المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌حكايات الحيوان عند كل من إيسوب الحكيم وإخوان الصفا - الأدب المقارن - جامعة المدينة (بكالوريوس)

[جامعة المدينة العالمية]

فهرس الكتاب

- ‌الدرس: 1 الأدب المقارن نشأته وتطوره

- ‌تعريف الأدب المقارن ونشأته

- ‌ميادين الأدب المقارن ومدارسه

- ‌الصلة التي تربط بين الأدب والفنون الجميلة

- ‌الدرس: 2 التأثر والتأثير في الأدب المقارن

- ‌التأثير والتأثر في الأدب المقارن عند المدرسة السلافية

- ‌التأثير والتأثر في الأدب المقارن عند المدرسة الفرنسية

- ‌بعض الشواهد على عملية التأثير والتأثر في بعض مجالات الأدب المقارن

- ‌الدرس: 3 الأجناس الأدبية القديمة والحديثة والتفاعل فيما بينها

- ‌تعريف الملحمة، وأهم أنواعها، وسماتها

- ‌المسرحية، ودورها كجنس أدبي

- ‌الدرس: 4 الرواية والقصة القصيرة، ودلالات التأثر والتأثير فيها

- ‌الرواية والقصة القصيرة؛ جذورها التاريخية وسماتها الأدبية

- ‌الموضوعات التي تناولتها القصة العربية القديمة

- ‌شبه ما يعترضون على وجود القصص العربي القديم

- ‌الدرس: 5 الشعر الغنائي ودلالات التأثر والتأثير فيه

- ‌معنى الشعر الغنائي وماهيته

- ‌أي الفنين أسبق من الآخر؛ الشعر أم النثر

- ‌عمر الشعر العربي

- ‌الدرس: 6 خصوصية الأدب العربي وميزاته الحضارية

- ‌نشأة الأدب العربي وسماته الخاصة

- ‌الشعر كجنس من أجناس الأدب العربي

- ‌القصص كجنس أدبي

- ‌خصائص الأدب العربي

- ‌الدرس: 7 تأثير المقامات في الأدب الأوربي

- ‌تعريف المقامة وتاريخ نشأتها وآراء نقاد الأدب فيها

- ‌المقامة المضيرية، كمثال من المقامات

- ‌تأثر الفن القصصي الجديد في أوربا بفن المقامة

- ‌الدرس: 8 قصة حي بن يقظان وأثرها في قصة "روبنسون كروزو" وغيرها

- ‌تطور قصة حي بن يقظان في الأدب العربي

- ‌ حي ابن يقظان" وتأثيرها في الفكر والأدب العالمي

- ‌الصلة بين "حي ابن يقظان" و"روبنسون كروزو

- ‌الدرس: 9 ألف ليلة وليلة والموشحات وتأثيرهما على الأدب الغربي الحديث

- ‌أثر "ألف ليله وليله" في الأدب الغربي

- ‌أثر الموشحات في الأدب الغربي

- ‌الدرس: 10 تأثير الأدب العربي في الشاعر الألماني جوت

- ‌نشأة جوته وثقافته

- ‌ما تركه القرآن في الأثر فيما خططته براعة جوته

- ‌الدرس: 11 أثر الأدب العربي في الآداب الإسلامية (1)

- ‌أثر الأدب العربي في الأدبين الإفريقيين: الأدب السواحلي، والأدب الهوسوي

- ‌تأثير الأدب العربي في لغة الهوسا وآدابها

- ‌الدرس: 12 أثر الأدب العربي في الآداب الإسلامية (2)

- ‌أثر الأدب العربي في الأدبي الفارسي

- ‌أثر الأدب العربي في الأدب الملاوي

- ‌الدرس: 13 تأثر الأدب العربي بالآداب الغربية (1)

- ‌تأثر الأدب العربي في ميدان التأليف المسرحي بالأدب الغربي

- ‌نماذج من المسرحيات العربية التي تأثرت بالمسرح الغربي

- ‌الدرس: 14 تأثر الأدب العربي بالآداب الغربية (2)

- ‌تعريف القصة، والفرق بينها وبين الملحمة والمسرحية

- ‌بعض المقارنات بين الأعمال القصصية العربية الحديثة، ونظيرتها في الآداب الغربية

- ‌الدرس: 15 نشأة قصيدة الشعر الحر وتطورها

- ‌نبذة عن مراحل تطور الشعر العربي

- ‌دعوى أصحاب شعر التفعيلة أن الشعر العربي شعر إنشادي

- ‌بناء القصيدة في الشعر العربي

- ‌المناداة بما يسمى بالوحدة العضوية داخل القصيدة

- ‌ظهور ما يُسمى بالشعر الحر

- ‌الدرس: 16 تأثر الشعر العربي بالشعر الإنجليزي

- ‌عوامل الاتصال بين الشرق والغرب وأثرها في إحياء الشعر العربي في العصر الحديث

- ‌مدرسة الديوان وأثرها في حركة الشعر في العصر الحديث

- ‌تأثر شعراء المهجر بالشعر بالأدب الغربي

- ‌الدرس: 17 المذهب الرومانسي والمذهب الواقعي في ميدان الأدب

- ‌المذهب الرومانسي في الأدب؛ نشأته وتطوره

- ‌مذهب الواقعية في الأدب؛ نشأته وتطوره

- ‌الدرس: 18 الرمزية والسريالية

- ‌الرمزية وأثرها في الأدب العربي

- ‌السريالية وأثرها في الأدب العربي

- ‌الدرس: 19 تقويم علاقة التأثر بين الأدب العربي وغيره من الآداب

- ‌طرق الاستفادة من الأدب المقارن في الأدب القومي

- ‌العوامل التي ساعدت على نشأة الأدب المقارن

- ‌الدرس: 20 بعض الدراسات التطبيقية الخاصة بالتأثير والتأثر بين الأدب العربي والآداب العالمية

- ‌بداية معرفة العرب بالشعر الإنجليزي بتأثر السياب بـ"شِلي

- ‌حكايات الحيوان عند كل من إيسوب الحكيم وإخوان الصفا

- ‌الدرس: 21 علاقة الأدب المقارن بالعولمة والعالمية، والمثاقفة بين الشعوب، وتحديد خصوصية الأدب العربي وبيان ملامحه

- ‌(علاقة الأدب المقارن بالعولمة والعالمية

- ‌المثاقفه بين الآداب وبعضها

- ‌خصوصية الأدب العربي وسماته، وعَلاقة ذلك بالأدب المقارن

الفصل: ‌حكايات الحيوان عند كل من إيسوب الحكيم وإخوان الصفا

‌حكايات الحيوان عند كل من إيسوب الحكيم وإخوان الصفا

أما بالنسبة لحكايات الحيوان عند كل من "إيسوب" الحكيم وإخوان الصفا، فنقول:

لقد عاش "إيسوب" قبل الميلاد بعدة قرون ويقال: إنه ليس له وجود حقيقي، وإن الإغريق هم الذين اخترعوه، وهو ذو أصول إثيوبية، وبالمثل فإن كلمة "إيسوب" هي نفسها إثيوبية الأصل.

وقد امتازت شخصيته بما لها من سرعة بديعة، وقدرة عقلية فذة، وحكمة تنساب على لسانها، ولـ"إيسوب" -أو "يعسوب" كما يقول بعض الباحثين العرب- مجموعة من القصص تُنسب إليه مثلها مثل كافة الحكايات المروية على لسان الحيوان، فإن كلًّا من تلك الحكايات القصيرة تعلِّم ناحية أخلاقية وتقدم نصيحة مفيدة.

كما أن معظم الشخصيات في حكايات "يعسوب" حيوانات تتكلم وتتصرف كالبشر، وتوضح مساوئ وفضائل الطبيعة البشرية بطريقة مبسطة وفكِهة، وتنتهي كل حكاية خرافية بِمَثل يلخص مغزاها الأخلاقي.

وقد زُودت حكايات "يعسوب" بتعبيرات شهيرة كثيرة، وعلى سبيل المثال: فإن العدو الذي يتظاهر بأنه صديق يسمَّى ذئبًا في ثياب حَمَل، وقد نشأ هذا التعبير من قصة يتنكر فيها ذئب في جلد حمل، ثم يتحرك دون أن يُكتشف وسط قطيع من الخراف، ويقتلها ليأكلها. ومن ناحية أخرى فإن الراعي يحسبه حملًا فيذبحه للعشاء.

ص: 573

ولسنين كثيرة كانت حكايات "يعسوب" تروى بالتواتر من جيل لآخر. وفي حوالي عام ثلاثمائة قبل الميلاد، قام سياسي أثيني اسمه "ديمتريوس فارليوس" بجمع حوالي المئتين منها في مجموعة أسماها "تجمعيات حكايات يعسوب"، وقد ترجم هذه المجموعة إلى اللاتينية بعد حوالي ثلاثمائة سنة عبد إغريقي عتيق يسمى "فيدروس" وفي نحو عام مائتين وثلاثين ميلادية قام الكاتب الإغريقي "فالرليوس بابريوس" بضم حكايات "يعسوب" إلى بعض الحكايات الهندية، وترجمها شعرًا إغريقيًّا.

ومنذ ذلك الحين أعاد كتاب آخرون روايةَ الحكايات، وزادوا من معانيها، إلا أن الحكايات لم تفقد مطلقًا بَساطتها وجاذبيتها الأصليين.

ومن قصص "إيسوب" التي وصلتنا القصص التالية:

كان الثعلب يتضور جوعًا ويبحث عن أي شيء يسد رمقه عندما رأى تجويفًا كبيرًا في شجرة بها وجبة طعام، تركها الرعاه ليتناولها بعد القيلولة، فأكلها الثعلب، وعندما امتلأت معدته وانتفخ بطنه لم يستطع أن يخرج من التجويف، فأخذ يصيح، وسمع صياحه ثعلب آخر فسأله: ماذا حدث؟ وعندما روى القصة له كان رده: ابقَ حيث أنت، حتى تجوع وتعود المعدة إلى وضعها الأول، وعندئذٍ تستطيع الخروج بسهولة.

مَرَّ ثعلب على كرمة عنب فأخذ يقفز لكي يأكل العنب، إلا أنه لم يتمكن من الوصول إليه، فقال: على أية حال، العنب لا يزال حصيمًا لم ينضج بعد.

دخل ثعلب منزل ممثل، وأخذ يعبث بمحتوياته، فوجد قناعًا على شكل وجه غول مخيف، وراح يقول: يا له من رأس جميل، خسارة ألا يكون فيه مخ. اعتقد الذئب أنه لو تخفى لاستطاع الحصول على صيد وفير، فوضع على جسمه

ص: 574

جلد غنم؛ ليخدع الراعي، ولحق بالقطيع في أرض معشوشبة دون أن يكشف أحد أمره، وعندما هبَط الليل أغلق عليه الراعي الحظيرة مع الغنم، ولما شعر الراعي بالجوع استل سكينه وراح يذبح أحدَ حيواناته؛ ليعد طعام العشاء، وكان هذا الحيوان هو الذئب.

جلس الدُّب تحت شجرة يشحذ أسنانه، فسأله الثعلب: لِمَ تجعل أنيابك حادة على هذا النحو إذا لم يكن هناك صياد يتعقبك ولا خطر يتهددك؟ فأجاب الدب: عندي مسوغ هام لذلك، هو أنه إذا ما تهددني الخطر فلن يكون عندي الوقت لشحذها، بل عليها أن تكون مستعدةً للعمل.

جرى الفأر مسرعًا فوق جسم الأسد وهو نائم، فهبَّ من نومه غاضبًا وأمسك به يريد أن يلتهمه، غير أن الفأر توسل إليه أن يتركه، واعدًا أن يرد الجميل يومًا ما، فضحك الأسد من وعده وتركه لحال سبيله، ومرت الأيام إلى أن جاء يوم وقع فيه الأسد في حبائل الصيادين الذين ربطوه في شجرة بالحبال، وذهبوا لتناولوا الطعام، وسمع الفأر زمجرةَ الأسد، فذهب إليه مسرعًا، وراح يقرض الحبل بأسنانه، ويقول: لقد سخرت مني ذلك اليوم عندما وعدتك برد الجميل؛ لأنك لم تتوقع أن أرد لك كرمك، وهأنذا أفعل الآن، ولعلك تدرك أنه حتى الفئران تقدر على الاعتراف بالجميل.

شد انتباه الأسد ما يحدثه نقيق الضفدعة، وقد ظنه في البداية يصدر عن حيوان كبير الحجم، وبعد أن انتظر لحظةً شاهد الضفدعة تخرج من البركة، فجرى إليها ووضع قدمه فوقها؛ لسحقها، ويقول: عجبًا، حجم مثل حجمك يصدر هذا الصوت العظيم.

ص: 575

دعا فأر من الريف صديقًا له يعيش في المدينة لطعام للعشاء، وعندما حضر الصديق قدم له فأر الريف طعامًا كان يتألف من الشعير والقمح فقط، فقال فأر المدينة لصديقه: دعني أقل لك شيئًا وأرجو ألا تغضب، أنت تعيش يا صديقي مثل النملة، أما نحن في المدينة فلدينا وفرة في الطعام من الأشياء الطيبة، ولو قبِلت دعوتي إلى زيارة المدينة فسوف تشارك فيها، وفي الحال سافر الاثنان إلى المدينة، وعندما قدم فأر المدينة لصديقه البازلاء والفول والخبز، والبلح والعسل والجبن والفاكهة، أصيب فأر الريف بالذهول، وهنأ زميله من صميم قلبه، ولعن حظه العاثر، وكان على وشك البدء في تناول وجبة الطعام الشهية عندما انفتح الباب فجأةً ودخل شخص، وهنا قفز المخلوقان الجبانان مرتاعين من الصوت، وفرَّا مذعورين إلى الشقوق، ثم حين عادا وحاولَا أن يتناولا بعض التين الجاف، رأيَا شخصًا آخرَ يدخل الغرفة كي يأخذ شيئًا، فقفزَا إلى الحجر من جديد، فقال فأر الريف: أنا لا أبالي أن أموت جوعًا، وداعًا يا صديقي، هنيئًا لك ما أنت فيه من رغد وشبع، ولكن ذلك يكلفك كثيرًا، إذ إنك تعيش دائمًا في رعب، وعلى حافة الخطر، أما أنا فأفضل أن أتناول وجبات فقيرة من القمح والشعير دون خوف أو إحساس بالخطر.

في يوم من أيام الشتاء وجد الفلاح أفعى تكاد أن تتجمد من البرد، فتحرك قلبه شفقةً عليها والتقطها ووضعها في صدره، لكن مع الدفء عادت إليها غريزتها الطبيعية، فلدغت الرجل الطيب الذي أحسن إليها لدغةً قاتلةً، فقال وهو يحتضر: لقد نِلت ما أستحق، لأنني أخذتني الشفقة بمخلوق شرير.

ص: 576

وقد وَضعت كل الشعوب القديمة تقريبًا حكاياتٍ شعبيةً فيها شخصيات لحيوانات ذات صفات آدمية، فالثعلب -مثلًا- كان يصور على أنه ماكر، والبومة على أنها عاقلة في بعض الثقافات، ونذير شؤم في بعض الثقافات الأخرى. وبمرور الوقت بدأ الناس يحكون الحكايات لتعليم الأخلاق الحميدة، وأصبحت الحكاياتُ خرافيةً. وينظر تعقب أصل الحكايات الخرافية الشعبية في البلاد الغربية إلى بلاد اليونان والهند القديمة، وتُنسب معظم الحكايات اليونانية إلى "يعسوب" أو "إيسوب" ذلك العبد اليوناني الذي عاش في حوالي عام ستمائة قبل الميلاد، وقد اكتسب شهرته لقدرته على قص حكايات فيها حكمة وذكاء وفكاهة على لسان الحيوانات، غير أن العلماء لا يعرفون عنه سوى القليل. ومن المحتمل أن الحكايات المعروفة باسم "حكايات يعسوب" جاءت من عدة مصادر قديمة، وبعضها هذه القصص مصدرها الهند.

وقد تأثرت حكايات الشعب الهندي باعتقادهم بأن بني البشر يُولَدون بعد الموت على هيئة حيوانات، وألف رواة القصص الهنود حكايات كثيرة عن مثل هذا البعث أو الميلاد الجديد، واستخدموه لتلقين مختلف الدروس الأخلاقية، كما وصلت بعض هذه القصص إلى الغرب في بداية التاريخ الميلادي، وتم ضمها إلى المجموعات الأولى لـ"حكايات يعسوب" وخلال القرن الثالث قبل الميلاد أو بعده جمع الهنود أفضلَ حكاياتهم في عمل يسمى "بانتشا تنترى" وعبر القرون أعاد كثير من الكتاب رواية الحكايات الخرافية القديمة.

وفي الثقافة العربية الكثير من الخرافات التي تعود إما لأصل محلي أو جاءت من ثقافات أخرى كما في كتاب (كليلة ودمنة) لابن المقفع. ويحكَى أن كلمة خرافة في

ص: 577

العربية جاءت من اسم شخص من بني عذرة يدعى بهذا الاسم، كان يروي حكايات غريبة.

ويقول فاروق سعد محرر رسالة (تداعي الحيوانات على الإنسان التي وضعها إخوان الصفا): إن تلك الرسالة تعد نموذجًا راقيًا لملحمة الحيوان، وهي تقوم على اكتمال العناصر الشكلية والموضوعية التي يتميز بها هذا النوع الأدبي، ومسرح أحداث هذه الملحمة هو جزيرة يقال لها "بلاسارون" تقع في وسط البحر الأخضر مما يلي خط الاستواء، وتتميز بطيب هوائها، وكثرة مياهها وزروعها، ولا تقتصر شخصيات هذه الملحمة على البشر والحيوان فقط، بل تجمع أيضًا الجن ممثلين في شخص رئيس المحكمة الملك "بيوراس" الحكيم وأعضائها، أما البشر فهم نحو سبعين رجلًا من بلدان شتى بينهم عراقي وهندي وعبراني وسرياني وعربي ويوناني وفارسي وحجازي.

أما الحيوانات فقد اجتمعت كلها في المحكمة على اختلاف ألوانها وأجناسها، فالسباع وملكها الأسد، والطيور وملكها السيمرن، والجوارح وملكتهم العنقاء، وحيوان البحر وملكهم التنين، والهوام وملكها الثعبان، والحشرات وملكهم اليعسوب.

لقد طرحت العاصفة سفينةً من سفن البحر إلى ساحل تلك الجزيرة، وكان فيها قوم من التجار والصناع وأهل العلم وسائر أبناء الناس، فخرجوا وساحوا في تلك الجزيرة، فوجدوها كثيرةَ الأشجار والفواكه، والثمار والمياه العذبة، تتميز بالهواء الطيب والتربة الحسنة، والبقول، والرياحين، وألوان الزروع والحبوب، وبعد أن وجدوا الحيوانات متآلفةً معًا، طمعوا فيها فاستأنسوا بعضها، وهرب منهم البعض الآخر، حتى ضَجَّت الحيوانات منهم وفزعت إلى ملك الجزيرة

ص: 578

"بيوراس" ملك الجن تطلب عدله، فبادر "بيوراس" إلى دعوة بني الإنسان الذين أسرعوا بدورهم لعرض الشكايات من الحيوانات عبيدهم الآبقين، واستدعى الملك البهائمَ ليسمع جوابها، وأخذ كل من الطرفين يعرض ادعاءاته، ويعرض دفوعه الواحد تلو الآخر، وكان محور النزاع هو مدى ما للإنسان من حق السيادة على الحيوانات، وقد صدر الحكم في نهاية المحاكمة بأن البشر يتميزون عن غيرهم من المخلوقات بالخلود والبقاء، فأمر الملك أن تكون الحيوانات بأجمعها تحت أمرهم ونهيهم، منقادين لهم، فقبلوا مقاله، ورضوا بذلك وانصرفوا آمنين.

وتستند الرسالة في معالجتها لموضوع الخلاف بين البشر والحيوانات على أدلة نقلية من القرآن الكريم، وأخرى فلسفية أملاها العقل يحتج بها الإنسان؛ ليبرر بها سلطته على الحيوان، يقابلها الحيوان بأدلة أخرى نقلية وعقلية، يرد بها على الإنسان، ويفند حجته.

فمن ذلك هذا الحوار النقلي والعقلي بين الطرفين الذي أعطى الرسالة مكانتها وقيمتها:

قال الملك: قولوا ما تريدون وبينوا ما تقولون، قال زعيم الإنس: نعم أيها الملك، إن هذه البهائم والأنعام والسباع والوحوش والحيوانات أجمع عبيدنا، ونحن أربابها، فمنها هارب عاص ومنها مطيع كاره منكر للعبودية، فقال الملك للإنسي: ما الدليل؟ وما الحجة على ما زعمتَ وادعيت؟ قال الإنسي: نعم أيها الملك، لنا دلائل شرعية سمعية على ما قلتُ، وحجج عقلية، فقال: هات، فقام خطيب من الإنس من أولاد العباس -رضوان الله عليه- فصعد المنبر فقال: الحمد الله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله على محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين، صاحب الشفاعة يوم الدين،

ص: 579

وصلوات الله على الملائكة المقربين، وعلى عباده الصالحين، وأهل السماوات والأرض من المؤمنين والمسلمين، وجعلنا وإياكم منهم برحمته، وهو أرحم الراحمين.

والحمد الله الذي خلق من الماء بشرًا وخلق منه زوجةً، وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، وأكرمَ ذريتهما، وحملهم في البر والبحر، ورزقهم من الطيبات، قال الله عز وجل:{وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} (النحل: 5، 6)، وقال عز وجل:{وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} (المؤمنون: 22)، وقال:{وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} (النحل: 8)، وقال:{لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} (الزخرف: 13).

وآيات كثيرة في القرآن والتوراة والإنجيل، تدل على أنها خلقت لنا ومن أجلنا، وهي عبيد لنا ونحن أربابها، وأستغفر الله لي ولكم.

قال الملك: قد سمعتم معشر البهائم والأنعام ما ذكر الإنسي من آيات القرآن، واستدل بها على دعواه، فأي شيء عندكم فيما قال؟

فقام عند ذلك زعيمها وهو البغل، فقال: الحمد الله، الواحد الأحد، الفرد الصمد، القديم السرمدي، الذي كان قبل الأكوان بلا زمان ولا مكان، ثم قال: كن، فكان نورًا ساطعًا أظهره من مكنون غيبه، ثم خلق من النور نارًا أجاجًا، وبحرًا من الماء رجراجًا ذا أمواج، ثم خلق من الماء والنار أفلاكًا ذات أبراج، وكواكبَ وسراجًا وهاجًا، والسماء بناها، والأرض طحاها، والجبال أرساها، وجعل أطباقَ السموات مسكنَ للعليين، وفسحة الأفلاك مسكن الملائكة المقربين، والأرض وضعها للأنام، وهي النبات والحيوان، وخلق الجان

ص: 580

من نار السموم، وخلق الإنس من طين، ثم جعل نسلهم من سلاسة من ماء مهين في قرار مكين، وجعل ذريتهم في الأرض يخلفون؛ ليعمروها ولا يخربوها، ويحفظوا الحيوان، وينتفعوا بها، ولا يظلموها، ولا يجور عليها، وأستغفر الله لي ولكم.

ثم قال: ليس في شيء مما ذكر هذا الإنسي من الآيات أيها الملك دلالة تدل على ما زعم أنهم أرباب ونحن عبيد، إنما هي آيات تدل على إنعام الله عليهم، وإحسانه إليهم، فقال: سخرها لكم كما سخر الشمس والقمر والرياح والسحاب، أفترى أيها الملك أنها عبيد لهم ومماليك وأنهم أربابها؟

أخذ زعيم الحيوان يبين لملك الجان أن الخلائق كلها في السموات والأرض مسخرة بعضها لبعض، إما لجلب منفعة أو لدفع مضرة، هذه العلة لا كما ما ظنوا وتوهموا، وقالوا من الزور والبهتان بأنهم أرباب لها والحيوانات عبيد لهم، ثم جعل زعيم الحيوان يصف الحياة البدائية الأولى التي عاشوها قبل آدم، وما كانوا عليها من السعادة والصفاء والمودة والتفاهم، حتى جاء آدم وانتشرت ذريته وأخذوا في تسخير الحيوانات من غنم وبغال وحمير وخيول وبقر، وطاردوها شر مطاردة، فأمسكوا ما أمسكوا، وما لم يمسكوه ذهب في فِجاج الأرض، والبراري والقفار وبطون الأودية، ورءوس الجبال، واستغلوها أبشع استغلال من حمل وركوب، وجر وشد، وحرث ودياس، وقتل وسَلْخ، وحطم وكسر، وجَز ونتر، وشي وطبخ.

وبعد أن وصف زعيمها صنوف العذاب التي لاقوها من بني الإنسان، وألوان الاستعباد التي عانوها، دعا للملك، وطلب منه النصفة والعدل.

ص: 581

وهنا يتوقف سَوْق الأدلة النقلية، ويأخذ الإنسان والحيوان في إيراد الأدلة العقلية حتى نهاية الرسالة، إذ يأتي الإنسي بحجة عقلية وبرهان منطقي، فيرده عليه الحيوان بحجة وبرهان، ومن ذلك هذا الحوار:

قال الملك للإنسي: إن الدعاوَى لا تصح عند الحكام إلا بالبينات ولا تقبل إلا بالحجج، فما حجتك فيما قلتَ وادعيت؟ قال الإنسي: إن لنا حججًا عقليةً ودلائلَ فلسفيةً تدل على صحة ما قلنا، قال الملك: ما هي؟ بينها، قال: نعم، هي حسن صورتنا، وتقويم بنية هيكلنا، وانتصاب قامتنا، وجودة حواسنا، ودقة تمييزنا، وذكاء نفوسنا، ورجحان عقولنا، كل هذا دليل على أننا أرباب وهم عبيد لنا، قال الملك لزعيم البهائم: ما تقول فيما ذكر؟ قال الزعيم: ليس شيء مما قال دليلًا على ما ادعى هذا الإنسي، اسمع ما أقول، واعلم بأن الله تعالى لم يخلقهم على تلك الصورة ولا سواهم، ولا تلك البنية لتكون دلالة على أنهم أرباب، ولا خلقنا على هذه الصورة لتكون دلالةً على أننا عبيد، ولكن لعلمه واقتضاء حكمته بأن تلك الصورة أصلح لهم، وهذه أصلح لنا.

وبيان ذلك أن الله تعالى لما خلق آدم وأولاده عراةً حفاةً بلا ريش على أبدانهم، ولا وبر ولا صوف على جلودهم تقيهم من الحر والبرد، وجعل أرزاقهم من ثمرات الأشجار، ودِثارهم من أوراقها، وكانت الأشجار منتصبة مرتفعة في جو الهواء، جعل أيضًا قامتهم منتصبة؛ ليسهل عليهم تناول الثمر والورق منها، وهكذا لما جعل غذاء أجسامنا من حشائش الأرض، جعل بنية أبداننا منحية ليسهل علينا تناول العشب من الأرض، فلهذه العلة جعل صورتها منتصبةً، وصورتنا منحنيةً، لا كما توهموا.

وهكذا وهكذا، تأخذ الرسالة في ضروب من الحجج والبراهين والأدلة العقلية.

ص: 582

ولكن ما هي الاعتبارات التي أعلت من شأن الإنسان، ومنحته مكانته ومنزلته، وأعطته مقام الربوبية على الحيوانات، أُولى هذه الاعتبارات قيمة العقل، وكون الإنسان حكيمًا عاقلًا ذا مقدرة على الفهم والتأمل والدرس، وبواسطة هذا العقل يحصل العلوم والمعارف والمهارات التي تخضع له الطبيعة، وتجعله يقر بخالقها.

قال الأسد: لماذا يفتخرون علينا ويستحقون الربوبية أم بالشجاعة والجسارة أما بالحملات والوثبات؟ قال الرسول: ليست الحكومة ولا المناظرة بحضرة ملك الجن في قصرة من هذه، وإنما الحجاج بفصاحة الألسنة، وجودة البيان، ورجحان العقول، ودقة التمييز، وليس يفتخر بنو آدم بشيء من هذه ولكن برجحان العقول، وفنون العلم، وغرائب الآداب، ولطائف الحيل، ودقة الصنائع والفكر، والتمييز والروية، وذكاء النفوس، وثاني هذه القيم تصرفهم في فنون العلم والبحث والتجربة والمغامرة في البر والبحر، وعمارة الأرض، وتسيير دفة الحياة.

قال خطيب الإنس بعد كلام طويل أثنى فيه على الله سبحانه وتعالى بما هو أهله: فله الحمد والمن والثناء، إذ خصنا بذكاء النفوس، وصفاء الأذهان، ورجحان العقول، فنحن بذات الله استنبطنا العلوم الغامضة، وبرحمته استخرجنا الصنائع البديعة، وعمرنا البلاد، وحفرنا الأنهار، وغرسنا الأشجار، وبنينا البنيان، ودبرنا الملك والسياسة، وأوتينا النبوة والرياسة.

وبعد ذلك تكلم اليوناني فقال بعد أن مجد الله وحمده: وجعلنا ملوكًا بالخصال الفاضلة، والسير العادلة، ورجحان العقول، ودقة التمييز، وجودة الفهم، وكثرة العلوم، والصنائع العجيبة، والطب والهندسة وعلوم النجوم، وتركيب

ص: 583

الأفلاك، ومعرفة منافع الحيوانات والنبات، ومعرفة الأبعاد والحركات، وآلات الأرصاد والمطلسمات، وعلم الرياضيات والمنطقيات، والطبيعيات والإلهيات، فله الحمد والشكر والثناء على جزيل العطايا.

والرسالة تتوجه في خطابها إلى الإنسان في كل زمان ومكان بغض النظر عن دينه أو جنسه أو لغته أو قوميته. والدليل على ذلك أننا نجد جميع أصناف الناس وشتى طوائفهم وكافة أديانهم، انظر إلى إخوان الصفا عند ختام المحاكمة كيف جعل المتحدث الذي له كلمة الفصل، فقال عند ذلك الخبير الفاضل، الذكي العابد، المستبشر الفارسي النسبة، العربي الدين، الحنفي الإسلام، العراقي الأدب، العبراني المخبر، المسيحي المنهاج، الشامي النسك، اليوناني العلوم، الهندي التعبير، الصوفي الإشارات، الملكي الأخلاق، الرباني الرأي، الإلهي المعارف، فقال: الحمد الله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله على النبي محمد وآله أجمعين أما بعد:

أيها الملك العادل، لما بان وتبين في حضورك صدق ما ادعى جماعة الإنس، وظهر عندك أن من هؤلاء الجماعة قوم هم أولياء الله، وصفوته من خلقه وخيرته من بريته، وأنهم لهم أوصاف حميدة وصفات جميلة وأعمال ذكية، وعلوم متقنة، ومعارف ربانية، وأخلاق ملكية، وسير عادلة قدسية، وأحوال عجيبة، قد كلَّت ألسنة الناطقين عن ذكرها، وقصرت أوصاف الواصفين لها عن صفاتها، فما يأمر الملك العادل في حق هؤلاء الغرباء من الإنس وهؤلاء الحيوانات العبيد لهم؟ فأمر الملك أن تكون الحيوانات بأجمعها تحت أوامرهم ونواهيهم، ويكونوا منقادين للإنس، فقبلوا مقالته، ورضوا بذلك وانصرفوا آمنين في حفظ الله تعالى وأمانه.

ص: 584

ومن الأدلة على ذلك أيضًا: أننا نجد ذكر قوم موسى وعيسى وأقوالهم وأخبارهم، وكذلك ذكر البوذيين والبراهنة وعقائدهم، واليونانيين والفرس والسريان والرومان والهنود وغيرهم، فهي رسالة تتوجه إلى الإنسان في كل زمان ومكان في مواجهة المخلوقات الأخرى من نبات وحيوان وجن، وتبين مكانته، وتوضح فضله على كافة الكائنات.

ولكن لا يقعنَّ في وهنك ولا يستقر في خلَدك أن الرسالة جعلت الإنسان ينفرد ويطغى ويستبد بالأمر وحده في هذه الحياة من غير رادع ولا ضابط حتى يكون إلهًا أو شبيهًا بالإله، لا، بل هناك ضوابط تكبح جماحه، وكوابح تحد من طغيانه واستبداده، وتتجلى تلك الضوابط والكوابح في ذلك الكم الوفير من النقل لطبقات الأمة، وشرائح المجتمع من ملوك وساسة ووزراء وكتاب وأدباء وفقهاء، وقراء وتجار ومهندسين ووكلاء ومحاسبين، وفي تلك النقادات المرة الأجناس من روم وفرس وسريان وهنود وعرب وغيرهم، فعندما يقوم الهندي من جزيرة "سرنديم" ويتكلم ويثني على ربه ويمدح قومه، ويصف ما لهم من المزايا والخصال الحميدة، يرد عليه صاحب العزيمة في التو واللحظة ليكبح جماحه، ويضعه موضعه من غير تهويل ولا تحقير، فيقول له: لو أتممتَ الخطبة وقلت: ثم بُلينا بحرق الأجسام، وعبادة الأوثان والأصنام والقردة، وكثرة أولاد الزنا، وسواد الوجوه.

وهكذا كلما افتخر جنس من الأجناس بمزاياه ومحاسنه، رده صاحب العزيمة من الجن إلى جادة الصواب، وردعه بذكر مساوئه وسيئاته لئلا يطغى ويضل، وكذلك عندما يفتخر الإنسان -جنس الإنسان- بطبقاته وملوكه ورؤسائه، يردعه الحيوان الواقف له على الناصية المقابلة كخَصم وقرين، ويوجهه ويعيده إلى جادة الحق وسواء السبيل.

ص: 585

قال زعيم الإنس: إن منا الملوك والأمراء والخلفاء والسلاطين، وإن منا الرؤساء والكتاب والعمال وأصحاب الدواوين، والقواد والحجاب والنقباء، والخواصة وخدم الملوك وأعوانهم من الجند، ومنا أيضًا الدَّهاقين والشرفاء والأغنياء، وأرباب النعم، وأصحاب المروءات، ومنا أيضًا الصناع وأصحاب الحرث، ومنا أيضًا الأدباء وأهل العلم، ومنا المتكلمون والنحويون والقصاص، وأصحاب الأخبار، ورواة الحديث والقراء والعلماء، والفقهاء والقضاة والحكام والعدول، وأيضًا منا الفلاسفة والحكماء والمهندسون والمنجمون والطبيعيون، فرد عليه زعيم الحيوانات، وأخذ ينتقد الطبقات طبقةً طبقةً، والطوائف طائفةً طائفةً.

فمن ذلك قوله: وذلك أن منكم الفراعنة والنماردة والجبابرة والكفرة والفجرة والفسقة والمشركين، والمنافقين والملحدين والمارقين والناكثين والقاسطين والخوارج، وقطاع الطريق واللصوص والعياريين والطراريين، ومنكم أيضًا الدجالون والباغون والمرتابون، ومنكم أيضًا الغمازون والكذابون والنباشون، ومنكم أيضًا السفهاء والجهلاء والأغبياء والناقصون إلى آخره.

وذلك أن أول شيئًا ذكرت وافتخرتَ به أن منكم الملوك والرؤساء ولكم أعوان، وما علمتَ أن أكثر ملوك الإنس ورؤسائهم لينظر في أمور رعيته وجنوده وأعوانه، إلا لجر المنفعة لنفسه، أو لدفع المضرة عنه، أو لأجل من يهواه بشهواته كائنًا من كان، وليس هذا من فعل الملوك العقلاء، ولا عمل الرءوس ذووا السياسة الرحماء، بل من سياسة الملك وشرائعه وخصال الرئاسة، أن يكون الملك والرئيس رحيمًا رءوفًا لرعيته، مشفقًا متحننًا على جنوده وأعوانه؛ اقتداءً بسنة الله الرحمن الرحيم الجواد الكريم الرءوف الودود لخلقه وعبيده.

ص: 586

وهكذا لم يترك إخوان الصفا طائفةً ولا طبقةً إلا وصوبوا إليها سهام النقد، ونبال التقريع، لا لشيء إلا لكي يمحصوا هذا الإنسان الذين أرادوه أن يكون خالدًا، ولا لشيء إلا لكي ينقدوا أوضاع عصرهم بصراحة وصدق، قل نظيرها.

فكما ترى كتب إخوان الصفا قصة ضمنوها أبطالًا من الحيوانات مثلما فعل "إيسوب" وغيره ممن ألفوا هذا اللون من القصص، إلا إن هناك فروقًا بين ما صنعوه وما صنع "إيسوب"، فأبطال "إيسوب" كلهم حيوانات، على حين كان أبطال إخوان الصفا مزيجًا من الإنس والحيوان والجن أيضًا، كما أن حكايات "إيسوب" حكايات شديدة القصر، وتنزع إلى تقديم موعظة أخلاقية، أما إخوان الصفا فالأمر عندهم أوسع من ذلك مدى وأكبر، إذ يعالجون في قصتهم قضية فلسفية عميقة يقلبون فيها الرأي على كل جوانبه، بحيث يتبين لنا أن الحقيقة ذات أوجه متعددة، وأن الوصول إليها يحتاج إلى جهد وتقليب رأي، كذلك بينما نرى "إيسوب" قد ترك حكايات حيوانية كثيرة، إذ بنا لا نجد إخوان الصفا إلا تلك الحكايات التي بين أيدينا.

ولكن ما صلة رسالة إخوان الصفا بحكايات "إيسوب"؟ هل تأثر إخوان الصفات بحكايات ذلك الحكيم الإغريقي ذي الأصل الحبشي؟

ليس هناك دليل على أن هذا التأثر قد وقع، إلا أن يكون ثَمة تأثر غير مباشر، وهو ما لا نستطيع في الظروف الراهنة أن نضع يدنا عليه.

والخلاصة:

أننا في الوضع الحالي ليس في مكانتنا أن ندلي بجواب على هذا السؤال رغم ما يوجد من تشابه عام شديد العمومية بين العملين.

ص: 587

ونفس الشيء يقال عن الصلة التي يتصورها البعض بين أبي العلاء المعري و"لافونتين" الشاعر الفرنسي الذي كان يعيش في القرن السابع عشر الميلادي باعتبار كل منهما من مبدعي قصص الحيوان، فقد ناظر "لافونتين" ديوانًا كاملًا سماه "الخرافات"" La fable " نحا فيه منحى حكايات "إيسوب" و (كليلة ودمنة) وغيرهما، كما ذكر في إعلان عن ديوانه المذكور آنفًا، فعمله إذًا قصائد قصيرة يعرض في كل منها حكاية سريعة، أبطالها من الحيوانات والطيور وما إلى ذلك.

كما وصلنا عن المعري رسالة "الصاهل والشاحج" على لسان الحيوان أيضًا، إلا أن إبداع الشاعرين فيما عدا هذا التشابه العام الشديد العمومية، يختلفان اختلاف رسالة إخوان الصفا عن حكاية "إيسوب" كما أنه من غير المستطاع في الظروف الراهنة العثور على صلة تأثر وتأثير بين الشاعرين وإبداعيهما حسبما يتضح فيما يلي:

فبالنسبة إلى "لافونتين" كتب محرر المادة الخاصة به في النسخة العربية من موسوعة "اليوكبيديا" أن براعته التي تتميز بها موهبتُه تظهر في عمله المعروف باسم "لي فابل" أكثر من أي عمل آخر من أعماله، وسار الكثيرون على نفس درب "لافونتين" في كتابة القصة الخرافية وبخاصة ما يدور منها حول الوحوش، واستلهم الشاعر أعماله من أعمال كل من "إيسوب" و"هوراس" و"بوكاشيو" و"ايلستو" و"تاسو". كما استلهمها أيضًا من الأدب الهندي القديم مثل "البانش تنترى" وهي مجموعة من القصص الخرافية التي تدور على ألسنة الحيوانات. ولقد ذكر هو ذلك بنفسه إذ قال في إعلان له عن ذلك الديوان: هذا هو كتابي الثاني الذي يحوي قصصًا خرافية تدور على ألسنة الحيوانات أقدمه للجمهور، ولا بد

ص: 588

أن أعترف أن الجزء الأكبر من كتابي قد استلهمته من كتابات (كليلة ودمنة) وهو اسم آخر لمجموعة القصص الخرافية التي تدور على ألسنة الحيوانات المكتوبة بالهندوسية والبذوية المعروفة باسم "بانش تنترى" والتي كتبها "فيشنو" الحكيم الهندي.

وكانت المجموعة الأولى عبارة عن مائة وأربعة وعشرين من تلك القصص الخرافية، وتحمل عنوان "فابلشوازي" أي: خرافات مختارة، وشكل هذا الإصدار الأول ما يعرف الآن بالكتب الستة الأولى، وفيها احتذى "لافنتوين" حذو مَن سبقوه في كتابه هذا النوع من الأعمال مقتربًا جدًّا من أعمالهم، ولكنه تحرر من قيود الالتزام بأسلوبهم في المجموعات التالية، وهي المجموعات التي تظهر فيها العبقريات الحقيقية، وتظهر فيها أيضًا جرأة أفكار "لافنتوين" السياسية بالإضافة إلى مهارته وترحيل أفكاره عن الأخلاق، كذلك يتضح في سياق سرده القصصي إدراكه التام للطبيعة البشرية، وتمكنه الفني من صياغة أفكاره.

ويُنتقد "لافنتوين" أحيانًا بأن نظرته إلى الطبيعة الإنسانية نظرة متشائمة سوداوية بشكل غير مقبول، وتشبه إلى حد بعيد نظرة "لارشفكو" الذي كان الشاعر يشعر تجاهه بالإعجاب العميق، ويمكن أن يُرد على هذه الفكرة: بأن العمل هجائي. ولقد كان "لافنتوين" واحدًا من أبرز من كتبوا أعمالًا هجائية لا بد أن يتصل بالضرورة بالجانب المظلم من شخصية الإنسان، وليس بالجانب المشرق منها.

وربما أن يكون أفضل نقد لقصص "لافنتوين" الخرافية هو ما قاله اللغوي والمستشرق الفرنسي "سلفستر دو ساسي" عندما قال: إن تأثير قصص "لافنتوين" الخرافية يدخل السعادة على قلوب ثلاثة أجيال مختلفة، فالطفل يبتهج بالنظارة والحيوية التي تتميز بها القصة، أما دارس الأدب المتلهف فيجد فيها ضالته

ص: 589

المنشودة من الأدب تام الكمال الذي يظهر في طريقة السرد، بينما يستمتع الرجل المجرب ما فيها من تأملات بارعة في الشخصية الإنسانية وفي الحياة، ولم يقم أي شخص باستثناء البعض ممن قدموا أفكارًا عن "لافنتوين" تبدو مناقضةً مثل "روسُّو" وبعض أدباء مذهب الرومانسي مثل "مارتين" بإنكار أن الجانب الأخلاقي في قصص "لافنتوين" الخرافية له نفس التجدد والقوة التي يتمتع بها الجانب الأدبي منها.

وهكذا أصبح كتاب "لافنتوين" من الكتب التي يتم تداولها بشكل شائع داخل فرنسا وخارجها؛ لأغراض تعليمية للأطفال أو للكبار من الأجانب، بغرض تعليمهم اللغة الفرنسية.

ومن الأدلة الواضحة على جودة هذا الكتاب حقيقة أن هذا الاستخدام لهذا العمل الأدبي الفريد أو سوء الاستخدام -إذا صح التعبير- لم يستطِع أبدًا أن ينتقص من شعبيته كعمل أدبي، وقد قدم عمل "لافنتوين" المعروف باسم "لي فابل" نموذجًا سار على نهجه من بعده كل من كاتب القصص الخرافية "إيجناسك كرانسسكي" من بولندا، و"إيفان كراينوخ" من روسيا.

أما عن رسالة "الصاهل والشاحج" للمعري، فقد كتب محي الدين اللاذقاني بصحيفة "الشرق الأوسط" بتاريخ الحادي والعشرين من فبراير، سنة ألفين واثنتين، تحت عنوان:"أمة في مواجهة العدوان من منظور البغل والثعلب والحصان" أن عنوان الكتاب هو اسما بطليها الصاهل والشاحج وهما الحصان والبغل، اللذان أجرى المعري أفكاره على لسانيهما، وأشرك معهما في رواية الأخبار الثعلب والحمامة، لكن بأسلوب يختلف عن حكايات (كليلة ودمنة) وتوزيع حكمها وأمثالها.

ص: 590

وقد حضرت الحمامة واسمها "فاختة" في أول الرسالة لأغراض الكوميديا:

فارت الجمل من بغل لتنتقم لنفسها في مؤامرة ضمنية بينها وبين الحصان، ثم غاب ت عن المشهد مخلية المجال للبغل والحصان اللذين لم يفتح حواريتهما الطويلة إلا حضور الثعلب بأخبار ملك الروم، فقد كانت الأمة في مواجهة عدوان خارجي، والثعلب بمثابة وزير فيها، قريبًا لذلك الكائن المحدود المدارك في لحظة حاسمة من لحظات تاريخ أمتنا المجيد.

ويمضي اللاذقاني موضحًا أسباب تأليف تلك الرسالة، قائلًا: إنه كان لأبناء شقيق المعري قطعة أرض بور قريبة من حماة، وكان الوالي يلزمهما دفع الضرائب، وقد طلب منه أن يتوسط لدى حاكم حَلب الذي كان يولي ولاة تلك المناطق كي يسقط عنهما الضريبة، فاستصغر الأمر، ولما زاد الإلحاح العائلي قدحت الفكرة في ذهن الشاعر، فكتب لحاكم حلب عزيز الدولة تلك الرسالة الطويلة، ومدحه فيها على طريقة مدائح المتنبي لكافور، وأثنى على انقطاعه للنظر في علم العروض، ولك أن تتصور حجم السخرية المبطنة من حاكم حلب، وهو من أصل رومي، وكان تابعًا لـ"منجد كين الأرمني" غلام الحاكم بأمر الله، وهو يترك شئون المقاطعة المهددة بالغزو في كل لحظة، ويتفرغ للمناقشات الزاحفات، والعلل في عروض الخليل بن أحمد الفراهيدي، وما أضافه واستدركه الزجاج وآخرون.

ويمنح مؤلف رسالة "الصاهل والشاحج" في بعض المواقع إلى احتمال تعاون عزيز الدولة مع ملك الروم، فيستعين بوصول هدية منه إلى حاكم حلب، تتألف من عدد كبير من الغلمان، ثم يحاول أن يبرر أسبابها، وكل غرضه أن يثبت الخبر الذي أتاه به الثعلب.

وفي ملكية هؤلاء الغلمان عدة أقوال، فبعض الناس يشيعون أنه هدية ملك الروم، وآخرون يقولون: إن عزيز الدولة اشتراهم بماله، وتلك الرواية لا تقلق

ص: 591

المعري ولا يتقصاها بعد أن أثبت الخبر، فأهم من ذلك كله أن حاكم حلب قرر أن يختن غلمانه، فكان ذلك أحكمَ قرارٍ سياسي يتخذه.

وحديث المعري عن الأمة في مواجهة العدوان والاستعدادات لمقاومة الغزو المحتمل، كوميديا لغوية راقية، ففي هذه الرسالة شبه المجهولة يسيح المعري في الشمال السوري؛ ليعدد عوامل انتصار حاكم حلب الذي يتلهى بالعَروض والعدو على أبواب القلعة، فيجد أن النصر مضمون لغويًّا؛ لأن العدو حين يصل النيرب -وهي ضاحية من ضواحي حلب الحمدانية- ستصيبه الهزيمة حتمًا؛ لأن نيرب تعني في اللغة الداهية، وإذا مر جيش العدو بأرميناز -وهي بلدة قريبة من معرة النعمان- فالنصر مضمون؛ لأن أصلها إرميناز أي: غُلب فسكت، وعلى طريق الروم من أنطاكيا إلى حلب بلده تضمن النصر الأكيد لعز الدولة، وهي "بلانياس" المؤلفة كما يقول المعري من بلاء ويأس، وهي غير "بانياس" الساحل وهكذا.

وكانت الأمة أثناء كتابة هذه الرسالة التجريبية على السخرية تغط في نوم عميق، وشبابها في كل مكان سادر في غطيطه؛ لأنه كان كحالنا في بعض أقطارنا هذه الأيام، محكوم عليه بالنفي والاغتراب وعدم المشاركة السياسية، فهو كعنترة يدعى إلى الحرب ولا يدعى إلى المجالسة والمسامرة في أوقات اتخاذ القرارات الكبرى.

مما سبق يتبين أن المعري والشاعر الفرنسي لا يتشابهان إلا التشابه العام الذي نوَّهت به قبل قليل، وأنه لم تكن هناك في حدود علمنا صلة تأثر وتأثير بين الشاعرين، اللهم إلا إذا ثبت في مقبل الأيام أن "لافنتوين" قد اطَّلع رغم هذا على كتاب المعري وتأثر به على نحو أو آخر كما تأثر بـ (كليلة ودمنة) مثلًا حسبما قرأنا في إقراره ونفسه بذلك.

والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته.

ص: 592