الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس العشرون
(بعض الدراسات التطبيقية الخاصة بالتأثير والتأثر بين الأدب العربي والآداب العالمية)
بداية معرفة العرب بالشعر الإنجليزي بتأثر السياب بـ"شِلي
"
بعض الدراسات التطبيقية الخاصة بالتأثير والتأثر بين الأدب العربي والآداب العالمية.
كتب عدنان مكارم إن بداية معرفة العرب بالشعر الإنجليزي "بيرسي بيتس شيلي" تعود لعام ألف وتسعمائة وأربعة وأربعين، حين تقدم أحمد الصاوي للمطبعة بترجمة كتاب ملخص عن "شيلي" كتبه "أندريه موروا" وأنه قبل هذه الترجمة كانت تكتب عن "شيلي" بعض المقالات القصيرة التي لا تتجاوز الترجمة لحياته شاعرًا، إلا أن المعرفة الحقيقية لأعمال "شيلي" حصلت عندما ترجم لويس عوض مسرحية ("شيلي" برمثيوس طليقًا) في عام ألف وتسعمائة وسبعة وأربعين.
ويشير مكارم إلى المقدمة الطويلة التي صدر بها المترجم كتابه، والتي تحدث فيها عن فكر "شيلي" وأدبه التقدميين.
أما بالنسبة للسياب فقد أتى عدنان مكارم على ذكر رسالة بَعث بها السياب إلى أحد أصدقائه بتاريخ الحادي عشر من شهر يوليو، سنة ألف وتسعمائة وأربع وأربعين، كتب فيها: أنه أثناء قراءته بعض القصائد للشاعر "شيلي" في لغتها الأصلية، وصله كتاب الصاوي -السالف الذكر- مضيفًا أنه لا بد أن يكون السياب قد اطلع على بعض القصائد الرومانسية الأولى لهذا الشاعر، كما يتوقع أن تكون لقصيدة "شيلي"(الملكة ماب) الدور الكبير في ترسيخ نظرة السياب حول البِغاء، وهو ما أدى إلى أن نظم قصيدته المشهورة "المومس العمياء".
ثم مضى فأورد بعض الأبيات من تلك القصيدة مترجمةً إلى العربية؛ كي يتبين مدى تأثير "شيلي" عليها. يقول "شيلي" في الجزء الخامس من (الملكة ماب):
التجارة رسمت وسم الأنانية.
ميسم قوتها الذي يستعبد الجميع.
ذلك المعدن البراق الذهب.
أمام جبروته يسجد العظام الأذلاء.
والموسرون الضعفاء.
والمتكبرون البؤساء.
وكذلك فعل السياب في "المومس العمياء" فالبغاء مرض اجتماعي ينتج عن توزيع الثروة بين الناس:
المال شيطان المدينة.
لم يحظَ من هذا الرهان بغير أجساد مهينة.
فغصت في أعماقهن يعيد أغنية حزينة.
المال شيطان المدينة.
رب فاوست الجديد.
جارت على الأثمان وفرة ما لديه من العبيد.
ويستمر مكارم قائلًا: إن هذه العلاقة بين سوء توزيع الثروة والبغاء، قد استشفها السياب من حاشية كتبها "شيلي" على قصيدة (الملكة ماب) فيها حديث عن شغفنا بالمعادن الثمينة، وما يجره ذلك الشغف من انقسام الأمة إلى فقراء وأغنياء، وما ينشأ عن ذلك من ضرر اجتماعي، فالبغاء -مثلًا- نتيجة لنظام الزواج الخاضع لقوانين جائرة، قامت لتخدم المجتمع التجاري الذي يربط ما بين الرجل والمرأة بكونها س لعةً، وقد ذكر عدنان مكارم أن قصيدة "شيلي" "أنشودة للريح
الغربية" ODE TO THE WEST WIND " هي خير ما كتبه هذا الشاعر، وأن النقاد قد نظروا إليها دائمًا على أنها تمثل الرومانسية القوية بأجلى مظاهرها، وعدّوها بأبدع ما قيل من الشعر على مستوى العالم كله، واصفين إياها بأنها قصيدة القصائد، وترنيمة عالمنا الخاص.
إلا أنه برغم شمولية هذا القصيدة وعالميتها، هناك عدة عوامل يمكننا من خلالها مقارنتها بقصيدة السياب "أنشودة المطر".
وهذه العوامل هي:
أن موضوع القصيدتين هو موضوع واحد يرتكز إلى البعث الفكري للحضارة، والمقرون ببعث الطبيعة، وأن القصيدتين تنموان داخليًّا حسب حركة الأفكار والمشاعر المسيطرة عليهما، وأن الطبيعة في القصيدتين تشكل إطار الحياة المنفعلة، وتجري الحركة في الطبيعة وفي القصيدتين بشكل جدلي لا يدع المجال للتفريق بين هذه الثنائية، كما تربط القصيدتين خاصة أساسية يتحد فيها تجدد التاريخ الإنساني والوعي البشري عَبْر تجدد الطبيعة الخارجية، وأن غنى القصيدتين يعتمد على إبراز التفاؤل ضمن التشاؤم، والانتقال بصورة متناوبة لإبراز المغزى الشمولي للقصيدة: البعث الثورة.
وبالنسبة إلى بنية قصيدة "شيلي" يقول عدنان مكارم: إنها تتألف من خمسة مقاطع متداخلة:
في المقطع الأول: يخاطب الشاعر الريح الغربية:
محاكاة الطبيعة على دروب الرومانسيين.
وتبدو الطبيعة في هذا المقطع قاتمةً تجللها الألوان الشاحبة:
يا رياح البحر العاصفة.
يا نفس ينبعث من كيان الخريف.
أنت يا مَن تساوق أمام وجودك الخفي.
الأوراق المالية كأشباح تولي هاربة.
من ساحر صفراء وسوداء وشاحبة وحمراء محمومة.
جموع روعها الوباء أنت.
وأنه من خلال هذا الجو الشاحب، والطبيعة الحزينة، يبرز التفاؤل والأمل؛ ليعطي حقيقة الأشياء في الطبيعة.
إذًا يقدم الصورتين المتناظرتين للخريف: الحزن، وللربيع: التفاؤل، على أنهما منفصلتان، بل قدمهما على أنهما متداخلان وتؤلفان وجهين لحقيقة واحدة. ومن ثَم نستطيع أن نفهم ما يقصده الشاعر بالرياح الغربية، إنها رمز مستعار من الطبيعة لحركة الحياة الدائبة، بل هي دستور الحياة وجاذبيتها المستمرة:
حتى تجيء أختك اللاذة والدوية.
ريح الربيع وتنفخ في بوقها فوق الأرض الحالمة.
فتدفع البراعم الحلوة أسرابًا تغتذي في الهواء.
وتملأ السهل والتل بالعبير والألوان المحلية.
وفي المقطع الثاني: يقدم لنا ثنائية الطبيعة مرةً أخرى، ولكن بصورة أكثر عنفًا وقوةً، فالرياح أخذت شكل العاصفة التي تُشبه حركتها حركةَ شعر الراقصات اليونانيات وهن يرقصن في مهب العاصفة، وهنا يقدم "شيلي" أهم خاصة في القصيدة، وهي الذوبان في الطبيعة، واعتبار الإنسان جزءًا هامًّا فيها.
وفي المقطع الثالث: يقدم لنا الطبيعة البحرية، وقد هبت عليها الرياح فكشفت عن أستارها الدفينة في أعماقها؛ ليعكس لنا الأفكار الدفينة في أعماق البشر المنصهرين تمامًا في الحلم البحري.
وفي المقطع الرابع: تظهر صورة الإنسان المؤمن بالتغير، ورافع راية التحدي للطبيعة من أجل تغيرها داخليًّا:
آه ارفعيني مثل موجة أو ورقة أو سحابة.
هأنذَا أسقط على أشواك الحياة ويسيح دمي.
إن وطأة الحياة الثقيلة قد غلت وأحلت إنسانًا يشبهك أنت.
شرودًا سريعًا متكبرًا.
وفي المقطع الأخير: تأتي النتيجة، فالبذور التي زرعها "شيلي" تحت الأرض أنبتت عند قدوم الربيع وتفجرت حياة الأرض، وانطلقت البراعم الخضراء تفجر السهوب في ميلاد يوم جديد، فهو وإن جعل ثنائية الطبيعة الموتَ والحياةَ، وثنائيةَ الإنسان التشاؤم والتفاؤلَ مسيطرةً ومتناوبةً، قد غلب في النهاية نزعة الحياة على الموت في الطبيعة، ونصب نزعة التفاؤل على التشاؤم في الإنسان.
وهذه إحدى خصائص المدرسة الرومانسية الإنجليزية المفارقة بهذه خاصة للمدرسة الفرنسية "لامارتين" مثلًا:
انثر كالشرار والرماد مجمرة لا تخلو كلمات بين البشر.
وكوني في شفتي بوق النبوة للأرض الغافية.
أيتها الريح إذا أقبل الشتاء فهل سيتأخر الربيع طويلًا؟
وأخيرًا تمتزج لغة الطبيعة -الريح مع لغة الإنسان- وتقوم الريح بحمل أفكاره نحو بعث الوحي التاريخي.
و"أنشودة المطر" عند السياب تقوم على نفس هذه الركيزة، فالموت والحياة جدلية واضحة، ومن تداخلهما يبرز البعث الفكري للحضارة، ويقوم المطر بوصفه عنصرًا فعالًا في الطبيعة بمهمة الريح نفسها في قصيدة "شيلي":
أكاد أسمع النخيل يشرب المطر.
وأسمع القرى تئن.
والمهاجرين يسارعون بالمجاديف وبالقلوع.
عواصف الخليج والرعود منشدين: مطر مطر مطر!!
ويقول عدنان مكارم: إنه لما كانت رياح "شيلي" تحمل ثنائية الموت والبعث، فإن مطر السياب أيضًا له نفس الخاصة، فهو كالدم المُراق، كالجياع، كالحب، كالأطفال كالموتى، هو المطر. مقارنًا أن هذه الرمزية الثنائية للمطر لم يكتشفها "شيلي" أو السياب أو حتى "إليوت" الذي استعملها كعنصر رمزي في كل شعره، بل هي رمزية لا واعية وُجِدت في الشعر العربي القديم، وتم للجهلي اكتشافها عبر مراقبته لحركة الطبيعة المؤثرة في مجمل حياته، إذ المطر في الشعر الجاهلي مرتبط بالفرح والحزن كليهما، وأنه من ثَم يتداعَى مع معاني الحياة والموت في حالات كثيرة منه.
كذلك فالميلاد الجديد -ميلاد الربيع في قصيدة "شيلي"- هو نفسه عالم الغد الفتي عند السياب حسبما يؤكد عدنان مكارم، إلا أن "الأنا" الرومانسية الطافية على السطح في قصدية "شيلي" قد ذهبت في الجماعة عند السياب، وذلك بسبب المرحلة الواقعية التي كتب فيها "أنشودة المطر".
يقول "شيلي":
أيتها الثائرة.
ادفعي أفكاري الميتة في أرجاء الكون.
كما تدفعين الأوراق الذابلة.
لتعجلي بميلاد كون جديد.
ويقول السياب:
وكل دمعة من الجياع والعراة.
وكل قطرة تُراق من دم العبيد.
فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد.
أو حلمة توردت على فم الوليد.
في عالم الغد الفتي واهب الحياة.
أما بالنسبة للصور الجميلة التي زخرت بها قصيدة السياب، فيمكن رد جذورها إلى فهم "شيلي" لتركيبة الصورة التي تعتمد على المزج بين الحسي والمجرد بشفافية أسيرة، وبين الواقع والمثال، حتى لا يغدو الفصل بينهما أمرًا في غاية الصعوبة، وكذلك إلى أن صناعة الصورة تقوم على التقابل التناظري بين ما هو معنوي ومجرد من جهة، وبين ما هو حسي وواقعي من جهة أخرى.
ويأخذ الكاتب صورةً واحدةً من الصور المشهورة للسياب؛ لنرى مدى التطابق والتشابه في صناعة الصورة عند الشاعرين:
عيناك غابتَا نخيل ساعةَ السحر.
أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر.
عيناك حين تبسمان تورق الكروم.
وترقص الأضواء كالأقمار في نهر.
معقبًا: بأنه يريد أن يصور عين المرأة، وبالذات المرأة الحوراء، فاستعمل ظلالَ السحر لسواد العين عند انعكاسه على غابة النخيل، واستعمل أيضًا أشعة القمر وقد غاب إلا أقله عن الشرفة، وأن هذه اللفتة في الجمع بين ما هو معنوي وما هو حسي، لم تكن لتوجد في صور السياب إن لم يكن قد قرأ "شيلي" وتأثر به في معطيات صوره، وإن لم يمنع هذا في رأيه من أن السياب قد صور البيئة وتمثلها خيرَ تمثل في شعره، فصورة الخليج وصداه عنده تنم عن تقنية خارقة في توسيع الصورة وغناها:
أصيح بالخليج!!
يا خليج يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى.
فيرجع الصدى كأنه النشيج.
يا خليج!! يا واهب المحار والردى.
هذه هي صورة الخليج والإنسان، صراع بين قطبين، أحدهما يحتاج الآخر، أو أحدهما هو الآخر نفسه، ولكن الخليج الذي يمنح المحار هو الخليج نفسه الذي يمنح الردى، وحين يصرخ الإنسان بالخليج، لا يعود له سوى الصدى؛ صدى الأرواح الأسطورية والهياكل العظمية، صدى رجال كانوا في يوم ما، فغاب اللؤلؤ وبقي المحار والردى.
ويخلص الكاتب إلى أن "شيلي" قد أثَّر في السياب، سواء في سبات الطبيعة التي يتولد منها البعث، أو في امتزاج الإنسان بعناصر الطبيعة، أو في استعمال عناصر الطبيعة الواقعية وإضفائها على معنويات البشر، أو في كل هذه الأشياء مجتمعة.
هذا عن السياب وتأثره بـ"شيلي".