الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السادس عشر
(تأثر الشعر العربي بالشعر الإنجليزي)
عوامل الاتصال بين الشرق والغرب وأثرها في إحياء الشعر العربي في العصر الحديث
تأثر الشعر العربي بالشعر الإنجليزي:
يقول محرر مادة الأدب العربي في الموسوعة العربية العالمية: "اتخذ الاتصال بين الشرق والغرب صورًا متعددة، وكان أول الهزات العنيفة التي أيقظت العرب والمسلمين، غزو فرنسا لمصر؛ الذي كان بداية الاتصال بين الشرق والغرب، وتجلت صوره في التعليم؛ فأرسل بعض العلماء المصريين لفرنسا وعادوا للعمل بالتدريس، وأنشأ "محمد علي" والي مصر عدد من المدارس المدنية التي أخذت تزداد، وتتنوع تخصصاتها، ويبعث خريجوها إلى أوربا، وأخذ النشاط التعليمي الطراز الأوربي فجاءت الجامعية الأهلية المصرية عام 1908م.
وامتدت حركة التعليم ومؤسساته من لبنان ومصر إلى تونس وليبيا والجزائر والمغرب، ولكن ظل التأثير الثقافي الأوسع مدى محصورًا في الشام ومصر، كما تجلت صوره أيضًا في الترجمة؛ التي كانت جزءًا لا ينفصل عن حركة التعليم؛ حيث أدت دورًا مقدرًا في نقل ثقافة الغرب إلى اللغة العربية.
وكان للبعثات التي أرسلها "محمد علي" أثر في ازدهار هذه الحركة، وكان إنشاء مدرسة الألسن لتخريج المترجمين عام 1836م عملًا مهمًّا، كما أنشأت مدارس العلوم والزراعة والفنون والصنائع وغيرها.
استطاعت حركة التعليم والترجمة أن تُسهم في بعث الأدب العربي الحديث؛ حين تُرجمت أعمال أدبية غربية من مسرحيات "موليير" و"ولتر إسكوت" و"فيكتور هيجو" و"شكسبير" وغيرهم، فاتصل ذلك النشاط ببدايات القصة والمسرحية في الأدب العربي، كما عرف الشعر اتجاهات فنية غربية جديدة
ونظريات نقدية، وبذلك قدم المترجمون روائع الأدب الغربي شعره ونثره ونقده إلى قراء الأدب العربي.
ومن صور الاتصال بين الشرق والغرب أيضًا حركة الطباعة والصحافة؛ حيث عرفت البلاد العربية المطبعة في عهد "نابليون" ثم أنشأت بعد بعثات التنصير في لبنان مطابع خاصة بها، ولكن مطبعة بولاق التي أنشأها "محمد علي" في مصر عام 1821م، والمطبعة الأمريكية في بيروت عام 1834م، وكذلك اليسوعية في بيروت عام 1848م، هذه المطابع كان لها أعظم الأثر في نشر الثقافة الحديثة مترجمة ومؤلفة في العالم العربي.
وقد اختصت مطبعة بولاق بنشر روائع التراث العربي الإسلامي؛ فقللت التكلفة الباهظة للكتب، وجعَلها ذلك في متناول اليد وبأسعار زهيدة، وكان من أثر تأسيس المطابع ظهور الصحف والمجلات فصدرت "الوقائع المصرية" سنة 1822م وغيرها من الصحف والمجلات اليومية والدورية.
ولما بدأت الأحزاب السياسية بالظهور أدت الصحافة والفن الصحفي دورًا كبيرًا في ذلك، وأصبح لكل حزب منهم منبرٌ صحَفيٌّ يُعنَى بالسياسة، كما يُقدم المعرفة في المجالات الأدبية والعلمية والاقتصادية والاجتماعية، وكانت تلك الصحف المنبر الحقيقي لبعث الحركة الفكرية والأدبية في الأدب العربي الحديث، وكان من فرسانها "طه حسين" و"العقاد" و"المازني"، ومن الشعراء "أحمد شوقي" و"حافظ إبراهيم" و"خليل مطران" وما تزال مجلات مثل "المقتطف" و"الهلال" و"الرسالة" و"الثقافة" من وسائل الوعي الثقافي ونهضته في البلاد العربية.
وتكونت جمعيات أهلية من نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين الميلاديين جعلت مهمتها إحياء التراث العربي ونشره؛ فأشرفت مجموعة من
علماء الأزهر على مطبعة بولاق، واختاروا طائفة من المخطوطات التراث وعملوا على نشرها؛ فظهر (لسان العرب) لابن مندور وكتاب (الأغاني) لأبي فرج الأصفهاني و (دواوين الحماية) و (دواوين شعراء فحول العصر الأموي والعباسي) وغير ذلك من عيون مؤلفات المكتبة العربية.
ولما تأسست لجنة التأليف والنشر والترجمة بالقاهرة، ساهمت في حركة إحياء التراث ونشره، وكذلك أسهمت مطبعة الجوائب التي أنشأها "أحمد فارس الشدياق" في نشر كتب التراث.
وهناك أيضًا من المَجامع العلمية اللغوية التي أدت منذ إنشائها دورًا كبيرًا في مد الجسور العلمية بين الحضارة العربية، والحضارة الغربية، وكان أول مجمع علمي ذلك الذي أسسه "نابليون" أثناء حملته وجعل فيه فروعه للرياضيات والفيزياء والآداب والفنون، وجعل أهم أهدافه نشر علوم أوربا وفنونها في مصر.
وفي عام 1835م تأسست الجمعية المصرية، وغايتها إنشاء مكتبة ضخمة، وحين جمد نشاطها أسست مجموعة من علماء الإسكندرية مجلس المعارف المصري بالإسكندرية عام 1859م، وبعد ذلك تأسيس هذه الجماعات والمجامع، وكان من أشهرها "جمعية مصر الفتاة" وفي بيروت "جمعية المقاصد الإسلامية" عام 1880م، وهدف هذه الجمعيات توحيد جهود العلماء والأدباء، وتنظيمها بجعلهم يتعاونون في مجال التخصص الواحد، ويتبادلون الآراء.
وكان من ثِمار هذه الجماعات جمعيات أدبية وفكرية جديدة من أهمها "جماعة أبوللو" سنة 1932م، وهناك كذلك حركة الاستشراق، ورغم أن هذه الحركة بدأت أول أمرها لتمكن المستعمر من تدبير شئونه في البلاد المستعمرة، عن طريق اتصاله بأدبها ولغتها، ونفسيات أهلها، فإن هذه الحركة انتهت بإنشاء جمعيات
علمية يقوم على أمرها علماء متخصصون، في مجال التاريخ والاقتصاد واللغات والآداب. وتعد الجمعية "الآسيوية الملكية" بلندن سنة 1722م ونظيرتها الفرنسية سنة 1820م أشهر هذه الجمعيات، وكان لكل منهما مجلة مشهورة وجهود في نشر المخطوطات وترجمة عيون اللغة العربية إلى اللغات الأوربية.
وتبع حَركة الاستشراق تأسيس معاهد اللغات الشرقية، التي من أشهرها "مدرسة اللغات الشرقية" بلندن وباريس وبرلين، كما اهتمت حركة الاستشراق بإنشاء المكتبات ومراكز المخطوطات.
وأدت تلك العوامل الإيجابية من نشاط ثقافي وعلمي، واتصال بالغرب عن طريق التعليم والترجمة والطباعة والنشر، ثم حركة إحياء التراث العربي والإسلامي بجانب إنشاء المجامع العلمية واللغوية، ثم دور حركة الاستشراق دورًا مهما في تطور الأدب وازدهاره شعرًا ونثرًا في العصر الحديث.
وظل الشعر العربي في العالم العربي قبل عصر النهضة يحذو حذو تلك النماذج التي كانت سائدة خلال العصر العثماني، سواء في صياغة الركيكة وأساليبه المتكلفة المثقلة بقيود الصنعة، أو في موضوعاته التافه، أو في أفكاره المتهافتة، أو في معانيه المبتذلة، وعلى رغم من ظهور بعض الشعراء أصحاب الصوت الشعري القوي والمعبر؛ فإنهم كانوا قلة في ضم الضحالة السائدة في مملكة الشعر.
ومن تلك الأصوات الشعرية القوية "حسن العطار" في مصر و"بطرس البستاني" في لبنان و"شهاب الدين الألوسي" في العراق وغيرهم، وظهرت مع النصف الثاني من القرن التاسع عشر بدايات نهضة فنية في الشعر العربي الحديث، واستمرت هذه الحركة في القوة والاندفاع حتى سادت خلال القرن العشرين، وانتقل الشعرُ نقلة كُبرى خرجت به إلى عوالم أرحب وأوسع؛ فتنوعت في اتجاهاته ومدارسه،
وأدت مدارس الشعر في العصر الحديث مثل مدرسة الإحياء، والديوان، وأبوللو، والمهجر، والمدرسة الحديثة، دورًا مقدرًا في بلورة اتجاهات الشعر، والخروج بها من التجريب والتنظير إلى التطبيق والانطلاق.
ويُعد الشاعر "محمود سامي البارودي" رائد حركة الإحياء في الشعر العربي الحديث غير منازع، وأدى تلاميذه من بعده "أحمد شوقي" و"حافظ إبراهيم" و"أحمد مُحرم" ومن سلك مسلكهم دورًا كبيرًا في بعث الحياة والفن معًا في بنية القصيدة العربية، وكانت ريادة هؤلاء النفر العامل الفاعل في تطور الشعر العربي في العصر الحديث، وإعادته إلى عصره الذهبي؛ فهم بعدوا بالشعر عن تلك الأساليب الركيكة المبتذلة، ونفثوا فيه قوة وإشراقًا هي صنو لإشراق اللغة العربية وقوتها بعد جمودها، قبل عصر النهضة في تلك القوالب ذات الصيغ المزركشة المصطنعة.
وقد وفق هذا الجيل على مد جسرٍ فكري فني شعري، يربط الماضي بالحاضر، فكان بعثهم للقصيدة العربية لا يخلو من محافظة على موروثها وقيمها وإيقاعها وأوزانها، فالقصيدة لديهم فخمة الإيقاع، جزلة الألفاظ قوية التعبير، رصينة المعنى مواكبة لمتطلبات العصر وأحداثه، وجد الشعر هذه الفئة من رواد الإحياء والبعث صدى طيبًا في نفوس الشباب، وكان معظم هؤلاء الشباب ممن تفتحت عيونهم وعقولهم على الثقافات الأجنبية.
ويمثل "أحمد شوقي" اللبنة الثانية بعد "البارودي" في نهضة الشعر الحديث؛ فقد كان متصلًا اتصالًا واعيًا، بالأدب العربي القديم، واستطاع أن يحيي نماذجه الرصينة كأشعار "البحتري" و"أبي نواس" وغيرهم، ومن هنا كان بعثه للقصيدة العربية مستمدًّا من إحيائه لنماذج الشعر القديم، وكون لنفسه أسلوبًا شعريًّا
أصيلًا جعله يجمع بين القديم والحديث، ومن ثم جاء أسلوبه جزلًا قويًّا في أصالة وحلاوة شعرية، وقدرة على احتواء متطلبات عصره والتعبير عنها.
وهكذا حافظ شعراء مدرسة الإحياء على صورة القصيدة العربية من ناحية، كما جعلوها مقبولة معبرة عن عصرهم من ناحية أخرى، لكل ذلك استقطب شعرهم اهتمام معاصريهم؛ فنشرته الصحف وذاع بين الناس، وتذوقوه لخلوه من الغريب والحوشي من النظم والزركشة والصنعة في الصياغة؛ فأثرى العقول والقلوب، وكان كل ذلك من عوامل تتطور الشعر في العصر الحديث وبعثه.
ويظهرُ مع النصف الأول من القرن العشرين جيلٌ جديد، اتصل بالثقافة الأوربية والإنجليزية منها بوجه خاص، اتصالًا أعمق من اتصال الجيل الأول، ومن ثم اختلفت رؤيتهم لمهمة الشعر عن تلك التي كانت في الجيل السابق؛ فعابوا على من سبقهم معالجتهم الموضوعات التقليدية التي لا يتجاوزونها، أما جيلهم فيرى أن الشعر تعبير ونظم لحركة الكون وائتلاف الذات الشاعرة، وهو تعبير عن نفس مَعناها الإنساني العام، وتعبير عن الطبيعة وآثارها، وتصوير للعواطف الإنسانية التي تثور بها نفس الشاعر.
والتف هذا الجيلُ حولَ حركة نقدية عرفت "بجماعة الديوان" وكان أشهر روادها "عباس محمود العقاد" و"عبد الرحمن شكري" و"إبراهيم عبد القادر المازني" وقد اتخذت مدرسة الديوان من شعر "أحمد شوقي" ميدانًا لتطبيق نظريتهم النقدية، كما جعلوا من أشعاره ميدانًا لبث أفكارهم ودعوتهم في كتابة الشعر وقيامه، وصياغته وأشكاله.
وأخَذَ تأثيرُ الأدب الغربي على الأدب العربي يزداد وضوحًا من الثلاثينات من القرن العشرين؛ حين ظهرت مدرسة نقدية شعرية عرفت باسم "جماعة أبوللو"
أسسها "أحمد ذكي أبو شادي" وكان الشاعر "علي محمود طه" من أبرز أعضائها، هذه الجماعة كانت أكثر مناداة بتطوير القصيدة العربية عن مدرسة الإحياء ومدرسة الديوان، ويُعزى ذلك إلى تأثرها بالمذهب الرومانسي في الشعر الغربي، كما تأثروا بشعراء المهجر أمثال "إيليا أبو ماضي" و"ميخائيل نعيمه" و"نسيم عريضة".
وقد تركت مدرسة "أبوللو" أثرًا لا ينكر في عدد من شعراء العالم العربي؛ فتأثر بها "أبو القاسم الشابي" من تونس، و"تيجان يونس بشير" من السودان، و"حسن القرشي" من المملكة العربية السعودية، و"إلياس أبو شبكه" من لبنان وغيرهم، وعلى يد هذه المدرسة أضحت القصيدة العربية تمتاز بسهولة في التعبير، وبساطة في اللغة، وتدفق في الموسيقى؛ كما غَلَب على موضوعاتها التأمل والامتزاج بالطبيعة، وشعر الحُبّ والغناء بالمشاعر مع نزعة الألم والشكوى.
ويمثل الشعر العربي في المهجر امتداد الاتجاه الرومانسي في الشعر الحديث؛ فأقرت المهجر الأمريكي الشمالي الرابطة الإقليمية، وفي الجنوب العصبة الأندلسية، وظل شعرهم مثقلًا بهموم الوطن والمناجاة الفكرية والنفسية والتهويمات الصوفية ومن أشهر شعرائهم "إيليا أبو ماضي" و"ميخائيل نعيم" و"إلياس فرحات" و"رشيد أيوب".
أما في الأربعينات من القرن العشرين، فقد أخذت القصيدة العربية شكلها الذي استقرت عليه في قوالب "الشعر الحر" فانتقلت في صياغتها وأفكارها وموضوعاتها، وتعددت أصوات الشعراء وتنوعت مدارسهم وكثر عددهم، وكان من فرسان القصيدة الحديثة:"صلاح عبد الصبور" في مصر و"السياب" و"البياتي" في العراق و"نزار قباني" و"نازك الملائكة" في سوريا، و"محمد المهدي المجذوب" و"الفيتوري" في السودان.