الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تتسمُ الحِكَايةُ بالبَسَاطَةِ والأُلفَة وتُوغِلُ في أمور الواقعي اليومي ثم فجأة ودون تمهيدات، يطير البطل مثلًا، أو تبتلعه الأرض، أو تخرجه الفتاة التي أسرها العفريت سلسلة من خواتم تخصُّ الرجال الذين واقعوها، برغم تحذيراته لها وهكذا. كما قرأ "جابريل جارثيا ماركيس" مختارات من ألف ليلة وليلة في طفولته، وظل مفتونًا بها.
أثر الموشحات في الأدب الغربي
وإلى جانب "ألف ليلة وليلة" هناك "الموشحات" ذلك الجنس الشعري الذي اشتهرت به الأندلس، وكانت تدور في كثير من نماذجها حول الغزل، كما كانت تخرج على النظام العروضي والقفوي التقليدي، الذي يجري على وتيرة واحدة، وزنًا وقافية من أول القصيدة إلى نهايتها، حسبما هو معروف.
ويتركب كل موشح من وحدتين تتكرران عددًا من المرات، وحدة يبدأ بها الموشح في العادة، وتُسمى قُفْلًا؛ فإذا لم يبدأ بها، وبدأ بالوحدة الثانية سُمّي الموشح أقرع، وهذه الوحدة الثانية تُسمى غصنًا.
ويتكون الموشح النموذجي في العادة من ستة أقفال؛ تحصر بينها خمسة أغصان، ولكن الوشاح غير ملزم بذلك إن شاء أن يزيد أو ينقص، واجتماع القفل والغصن التالي له يسمى دورًا، وبَعْضُهم يُسَمّيه بيتًا، فالمُوَشّح النّمُوذَجي على هذا الأساس، يتكون من خمسة أدوار، أو أبيات، وقُفل ختامي يدعونه الخرجة، ولكن الأقرع يشذ عن ذلك لأن أحد أقفاله ساقط.
وللوشاح أن يجعل عدد أجزاء الغصن حسبما يريد، وأهم هذا التوشيح من حيث النغمة: قيام القفل أحيانًا على وزن، وقيام الغصن على وزن آخر؛ فتسير
الموشحة في وزنين، والغالب أن يتفق القفل والغصن في الإيقاع العام، وقد يختارُ الوَشّاحُ وزنًا مباشرًا أوزان القصيد فينسج عليه موشحته مثل:
أيها الساقي إليك المشتكى
…
قد دعوناك وإن لم تسمع
وهذا ما يسميه "ابن سناء الملك" الموشح الشعري، أو يستخرج وزنًا جديدًا ينظم عليه موشحته، وقد حاولَ المُستشرقُ الأسباني خُليان ريبيرا، وتبعه على ذلك بعض المستشرقين، مثل: جوميس وبلال، وكذلك بعض المؤلفين العرب، مثل: الدكتور عبد العزيز الأهواني، والدكتور مصطفى عوض الكريم، وبطرس البستاني، أن يفسر سببًا بظهور الموشحات في الأندلس، فأرجع أن أهل تلك البلاد كانوا في حياتهم اليومية، يتكلمون العامية الأعجمية؛ في الوقت الذي كان يخصصون العربية الفصحى للأمور الرسمية.
ومن ثم نشأ بينهم طراز شعرية جديد يقوم بين المزاوجة بين العربية الفصحى، والعامية الأعجمية، وهو الشكل الذي أثار استياء العلماء المحافظين، فكان من جراء ذلك أن نهض الناس جميعًا -حسب عبارته- يتناقلونه سرًّا، فيما بينهم، وذاع أمره داخل البيوت، وفي أوساط العوام، وما زال يعظم؛ حتى أصبح يومًا من الأيام لونًا من الأدب.
وهذه نظرية خاطئة إذ تفترض أنّ أهل الأندلس كانوا يتحدثون بالعامية الأعجمية، وهو ما لم يحدث، ولا قال به أحد، وكيف يمكن أن يقوله أي أحد، بل كيف يمكن أن يخْطُر شَيءٌ من هذا بِبَاله، ولم يحدث يومًا أن اتخذ العرب لغة أهل البلاد التي فتحوها؛ لقد كان العرب أعَزّ من ذلك بآماد لا تتصور.
ثم كيف يكون الناس جميعًا يتناقلون هذا الشكل الشعري سرًّا فيما بينهم؟! إنّ السر معناه أن ينفرد به بعض الناس دون بعض، أما أن يكون سرًّا بين الناس جميعًا، فلا أدري كيف يكون؟!
كذلك بأن الموشحة لم تكن تنظم بالعامية الأعجمية، بل كل ما هنالك أن خرجات بعض الموشحات من بعض المئات -البعض فقط- كانت تكتب بالعامية، وبعض هذه الخَرجات المَكتُوبة بالعامية، كان يُكتب بالعامية الأعجمية، علمًا بأن الخرجة لا تمثل إلا جزءًا صغيرًا جدًّا من الموشحة، وأن ذلك النوع من الخرجات لم يكن يكتب جميعه بالعامية، ولا بالعامية الأعجمية؛ إذ قد يقتصر هذا على كلمة أو كلمتين فحسب.
وفضلًا عن ذلك فإن الأسجال وهي فن شعري ينظم بالعامية كاملًا، إنما كانت تنظم العامية العربية لا الأعجمية، كما يعرف ذلك كل أحد، ولو كانت عامية أهل الأندلس هي الأعجمية؛ لنظمت الأسجال على الأقل بتلك العامية لا بالعامية العربية، التي يفترض حسب تلك النظرية أنها لم تكن تستعمل هناك.
ثم إنّه لم يَحْدُث أنّ أحدًا من العرب القدامى، ممن كتب عن ذلك الطراز من النظم، سواء أكان من أهل الأندلس أو من غيرهم، قد أشار ولو مجرد إشارة، إلى شيء من هذا الذي قاله "ربيرا" أما لو كان هناك من الأندلسيين غير المسلمين، من كتب شيئًا من هذا الذي يقول "رييرا" فليرنا إياه.
وقد تعرض العقاد رحمه الله إلى موضوع "تأثير الموشحات على الشعر الغربي" فذكر ما قاله "دانتي" من أنّ نظم الشعر بالعامية؛ قد شاعَ في إقليم بلوفَانس؛ حيث تنتقل الأمم اللاتينية إلى الجنوب، فانتشر من ذلك الإقليم أولئك الشعراء الجوالون، الذين عُرفوا باسم "التروبادور" المأخوذ من "طرب أو طروب" في رأي بعض المستشرقين، والذي قال إن اسم "التنزو" الذي يطلق على شعرهم، مأخوذٌ من كلمة تنازع، لأنهم كانوا يلقون الشعر سجالًا، يتنازعون فيه المفاخر والدعاوى، بالإضافة إلى ما لوحظ من شبه شديد بين أوزان هذا الشعر، وأوزان الزجل الأندلسي.
وما وجد في أشعار الأوربيون في شمال الأندلس، من كلمات عربية وإشارات إلى بعض العادات الإسلامية، كتخميس الغنائم، واختصاص الأمير بالخمس منها.
كذلك لمس محمد مفيد الشوباشي في كتيبه "العرب والحضارة الأوربية" هذا الموضوع؛ فأشارَ إلى أنّ من درسوا الأدب الأوربي، وتطوره قُبيل العصر الحديث؛ يلاحظون أن الشعراء "التروبادور" هم الذين أحدثوا أكبر أثر فيه، فتبدلت حاله كل التبدل، وعرف السبيل القوايم على حد تعبيره.
لقد كانت أشعار هؤلاء الشعراء الجوالين الذين ظهروا في أسبانيا خلال القرن العاشر الميلادي -على ما يبدو- لونًا من الزجل، تطور ودخلت عليه كلمات أسبانية، إلا أنه لم يفقد خصائص الشعر الأندلسي، حسبما يقرر الشوباشي الذي يستند في كلامه هذا إلى ما كتبه بعض من تطرق إلى ذلك الموضوع من الكتاب الأوربيين؛ كـ"إيميل هنريو و"بريفو" و"بربري".
والذي يبدو أن تأثير الشعراء التروبادور" قد انتقل بعد هذا إلى ألمانيا، وإيطاليا، وفرنسا؛ وإن لم يدخل في تفصيلات القضية، اللهم إلا في رده على بعض من ينكر من الأوربيين، ما تدين به أشعارهم قبل عصر النهضة إلى الشعر العربي في الأندلس.
وفي كتابه (الأدب المقارن) يوضح الدكتور محمد غنيمي هلال موضوع تأثر شعراء التروبادور بالموشحات سواء في مضمون قصائدهم، أو في نظامه الموسيقي، قائلًا:"إنّ شعراء التروبادور" كانوا يعيشون في بلاط الملوك والأمراء، ويتغنون بالحب على نحو يذل فيه المحب لمحبوبته، ولا يجد في ذلك ما ينال من عزة نفسه، وإنه لوحظ أنهم يبنون قصائدهم في المتوسط من سبع مقطوعات، كما يفعل الوشاحون، وهو العدد الغالب على الموشحة.
كذلك نجد في تلك القصائد ما يُقابل المَطْلَع والغُصْنَ والقُفل في الموشحات، كما أن المصطلح الذي يطلق على مجموع الغصن والقفل معًا، هو البيت. بالضبط مثل ما يطلق في الموشحات.
ثم إن نظام القافية في شعر شعراء التروبادور يسيرُ على نفس المنوال الذي تسير عليه القافية من ذلك الفن، وبالمثل يقابلنا في غزلهم شخصية الرقيب، والواشي، والعاذل، والحاسد، والجار، وكذلك الرسول الذي يستخدم في مهنته خاتمًا، كما في الموشحات فضلًا عن استعمال ضمير المذكر للحبيبة في كثير من الأحيان.
وفي كتابه (دور العرب في تكوين الفكر الأوربي) يبرز الدكتور عبد الرحمن بدوي دور الموشحات في الأسجال الأندلسية في نشأة الشعر الأوربي، مُشيرًا إلى أنّ أوّلَ من قال بهذه النظرية هو "خونيال ربيرا" المستشرق الأسباني الذي عكف على دراسة موسيقى الأغاني الإسبانية، ودواوين الشعراء التروبادور والتروفير، وهم الشعراء الجوالة في العصر الوسيط في أوربا، و"الميسنجر" وهم شعراء الغرام؛ فانتهى من دراساته إلى أن الموشح والزجل هما المفتاح العجيب الذي يكشف لنا عن سر تكون القوالب التي صبت فيها الطرز الشعبية، التي ظهرت في العالم المتحضر إبان العصر الوسيط.
وأثبت انتقاله بحور الشعر الأندلسي فضلًا عن الموسيقى العربية إلى أوربا، عن نفس الطريق الذي انتقل به الكثير من علوم القدماء وفنونهم، من بلاد الإغريق إلى روما، ومن روما إلى بيزنطة، ومن هذه إلى فارس وبغداد والأندلس، ومن ثم إلى بقية أوربا، وكنت أود لو أضاف الدكتور بدوي إلى ذلك أن كتابًا آخرين من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، مثل "نيكل وأوفون سلفستر وفيوري وفرانت إيجلي" يعضدون هذه النظرية.
ويمضي الدكتور عبد الرحمن بدوي؛ فيوضح كيف استخدم شعراء التروبادور "البروفانسليون" الأوائل أقدم قوالب الزجل الأندلسي، كما يظهر في شعر أول شاعر تروبادور "بروفن سادي" وهو "جيوم التاسع""دوخ أكيتانيا" الذي يعدونه أول شاعر في اللغات الأوربية الحديثة، والذي بقي من شعره إحدى عشر قصيدة من بينها خمس كتبت بعد سنة ألف ومائة واثنتين.
وتتألف كل منها من فقرات تشبه في قالبها فقرات الزجل، من حيث تأليفها من ثلاثة أشطار متحدة القافية، يتلوها أشطار من قافية واحدة في كل الفقرات، كما نجد هذا النمط من النظم أيضًا عند شاعرين تروبادورين قديمين آخرين هما:"ثركامون ومركابرو" اللذان عاشا في النصف الأول من القرن الثاني عشر، ثم انتشر هذا النمط من النظم في الشعر العربي في أوربا، وفي الشعر الديني الذي ألفه الأدباء الفرنسسكان في القرنين الثالث عشر والرابع عشر وفي أغاني الكرنفانات في فينتسا في القرن الخامس عشر.
ويستمر الدكتور بدوي قائلًا: إن الشعراء المتعلمين في أسبانيا نفسها، قد ظلوا يستخدمون أنماط النظم، على طريقة الأسجال العربية، ومنهم "ألفونس" الحكيم في القرن الثالث عشر، ورئيس القساوسة في هيتا في القرن الرابع عشر، و"فياسيندينو وخواندل إنثينا" في القرن الخامس عشر، وأوائل القرن السادس عشر.
ولم يقتصر الأمر على طريقة النّظم بل امتد التأثير العربي في نشأت الشعر الأوربي، أيضًا إلى طريقة علاج الموضوعات؛ ففكرة الحب النبيل التي تسود الغزل في الشعر البروفنسالي نجد أصلها في الشعر الأندلسي، وكذلك في أسجال ابن قزمان، كما يؤكد هذا "مينندث بيدال" أشد الباحثين حماسة في توكيد تأثير الموشح والزجل في نشأة الشعر الأوربي في نهاية في العصر الوسيط.
وإذًا فلا يقتصر التأثير على بعض الموضوعات، مثل: المغامرات الغرامية الشائكة أو الفاضحة، والإهداء إلى حامٍ، وافتخار الشاعر بنفسه كما اقتصر على ذلك "ألفريد جانوا" في كلامه عن تأثير الشعر الأندلسي العربي في شعر الشعراء التروبادورا" الأوائل، بل امتد في نظر بيدال إلى جوهر هذا الشعر التروبادوري، وهو فكرته في الحب النبيل إذ يرى بيدال أن هذه الفكرة قد عرضها ابن حزم في (طوق الحمامة) وأنها كانت فكرة سائدة عند أهل الظاهر في نظرتهم إلى الحب؛ فقد كانت موجودة قبل ذلك في كتاب (الزهرة) لابن داود الظاهري صاحب الدعوة الحب العذري، الذي توفي في أواخر القرن الثالث الهجري.
وكذلك نجد هذه الفكرة في شعر الحكم الأول الذي توفي في أوائل القرن الثالث الهجري، وفي شعر ابن زيدون، الذي يقول مثلًا في ولادة:
ته أحتمل واستطل أصبر وعز أهن
…
وول أقبل وقل أسمع ومر أطع
وممن تناول هذه القضية أيضًا الدكتور عبد النبي سطيف الذي يوضح بدوره في كتابه (الموشحات الأندلسية وأثرها في الشعر الغنائي الغربي) كيف كان الشعراء التروبادور الذين ينتمون إلى إقليم "البروفانس" في جنوب فرنسا صلة الوصل بين الشعر الغنائي الأوربي، والشعر العربي الأندلسي، ولا سيما موشحاته وأزجاله.
وكان "جيوم التاسع" أول من عرف من شعراء التروبادور الذين تأكدت صلتهم بالموشحات الأندلسية، وتعد حياته مفتاح البحث عن الصلة العربية الأوربية في ميدان الشعر الغنائي، وقد اتصلت حياة أول الشعراء التروبادور بالحضارة الإسلامية اتصالًا مباشرًا، في جنوبي فرنسا، وفي أسبانيا، وفي المشرق العربي، وكان صوتًا معبرًا عن واقع مجتمعه في عصره، مُنفتحًا عن الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس. وقد بقي من اليوم إحدى عشرة قصيدة تعكس جميعها
تأثره بالموشحات الأندلسية، في العناصر الأساسية المكونة لشعره؛ وهي: اللغة، والشكل، والمضمون، وأسلوب التعبير، ومن شعره:
كل فرحة تهون أمام هذه الفرحة الكبرى
…
وكل نبالة تتخلى عن مكانها لسيدتي
بذا امتازت به من طرف ولطافة، ونظرة بهيجة، وسيعيش مائة عام ذلك الرجل الذي يحالفه الحظ، فيفوز بفرحة حبها، إنّ فَرْحَة حُبّها تشفي السقيم، والغضب منها يميت السليم، إن نفوذ حبها قد يؤدي بالعاقل إلى الحمق، وبالوسيم إلى ضياع وسامته، وبالمتأدب اللطيف إلى الفظاظة والقبح، كما أنه قد يُهذب طباع الفظ من الرجال، وإذا تفضل سيدي ومنحني حبه؛ فإنني مستعد لقبوله اعترافًا بفضله، وأن أكون كتومًا للسر، وملاطفًا ظريفًا، أقول وأفعل ما يريد؛ حتى أستحق رضاه، وأنال منه الثناء.
ومن الشعراء التروبادور أيضًا "جيف رودل" وكان عميد منشدي الغزل الروحي العفيف، المعبر عن العشق المثالي للمرأة، وتعبر قصائده الغنائية عن تجربة حبه الفريدة، التي خلفت أثرًا بالغًا في الأدب الرومانسي في فرنسا وإيطاليا وانجلترا، وغيرها. وأصبح منهجه في الحب منارة لكل الشعراء، إذ غدا شعره ومنهجه في الحياة مثالًا يُحتذى للتعبير عن التعلق اليائس بالحبيب البعيد.
وكانت أغنيته الخامسة أغنية الحب البعيد، كفيلة بتوضيح بعض قسمات هذا الحب الفريد والغريب في آن مع على الحساسية الأوربية:
عندما تطول الأيام في شهر آيار
تعجبني أهالي العصافير المغردة من بعيد
وحينما أنتهي من سماعه
أتذكر حبًّا بعيدًا
فأمشي مطبق الرأس
في تأمل غير مهتمٍ بالغناء
ولا بآثار البيوت
فهي لا تفضل في نظري ثلوج الشتاء
ويقول أيضًا: لن أسعد بأي حب غير هذا الحب البعيد؛ لأنه لا توجد امرأة تضاهي محبوبتي في أي مكان قريب أو بعيد؛ لقد بلغت سمو الحسن والنسب والصفاء، ما يجعلني أتمنى أن أكون أسيرًا عند المسلمين لأحس بسعادة الاقتراب منها.
كما عكست قصائد "رودن" نظام القوافي المقبوس من الموشحات العربية الأندلسية؛ فضلًا عن مذهب الغزل العذري العربي والبعد عن أساليب التعبير عن التعقيد في اللفظ، والتركيب، والتكرار المستساغ.
كذلك يذكر الدكتور سطيف الشاعر "مار كابرو" الذي كان واحدًا من أنجب تلاميذ "جيوم" التاسع؛ فقد عاش هذا الشاعر بين فرنسا وأسبانيا في قصر الأمير "جيوم" العاشر، وترك أربعة وأربعين قصيدة مختلفة الأشكال، متنوعة الأغراض، وإن غلب الهجاء عليها، وكانت حياته حياة لهو وعبث، ومع هذا فقد خصص بعضًا من إبداعه الشعري لهجاء اللهو والفجور.
ويعكس شعر ذلك الشاعر جوانب مختلفة من التأثير العربي الإسلامي في شعره؛ في الشكل، والأسلوب، والمضمون في آنٍ معًا، وبخاصة تركيب الأغصان والأقفال، وتوزيع القوافي. وكان "مركابوا" متأثرًا بالشعر الغزالي عند ابن أبي
ربيعة، ولنستمع من شعره إلى هذه السطور من قصيدة، "الزرزور" تلك التي يقول فيها:
طر أيها الزرزور محلقًا
…
واغدو في الصباح مبكرًا
توجه نحو بلد تلتقي فيه
…
محبوبة لي هناك تجدها وتراها
ومهمتك هي أن تقول له مستفسرًا في نفس الوقت: لماذا خانت عهدها؟
ويمضي الدارس مبينًا كيف كانت الرياح عربية إسلامية، تهب على شبه الجزيرة الإيطالية من الشمال والجنوب معًا، من التأثير التروبادوري أولًا، ومن صقلية حيث النفوذ "النورماندي" وأن ثمة ما يشبه الإجماع بين دارسي "دانتي" على أنه استمد أصول فنه من مصادر عديدة، كان من أبرزها الشعر التروبادوري إذ كان يعرف لغة مبدعيه، معرفة ممتازة، ساعدته على تذوق شعرهم.
كذلك كانت المرأة "البروفنسالية" المثقفة كما يقول بريفو: مثل المرأة العربية بعامة تلهم مشاعر الشعراء، وتثير بطولة الفرسان، وتأثر العظماء بأدبها وجمالها، وتقول الشعر، ويحتكم إليها مبدعوه، وتسير بذكرها الركبان؛ فيتمناها كل من أحس بنفسه نخوة الرجولة.
وقد أسهمت المرأة "البروفنسالية" إسهامًا قويًّا في نشر تقاليد التروبادور المستلهمة من الشعر العربي الأندلسي، في أنحاء أوربا بين أمثال الأميرة "ألنور" حفيدة "جيوم التاسع التولوذي" والأميرة "كنستانس" بنت ملك "أراجون ألفونصو الثاني" أما الأميرة إيلونور" فكانت وراء قدوم العديد من الشعراء التروبادور "البروفنساليين" إلى انجلترا، وبالتالي وراء التأثير الإسلامي في الشعر الغنائي الإنجليزي في العصور الوسطى، وفتحت قصرها ملتقى للأدباء والشعراء، والفنانين القادمين من
الجنوب يحملون معهم عبق البروفانس. وأما الأميرة "كونستانس" فقد كانت وراء انتشار فن التروبادور في أوربا الشرقية.
ولم يقتصر تأثير الشعر العربي الأندلسي على الشعراء التروبادور بل شمل الشعر الأوربي الحديث -كما يؤكد الباحث- وتم ذلك على يد "عزرا بوند" الشاعر المعروف، الذي تسربت عناصر من الثقافة العربية الإسلامية إلى شعره؛ مؤثرًا بدوره في الشعر العربي الحديث، لتكمل بذلك دورة التأثير، التي بدأت بشعر الموشحات، والأزجال في الأندلس.
وانتقلت الشعراء التروبادور في مختلف أنحاء القارة الأوربية، ثم إلى "دانتي وسونتاته" لتصل إلى شيخ شعراء العصر الحديث وحواريه في الوطن العربي وفي خارجه.
ورغم كل ما تقدم -وهو غيض من فيض- فإن محاور مادة الموشحة من دائرة المعارف الإسلامية "سيكلوبيديا الإسلام" في طبعتها الجديدة، يتجاهل جميع ما سيق في قضية تأثير شعر الموشحات على الشعر الأوربي الحديث، من حيثيات وبينات، وشواهد وتفصيلات، ولا يلتفت إلى الموضوع إلا في الفقرة الأخيرة من المادة المذكورة، وعلى نحو جِدٍّ موجز.
وكل ما قاله أن أقدم الشعراء التروبادور وهو وليم الأكويكي الذي ازدهر شعره في القرنين الثاني عشر، والثالث عشر الميلاديين، أيام الموشاحين اليهود قد استعمل نظامًا موسيقيًّا يشبه نظام الموشحات، وأن هذا هو أهم عنصر فيما يُسمى بالنظرية العربية، التي تعمل على تفسير عبقرية الشعر "البروفنسالي" جزئيًّا على الأقل من خلال التأثير العربي.
والسلام عليكم ورحمة الله.