الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يرعَ الصهر الذي كان بينه وبين كليب، وقتله كي يضع حدًّا لبطشه وجبروته، وبالمثل فإن أخته "جليلة" تمثل المرأة العربية التي تقدس الحياة الزوجية، وتخلد إلى جانب زوجها مهما يكن الأمر، ومن ثم رأيناها تحاول منع أخيها كليبًا من قتل زوجها، رغم ما تعلمه من طغيان هذا الزوج وظلمة.
كذلك تصور لنا القصة حياة العرب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بخلاف القصة الفارسية التي لم تأتِ بالكثير عن حياة الفرس خارجَ المجال السياسي.
ومن ناحية الأم نراها في القصة العربية سيدةً ذات قيم أخلاقية رفيعة، تحب زوجها وتحاول منع الفتنة، فتكتم في ضميرها ما قد يثير القلاقل بين ابنها وأخيها، أما الأم في القصة الفارسية فامرأة مرفهة تعيش في ترف وحرية، لا يهمها من أمر الدنيا سوى العشق والهيام، وتفرط في نفسها في سهولة، إذ تحب رستمَ، وتنام معه وتحمل منه، رغم أنها لم تكن قد رأتْه من قبل، بل إنها لتخبر ابنها بحقيقة أمرها مع رستم دون وازعٍ من الحياء.
هذا عن الأدب الفارسي.
أثر الأدب العربي في الأدب الملاوي
إن العصر الإسلامي في إندونيسا يبدأ حوالي عام 1400م، وفي ذلك الوقت أضحت الملاوية لغة التخاطب بين التجار العرب والهنود وبين سكان البلاد، وكانت في ذلك الوقت تُكتب بالحروف العربية قصرًا، وهذه اللغة الملاوية هي اللغة التي يستعملها الآن أهل إندونيسيا، لغة قومية لهم، وقد دخلتها من لسان الضاد ألفاظٌ وعبارات كثيرة جدًّا دينية وغير دينية، مثل: "بركة - آذان - غيب - جهاد - عبادة - هلال - فتوى - صلاة - مِنبر - مرتد - روح - عالم - حكاية - عبارة - حكمة - حق - هواء - نغم
- علم - فلك - فكر - دليل - دولة - آلة - أدب - قاعدة - دواء - معلم- مجلس - لفظ - فهم - فصل - ديوان -مذهب - حاكم - عسكر - خبر - فلسفة - فصيح - إجازة - مثل - محبة - مبذر - رزق - سلام - مسافر - معشوق - كوفية - غيب - ابن - بنت - صحبة - بطل - هجرة - هبة - أخلاق- خادم - خاص - تام - خيانة - أصيل - عاشق- قبة - خيمة - القيامة - الإيمان - المعصية - الحاج - القاضي - الإمام - المسجد - الآخرة
…
إلخ".
وبدأً من عام 1930ميلادية، صارت اللغة الإندونيسية -وهي الملاوية سابقًا- هي لغة الجذر الإندونيسية جميعًا، فصار الناس يتعاملون بها في المخاطبات والرسائل، وفي المدارس والصحف والمجلات والكتب، والمصالح الحكومية، وبعد زوال الاستعمار من تلك البلاد، أُنشئ مجمع لغوي يعنَى باللغة القومية، وتكتب الإندونيسية الآن بالحرف العربي والحرف اللاتيني جميعًا، وإن كانت كتابتها بالحرف العربي عمومًا أقل انتشارًا، إلا أنه مستعمل رغم ذلك على نطاق واسع في المناطق الداخلية وفي القرى، حيث يهتم الناس بحفظ القرآن الكريم، ودراسة العلوم الدينية، وقراءة الكتب القديمة.
وفي الأدب الملاوي تكثر الحكايات ومنها -بل أشهرها- حكاية "الأمير حمزة" والمقصود حمزة بن عبد المطلب عم الرسول، الصحابي الجليل رضي الله عنه وتقصُّ الحكاية سيرته وفروسيته وبطولته في الدفاع عن حوذة الإسلام في بدر وأحد، ونهايته المأساوية على يد "وحشي" الغلام الحبشي الذي استأجره بعض مشركي مكة؛ لقتل الصحابي العظيم، فانتهز منه غرة وهو مشغول بجندلة صناديد المشكرين في غزوة أحد، إذ صوَّ ب إليه سهمًا في موضع قاتل، فجندله.
وهناك حكايات أخرى كثيرة، بعضها مقتبس من كتاب المقفع (كليلة ودمنة)، وبعضها مستوحى من (ألف ليلة وليلة)، سواء من ناحية الوصف أو من ناحية الإغراق في الخيال واختلاط الشخوص والأحداث الواقعية والأسطورية، كـ (الحصان المجنح) و (المصباح السحري) و (الجن والعفاريت) مثل حكاية (سيم سكين ونذير شاه).
وإلى جانب هذا هناك لون آخر من الكتابة يمكن أن نذكر منه (سيرة معرفة) و (سيرة نور محمد) و (سيرة حمزة فنتوري).
ومن الأدب الإندونيسي الحديث يمكن أن نشير إلى "أسمر إسماعيل" المولود سنة 1921م، وهو شاعر وكاتب مسرحي يستلهم التاريخ الإسلامي ويستمد موضوعاته منه، وهناك أيضًا "جماعة البوسطة الاجتماعية" وكذلك "جماعة جريدة عَلَم الإسلام" التي كان القائمون عليها قد اتجهوا إلى مصر، حيث تعلموا وتأثروا بأجوائها الثقافية والأدبية، وبما يسودها من دعوات إصلاحية إسلامية، وهو ما انعكس في كتاباتهم بعدما عادوا إلى مسقط رأسهم، إذ عبروا في إبداعاتهم عن اتجاه إسلامي واضح.
ونتحول إلى ماليزيا لاستكمال حديثنا عن الأدب الملاوي وما بينه وبين الأدب العربي من صلات، حيث تقابلنا من أسماء الشعراء ذوي الاهتمامات الإسلامية، والمتأثرين بالثقافة العربية سحيم الحاج محمد وعبد العزيز محمود الشهير بأدهم تِهرة، وأحمد كمال عبد الله، وثم مقال جيد كتبه الدكتور "محمد مصطفى بدوي" عن ذلك الشاعر الأخير، يقول فيه:
" دخل الإسلام إلى جزر الملايو في أواخر القرن الثالث عشر للميلاد، ولم يكن ذلك عن طريق السيف أو الفتوحات العسكرية، بل كان عن طريق الاحتكاك
التجاري الاقتصادي والثقافي، وقد دخل أبناء الملايو بمجملهم في الإسلام، وحملوه بقوة وما يزالون، ويذخر الأدب الماليزي القديم بالمواضيع الإسلامية المستقاة في معظمها من التراث الإسلامي العربي القديم، ومنها سيرة حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وقصص من حياة الصحابة رضي الله عنهم بالإضافة إلى تواريخ وقصص مغامرات أخرى.
وقد حافظ الشعر الماليزي الحديث في معظمه على وشائج قوية مع التراث الإسلامي بشكل عام، ومع العربي على وجه الخصوص، والمتصفح للروايات الماليزية والشعر الماليزي المكتوبين في القرن العشرين وبخاصة بعد الاستقلال عام 1963 ميلادية، يجد أن الإسلام لا يزال في مقدمات اهتمامات الأدب الماليزي، ونجد في الشعر الماليزي كل ما نعهده من مقاصد الشعر الإسلامي، من مثل مدح الله عز وجل والتغني بحبه الذي يلامس شغافَ القلوب، وكذلك التغني بحب الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم كما يجسد الشعر الماليزي المعاصر همومَ الشعب والأمة، وتظهر فيه نبرة الحزن والأسى للوهدة التي يتردى فيها المسلمون بابتعادهم عن الإسلام اليوم.
ونجد الشعراء الماليزيين المسلمين شأنهم في ذلك شأن إخوانهم من شعراء الإسلام في كل مكان من العالم الإسلامي، يعبرون عن الغضب والحزن والتفجع إزاءَ ما يشهده عالم المسلمين اليوم من اعتداءات صارخة، وانتهاكات لأبسط المبادئ الإنسانية، يمارسها أعداء الإسلام تحت سمع العالم وبصره، ولا من مجير.
ومن أهم شعراء ماليزيا الشباب الذين يحملون الإسلامَ في قلوبهم، وفي شعرهم، الشاعر أحمد كمال عبد الله، الذي اتخذ له اسمًا فنيًّا عرف به هو "كِمالا". ولد الشاعر في إحدى ضواحي العاصمة الماليزية "كوالالمبور" في العام 1941، وقد
عمِل في بداية عمره المهني في التدريس، وكتب بعضَ القصائد والأقاصيص والمقالات الأدبية، ثم طور اهتمامه بالشعر، فنشر عددًا من الدواوين الشعرية، نذكر منها (ميديتاسي)"تأملات" في العام 1972، و (عين) في العام 1983، وقد نال عددًا من الجوائز التقديرية في المهرجانات الشعرية التي تقيمها الهيئات الأدبية في ماليزيا عن عدد من أعماله الشعرية في السنوات 1972، 1975، 1982، 1983. وقد شغل منصب الأمين العام للاتحاد الوطني للكتاب الماليزيين من 1972 إلى 1974.
وله بالإضافة إلى الشعر كتابات في القصة والنقد الأدبي، ويُذكَر أنه أدى فريضة الحج منذ عامين. وتنضح قصائد "كِمالا" بالاهتمامات والمقاصد الإسلامية المختلفة من الروحية الذاتية الشخصية، إلى الوطنية، إلى الاهتمام بشئون الأمة الإسلامية الواسعة. وقصائده التي تعالج الشأن الروحي تعلن بوضوح حب الشاعر العميق لله عز وجل وللنبي صلى الله عليه وسلم وهو في ذلك يشارك الطبيعة بمظاهرها المختلفة الحية منها والجامدة.
أما قصائده الوطنية فتعبر عن القلق الذي يساوره من ابتعاد مواطنيه عن جادة الصواب والحق، ومن انجراف الشعب وراء الأوهام التي تبعثها الحضارة الغربية المجافية للإسلام.
وبالانتقال إلى القصائد التي تعبر عن هموم الأمة، نجد الشاعر يتألم لِمَا يحل بالشعوب الإسلامية -وخاصةً فلسطين وفي البوسنة والهرسك- من ويلات على أيدي الأعداء، وعلى مرأى ومسمعٍ من العالم الذي يقف موقف المتفرج.
ولنبحث أولًا في قصائده الروحية التي يمكن أن تعد في مصاف روائع الأدب الإسلامي على مر العصور، في قصيدة قصيرة بعنوان (حَميم)، يصور الشاعر
العلاقةَ الوثيقةَ التي يرى أنها تربطه بالخالق الرحيم، الذي يحفظه من الويلات ومن الانحراف، وتمتلئ القصيدة بالرموز الموحية، وغني عن البيان أن العنوان المأخوذ إما من أوائل سور الحواميم أو الكلمة العربية "حم" بمعنى الصديق والخليل، هذا العنوان مشحون بالإيحاءات الروحية:
عاد المسافر بعد سنوات من الترحال إلى قريته سالمًا
ولم يعطب فيه عضو
بل على العكس لقد ازدادت خبرته
فالمسافر هو الشاعر نفسه الذي طوَّف في الآفاق الروحية والعالمية، وعاد إلى موطنه أو ذاته سالمًا، وهو يرى الفضل في ذلك لله عز وجل ولرحمته ولطفه:
يا من أنت هو اللطيف
أنت حميتني
ولذلك لم تأكلني السباع الجائعة والثعالب الوحشية
والشاعر رغم اتضاعه كمخلوق، فإن الله قد وهبه التكريم والرفعة بمنحه الحب الذي يربط قلب الشاعر إلى الذات العلية:
مع أنني لا أعدو أن أكون ذرة
فهذا حبي الذي تنفخ أنت فيه الروح والإيمان
ويختم الشاعر قصيدته برؤية نور الله في كل شيء:
في ومضة النور ليس هناك إلاك
وفي قصيدة مطولة تحمل عنوان "عين" يطوف الشاعر في مشاهد من التاريخ والتراث الإسلامي، يعرضها علينا مستخلصًا منها العبر والدروسَ، وهنا أيضًا يجدر أن نلاحظ: أن العنوان المأخوذ من اللغة العربية يشير إلى العين الداخلية أو البصيرة، في المشهد الأول ينقلنا الشاعر أمام كهف حِراء المغطَّى بنسيج العنكبوت، وتتوالى المعاني والأفكار، ويتذكر الشاعر ساكن ذلك الغار عليه الصلاة والسلام وصاحبه، ويدعونا لمشاركته الدهشة والدفء والحب التي تثيرها في النفس تلك المشاهدة:
النبي الأمين سكن هنا
وكذلك أبو بكر الصديق الذي أحبه حبًّا عظيمًا
إن أصداء رحيل النبي لا تزال تتردد في دروب المدينة
مدينة النور تداعبني
وأقف مأخوذًا أمام الألحان الدافقة
في المقطع الثاني تطالعنا قصة آسيا زوجة فرعون المؤمنة، وفي الثالث ننتقل إلى مشاهد من حياة رابعة العدوية، أما في المقطع الرابع فيسرد علينا الشاعر قصةَ أهل الكهف:
إذا كانوا قد ناموا ثلاثمائة بأمري إذًا ما الحاجة للمنطق؟
أما المقطع الخامس فيروي مشاهد من حياة النبيين الكريمين إبراهيم وموسى عليهما السلام وفي المقطع السادس مناجاة يرفعها الشاعر إلى الذات العلية:
يا رب
تقبل تلك النجوى التي تنشدها روحي
المقطع السابع يعالج مشاهد من رحلة الإسراء والمعراج، أما في المقطع الثامن فنرافق هاجر زوجة إبراهيم في سعيها بين الصفا والمروة حتى تفجر ماء زمزم في قلب الصحراء:
هاجر حلت السر
ماء زمزم العذب أعلن حبها وشوقها
وبالانتقال إلى قصيدة ثالثة "سمعت"، نجد الشاعر يعلن حبه على الملأ، وهو في ذلك يشترك مع سائر مخلوقات الله من حيوان وجماد ومظاهر طبيعية:
سمعت الريح المتعبة
تهمس للجبال عند غروب الشمس
آخر يوم من شهر الصوم
هناك في بلد بعيد ولد شاعر يحب الله عز وجل
وحال الريح في ذلك هو
حال دودة الأرض التي تخبر طفلتها
هناك رجل يغني للحب للأرض
للسماء لك، لي، لله ولنبيه!
والهمس نفسه حول جنون الشاعر بالحب الإلهي نسمعه من حوريات الأزهار المائية، ومن الأعشاب البحرية، ومن الأصوات المكتومة في الغابات، ومن الصبايا يتوضأن؛ استعدادًا لصلاة الفجر، ومن النصال التي تعد لتكسير الجبال والصخور، وأخيرًا من البرق الذي يدمر كل شيء في طريقه.
وهكذا نرى أن الحب الذي يكنه "كِمالا" لله ولنبيه يظهر واضحًا في قصائده. لكن هذا الحب لا يجعل من كمالا شاعرًا صوفيًّا بالمعني التقليدي للكلمة، فهو لم يعزل نفسه في تكية أو زاوية عن قضايا شعبه ووطنه، ونحن نجد الاهتمامات الوطنية مبثوثة في كثير من قصائد "كمالا"، ولكن سيكون تركيزنا هنا على ثلاث من هذه القصائد هي:"لا تحزني يا ماليزياي" المكتوبة عام 1984. "موزاييك موزاييك كوالالمبور" من العام 1986. "هومبابا هومباي" العائدة للعام 1989.
ومن الواضح أن قصائد "كمالا" التي تهتم بالشأن الوطني نابعة من قلب متألم؛ لِمَا يعتري مجتمعه ووطنه من هلاك ومفاسد، وهي تارةً تتفجر ألمًا وغضبًا بأسلوب جزل، وطورًا تتخذ شكل السخرية المرة، لتعود في نهاية المطاف إلى الطلب لله عز وجل أن يحفظ ذلك الوطن من الفساد والانحراف، وتعود لترى في دين الله المنقذ من التفكك والتحلل.
ونلاحظ أن الشاعر يوجه سهامَ الانتقاد إلى الممارسات الفاسدة في مختلف مناحي الحياة، من سياسة واقتصادية واجتماعية وأخلاقية وبيئية وغيرها. ففي الناحية السياسية نجده مثلًا ينتقد خمول أعضاء مجلس النواب، فيتساءل بتهكم مرير في قصيدة "موزاييك":
هل لا يزال السادة أعضاء مجلس الشعب نائمين في قاعة المجلس؟
ثم يعود في القصيدة ذاتها ليخاطب رئيس الوزراء:
دولة رئيس مجلس الوزراء
أنا أنقل إليك مطلب الشعب
أن تكشف الغطاء عن الحسابات المصرفية للسادة الكرام
النواب والوزراء
ويعود في قصيدة "هومبابا هومباي"، ليتساءل عمن سيخلف رئيس الوزراء، مثيرًا بذلك قضية أهمية الاستقرار السياسي، ومصير المسلمين في ماليزيا:
بعد أن يترك "محاضر" مركزه
مَن سيكون رئيس الوزراء التالي؟
ويكتسب هذا التساؤل حدة وأهمية إذا أدركنا طبيعة الحياة السياسية في ماليزيا، فصحيح أن السياسة والحكم والجيش والشرطة والإدارة، كلها بيد الملايو المسلمين، ولكن لا يغفل المراقب عن حقيقة العنصر الصيني -الذي شجعه الاستعمار البريطاني على القدوم والاستيطان في البلاد في أثناء احتلاله لها- يشكل ما يقرب من نسبة 40% من السكان، ويمسك الصينيون بمقاليد الاقتصاد، ولا يتركون فرصةً إلا ويغتنموها للتعبير عن وجودهم وقوتهم، وأحداث عام 1969 العنيفة لا تزال ماثلةً بقوة ووضوح في مخيلات الملايو والصينيين على حد سواء. ولذلك نرى الصينيين يطلقون المفرقعات النارية بصورة لافتة للنظر، وهذا ما يسجله "كمالا" في قصيدته ذاتها عندما يقول:
هومبابا هومبايي
المفرقعات المجنونة تخرب أرضنا
فهل هونج كونج أو بيكين هي عاصمة بلادنا؟
فهو القلق على الهوية الإسلامية الذي يساور الشاعر، كما يساور أبناء قومه برمتهم.
وبالانتقال إلى الهم الاقتصادي، نجد الشاعر يغني أحزان الفقراء في قصيدة "لا تحزني يا ماليزياي":
هناك لدى صيادي الأسماك
أغان حزينة
هناك أغان بلا إيقاع
يغنيها الفلاحون الفقراء الباحثون عن المحبة
بصوت أجش مبحوح
ويلازم هذا الهم الشاعر مرتبطًا مع فضائح الرشوة والفساد، المصاحبين للازدهار والتطور الاقتصادي، فنجده في قصيدة "موزاييك" يشير إشارات خاطفة بجمل وعبارات مقطعة إلى المظهر الاقتصادي البراق، الذي يخفي وراءه مشاكل اقتصادية، بعيدة الغور، ترتبط بأخلاق الساسة ورجال الأعمال، فينتهي إلى التحذير من أخطار الديون الحكومية:
كم يبلغ مقدار الدين الوطني عندنا؟
الحرية!
العمال يضربون مطالبين برواتبهم
كم يبلغ مقدار الوطني عندنا؟
إذا لم نلزم جانب الحذر فسترهن ماليزيا عند المرابين!
ويعود هذا الهم إلى الظهور في قصيدة "هومبابا هومبابي" في أعتاب تخفيض قيمة العملة الوطنية:
هومبابا هومبابي
بعد تخفيض الرينجيت
ماذا سيكون مصير ماليزيا؟
وبالإضافة إلى الهموم السياسية والاقتصادية، يحمل الشاعر في قلبه الهم البيئي، إن التقدم الاقتصادي والصناعي وإنشاء المزيد من المصانع قد أدى إلى تخريب البيئة، وتلوث الأجواء في أمكنة كثيرة، وهذا يملأ نفس الشاعر بالأسى والضيق والقلق على المستقبل، وهو يفتتح قصيدته "موزاييك" بوصف مشهد لنهر "كلانج"، وهو شريان نقل حيوي يصب في مرفأ "كلانج"، وهو بدوره مرفأ بحري رئيسي في ماليزيا ذات أصيل رمادي:
هل لا يزال هنالك شعر في قلبك يا كِمالا؟
إن نهر كلانج الكثيف الموحل
يكتظ بسفن النقل يلهث ليتنفس
هذا هو العرق مع اقتراب القرن الحادي والعشرين
ثم ينتقل ليصف الضباب الملوث، ودخان المصانع الأسود الذي يملأ الضواحي، ويلازم هذا الهم الشاعر أيضًا ليجد له تعبيرًا جليًّا في قصيدة "هومبابا هومبابي" حين يقول:
هومبابا هومبابي
هذا الكوكب الأرضي
لا يمكننا استبداله بواحد آخر
وإذا كان التلوث البيئي يشغل بال الشاعر، فإن التلوث الأخلاقي يقض مضجعه، ويثير في نفسه أعظم القلق، وهو يوجه النظر للأثر السيئ على الأخلاق الذي تمارسه وسائل الإعلام عامةً، والتلفاز خاصةً في "موزاييك" نقرأ:
الإعلانات والنشرات الفاجرة
أشرطة الفيديو القذرة لها عملاؤها
برامج التلفاز اللاهثة تلد وتعلم اللأطفال
القتل على طريقة مستر تي
والقصص العاطفية اللاهبة
على شاشة تلفاز القنال الثالث
ثم ينعَى على المنجرفين وراء الإعلام الغربي ابتعادَهم عن القيم الإسلامية:
هل يشبه وجه سو إيلين وجه السيدة عائشة؟!
مادونا مثل رابعة العدوية!
ألا تزال هناك ومضات من القرآن؟
وهو يرد هذا الانحراف في معظمه إلى النظام التربوي ذي التوجه الغربي:
إن نظام التربية مثل سفينة منجرفة مع التيار
والريح الغربية الفاسدة تنفخ النار في الرماد
وأمام هذه المشاكل العصية والعقبات الكأداء الجديرة ببعث اليأس في النفوس، لا يجد الشاعر الأمل إلا في كَنف الله الرحيم، فيلجأ إلى الله الذي لا ملجأ سواه، وفي نهاية قصيدة "موزاييك" نقرأ هذه المناجاة:
يا إلهي
…
احفظ هذه الأرض قبل أن تنقرض
قبل أن تختفي ويبتلعها العمالقة الجائعون الجائعون
ولئن كان الشاعر يصرخ في وجه مجتمعه، محذرًا من الفساد والابتعاد عن قيم الأخلاق، فهو في ذلك لا يعدو كونه ابن هذا المجتمع، المحافظ المتمسك بالأخلاق في كل مناحي الحياة، والشاعر يريده أن يبقى كذلك، وأن يرذل الممارسات الفاسدة الآخذة في الانتشار.
إلا أن الهم العام عند "كمالا" لا يقتصر على حدود وطنه الضيقة، بل نراه يحمل في قلبه وعقله هم الأمة الإسلامية بالمعنى الواسع للكلمة، فهو يشعر أنه واحد من أبناء الأمة، التي تتعرض في هذه الأيام للنكبات والويلات على أيدي الأعداء، ونتمثل هنا بقصيدتين للشاعر هما "قصيدة الفجر" التي كتبها عام 1982 إبَّان الحصار الإسرائيلي للقوات الفلسطينية في لبنان، و"رسالة من سراييفو" التي تعود للعام 1992، وتصف حالةَ الشاعر النفسية إزاءَ جرائم الصرب بحق المسلمين في البوسنة.
تبدأ "قصيدة الفجر" بموعد للشاعر مع روح الفاتح الإسلامي طارق بن زياد:
موعد مع روح طارق بن زياد
الإسلام لا يُقهر
تعالوا نعبر هذا المضيق
ترتجف رياح الفجر
وتضرب الأسوار
أنت تصرخ كالرعد
يمزق السكو ن
احرق السفينة
قاتل
لا طريق للوطن، أرض الأندلس لله ونحن في رحمته
ظلال الجنود عند الفجر على الشاطئ
الله أكبر
وينتقل الشاعر بعد هذا المشهد المجيد، إلى مشهد من العصر الحديث يضعه في مواجهة المشهد الأول:
ألف حيلة من اليهود وحيلة
وهذا لبنان محاصر
وهذا عرفات وجنوده الستة آلاف يُقصفون
ينهمر الرصاص بغزارة
قذائف الهاون
بيروت مدينة الموت
الموت في كل مكان
اليهود .. اليهود يمتصون دماء الشعوب
انهضي يا منظمة التحرير
انهضي بجيشك الصغير وأسلحتك الصغيرة
وروح طارق في صدره لن يستسلم
يحمل في عطفيه كرامة الوطن الأم فلسطين
وبعد عقد من السنين
كانت الأمة لا تزال تواجه الأعداء وسكاكين الجزارين
وفي العام 1992 تحولت سراييفو وسائر مدن البوسنة إلى أراض للقتل، وسالت دماء المسلمين، وتهدمت مساجدهم، وانتهكت أعراضهم، وقد أثار هذا الإجرام مشاعر الأسى والغضب في قلوب المسلمين في سائر أنحاء العالم، وكان الشعراء أشد الناس تأثرًا بفظاعة المحنة، وقد تفجر الغضب في قلب شاعرنا، فعبَّر عنه في قصيدة "رسالة سراييفو" التي تبدأ بذكر الصمت الذي يلف العالم:
أشجار صامتة
أحجار صامتة
بحيرات صامتة
غزيت البوسنة والهرسك
مساجد سراييفو المائة هوجمت ودمرت
وأمطرت القذائف الموجهة على البوسنة
القتل
الشياطين الصرب يغسلون أجسامهم بدم البوسنة والهرسك
يجرعون دموع الأطفال الأبرياء
وصرخات الضحايا
ثم يسخر الشاعر من الأوهام التي تراود البعض بأن الدول الكبرى ستهب لنجدة المسلمين:
واشنطن ماما
نيويورك ماما
باريس ماما
بون ماما
لندن ماما
موسكو ماما
يا للكارثة
البوسنة والهرسك بلد إسلامي في قلب أوربا
وميلاد جديد للحمراء وغرناطة؟
مستحيل
مستحيل أبدًا
وأكثر ما يحز في نفس الشاعر انفضاض الأشقاء المسلمين من حول أشقائهم في البوسنة والهرسك، فينادي بصوت ينضح مرارة:
يا إخوتنا في الدول الإسلامية ما أخباركم؟
أين أنتم؟
أيها الإخوة في الإسلام، أين أنتم؟
ثم يتوجه الشاعر بالخطاب الساخر إلى القوة الكبرى في العالم:
والآن تتجه الأنظار إلى سيادة رئيس الشرطة العالمية
ما هي أولوياتك، سيادة الرئيس؟
أولوياتي واضحة
كرسي الرئاسة
هم البوسنة والهرسك ليست على جدول أعمالي
آسف
أنا آسف
ويعود الشاعر إلى مخاطبة المسلمين بالمرارة نفسها:
انسوا صرخات إخوانكم في الإسلام في البوسنة والهرسك
دعوا مساجد سراييفو تموت
دعوا الأذان يصغر في المآذن
دعوا الإسلام ينهار في أرض أوربا
ويعود الصمت ليلف العالم كما يلف نفس الشاعر:
الأشجار صامتة
خط الاستواء صامت
الشمس صامتة
القمر صامت
الصمت موحش
الصمت مرعب
ويختتم الشاعر قصيدته بمشهد يذكر بيوم الحساب:
عندما كانت أرواحنا تعبر قابلنا ناسًا من القرن العشرين
حمقى وغافلين عن مواجهة يوم الحساب
هذه الإطلالة على العالم الشعري للشاعر الماليزي كفيلة بأن ترينا أن الإسلام لا يزال حيًّا في قلوب الشعراء والفنانين المسلمين في أصقاع العالم الإسلامي المترامي الأطراف، كما ترينا أن مقاصد الإسلام من روحية ودنيوية لا تزال تبعث الإلهامَ في نفوس هؤلاء الشعراء، وفي هذا إشارة إلى أن الأدب الإسلامي لا يزال بخير، برغم التراجع الذي نشهده على الساحة الإسلامية في نواح عديدة.
إن الأدب الإسلامي لا يزال يحمل المِشعلَ؛ لينير درب هذه الأمة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.