الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إنّ عُنصر المُوسيقى في الشعر هو من العناصر الجوهرية التي لا يكون الشعر شعرًا بدونها، وعبثًا يُحاول المسفسطون إيهامنا بأن الموسيقى ليست بذات أهمية، وأن الشعر يظل شعرًّا حتى في غيابها، وهي دعوى أشبه شيء بأن يقول قائل: إن البيتَ يَظَلُّ بيتًا حتى لو لم يكن له جدران أو سقف، أو الإنسان يَظلُّ إنسانًا حتى ولو لم يكن له رأس أو جزع.
وليست الموسيقى شيئًا مجتلبًا يُلصق بالقصيدة، بل هي جزء منصهر مع بقية أجزائها وتأثيرها تأثير خطيرٌ، إن الموسيقى تخلق للقصيدة جوًّا عجيبًا، يُعَبّد الطريق إلى قلوبنا تعبيدًا أمام ما تتضمنه المعاني وأخيلة وأحاسيس، ويضفي عليها سحرًا وفتنة.
والواقع أن شعرًا بدون وزن وقافية إنْ صَحّ تسميتُه في هذه الحالة شعرًا، وهو لا يَصِحُّ ولا يمكن أن يصح، هو كالأرض الجرداء مقارنة بالروض النضير، تصدح فيه الطيور ابتهاجًا بمقدم الربيع الجميل، وقد هب عليه النسيم العليل.
دعوى أصحاب شعر التفعيلة أن الشعر العربي شعر إنشادي
وثَمّ دعوة أخرى يقول أصحابها من ناظمي شعر التفعيلة: إن الشعر القديم كله شعر إنشادي؛ بمعنى إنه عالي النغم، مجلل على الدوام بغض الطرف عن المناسبة والسياق، والقائلون بذلك يقصدون الزراية عليه، إذ يهدفون إلى القول بأنه كان شعرًا خطابيًّا، يلقى في المحافل، ولم يُنظم ليقرأه الفرد بينه وبين نفسه.
لكنّ هذا غير صحيح، إذ أمامنا نصوص شعرية متنوعة لا حصر لها، بعضُها عالي النغم فعلًا كـ"معلقة عمرو ابن كلثوم" التي يتحدى فيها ملك الحيرة، ويتهدّده بعظائم الأهوال إن هو فكر في أن يقترب منهم، وليس هذا عيب فيها إذ السياق يتطلب النغم العالي المجلل؛ لأنه سياق حروب وصراعات وتهديدات
وقعقعات، وليس من المعقول أن يهمس الشاعر في مثل ذلك الأوان، وإلّا كان ذلك منه دربًا من الخبلِ والعجز عن تقدير الظروف، وما تتطلبه تلك الظروف؛ فضلًا عن أن صور الشاعر صور مفترعة مدهشة.
وبعض هذه النصوص فخر، وإن لم يكن فخرًا مقعقعًا؛ إذ هو فخر في ميدان الغرام لا في ميدان القتال، والفخرُ على كل حال لا يناسبه الهمس والنجوى، وهذا ملحوظ في أبيات "البهاء زهير" الرشيقة الأنيقة الرائقة الشائقة، التي يتغنى فيها بزعامته للمحبين. ومهما قلت فيها من ثناء وإشادة؛ فهي تستحقه وأكثر.
أما نصّا "البحتري" و"ابن الرومي" عن الربيع؛ فبهجة عارمة بمقدم فصل الحب والنجوى، وما يبثه في الوجود المستكن الهاجع من يقظة، ويسربله به من حيوية وحسن وتوثب.
وهناك أبيات "الحمى للمتنبي" وهي أبيات أثيانة منكسرة، وإن خالطت ذلك نَغمة من التهكم المتشائم، والاعتزاز المكتوم بالنفس والتعجب من مفارقات الوجود
…
إلخ.
والواقعُ أنّ أصْحَاب الدّعوى الإنشادية؛ إنما يهدفون بدعواهم إلى الغض من عبقرية الشعر العربي، تمهيدًا للقفز عليه وطعنه في مقتل، ولقد فعلوها وإن كان الشعر العربي الكريم الأصيل لم يمت ولن يموت، رغم كل الطعنات والبثور والتقيحات، التي أصابت جسده ووجهه وشوهت محياه الجميل، وأوصلته في شعر الطاعنين إلى طريق مسدود، بعد أن كان يكثر حيوية وعرامًا.
والحق أنّ اتهام الشعر العربي بأنه كله شعر محافل لا يعرف إلا النغمة العالية، هو اتهام باطل كله تدليس؛ فإنّ النّغمة العالية ليست سمة لشعرنا القديم بالإطلاق، بل لبَعض نصوصه ليس إلّا، إلا أن القوم ذوي غرض، والغرضُ مرضٌ كما يقولون.