]

- ‌[فسخُ النكاحِ بالعيب]

- ‌[الكلام على قاعدته في الأنكحة]

- ‌[الكلام على فروع قاعدته في الأنكحة]

- ‌ومنها قاعدته في الماليّة وأهليّة الأملاك

- ‌[فروع قاعدته في الماليّة وأهليّة الأملاك]

- ‌[تصرفُّ العبدِ المأذون له]

- ‌[تصرُّف الصبيِّ المأذون له]

- ‌[تجزُّؤ العتقِ]

- ‌[الكلام على قاعدته في الماليّة وأهليّة الأملاك]

- ‌[الكلام على فروع قاعدته في الماليّة وأهليّة الأملاك]

- ‌ومنها قاعدته في الأملاك

- ‌[فروع قاعدته في الأملاك]

- ‌[استيلاء الكفّارِ على أموال المسلمين في دار الحرب]

- ‌[قسمة الغنائمِ في دار الحرب]

- ‌[تغيير الغاصب في المال المغصوب]

- ‌[الكلام على قاعتدته في الأملاك]

- ‌[الكلام على فروع قاعدته في الأملاك]

- ‌ومنها قاعدته في وصف الفعل بأنّه ضربٌ أو قبيحٌ

- ‌[الكلام على قاعدته في وصف الفعل بأنّه ضررٌ أو قبيحٌ]

- ‌[خامسًا: مسألتا القدر وخلقِ الأفعال]

- ‌[بيان معنى "الكسب" و"الخلق

- ‌أمّا نقل المذاهب في المسألة

- ‌[مقدمّات المسألة]

- ‌[الكلام الساذج التقريبيّ في المسألة]

- ‌[الوجوه العقليّة التي أوردها أبو الحسين البصريّ المعتزليّ]

- ‌[الوجوه النقليّة التي للمعتزلة]

- ‌[كلامٌ على طبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبّار المعتزلىّ]

- ‌[رسالةٌ في القدر منسوبة للحسن البصري، أوردها القاضي عبد الجبّار]

- ‌[الجواب على الرسالة]

- ‌[سادسًا: الأدلّة النقليّة على القدر]

- ‌[آيُ إِثباتِ القدرِ مِن القرآن]

- ‌سورة الفاتحة

- ‌سورة البقرة

- ‌سورة آل عمران

- ‌سورة النساء

- ‌سورة المائدة

- ‌سورة الأنعام

- ‌سورة الأعراف

- ‌سورة الأنفال وبراءة

- ‌سورة يونس عليه السلام

- ‌سورة هودٍ عليه السلام

- ‌سورة يوسف عليه السلام

- ‌سورة الرعد

- ‌سورة إِبراهيم عليه السلام

- ‌سورة الحجر

- ‌سورة النحل

- ‌سورة بني إِسرائيل، على صالحيهم السلام

- ‌سورة الكهف

- ‌سورة مريم عليها وعلى ابنها السلام

- ‌سورة الحج

- ‌سورة المؤمنون

- ‌سورة النور

- ‌سورة الفرقان

- ‌سورة الشعراء

- ‌سورة النمل

- ‌سورة القصص

- ‌سورة العنكبوت

- ‌سورة الروم

- ‌سورة لقمان

- ‌سورة السجدة

- ‌سورة الأحزاب

- ‌سورة الملائكة

- ‌سورة يس

- ‌سورة الصافات

- ‌سورة الزمر

- ‌آل حاميم

- ‌سورة المؤمن

- ‌سورة فصلت

- ‌سورة الشورى

- ‌أما سورة الجاثية

- ‌سورة محمدٍ عليه السلام

- ‌سورة الفتح

- ‌سورة الحجرات

- ‌ سورة النجم

- ‌سورة القمر

- ‌ سورة الحديد

- ‌سورة المجادلة

- ‌سورة الحشر

- ‌ سورة الصف

- ‌سورة الجمعة

- ‌سورة المنافقين

- ‌سورة التغابن

- ‌سورة الطلاق

- ‌ومن سورة الملك

- ‌سورة ن

- ‌سورة الحاقة

- ‌سورة سائل سائلٌ

- ‌سورة نوح

- ‌سورة الجن

- ‌أمّا سورة المدّثّر

- ‌سورة الإِنسان

- ‌ سورة التكوير

- ‌ثم إلى سورة المطفّفين

- ‌ثمّ إِلى سورة البروج

- ‌[سورة الشمس]

- ‌ثم إِلى سورة الضحى

- ‌ثم إلى سورة الفلق

- ‌{استدلال القدريّة مِن أي القرآن]

- ‌[الجواب على استدلال القدريّة مِن أي القرآن]

- ‌[حجّةٌ على إِثبات نبوّة محمدِ صلى الله عليه وسلم؛ وهي نكتةٌ أجنبيةٌ عن الباب]

- ‌[أحاديث القدَر]

- ‌[مآخذ مسألة القدر]

- ‌[خاتمة: في أنّ المعتزلة هل يكفرون بمقالتهم هذه، أم لا

الفصل: ‌[رسالة في القدر منسوبة للحسن البصري، أوردها القاضي عبد الجبار]

ثمّ إَنّه زعم أنّ سفيان روى الحديث لأصحابه مصرحًا بأن الفرقة الناجية المعتزلة. فلمّا علم أنهم سبقوا إِلى ذلك، أمسك عن التصريح. ولا شك أن العادة تقتضي امتناع كتمان مثل هذا إِذ كيف تخلو حلقة مثل سفيان ممن تمثل نفسه إِلى هذا الحديث، فيصير إِلى المعتزلة، ثم يشيعه، فيشتهر عنه! وهذا حديثٌ غير معروفٍ أصلًا؛ فضلًا عن أن يكون غير مشهورٍ.

وأيضًا، فإِنّ أصحاب سفيان قد نَقلوا عنه وعن غيره في صفات البارئ، وأفعاله، والفتن الواقعة بين أصحابه، ونحو ذلك أعظم من هذا الحديث وقعًا. فلو جزا أن يكتموا شيئًا من الحديث، لكانت تلك أولى بالكتمان.

وأمّا عثمان الطويل، فمعتزلي منهم في إِشادة مذهبه وثبوته بمدح طائفته. ثم هو مجهول عند أهل النقل والرواية. وقد قال الله تعالى:{كذلك زينا لكل أمة عملهم} .

[رسالةٌ في القدر منسوبة للحسن البصري، أوردها القاضي عبد الجبّار]

ثمّ اعلم أنّ عبد الجبّار ذكر عن الحسن رسالةً في نصرة القدر، فقال:

"الحسن البصري ممن دعا إلى الله الدهر الأطول بالموعظة والتصنيف والرسائل والخطب. فالمشهور عنه أن عبد الملك كاتبه، فقال: "إنه قد بلغنا عنك في وصف القدر ما لم يبلغنا عن أحدٍ من الصحابة. فاكتب بقولك إلينا ف هذا الباب" فكتب إِليه:

"سلامٌ عليك. أمّا بعد. فإِنّ الأمير أصبح في قليلٍ من كثيرٍ مضوا والقليل من أهل الخير مغفولٌ عنهم. وقد أدركنْا السلف الذين قاموا بأمرِ الله، واستنوا بسُنَّةِ

ص: 197

رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلم يُبطِلوا حقًا، ولا أَلحَقوا بالربّ إِلاّ ما أَلحَق بنفسه. ولا يحتجُّون إِلاّ بما احتج اللهُ به على خَلقِه؛ وقوله الحقّ:{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} . ولم يخلقهم لأمرٍ، ثمّ حال بينهم وبينه؛ لأنّه تعالى ليس {بظلام للعبيد} .

"ولم يكن في السلف أحدٌ يُنكِر ذلك ولا يجادِل فيه؛ لأنهم كانوا على أمرٍ واحدٍ مُتَّسِقٍ. وإِنما أَحدَثنا الكلامَ فيه حيث أَحدَث الناسُ النَكِرة له. فلمّا أَحدَث المحدِثون في دينهم ما أحدثوه، أحدث اللهُ للمتمسكين بكتابه ما يُطفئون به المحدثات، ويحذرون به من المهلِكات".

وذكر "أن الذي أوقعهم فيه سببه الأهواء، وترك كتاب الله. ألم تر إِلى قوله تعالى:{هاتوا برهانكن إن كنتم صادقين} ! .

"فافهم، أيّها الأمير، ما أقوله. فإِنّ ما نهى اللهُ عنه، فليس منه؛ لأنّه لا يَرضَى ما يَسخَطُ، وهو من العباد. فإِنّه تعالى يقول: {ولا يرضى لعباده الكفر وإِن تشكروا يرضه لكم}. فلو كان الكفر ممن قضائه وقدره، لرضى به ممن عمله. وقال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه}. وقال: {والذى قدر فهدى}؛ ولم يقل: "قدر فأضل". لقد أحكم الله آياته وسُنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال له: {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسى وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربى}. وقال: {الذى أعطى كل شيء خلقه ثم هدى}؛ ولم يقل: "ثمّ أصلَّ". وقال: {إن علينا للهدى} ؛ ولم يقل: إنّ علينا

ص: 198

للإِضلال". ولا يجوز أن يَنهَى العبادَ عن شيء في العلانيِة، ويقدِّره عليهم في السرّ ربُّنا أَكرَم من ذلك [وأرحم].

"ولو كان الأمرُ كما يقول الجاهلون، ما كان يقول: {اعملوا ما شئتم}؛ ولقال: "اعمَلوا ما قَدَّرتُ عليكم". وقال: {لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر}؛ لأنّه جَعَل فيه مِن القوّة ذلك، ليَنظُر كيف يَعملون. ولو كان الأمر كما قاله المخطئون، لما كان إِليهم أن يَتَقدّموا ولا يتأخَّروا، ولا كان لمتقدِّمٍ حمدٌ فيما عمِل، ولا على متأخَِرٍ لومٌ، ولقال: "جزاءً بما عَملَ بهم"، ولم يقل: "جزاءً بما عملُوا، وبما كَسَبوا".

"وقال تعالى: {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها} ؛ أى بيَّنَ لها ما تأتى وما تَذّرُ. ثمّ قال: {قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها} ؛ فلو كان هو الذي دساها، ما كان ليُخَيِّب نفسه، تعالى عمّا يقولون.

"وقال تعالى: {ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار} . فلو كان اللهُ تعالى هو الذي قدَّم لهم الشرَّ، ما قال ذلك.

"وقال تعالى: {وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبرائنا فأضلونا السبيلا} ؛ وقال تعالى: {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإِما كفورا} ؛ {ومن شكر فإنما يشكر لنفسه} . وقال: {وأضل فرعون قومه وما هدى} . وقال تعالى: {وما أضلنا إلا

ص: 199

المجرمون}، {وأضلهم السامرى} ، و {إن الشيطان ينزغ بنيهم} ، {وزين لهم الشيطان أعمالهم}. وقال:{وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} ؛ فكان بدء الهدي من اللهِ، واستحبابُ العَمَى بأهوائهم وظلَّم آدم نفسه، ولم يظلم ربه؛ وقال:{ربنا ظلمنا أنفسنا} . وقال موسى: {هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين} ."

وذَكَرَ "أنّ أهلَ الجهلِ قالوا: "إِنّ الله يُضِلُّ ويهدي من يشاء". ولم ينظُروا إِلى ما قبل الآيةِ وبَعدَها، ليستبين لهم أنّه تعالى لا يُضل إِلاّ بتقدُّم الفِسقِ والكفر؛ كقوله، {ويضل الله الظالمين} ، وقوله، {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} ، وقوله، {وما يضل به إلا الفاسقين} .

وبيَّن، رحمه الله، في كلامه، الوعيد. فقال:

"إِنّه تعالى قال: {أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنفذ من في النار} .وقال: {كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا} . وقال تعالى: {ادخلوا في السلم كافة} . فكيف يَدعوهم إِلى ذلك، وفد حال بينهم وبينه! .

ص: 200

"وقال: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله}. كيف يجُوز ذلك، وقد مَنَعَ خَلقَه مِن طاعتِه! ".

قال: "والقوم يُنازِعون في المشيئةِ. وإِنما شاء اللهُ تعالى الخيرَ قَبلَ أن نَشاءه. وقال: [يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}.

وقال في وَلَدِ الزنا:

"إِنّه مِن خَلقِ. وإِنما الزاني وَضَعَ نُطفتَه في غير حَقِّها؛ فتَعَدَّى أمرَ اللهِ؛ واللهُ يِخلق من ذلك ما يشاء. وكذلك صاحب البذرِ، إِِذا وَضَعَه في غيرِ حَقِّه".

وقال في الرسالة:

"إِنّ الله تعالى أَعدَلُ وأرحم مِن أن يعمي عبدًا، ثمّ يقول له: "أَبصِر، وإِلاّ عَذَّبتُك! " فكيف يُضِلُّه، ثمّ يقول له: "اهتَدِ، وإِلاّ عَذَّبتُكّ" وإِذا خَلَقَ اللهُ الشقيَ شقيًّا، ولم يجعل له سبيلًا إِلى السعادة، فكيف يُعَذِّبه!

"وقال اللهُ لآدم وحوّاء: {فكُلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة} .فغَلَبَه الشيطانُ على هَواه. ثمّ قال: {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة} ؛ وليس للشيطانِ عليهم سلطانٌ، {إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك} .

"وَبعَثَ الرسولَ نورَا ورحمةً. فقال: {استجيبوا لله وللرسول} ؛ وقال: {استجيبوا لربكم} ؛ وقال: {أجيبوا داعى الله} ؛ {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعون} .

ص: 201

وقال: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} . فكيف يَفعَل ذلك، ثمّ يُعمِيهم عن القبول! وقال تعالى:{إن الله يأمر بالعدل} . ونهى عمّا أَمَرَ به الشيطانُ. وقال في الشيطان: {يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} ؛ فمَن أجاب الشيطانَ، كان من حِزبِه.

"ولو كان كما قاله الجاهلون، لكان إِبليسُ أَصوَب مِن الأنبياءِ؛ إِذ دَعَا إِلى إِرادة الله وقضائه، ودَعَت الأنبياءُ إِلى خلافِ ذلك، وإِلى ما عَلِموا أنّ الله قد حال بينهم وبينه.

"وقال القومُ فيمن أَسخَط اللهَ: "إِنّ اللهَ حمَلَه على إسخاطِ". وكيف يَسخَط، إِذا عَمِلوا بقضائه عليهم وإِرادتِه! ويقول: {ذلك بما قدمت يداك}! وهؤلاء الجهّال يقولون: "إِنّ الله قَدَّمَه لهم، وما أضَلَّهم سواه".

"وقال تعالى: {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه}. فلو كان الأمر كما زَعَمُوا، لكان الدعاء والأمر لا تأثير له؛ لأنّ الأمر مفروغٌ منه. لكنّ التأويل على خلاف ما قالوه. وقد قال اللهُ تعالى: {ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود}. ثمّ قال: {يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقى وسعيد}. والسعيد ذلك اليوم هو المتمسَّك بأمر الله؛ والشقيّ هو المضَيِّع".

وقال في الرسالة:

"واعلَم، أيها الأمي، أنّ المخالِفين لكتاب الله وعدلِه يخوضونن وفي لَغَطٍ يُعَوَّلون في

ص: 202

أَمرِ تَدَيُّنهم بزَعمِهم على القدر. ثمّ لا يَرضون في أَمرِ دُنياهم إِلاّ بالاجتهادِ والبحثِ والطلبِ والأخذِ بالحَزمِ فيه- وذلك لثِقلِ الحَقِّ عليهم- ولا يَعمَلون في أَمرِ دنياهم في سائر تَصرُّفهم على القضاء والقدر. فلو قيل لأحدهم: "لا تَستَوثِق من أمورِك، ولا تُقفِل حانوتَك احترازًا لمسائِك، واتَّكِل على القضاء والقدر"، لم يَقبَل ذلك. ثمّ يُعَوِّلون عليه في الديِن".

قال:

ومّما يحتَجُّون به أنّ اللهَ قَبضَ قبضةً، فقال:"هذه في الجنّة، ولا أُبالى"؛ وقَبَضَ أُخرى، وقال:"هذه في النار، ولا أبالي". كأنهم يَرون أنّ ربهم يَفعَل ذلك كالمصارع بينهم المحارب- تعالى اللهُ عمّا يَصِفونه به. وإِن كان الحديثُ حقًّا، فقد عَلِم اللهُ أهلَ النارِ قبلَ القبضتين، وقبلَ أن خَلَقَهم. فإِنما قَبَضَ أَثرََ أهلِ الجنّة الذين في عِلمِه أنهم يَقَلون، وأنهم سيَعملون بما عَلِموا مُمكَّنِين، غيرَ مُجبَرِين.

وكان يجب على ما رووه أن تكون أعمالُ الناسِ هباءً منَثورًا، من حيث قد فُرِغ مِن الأمر. وكيف يَصحُّ ذلك، مع قوله:{تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا} ، وهو الذي حَمَلَهم عليه! وما معنى قوله، {فما لهم لا يمنون} ، وقد مَنَعَهم! .

"وكيف يقول: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله}! بل كان يجب أن يقول: "ما كان لأهل المدينةِ أن يَعمَلوا بما قَضَيتُ عليهم". ولما قال: {فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض} ، وهو الذي حال بينهم وبين الطاعة!

ص: 203

"وإِذا كان الأمر مفروغًا منه، فكيف يقول: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج}! وكيف ابتلى العبادَ، فعاتَبَهم على فِعلِهم! وكيف يقول: {إِنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا}! وكيف يقول: {قدر فهدى}، ولم يقل: "قَدَّرَ فأَضَلَّ"! وكيف يَصحُّ أنّه خَلَقَهم للرحمةِ والعبادة، بقوله، {فطرت الله التي فطر الناس عليها}، وقوله، {فطركم أول مرة}، وقوله، {لا من رحم ربك ولذلك خلقهم}! فإِذا خَلَقَهم لذلك، فكيف يَصحُّ أن لا يجعَل لهم سبيلًا، ويَقسرهم على السعادة والشقاء، على ما يَذكُرون! وكيف يَبتلى إِبليسَ بالسجودِ لآدم؛ فإِذا عَصَى، يقول: {اهبط منها}، ويجعله شيطانًا رجيمًا! وكيف يقول: {فما يكون لك أن تتكبر فيها}! وكيف يحذر آدمَ عداوتَه، إِن كان الأمر مفروغًا منه، على ما يقولون! ".

وقال في الرسالة:

"واعلم، أيها الأمير، ما أقول. إِنّ الله تعالى لم يَخفَ عليه بقضائه شيءٌ، ولم يَزدَهْ علمًا بالتجربة؛ بل هو عالمٌ بما هو كائن وما لم يَكُن. وكذلك قال:{ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض} ، {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن} ، الآية. فبَيَّن لنا أنّه يخلق خلقًا مِن ملائكةٍ وجنِّ وإنسٍ، وأنّه سيَبتَليهم قبل أن يخلقهم. فعَلِمَ ما يَفعَلون، كما قَدَّرَ أقواتهم، وقَدَّرَ ثوابَ أهلِ الجنّةِ

ص: 204

وعقابَ أهلِ النارِ قبلَ ذلك. ولو شاء إِدخالَ العصاةِ النارَ، لَفَعَلَ. لكنّه سَهَّلَ سبيلَهم؛ ليكُون الحجّة البالغةَ له على خَلقِه. والعلم ليس بدافعٍ لهم إِلى معاصيه؛ لأنّ العلم غير العملِ. فتبارَك اللهُ أحسنُ الخالقِين"

وقال في قولهم في الضلالِ والهُدى، وفي قوله، {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض} ، و {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى}:

"إِنّ المراد بذلك إِطهارُ قُدرِته على ما يُريده، كما قال:{إِن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء؛ {ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم} ؛ {ولو نشاء لطمسنا على أعينهم} ؛ {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذير} . وقال: {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا} . حتى بَلَغَ من قوله تعالى أن قال: {فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء} . فإِنما دَلَّ بذلك رسولَه على قدرتِه؛ فذلك غير الذي شاءه منهم. ولذلك قال في حجتهم يوم القيام رادًّا بذلك رسولَه على قدرتِه؛ فذلك غير الذي شاءه منهم. ولذلك قال في حجتهم يوم القيامة رادًّا لقَولهم: {لو أن الله هدانى لكنت من المتقين} ؛ رَدَّ ذلك بقوله، {بلى قد جائتك آياتى فكذبت بها واستكبرت} .

"وقال تعالى، بعدما حَكَى عنهم قولهم، {لو شاء الرحمن ما عبدناهم} ، تكذيبًا لهم:{كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا} . فنَعُوذُ بالله مِمَّنْ

ص: 205

أَلحَقَ باللهِ الكذبَ، وجعَلوا القضاءَ والقدر معذِرةً. وكيف يَصحُّ ذلك، مع قوله، {وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين}! وكيف يَصحُّ أن يقول:{وما أصابك من سيئة فمن نفسك} ! أي العقوبة التي أصابَتك إِنما هي مِن قِبَلِ نفسِك بعملِك. ولو شاء اللهُ تعالى أَخْذَهم بالعقوبة من دون معصيةٍ، لقدرَ على ذلك. لكنّه رؤوفٌ رحيمٌ. ولذلك أَرسَل موسى إِلى فرعون، وقد قال:{ما علمت لكم من إله غيرى} ؛ فقال: {فقولا له قولا لينا} . وقال: {اذهب إلى فرعون إنه طغى فقل هل لك إلى أن تزكى} . وقال: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلم يذكرون} ، فيتوبون. فلمّا لُّجوا في كفرِهم بعدَ كلّ ذلك، مِن الأمرِ والترغيب في طاعتِه، أَخَذَهم بما فَعَلوا".

قال:

"ثمّ انظر أيّها الأمير كيف صنيعه بمن أطاع؛ فقال: {إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزى في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين}؛ {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا؛ {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل}. وقال موسى: {ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين}؛ وقال: {فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين}. فهذا صنيعه بأهل طاعته؛ وما قدّمناه صنيعه بأهل معاصيه عاجلًا. فإذا اتْبَعوا أهواءَهم، عاقَبَهم بما يَستحِقُّون".

ص: 206