المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌نشأة جوته وثقافته - الأدب المقارن - جامعة المدينة (بكالوريوس)

[جامعة المدينة العالمية]

فهرس الكتاب

- ‌الدرس: 1 الأدب المقارن نشأته وتطوره

- ‌تعريف الأدب المقارن ونشأته

- ‌ميادين الأدب المقارن ومدارسه

- ‌الصلة التي تربط بين الأدب والفنون الجميلة

- ‌الدرس: 2 التأثر والتأثير في الأدب المقارن

- ‌التأثير والتأثر في الأدب المقارن عند المدرسة السلافية

- ‌التأثير والتأثر في الأدب المقارن عند المدرسة الفرنسية

- ‌بعض الشواهد على عملية التأثير والتأثر في بعض مجالات الأدب المقارن

- ‌الدرس: 3 الأجناس الأدبية القديمة والحديثة والتفاعل فيما بينها

- ‌تعريف الملحمة، وأهم أنواعها، وسماتها

- ‌المسرحية، ودورها كجنس أدبي

- ‌الدرس: 4 الرواية والقصة القصيرة، ودلالات التأثر والتأثير فيها

- ‌الرواية والقصة القصيرة؛ جذورها التاريخية وسماتها الأدبية

- ‌الموضوعات التي تناولتها القصة العربية القديمة

- ‌شبه ما يعترضون على وجود القصص العربي القديم

- ‌الدرس: 5 الشعر الغنائي ودلالات التأثر والتأثير فيه

- ‌معنى الشعر الغنائي وماهيته

- ‌أي الفنين أسبق من الآخر؛ الشعر أم النثر

- ‌عمر الشعر العربي

- ‌الدرس: 6 خصوصية الأدب العربي وميزاته الحضارية

- ‌نشأة الأدب العربي وسماته الخاصة

- ‌الشعر كجنس من أجناس الأدب العربي

- ‌القصص كجنس أدبي

- ‌خصائص الأدب العربي

- ‌الدرس: 7 تأثير المقامات في الأدب الأوربي

- ‌تعريف المقامة وتاريخ نشأتها وآراء نقاد الأدب فيها

- ‌المقامة المضيرية، كمثال من المقامات

- ‌تأثر الفن القصصي الجديد في أوربا بفن المقامة

- ‌الدرس: 8 قصة حي بن يقظان وأثرها في قصة "روبنسون كروزو" وغيرها

- ‌تطور قصة حي بن يقظان في الأدب العربي

- ‌ حي ابن يقظان" وتأثيرها في الفكر والأدب العالمي

- ‌الصلة بين "حي ابن يقظان" و"روبنسون كروزو

- ‌الدرس: 9 ألف ليلة وليلة والموشحات وتأثيرهما على الأدب الغربي الحديث

- ‌أثر "ألف ليله وليله" في الأدب الغربي

- ‌أثر الموشحات في الأدب الغربي

- ‌الدرس: 10 تأثير الأدب العربي في الشاعر الألماني جوت

- ‌نشأة جوته وثقافته

- ‌ما تركه القرآن في الأثر فيما خططته براعة جوته

- ‌الدرس: 11 أثر الأدب العربي في الآداب الإسلامية (1)

- ‌أثر الأدب العربي في الأدبين الإفريقيين: الأدب السواحلي، والأدب الهوسوي

- ‌تأثير الأدب العربي في لغة الهوسا وآدابها

- ‌الدرس: 12 أثر الأدب العربي في الآداب الإسلامية (2)

- ‌أثر الأدب العربي في الأدبي الفارسي

- ‌أثر الأدب العربي في الأدب الملاوي

- ‌الدرس: 13 تأثر الأدب العربي بالآداب الغربية (1)

- ‌تأثر الأدب العربي في ميدان التأليف المسرحي بالأدب الغربي

- ‌نماذج من المسرحيات العربية التي تأثرت بالمسرح الغربي

- ‌الدرس: 14 تأثر الأدب العربي بالآداب الغربية (2)

- ‌تعريف القصة، والفرق بينها وبين الملحمة والمسرحية

- ‌بعض المقارنات بين الأعمال القصصية العربية الحديثة، ونظيرتها في الآداب الغربية

- ‌الدرس: 15 نشأة قصيدة الشعر الحر وتطورها

- ‌نبذة عن مراحل تطور الشعر العربي

- ‌دعوى أصحاب شعر التفعيلة أن الشعر العربي شعر إنشادي

- ‌بناء القصيدة في الشعر العربي

- ‌المناداة بما يسمى بالوحدة العضوية داخل القصيدة

- ‌ظهور ما يُسمى بالشعر الحر

- ‌الدرس: 16 تأثر الشعر العربي بالشعر الإنجليزي

- ‌عوامل الاتصال بين الشرق والغرب وأثرها في إحياء الشعر العربي في العصر الحديث

- ‌مدرسة الديوان وأثرها في حركة الشعر في العصر الحديث

- ‌تأثر شعراء المهجر بالشعر بالأدب الغربي

- ‌الدرس: 17 المذهب الرومانسي والمذهب الواقعي في ميدان الأدب

- ‌المذهب الرومانسي في الأدب؛ نشأته وتطوره

- ‌مذهب الواقعية في الأدب؛ نشأته وتطوره

- ‌الدرس: 18 الرمزية والسريالية

- ‌الرمزية وأثرها في الأدب العربي

- ‌السريالية وأثرها في الأدب العربي

- ‌الدرس: 19 تقويم علاقة التأثر بين الأدب العربي وغيره من الآداب

- ‌طرق الاستفادة من الأدب المقارن في الأدب القومي

- ‌العوامل التي ساعدت على نشأة الأدب المقارن

- ‌الدرس: 20 بعض الدراسات التطبيقية الخاصة بالتأثير والتأثر بين الأدب العربي والآداب العالمية

- ‌بداية معرفة العرب بالشعر الإنجليزي بتأثر السياب بـ"شِلي

- ‌حكايات الحيوان عند كل من إيسوب الحكيم وإخوان الصفا

- ‌الدرس: 21 علاقة الأدب المقارن بالعولمة والعالمية، والمثاقفة بين الشعوب، وتحديد خصوصية الأدب العربي وبيان ملامحه

- ‌(علاقة الأدب المقارن بالعولمة والعالمية

- ‌المثاقفه بين الآداب وبعضها

- ‌خصوصية الأدب العربي وسماته، وعَلاقة ذلك بالأدب المقارن

الفصل: ‌نشأة جوته وثقافته

بسم الله الرحمن الرحيم

الدرس العاشر

(تأثير الأدب العربي في الشاعر الألماني جوته)

‌نشأة جوته وثقافته

تأثير الأدب العربي في الشعر الألماني جوته:

ولد "يوهان فولف جان جوته" في الثامن والعشرين من أغسطس سنة ألف وسبعمائة وتسعٍ وأربعين في مدينة فرانكفورت، وكان الأب يوهان كاسبر جوته الذي كان مستشار الأسرة الملكية، هاويًا لجمع اللوحات الفنية والنباتات، وتنحدر الأم كاترينا "إلزابس جوته" من عائلة عريقة ذات أصول إيطالية.

وقد كان الأب معلمًا لابنه وابنته؛ فدرّس لهُما علومًا كثيرة، وعلمهما لغاتٍ عديدة كالإنجليزية والفرنسية، واليونانية واللاتينية؛ لكن أحب الأشياء إلى نفسه كان الرسم والموسيقى.

وفي الدروس الدينية التي كان جوته يستمع إليها من أحد أصدقاء الأسرة ومن خارج القصر "يوهان يعقوب اشتارك" لم يجد إجابة مرضية عن أسئلته التي كانت تملؤ نفسه وروحه حيرة وشكًّا؛ وقد عَبّر عن ذلك فيما بعد قائلًا: "لم تكن الكنيسة البروتسطنطية إلا نوعًا من الأخلاق الجافة، ولم تكن المواعظ الدينية في الكنيسة تثير التفكير، ولم تكن التعاليم تستطيع إرضاء الأرواح".

وقد ظلت وجهت نظره نحو الكنيسة وعقائدها تتسم بالحالة والشك؛ حتى وصلت في ما بعد إلى حد الرفض، وقد وصف جوته تاريخ الكنيسة بأنه خليط من التضليل والتسلط، وكان أهم ما زال في نفور من الأرسوزكسية اللوثرية قضية الخطيئة الموروثة.

وقد ولد الشغف بالأدب في نفس جوته في طفولته، ونَمّته المَكْتبة الضخمة لوالده، وصاحَبَ هذا الشغف المبكر بالأدب شَغفٌ بالمَسْرَح، وفي الثلاثين مِن سبتمبر سنة ألف وسبعمائة وخمس وستين، غادر جوته فرانك فوت؛ ليبدَأ

ص: 267

دراسة القانون في ليبزك حتى سنة ألف وسبعمائة وثمانٍ وستين، وكانت هذه الدراسة شيئًا ثقيلًا على نفس الشاب المفعمة بحب الأدب والفن؛ لذلك اهتم بالأدب أكثر من اهتمامه بالقانون وعلومه.

وفي ليبزك أيضًا تلقى دروسًا في الرسم، كما تَعرّف على فنِّ النّحت الإغريقي، وفي ليبزك كانتْ أُسْطُورة "فوس" الشعبية منتشرة، إذ كانت ليبزك المكان الذي ولدت فيه هذه الأسطورة، وقد تأثر بها جوته تأثرًا كبيرًا، وبعد عودته إلى "فرانكفورت" ظَلّ عامًا ونصفًا في مرحلة نقاهةٍ، تخللتها فترات من الانتكاسات الصحية، وفي إبريل سنة ألف وسبعمائة وسبعين، غَادَر "فرانكفورت" ليغير دِراسته في "استراسبورج" فعاد ثانية إلى الكتب الدراسة الجافة التي يمقتها.

وفي منطقة "الألزاز" حيث تقع "استراسبورج" تفتحت مواهبه الفنية، ولم يحب جوته شيئًا كما أحب الطبيعة في "الألزاز" في حوض نهر "الراين" ويبدو ذلك جاليًا في معظم كتاباته في ما بعد، وقد التقى جوته بـ"هلدر" في "استراسبورج" وشكل هذا اللقاء نقطة تحول في حياة جوته الأدبية، وكان "هلدر" الشخصية الأولى التي يجدُ جوته عندها الكثير من الإجابات على ما بداخله من الأسئلة.

وكان "هلدر" هو الذي فتح عيون الأدباء الألمان من الجيل الجديد، على العبقرية الدرامية لمسرح "شكسبير" وأنهى جوته دراسة القانون؛ غير أن رسالته التي قدمها للتخرج، لم تنل بعد مناقشتها درجة تؤهله للعمل الحكومي، إذ كانت الدرجة التي حصلت عليها الرسالة ضعيفة؛ إلا أنه أعاد مناقشتها مرة أخرى في السادس من أغسطس سنة ألف وسبعمائة وإحدى وسبعين في "استراسبورج" وحصل هذه المرة على درجة الإجازة في الحقوق، وقرّر بعدها أن يعمل محاميًا في فرانكفورت؛ لكنه ترك مجال المحاماة بعد عدة أشهر.

ص: 268

وعاد جوته بعد هذه الفترة إلى التفكير في مشاريعه الأدبية، ووقع بين يديه كتاب قديم عن فترة حرب الفلاحين؛ فأعجب بقصة أحد قطاع الطرق الذي كان ينتمي إلى عائلة من النبلاء، فقرر تحويلها إلى عمل أدبي مسرحي، وأجرى الكثير من التّعديلات الفنية والدرامية عليها، ووضع لها مخططًا تصويريًّا تمهيديًّا لبعض مشاهدها، وبعد أن أتم المسرحية نسخ منها عدة نسخ وأعطاها لأصدقائه؛ فلاقت منه استحسانًا كبيرًا، وكان عنوان المسرحية "جوت فريج فون بري شنجن ذو اليد الحديدية".

ارتحل جوته في مايو سنة ألف وسبعمائة واثنتين وسبعين إلى "فيتسلار" لإكمال تدريبه العملي في المجال القانوني، وفي إحدى الحفلات التقى جوته بصديقه "يوهان كريستين كسنر" وبرفقته خطيبته "شارلوتا بوف" فوقع جوته في حب "شارلوتا" ونشأ صراع نفسي عنيف في نفسه، بين صداقته لـ"كسنر" وحبه لـ"لوتا" جسده بعد ذلك في روايته "آلام الشاب فرتر".

ولم يستطع جوته تحمل هذا الصراع النفسي، فقرر العودة إلى فرانكفورت، جاء خبر انتحار أحد أصدقاء جوته بعد عودته إلى فرانكفورت هربًا من حبه للوته، خطيبة صديقه "كسلر" فألهمه كتابة رواية "آلام الشاب فرتر". وبعد نشر الرواية لاقت نجاحًا منقطع النظير، وأحدثت ضجة أدبية لا في ألمانيا فقط، وإنّما في أوربا كلها، وتحول النجاح الأسطوري للرواية إلا ما يشبه الحمى، أو الهستريا بين الجيل الجديد من الشباب؛ حتى إن بعضهم أقدم على الانتحار انبهارًا بشخصية فرتر التي عدت في تلك الفترة مثلًا أعلى، يجسد مشاعر الجيل الجديد من الشباب.

وفي تلك الفترة شرع "جوته" في كتابة العديد من الأعمال؛ لكنه لم يكتب منها غير مقطوعات وشذرات قصيرة منها: "أنشودة محمد" ونشأت في تلك الفترة فكرة

ص: 269

كتابة "فوست" وبعد عودته إلى فرانكفورت زاره كارل أوجست الذي أصبح دوقا لـ"فيمر" و"زاكسن"، ورأى فيه الشخص المناسب الذي يصلح أن يكون مستشارًا له في شئون إدارة الإمارة، ودعاه إلى أن يكون مستشارًا له وصديقًا.

وفي يونيو عُين مستشارًا رسميًّا في المجلس الوزاري، رغم وجود اعتراضات عليه من جانب الوزراء والموظفين في الحكومة، ثم أخذت الدوق يولي "جوته" المزيد من المناصب في الإمارة، ففي السنوات التالية تَقَلّد جُوته العديد من المناصب، وهي: رئيسُ اللجنة العسكرية، ومدير إنشاء الطرق، ورئيس الإدارة المالية، ورئيس الشئون الثقافية؛ فكان جوته في الواقع بمثابة مدير الحكومة، أو رئيس الوزراء في الإمارة.

وفي بداية سبتمبر سنة ألف وسبعمائة وست وثمانين، خَرَج جوته راحلًا من زيمر دون أن يخبر أحدًا برحيله، ولم يكن هناك من يعلم أمر تلك الرحلة، غير الأمير وسكرتيره "فلب زايدل" واتجه مُسافرًا صوب مدينة البندقية عبر "ريجنسبرج" و"ميونخ" و"ميتنفال" و"انسبرك" و"فيرونا" وكانت الوجهة الحقيقية هي روما، التي تعد كعبة للفنانين من كل أنحاء أوربا في ذلك الوقت.

ثم قرر جوته إنهاء إقامته في إيطاليا، والعودة إلى "فايمر" في نهاية إبريل سنة ألف وسبعمائة وثمانٍ وثمانين.

وفي عام ألف وسبعمائة وواحد وتسعين تولى جوته إدارة المسرح الملكي في "فايمر" وصارت كرستيانة زوجته مُستشارة شخصية له فيه، وفي عام ألف وسبعمائة واثنين وتسعين اشترك جُوته مع صديقه الدوق "كار أوجست" الشغوف بالأمور العسكرية، في الحملة العسكرية في فرنسا، وشهد فشل تحالف قوى الإقطاع والرجعية، وكان في "مينز" عام ألف وسبعمائة وثلاثة وتسعين، وشهد ضرب الحصار على المدينة التي قامت فيها أول جمهورية ألمانية.

ص: 270

وحينَ بدأتْ الإمْبَراطُورية الرومانية المقدسة للأمة الألمانية في التداعي تحت ضربات جيوش نابليون، بدأ "جوته" و"شيلر" مشروعهما الثقافي الإصلاحي؛ فكتب "شلر" رسائله عن التربية الجمالية للإنسان، في عام ألف وسبعمائة وخمسة وتسعين، وأنجز بين عامي ألف وسبعمائة وستة وتسعين، وألف وثمانمائة وخمسة -عام رحيله- أهم أعماله الدرامية.

أما جوته فقد أنهى بين عامي ألف وسبعمائة وأربعة وتسعين، وألف وسبعمائة وستة وتسعين، روايته التعليمية "سنوات تعلم فلهم مايستر" التي تُعتبر المِثَال الأعلى للرواية التعليمية.

وبتشجيع من صديقه المقرب "شلر" استأنف "جوته" الكتابة في عامه الأكبر "فوست" فأنهى الجزء الأول منه، وكذلك بِضْعة فصول من الجزء الثاني، وحينَ تُوفي "شلر" في عام ألف وثمانية وخمسة شعر جوته بالحزن العميق، والخسارة الكبيرة لوفاة صديقه العظيم.

وبرحيل "شلر" يظل الكلاسيكي الكبير "جوته" حتى وفاته عام ألف وثمانمائة واثنين وثلاثين الوحيد المتبقي من هذه المدرسة، في حين أخذت الرومانسية في الانتشار والسيطرة شيئًا فشيئًا، على الحياة الأدبية؛ لكن جوته ظل هو القمة التي لا تدانيها قمة أخرى، وبقي باعتراف الرومانسيين قلمًا أدبيًّا كبيرًا، ولم تكن خسارة رفيق الطريق "شلر" هي السبب الوحيد في تشاؤم جوته واكتئابه في ذلك الوقت، بل أيضًا الحرب القادمة التي بدأت تتوغل في ألمانيا، وتجتاح في طريقها الدوقيات والولايات الألمانية، وعاثت فيها الفساد والنهب.

فمع معركة في الرابع عشر من أكتوبر سنة ألف وثمانية وست، دخل الجنود الفرنسيون فيمر، وأخذوا ينهبون البيوت، وقد بدأ جوته في عام ألف وثمانمائة وستة في إعداد طبعة كاملة من أعمال لدى الناشر كوته في "اشتوتجارت".

ص: 271

وفي تلك الفترة أنجز الجزء الأول ملحمتة الشعرية "فوست" التي صور فيها الرغبة العارمة في الوصول إلى امتلاك الحقيقة، وفي التخلص من القيود البشرية التي تمنع من الكمال، وهذا يمثل الجانب الأبيض داخل "جوته" نفسه، ثم صور في شخصية "مافستو" الجانب الأسود حيث الرغبة في التمرد الأعمى.

وقد التقى "جوته" بنابليون بونابرت في إيرفورت في عام ألف وثمانمائة وثمانية، واستقبله نابليون وجلس معه، وأخذا يتناقشان ويتحاوران مواضيع فكرية وسياسية، وبعد أن انتهى الحديث نظر كل إلى من حوله مشيرًا إلى جوته قائلًا: هاكم رجلًا. فقد أعجب نابليون بأفكار جوته وعبقريته، وكان قد قرأ له من قبل أن يلتقيه رواية "آلان فرتر" ودعاه نابليون في ذلك الوقت المجيء إلى باريس، والإقامة بها، غير أنه لم يذهب إلى باريس، ولم يصبح صديقًا لنابليون، وكان هذا آخر لقاء بينهما.

وفي عام ألف وثمانمائة وتسعة بدأ جوته يستعيد نشاطه الجسدي والنفسي، وشرع في كتابة سيرته الذاتية، وقد شَهِدَ جُوته موت جميع أصدقائه القُدامَى، ولم يكن يتوقف على التعلم والاطلاع على كافة الأفكار، ولذلك ظَلّ فِكْرُه وفلسفته للحياة تتطور مع كل مراحل حياته.

في تلك الفترة التي شهدت صراع القارة الأوربية ضد جيوش نابليون، والمعارك التي استنفدت قواها، بدأ جوته يتجه إلى الشرق والاهتمام بتاريخه وأدبه، فبدأ بدراسة اللغتين العربية والفارسية؛ فقرأ القرآن واستهواه الشعر العربي القديم، وكذلك الشعر الفارسي، وأعجب بشكل خاص بالشاعر الفارسي حافظ شيرازي.

ص: 272

في تلك السن المتقدمة من عمره كان لا بد له من سكرتير، وكان هو "فريدريش رايمر" الذي كان مربيًا لأحد أبنائه، منذ عام ألف وثمانمائة وخمسة، وكذلك كان "كارل فريدريش سلر" يعزف له المقطوعات الموسيقية على البيانو، وكان جوته معجبًا بعزفه إلى حدٍ كبير.

وفي عام ألف وثمانمائة وأربعة عشر قام جوته بعدة رحلات إلى المناطق المحيطة بنهري الري، والماين وزار فرانكفورت مسقط رأسه، وفي تلك الفترة توثقت صداقته بـ"كارل فريدريش راين هارد" و"كاسبرفور ترين بيرج" بينما حل "إكرمان" مكان رايمر في العزف على البيانو في "فاين مارك" وصار جوته في ذلك الوقت أكثر زهدًا في الحياة، وبدأ في كتابة الكلمات الأولى الغامضة، واستأنف كتابة الرحلة الإيطالية، وفي عام ألف وثمانمائة وواحد وعشرين أتم كتابة سنواته تجول "فين ماستر". وكتبها في شكل أقاصيص.

وفي عام ألف وثمانمائة وثمانية وعشرين مات دوق "كارل أوجست" ثم مات في عام ألف وثمانية وثلاثين أحد أبنائه في روما، وفي العام نفسه أتم كتابة الجزء الثاني من "فاوست".

في الثاني والعشرين من مارس سنة ألف وثمانمائة واثنين وثلاثين لفظ جوته أنفاسه الأخيرة، بينما كان جالسًا في مقعده، وكانت الوفاة بسبب التهابٍ في الرئتين، وشيع جسمانه إلى قبره في يوم السادس والعشرين من مارس.

وكان قد ظهرت في ألمانيا في أواخر القرن الثامن عشر، وأوائل القرن التاسع عشر حركة نادت بالأدب المقارن، حيث تتجمع الآداب المختلفة كلها في أدب عالمي واحدٍ، يبدو وكأنه نهر يرفده كل أدب من الآداب القومية، بأسمى ما لديه من نتاج إبداعي، وقيم إنسانية وفنية.

ص: 273

وكان زعيم هذا الاتجاه الشاعر الألماني جوته، الذي عد نفسه نموذجًا تتجمع فيه صفة العالمية؛ فلقد كان مطلعًا على الآداب الأوربية، متمثلًا قيمها واتجاهاتها، وغض بصره إلى خارج الحدود الأوربية الضيقة المضطربة؛ فوجد في الآداب الشرقية الإسلامية عاملًا رحبًا لا نهائيًّا من الطهر والطمأنينة، بدا له وكأنه قبس من نور النبوة، كما وجد منعًا صافيًا من الإبداع والإلهام المتجدد، عبّر عنه بوضوح في ديوان سماه "الديوان الشرقي للمؤلف الغربي". وكتب في مقدمته: هذه باقة من القصائد يرسلها الغرب إلى الشرق. ويتبين من هذا الديوان أن الغرب قد ضاق بروحانيته الضعيفة الباردة، فتطلع إلى الاقتباس من صدر الشرق.

وقد استطاع جوته بثقافته العميقة الواسعة، ومكانته البارزة، وقدرته الفذة على الإبداع، أن يجعل فكرة التواصل بين الآداب الأوربية خاصة، والآداب كلها بعامة تستقر في الأذهان، وتصبح من الأمور المسلمة التي لا تقبل الجدل، على الرغم من طغيان العصبية القومية في أوربا.

وهكذا بدت دعوة الأدب العالمي، وكأنها كانت بمثابة تمهيد طبعي لنشوء فكرة الأدب المقارن، كما جاء في كلام الدكتور محمد سعيد جمال الدين في كتابه (الأدب المقارن دراسات تطبيقية في الأدبين العربي والفارسي).

ويمثل الأديب الألماني "يوهان فلفجان جوته" حالة ساطعة في ميدان الأدب المقارن، إذ يكثر لديه التأثر بالشعر العربي، والاحتذاء بالإسلام عمومًا، والقرآن العربي، والنبي محمد على وجه الخصوص، فضلًا عن إعجابه بحافظ الشيرازي، واستحضاره إياه استحضارًا قويًّا في أشعاره، نصوصًا من إبداعه، ووقائع من حياته.

ص: 274

وقد صدر في يونيه عام ألف وتسعمائة وسبعة وستين في سلسلة كتاب الهلال، كتاب أكثر من رائع عن هذا الموضوع من المرحوم عبد الرحمن صدقي، مدير دار الأوبرا الأسبق، عنوانه "الشرق والإسلام في أدب جوته" وإن كنا قد قرأناه في طبعة سلسلة المكتبة الثقافية التي صدرت قبل ذلك -فيما أذكر- وفرحنا به كثيرًا، إذ وجدناه يلقي ضوءًا وهاجًا، على قضية أشد لمعانًا وهجًا هي قضية تأثر أديب وعالم ومفكر بقامة جوته الألماني بالإسلام والقرآن والنبي محمد صلى الله عليه وسلم.

ثم مرت الأيام، ورأيت كتاب الدكتور عبد الرحمن بدوي عن "ديوان الشرقي للمؤلف الغربي" وهو ديوان الشعر للأديب الألماني يتبدى فيه هذا التأثر والإعجاب بالإسلام والرسول، والكتاب الذي أنزله الله عليه، وبعض شعراء أمته. ثم صدر كتاب ثالث في ذات الموضوع، عن سلسلة عالم المعرفة في فبراير سنة ألف وتسعمائة وخمس وتسعين، بعنوان:"جوته والعالم العربي"، بقلم الكاتبة الألمانية "كاترينا ممزل" وترجمة الدكتور عدنان عباس علي.

وتعرض الكتاب الأخير لاهتمام جوته بالثقافة العربية والإسلامية، وبما وضعه المستشرقون من دراسات عنها، واستيحائه بعضًا من عبارات الشعر الجاهلي، وموضوعاته وأساليبه الفنية، وبخاصة في المعلقات، التي أشاد بها في تعليقاته وبحوثه، وكذلك تأثره الغَلّاب بالقرآن الكريم، وروحانيته وعقائده، وبخاصة عقيدة التوحيد، والقضاء والقدر، وإسلام النفس لمشيئة الله، ونفوره من عقيدة الصلب والفداء النصرانية جراء ذلك، وترديده أسماء الله الحسنى في الديوان الشرقي، وإعجابه بالشاعر المسلم حافظ الشيرازي.

وتقول الكاتبة: إنّ عَلاقة جوته بالإسلام وبنبيه محمد، ظاهرة من أكثر الظواهر مدعاة للدهشة في حياة الشاعر، فكل الشواهد تدل على أنه كان في أعماق

ص: 275

وجدانه شديد الاهتمام بالإسلام، وأن معرفته بالقرآن الكريم كانت بعد معرفته بالكتاب المقدس، أوثق من معرفته بأي كتاب من كتب الديانات الأخرى.

ولم يقتصر اهتمامه بالإسلام، وتعاطفه معه على مرحلة معينة من حياته، بل كان ظاهرة تميزت بها كل مراحل عمره الطويل؛ فقد نظمه وهو في الثالثة والعشرين من عمره، قصيدة رائعة أشاد فيها بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وحينما بلغ السبعين أعلن على الملأ أنه يعتزم أن يحتفل في خشوع بتلك الليلة المقدسة التي أنزل فيها القرآن على النبي.

وبين هاتين المرحلتين امتدت حياة طويلة، أعرَبَ الشّاعِرُ خِلالها بشتى الطرق، عن احترامه وإجلاله للإسلام، وهذا ما نجده قبل كل شيء في ذلك الكتاب، الذي يعد إلى جانب "فاوست" من أهم وصاياه الأدبية للأجيال، ونقصد به "الديوان الشرقي للمؤلف الغربي".

بل إن دهشتنا لتزداد عندما نقرأ العبارة التي كتبها في إعلانه عن صدور هذا الديوان، وقال فيها: إنه هو نفسه لا يكره أن يُقال عنه: إنه مسلم، وتتحدث الكاتبة عن التّحول الذي تم عن أيدي بعض كبار المفكرين في أوربا، في القرن التاسع عشر تجاه الإسلام؛ مِمّا كان من نتيجته تغير النظرة التقليدية العدائية نحوه إلى حد ما، وهو ما أثر على فكر جوته وشخصيته.

إلى جانب شعوره بأن عقائد الإسلام ومبادئه، تقترب من اقتناعاته الشخصية إلى حد بعيد؛ كالتوحيد المطلق، والإيمان بدور الرسل في اتصال البشرية بالسماء، ورفض المعجزات الخارقة، والاقتناع بأن الاعتقاد لا يكفي، بل لا بد أن يتخذ التدين الحق صورة البر والإحسان، فضلًا عن حث الفيلسوف "هيلدر" له على قراءة القرآن الكريم، الذي كان هذا الفيلسوف يجله إجلالًا كبيرًا. وهي القراءة التي كان من ثمراتها: احتكاك جوته بأسلوب القرآن، وإحساسه بجلاله وروعته، وإشادته به مرارًا.

ص: 276