الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثاني عشر
(أثر الأدب العربي في الآداب الإسلامية (2))
أثر الأدب العربي في الأدبي الفارسي
لقد حاكى الشعر الفارسي الشعرَ العربي الذي انفتح عليه شعراء الفارسية وأدباؤها بعد الإسلام بشكل عام في دروبه وقوالبه وأغراضه الشعرية، وحذا حذوه في عروضه وبديعه، وكان أكثر شعراء الفارسية في القرون الإسلامية الأولى ينظمون أشعارهم بالفارسية والعربية، وعرَف الشعر الفارسي لونًا من النظم يسمى "الغزل" وهو شيء يختلف عن الغزل في الشعر العربي؛ لأنه إذا كان هذا المصطلح في العربية يعني محادثة النساء والإفاضة بذكرهن، وينحصر موضوعه في الحب والوجد، فإن الغزل في العرف الشعري الفارسي ليس غرضًا من أغراض الشعر فحسب كما هو الحال في العربية، بل أضحى أيضًا لونًا من ألوان الشعر له ملامح خاصة، ومواصفات محددة.
فهو قطعة شعرية يتراوح عدد أبياتها بين خمسة وأربعة عشر، بغض النظر عن غرض تلك القطعة، وقد اعتاد شعراء الفارسية على نظم ثمانية أبيات أو تسعة في الغزل، فإذا تجاوز هذا المقدار كان ذلك أمرًا مذمومًا، ولا بد أن تنظم أبيات الغزل الفارسي على قافية واحدة، فضلًا عن مجيء صدر البيت الأول على نفس القافية، ومع هذا فقد ابتدع الشاعر "نيما" أسلوبًا جديدًا في الغزل الفارسي المعاصر، يتمثل في الخروج على نظام القافية والوزن الواحد، يسمى "الغزيل"، ويمكن تصنيف الغزل الفارسي إلى:
- "غزل وطني" وظهر في أشعار عارف القزويني وفروخي اليزدي وأبي القاسم اللاهوتي.
- و"غزل تقليدي" وهو الغزل الذي يعد استمرارًا لأسلوب الغزل القديم، ويقف في طليعته شهريار ورهي معيري.
- ثم "الغزل الجديد أو التصويري" ولم تتبلور ملامح هذا النوع من الغزل حتى الآن؛ لكثرة ما يطرأ عليه من تغييرات بفعل الحركة التجديدية الشعرية، ومن أشهر شعراء هذا الغزل حسين منزوي ومحمد ذكائي وولي الله دروديان.
ومما تأثر فيه الشعر الفارسي أيضًا بنظيره العربي "شكل القصيدة"، ومعروف أن القصيدة عند العرب هي أرقى النماذج الشعرية، ويعزو "جورج زيدان" ذلك إلى استعداد اللغة العربية لاحتضان هذا القالب، نظرًا لكثرة المترادفات في هذه اللغة مما يسهل عملية التقفية، وهي في الأدب الفارسي درب من دروب الشعر، لا يقل عدد أبياتها عن أربعة عشر بيتًا، وإن لم يكن هناك حد أقصى للعدد رغم أن من النقاد من لا يجيز الزيادة على مائة وعشرين بيتًا، ويشترط فيها: أن تكون على قافية واحدة ووزن واحد، مع ضرورة أن يكون وزن البيت الأول بنفس القافية.
وأغراض القصيدة الفارسية غير محدودة كما هو الوضع في الشعر العربي، إذ قد تكون في المدح والذم والهجاء، وقد تكون ذات مضمون فكري أو فلسفي، حتى لو كانت تبدأ بالغزل والنسيب ووصف الربيع، كما هو الحال في غالب الأحيان، وكما هو الحال أيضًا في الشعر العربي نرى أن طريقة الانتقال من الغزل إلى الموضوع الأصلي للقصيدة، وهو ما يدعى "بالتخلص" يتطلب براعة خاصة.
ونظرًا لأهمية ذلك الموضوع فقد أدرج حسن التخلص ضمن أصناف البديع، مثلما هو الشأن في البديع العربي، ويمكن أن نستشهد في هذا السياق بالشاعر "فروخي سيستاني" الذي تؤكد الدكتورة "عفاف زيدان" أنه قد تأثر كثيرًا ببعض شعراء العرب، وعلى رأسهم أبو نواس وأبو تمام، وتبرز الدكتورة "عفاف زيدان" أن المتخصصين في الثقافة الفارسية لم يجدوا حرجًا في تحويل مفاهيم البلاغة
العربية إلى لغتهم، كذلك فحين حاول الشعراء الفرس تكوين القصيدة الفارسية لم يجدوا أمامهم تراثًا من لغتهم يمكنهم الاسترشاد به، فاتجهوا نحو النثر والشعر العربيين، حتى إن الشعر الفارسي لينظم حتى الآن على أوزان الشعر العربي، وتضيف في كتابها (فروخي السيستاني، عصره وبيئته وشعره) أن التعصب القومي لم يمنع الفرس أن يأخذوا أشياء كثيرة عن الثقافة العربية، بحكم ضرورة نشأة الأدب الفارسي الوليد بجوار هذا الأدب العريق.
وتقول عن "السيستاني" الذي ولد عام 360 هـ وعاش نحو 69 عامًا: إن قارئ قصائده يُصاب بالدهشة، إذ لو حذفنا المسميات الفارسية من شعره لوجدنا أنفسنا أمام شعر عربي مترجم إلى الفارسية، وتدلل على ذلك بأبيات كثيرة من قصائده، فهو يصف ممدوحه بأنه أكرم من حاتم الطائي:
يا من أنت في المحافل
…
أكرم من مائة حاتم
كما يتخذ من "عنترة بن شداد" مثالًا للشجاعة:
مبارزون يحاربون بالسيف على قمة الجبل
…
ولكل واحد منهم مائة عبد مثل عنترة
ويقول لممدوحه: إنه رغم طول معلقة امرئ القيس، فإنها حين تقال في مدحه تصبح قصيرة مثل "قوافي المثنوي" لجلال الدين الرومي: إن الشعر الذي يكون أطولَ من شعر "قفا نبكي" إذا قيل في مدحه يكون قصيرًا، بل أقصر من قافية الشعر المثنوي.
وذلك في إشارة إلى مطلع "معلقة امرئ القيس" الذي يقول فيه:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
…
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
كما أخذ من أبي تمام فكرة مطلع "قصيدة عمورية":
السيف أصدق أنباء من الكتب
…
في حده الحد بين الجد واللعب
وضمنه بيتًا يقول فيه:
أيها الملك أيها السلطان
…
أيها الأمير لقد أبطلت البدع
وطمستها وأفنيتها
…
بسيفك المهند البتار
واقتبس أيضًا من النابغة الذبياني قوله:
فإنك شمس والملوك كواكب
…
إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
وصاغ ذلك على النحو التالي:
لقد قلت إنهم النجوم
…
والأمير يوسف مثل القمر
وأنا حينما أرى القمر
…
لا أعرف النجوم
وتنقل الكاتبة أبياتًا لسيستاني يبدو فيها شديد التأثر بأبي نواس كما في قول الأخير:
ولى الصيام وجاء الفطر بالفرح
…
وأبدت الكأس ألوانًا من المُلح
إذ يقول سيستاني:
لقد ولى الصيام أمس من خيمتنا وجاء
…
عيد الفطر السعيد بكأسه وشرابه
وفي بيت آخر يقول أبو نواس:
وإني بشهر الصوم إذ بان شامت
…
وإنك يا شوال لي لصديق
فيقول السيستاني:
يا رفاقي سأقول كلامًا صادقًا فاسمعوه
…
إن طبعي يرتاح لشهر شوال
كما يقول أيضًا عن شهر رمضان:
ماذا يحدث إذا ذهب
قل له .. اذهب وتبختر بدلال
فإن ذهابه قد أراح الجميع من العذاب
فإذا كانت وجوه الدنيا قد اصفرت من تعبه
فشكرًا لله؛ لأن الخمر صافية قد جعلت وجوهنا ناضرةً حمراءَ
ثم تعلق الباحثة قائلةً: إن بين الشاعرين شَبهًا كبيرًا، ولعل فروخي كان يعرف الكثير عن حياة نواسي ويعمد إلى تقليده، لقد كان الرجلان مسرفين في المجون، متهالكين على الخمر مشغوفين بوصفها، إلا أن فروخي أنقى من أبي نواس لفظًا وأعف لسانًا، وإن لم يعدل أبا نواس في خفة الروح وشدة المجون أو الاستهتار، وكذلك لم يكن على الرغم من مجونه واستهتاره كافرًا أو جاحدًا.
وكان البحتري قد بكَى إيوان كسرى ووصفه وصفًا رائعًا، فحذا حذوه الشاعر الإيراني " منوجهري " -أحد شعراء القرن الخامس الهجري- فوقف على الأطلال ثم تغزل في مطلع القصيدة، ثم انتهى إلى مدح أحد العظماء، وكذلك فعل الشاعر الإيراني "خاقاني أفضل الدين إبراهيم بن علي الشيرواني" -المتوفى نهاية القرن الثاني عشر الميلادي- إذ وصف هو أيضًا ذلك الإيوان.
ولدينا كذلك الحب العذري، وبخاصة قصة عشق "قيس بن الملوح لليلى العامرية" فهي من أعظم القصص في الأدبين العربي والفارسي في موضوع الحب والتدلل والحرمان، وإذا كانت قصة المجنون عند العرب تجسد أخبارًا مثيرةً تناقلها الناس، فقد لقيت لدى أدباء إيران رواجًا لا نظيرَ له، ثم اتخذت شكل العمل الأدبي المتكامل، بعدما كانت مجرد أخبار متفرقة تعبر عن الحرمان والعذاب، والمعاناة
والعشق. وكان فضل الريادة في هذا للشاعر الإيراني "نظامي الكنجوي" وهو من أهل القرن السادس الهجري، وقد نظم قصة "ليلى والمجنون" في 4700 بيت.
كذلك كان الحبُّ العذري منطلقًا إلى الحب الصوفي في الأدب الفارسي، وهو ما ظهر في صنيع نظامي، وهذا لا ينسينا أن الأدب الصوفي نفسه قد نشأ في الأدب العربي، وعني به الكتاب عنايةً فائقةً، ثم انتقل بعد ذلك إلى الأدب الفارسي، فعُني به الكتاب هناك، ثم انتقلت تلك العناية إلى الشعراء. وهكذا تطور الأمر في الأدب الفارسي حتى جاء وقت غلبت فيه التأليفات الصوفية الشعرية على النثرية في ذلك الأدب، في حين كان العكس في الأدب العربي، إذ ظلت الغلبة للمؤلفات الصوفية النثرية على المؤلفات الشعرية الصوفية.
ويعد الشاعر الإيراني جلال الدين الرومي محمد بن محمد البلخي، وهو من أهل القرن السابع الهجري، من أعظم شعراء التصوف الإسلامي. وقد حدثنا عند كلامه عن عشق المجنون عن "طريق السالكين" المملوءة بالمصاعب والدم، لينتهي أخيرًا إلى ذكر عدد من مقامات الصوفية في قصيدته "شكوى الناي"، فالناي لديه رمز للروح التي كانت في عالم الذَّر، فلمّا تجلى الله للروح سكنت الجسد.
وهذه الصيدة تقع في ثمانية عشر بيتًا افتتحها بالمثنوي، فقال ما ترجمته:
اسمع النايَ مُعْرِبًا عن شكاتِهْ
…
بعد أن بات نائيًا عن لِداتِهْ
وهكذا أدّى العشق العذري وما فيه من الحرمان، إلى إثارة خيال المتصوفة، وأوقد مخيلتهم فأبدعت أفكارًا شتى دخلت العِرفان الفارسي من الباب الواسع، على حسب ما جاء في كتاب الدكتور حسين جمعة (مرايا للالتقاء والارتقاء بين الأدبين العربي والفارسي).
وفي كتابها (المقدمة الطللية للعشر الفارسي، دراسة مقارنة مع القصيدة العربي) تقف الدكتورة "سميرة عبد الستار عاشور"، عند واحد من الموضوعات الجزئية، هو مقدمة القصيدة الفارسية التي تأثرت بنظيرتها العربية في شكلها العام، وفي أقسامها وخصائصها الفنية، لقد كانت قصائد المديح في الشعر الفارسي تُفتح بالغزل والتشبيب والوقوف على الأطلال، تمهيدًا لذكر الصبابة، ثم يعقب ذلك الانتقال من مطلع القصيدة الغزلي إلى ما يليه من المدح، ثم تُختتم القصيدة بالدعاء للممدوح.
أما عن موضوعات النسيب فتدور حول محنة الأيام، وشكوى الفراق، ووصف الدمن والأطلال، ونعت الرياح والأزهار وغير ذلك، كذلك لدينا مقدمات وصف الخمر التي شاعت منذ بداية الشعر الفارسي بعد الإسلام، كما هو الحال في مقدمات "الرودكي" المتوفى عام 329هـ والمتأثر في خمرياته بفن أبي نواس، وقد بلغ التأثير العربي مداه في هذا الجانب في شعر " منوجهري " الذي توفي سنة 432هـ والذي يعد رائد الوقوف على الأطلال في الشعر الفارسي، فأخذ الشعراء اللاحقون يذكرون الأطلال في شعرهم؛ تقليدًا له، وهناك من يرى أنه اختط تلك الطريقة كي يكون له تميز يبز به شعراء الفرس الكبار المعاصرين له كـ"عنصري" مثلًا، ومن هنا نراه يتغنى بوصف البوادي والصحارى، ويتأسف على الديار الخربة، بل إنه كان يتعمد سوقَ أسماء الشعراء العرب في قصائده، فضلًا عن الأمثال العربية والإشارات التاريخية الخاصة بالعرب، وكثير من الألفاظ والاصطلاحات المهجورة.
وتلاحظ الدكتورة "سميرة عاشور" أن جميع الشعراء الفرس الذين استعملوا المقدمة الطللية كانوا يجيدون العربية إلى درجة النظم بها أحيانًا كما كانوا يتباهون
بذلك، لكنها تضيف أن تلك المقدمة لم تلقَ قبولًا واسعًا عند الفرس، فلم ينظمها إلا عدد محدود من الشعراء على رأسهم "منوجهري".
أيّما يكن الأمر، فها هم أولئك الشعراء الفرس يقفون على الأطلال في مقدمات قصائدهم، معاكسين ما كان يدعو إليه في فترة من فترات حياته الشعرية الشاعر العباسي أبو نواس ذو الأصل الفارسي، إذ كان يسخر من ذلك التقليد، ومن أصحابه العرب، ومن أسلوب حياتهم البدوي، داعيًا إلى استبدال المقدمة الخمرية بتلك المقدمة؛ لأنها أنسب للعصر الجديد -كما كان يقول- ولا شك أن هذه مفارقة طريفة وعجيبة.
ومن شعر "منوجهري" الذي يبدأ بمقدمة طللية، نأخذ هذا الشاهد وهو من قصيدة له يمدح بها السلطان "مسعود الغزنوي":
ألا أيها الخيام اطوِ الخيمة
…
فإن دليل القافلة قد رحل عن المنزل
في البداية دق الطبال طبول الرحيل
…
ثم أخذ الحداة في شد المحمل
اقتربت صلاة المغرب وهذا
…
المساء أرى القمر مقابلًا للشمس
لكن القمر يصعد للأعالي بينما
…
تهبط الشمس خلف جبل بابل
كأنهما الميزان ذو الكفتين الذهبيتين
…
تميل إحدى كِفتيه عن الأخرى
ومن مقدمات "معزي النيشابوري" وهو من شعراء القرنين الخامس والسادس الهجريين، نلتقط هذه المقدمة:
أيها الحادي لا تنزل إلا في ديار محبوبي
…
لأنوح زمانًا على الربع والأطلال والدمن
وأملأ الربع بدم قلبي
…
فأصبغ به أرضَ الدمن
وأجعل الأطلال نهر جيحون من دمع عيني
…
إذ أرى خيمة الإيوان خاليةً من وجه الحبيب
والمرج مجهون من قده ممسوك اللدنة
…
مكان الكأس والدم رتعت حمر الوحش
وبدلًا من القيسار والناي والمِزمار
…
ارتفع نعيب الغربان
فكأن روحي قد هجرت جسدي
…
منذ هجرت سُعدَى خيمتها
وسنة حجرتها وولت
…
ليلى من مخدعها
لا يمكن المرور بلا معاناة بمنزل
…
حجري القلب عذب الشفاه فضي الظهر
ذلك البستان الذي كان
…
مقامًا للمحبوب مع الخلان
أصبح مرتعًا للذئاب والثعالب
…
ووطنًا لحُمر الوحش والعُقاب
حل السحاب محل القمر
…
والسم موضع السكر
والحجر مكان الجوهر
…
والشوك محل الياسمين
وإذا كنا نقرأ في كتاب ابن قتيبة (الشعر والشعراء) قولًا له: " سمعت بعض أهل الأدب يذكر أن مُقَصّدَ القصيد إنما ابتدأ فيه بذكر الديار والدمن والآثار، فبكَى وشَكا، وخاطب الرَّبْع، واستوقف الرفيق، ليجعل ذلك سببًا لذكر أهلها الظاعنين عنها، إذ كان نازلة العَمَد في الحلول والظغن على خلاف ما عليه نازلة المدر، لانتقالهم عن ماءٍ إلى ماءٍ، وانتجاعهم الكلأ، وتتبعهم مساقط الغيث حيث كان. ثم وصل ذلك بالنسيب، فشكَا شدةَ الوجد، وألم الفراق، وفرط الصبابة والشوق، ليميل نحوه القلوب، ويصرف إليه الوجوه، وليستدعي به إصغاء الأسماع إليه؛ لأن التشبيب قريبٌ من النفوس، لائطٌ بالقلوب، لما قد
جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل، وإلف النساء، فليس يكاد أحدٌ يخلو من أن يكون متعلقًا منه بسببٍ، وضاربًا فيه بسهمٍ، حلال أو حرامٍ.
فإذا علم أنه قد استوثق من الإصغاء إليه، والاستماع له، عَقَّبَ بإيجاب الحقوق، فرحل في شعره، وشكا النّصَبَ والسّهَرَ، وسُرَى الليل وحر الهجير، وإنضاء الراحلة والبعير، فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء، وذمَامَةَ التأميل، وقرر عنده ما ناله من المكاره في المسير، بدأ في المديح، فبعثه على المكأفاة، وهزَّه للسِّماح، وفَضَّله على الأشباه، وصَغَّر في قدْرِه الجزيل.
فالشاعر المجيد مَن سلك هذه الأسالب، وعَدلَ بيْنَ هذه الأقسام، فلم يجعل واحدًا منها أغلب على الشعر، ولم يُطِل فَيُمِل السامعين، ولم يَقْطَعْ وبالنفوس ظمآءٌ إلى المزيد. وليس لمتأخر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدمين في هذه الأقسام، فيقف على منزلٍ عامر، أو يبكيَ عند مُشَيَّدِ البنيان؛ لأن المتقدمين وقفوا على المنزل الداثر، والرسم العافي. أو يرحلا على حمارٍ أو بغلٍ ويصفهما؛ لأن المتقدمين رحلوا على الناقة والبعير، أو يرد على المياه العذاب الجواري؛ لأن المتقدمين وردوا على الأواجن الطوامي. أو يقطع إلى الممدوح منابت النرجس والآس والورد؛ لأن المتقدمين جروا على قطع منابت الشّيح والحَنْوَةِ والعَرارَة ".
إذا كنا نقرأ في كتاب ابن قتيبة ذلك، فإن شمس الدين محمد بن قيس الرزاي صاحب (المعجم في معايير أشعار العجم)، يسوق في كتابه هذا كلامًا يذكرنا بما جاء عند ابن قتيبة، إذ قال:
"ذكر جماعة من أهل البراعة، أن النسيب هو غزل يجب على الشاعر أن يجعل مقدمته فيه، وذلك لمَيل النفوس إلى الاستماع لأحوال المحبين، وغزل العاشقين، وعن طريقه يشوق الممدوح، ويحسه على حسن الاستماع له، فيجتذب حواسه،
ولا ينشغل بغيره، وبهذا يدرك مراده من قصيدته فتقع من الممدوح موقع القبول، وإن لم يلتزم الشعراء أصحاب المقدمات الطللية هنا وهناك بتفاصيل ما قاله ابن قتيبة التزامًا، بل كانوا يحومون في كثير من الأحيان حولها، مكتفين بالإتيان ببعض ما أشارت به".
وفي موضوع المقامة وتأثيرها على الأدب الفارسي نقف عند ما كتبه الدكتور "بديع محمد جمعة" في كتابه (دراسات في الأدب المقارن) الذي يتناول فيه ضمن ما يتناول طائفةً من قضايا الأدب المقارن المتعلقة بالأدبين العربي والفارسي، وهذه القضايا هي قصص المعراج بين (رسالة الطير) لأبي حامد الغزالي، و (منطق الطير) لفريد الدين العطار، و (قصص الحيوان) في الأدبين العربي والفارسي، وتأثر "لافونتين" الفرنسي بحكايات كليلة ودمنة، ثم أثر حكاياته بدورها على الأدبين المذكورين، والمقامات في الأدبين العربي والفارسي، و (ليلي والمجنون) بين الأدبين العربي والفارسي، وأخيرًا (تحرير المرأة) بين قاسم أمين والشاعرة الإيرانية "بيروين".
وسوف نقتصر هنا على الموضوع الثالث الخاص بالمقارنة بين الأدبين المذكورين في فن المقامات، ويبدأ الأستاذ الدكتور بتعريف فن المقامة محاولًا الرجوع بهذا الفن العربي الأصيل إلى أول من ابتدعه من المؤلفين العرب، والمقامة في مقاماتها الأولى: هي فن أدبي يقوم عادةً على حكاية من حكايات الشطارة والاستجداء، ذات بطل واحد، ينتقل من مكان لمكان، ومن موقف إلى آخر، مغيرًا هيئته في كل مرة، متخذًا الكُديةَ وسيلةً لكسب ما يقيم حياته إلى أن تنتهي الحكاية بانكشاف حقيقة حاله، وافتضاح أساليب مكره وخداعه، التي يلجأ إليها؛ لتحصيل مطعمه ومشربه.
كل ذلك في لغة بديعية مفعمة بالفكاهه والتهكم، والحرص على متانة الأسلوب، وإظهار البراعة اللغوية المتمثلة في سعة المعجم اللفظي، وكثرة التسجيع والجناس والتوازن والتوليات، وغير ذلك من ألوان المحسنات المعقدة، ولزوم ما لا يلزم، مع حلاوة التصوير، وإبراز بعض الأوضاع الاجتماعية، وتدبير المآزق للبطل، ثم إخراجه منها بذكاء ولودعية.
ثم نطور ذلك الفن ودخله التحويل في الموضوعات والأهداف فاتسع لكل شيء، حتى للوعظ الديني والتوجيهات الخلقية
…
إلخ، وبلغ من اتساع انتشار المقامات واهتمام الكتاب بها أن أحصى بعض الدارسين عدد الذين مارسوا تألفيها، فوجدهم تجاوزوا الثمانين مؤلفًا، بدأً من بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري، وانتهاء بنصيف اليزجي في القرن التاسع عشر الميلادي.
أما في الأدب الفارسي: فلم يمارسها إلا أديب واحد هو "القاضي حميد الدين" من أهل القرن السادس الهجري، الذي أقر بأنه ليس إلا تلميذًا من تلامذة بديع الزمان، فكفَى الباحثين بذلك مؤنة التدليل على أنه إنما استقاها من العربية وأدبها، وإن كان الدكتور جمعة قد استأنس رغم هذا بما قاله كل من "براون" المستشرق الإنجليزي و"كريم كشاورزي" الباحث الإيراني.
وإذ كان البطل في كل من المقامة الهمذانية والمقامات الحريرية شخصًا واحدًا لا يتغير هو "أبو فتح السكندري" عند بديع الزمان، و"أبو زيد السروجي" عند الحريري، وكذلك راوية كل منهما شخصًا واحدًا أيضًا، هو "عيسى بن هشام" في الأولى، و"الحارث بن همام" في الثانية، فإن البطل لدى القاضي "حميد الدين" يتغير في كل مقامة. أما الموضوع فيبقى ثابتًا دون تغيير كما هو الحال عند الهمذاني والحريري، حيث الكدية هي المحور في معظم مقامات الأول وكل مقامات الثاني.
وكما قامت المقامات في الأدب العربي على المحسنات البديعية، والإغراق فيها، والاستعانة بالألغاز، والحرص على إبراز سعة المعجم اللغوي، وبخاصة ما يكثر في لغة العرب من غريب الألفاظ، فكذلك حاول القاضي "حميد الدين" أيضًا الجري في نفس المدمار، وإن لم يكن للفارسية ذات الثراء الذي تتمتع به لغة القرآن حسبما ذكر المؤلف.
ومن مظاهر تأثير الحميدي بمقامات بديع الزمان كذلك: كثر استخدامه للألفاظ العربية، فضلًا عن الجمل والعبارت الكاملة المنقولة من لغة الضاض، حتى في المواضع التي لا يكون ثَم تداع لذلك من ضرب مثل أو سوق شاهد في أصله العربي، بل لقد قلد "الحميدي" تركيب اللغة العربية في كثير من الأحيان، فكان يأتي بالفعل في أول الكلام على عكس ما تقتضيه اللغة الفارسية التي يقع فعلها في آخر الجملة لا في بدايتها، فضلًا عن إيراده كثيرًا من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، والأشعار، والأمثال العربية كما هي، إضافةً إلى بعض الأشعار التي نظمها هو بلغة القرآن، ليس ذلك فقط بل إنه قد اقتصر في عدد من الحالات على إيراد بعض المقامات الهمذانية كما هي بعد ترجمتها إلى الفارسية، مع زيادة بعض الإضافات؛ بُغيةَ إظهار تفوقه وبراعته، مثلما هو الحال في "المقامة السقباجية" التي تقوم على "المقامة المضيرية" لدى الحريري، كذلك تتشابه المقامات هنا وهناك في العدد، إذ تبلغ كل منهما أربعًا وعشرين مقامةً. فهذه نقاط الاتفاق.
أما الاختلافات فتكمن في أن بطل مقامات "الحميدي" يختلف من مقامة إلى مقامة، كما أن راويها هو نفسه كاتبها، على حين أن بطل المقامات لدى الهمذاني واحد دائمًا، علاوة على أن راويها شخص غيره، كذلك في الوقت
الذي نجد فيه البديع الهمذاني يسمي معظم مقاماته بأسماء البلدان، فإن "الحميدي" لا يصنع شيئًا من هذا، بل يطلق على كل مقامة اسمًا مشتقًّا من الفكرة التي تعالجها تلك المقامة.
وإلى جانب ذلك، فإن في مقامات الأديب الفارسي كثيرًا من المناظرات كتلك التي قامت بين السني والملحد، والأخرى التي دارت بين الشيب والشباب، ثم إنه بسبب انتشار التصوف في إيران في الفترة التي عاش فيها القاضي "حميد الدين"، وجدناه يخلع على كثير من مقاماته خلعة صوفية، بتعبير المؤلف، كما في "المقامة السقباحية" التي تجري في إصر المقامة "المضيرية للهمذاني" إذ يوجد فيها أيضًا شيخ ومريدون.
وقد لمس الأستاذ الباحث مسألة جدًّا مهمة، وهي أن فن المقامات لم يكتب له الرواج والانتشار في الأدب الفارسي، ذلك أنه لم يكرر المحاولة أحد بعد "الحميدي"، وهو يعلل هذا بأن الفارسية فقيرة في الكلامات المترادفة والمتساجعة، بالقياس إلى لغة الضاض، ومن ثَم لا تصلح كثيرًا لكتابة المقامات التي تقوم أساسًا على السجع والمحسنات البديعية.
أما في مجال القصص فقد لاحظ بعض الباحثين أن الفرس في الحكايات التي نقلوها عن العرب، قد أضفوا عليها من الخرافات والأساطير ما حولها عن وضعها الحقيقي، ومن ذلك ما صنعوه مع قصة "كليب وائل" التي ألفوا على مناولها قصة "رستم وسهراب"، فواضح كما يقول الدكتور "خليل عبد المجيد أبو زيادة": إن قصة كليب قصة واقعية قد حدثت فعلًا في الجاهلية، وإن زخرفها خيال المؤلفين اللاحقين، ذلك أن حياة الغرب قد نقلت لنا -حسب كلامه- من خلال تلك القصة فجاءت صحيحةً كما نعرفها، فهم قوم ذو أنفة وإباء، يرفضون الظلم ويحاربونه أينما كان، ولا يخشون إلا الحق، فهذا "جَساس" لم