الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم مضى يذكر أهم تلك الأسس، ومنها: أنه ينبغي للأديب المتأثر البحث أثناء عملية الاختيار التي يقوم بها؛ بُغيةَ النهوض والتقدم عما يساعده في بلوغ هذا الهدف ويعصمه من التردي فيما يضيره، ومنه: الحفاظ على اللغة القومية، والخصائص العبقرية للأدب القومي، فلا يكون نقل الأدب القومي عن الآداب الأخرى تقليدًا أعمى، يمحو أصالته، ويربطه برباط التبعية والعبودية لتلك الآداب. وهو يرى أنه لا بد من التلاقح مع الآداب الأخرى؛ لأن أي أدب قومي لا يمكنه الاستقلال التام عن الآداب الأخرى، بل لا بد له من العطاء والأخذ، وإلا أصابه الركود والعطن.
وفي ذات الوقت نبه الدكتور هلال: إلى أنه ينبغي للأدباء والنقاد والقراء ألا يتطرفوا في أي من الاتجاهين؛ اتجاه الحرص المبالغ فيه على التقاليد، أو اتجاه التطرف والتمرد على كل قديم، ونحن نوافقه في هذا، وعلى أهل كل أدب أن يزنوا الأمور في هذه الحالة بميزان العقل المستقيم والذوق السليم، متسلحين بالثقة بالنفس، وسعة الأفق، والحرص على الذاتية، التي تميز الأدب القومي التمييز الذي يُفتخر به دون تعصب مطلق لكل ما فيه، حتى لو ثبت ضرره، وكذلك دون التعبد لما عند الآخرين لمجرد أنه غربي حتى لو ثبت أنه خالٍ من القيمة.
المثاقفه بين الآداب وبعضها
وهذا يجرنا إلى الحديث عن المثاقفة بين الآداب، أي: أَخْذ الثقافات والآداب بعضها عن بعض؛ بُغيةَ التجديد والتطوير والتحسين، ومعروف أنه لو بقي الماء في مكانه دون حركة ودون تجدد لصار راكدًا تعافه الناس بل ضارًّا يؤذي.
وهذه المثاقفه من شأنها أن توسع الأفق، إذ ترينا كيف أن الأذواق والأوضاع والقيم الأدبية تختلف من أدب إلى آخر، ومن أمة إلى أخرى، رغم أن هناك أشياء
مشتركة كثيرة أيضًا، وهذا الاختلاف دليل على ثراء الحياة وعلى غنى القدرة الإلهية المبدعة التي لا تنفد، ولا يعجزها شيء في الأرض ولا في السماء، وفي القرآن الكريم آية تقول:{وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} (هود: 118، 119) وهذه الآية وإن كانت تتعلق بالأديان واختلافها واختلاف الناس بشأنها، من الممكن الاستشهاد بها هنا، فالاختلاف بين البشر لا يقتصر على الأديان، بل يشمل كل شيء يتعلق بهم، إنه سنة بشرية مثلما التشابه في بعض الجوانب سنة بشرية أخرى.
ولا شك أن اطلاعنا على ما عند غيرنا وتحققنا من أنه يختلف كثيرًا أو قليلًا عما عندنا، جدير أن يعمق فهمنا للحياة والأحياء، ويوسع مداركنا ويجعلنا نتقبل الآخرين، ونتفهم حقيقة اختلافهم عنا، فنكون أرحب صدرًا وأقدر على التسامح مع تمسكنا بما لدينا في ذات الوقت، وإلا تحول الأدب المقارن نقمةً وأذًى إذا كانت ثمرته تمييع مواقفنا، والانتهاء بنا إلى العجز عن اتخاذ موقف ثابت نابع من إيمان حقيقي بفائدة ما في أيدينا وصحته وأحقيته.
لنأخذ على سبيل المثال ما كتبه رفاعة الطهطاوي أبو المقارنين العرب في العصر الحديث، في موضوع المقارنة بين الأدبين العربي والفرنسي في كتابه (تخليص الإبريز في تلخيص باريس) الذي كتبه وهو في فرنسا في النصف الأخير من ثاني عقود القرن التاسع عشر، وهو الوقت الذي أنشئ فيه أول كورسي الأدب المقارن في فرنسا، ولم يكن قد مر على وصول رفاعة إلى باريس إلا عامان. وهو كتاب عجيب لا يمكن تجاهله أبدًا إذا ما أردنا الكلام عن بدايات عصر النهضة في مصر، إذ يبدو وكأنه يحتوي على كل شيء يتعلق بذلك العصر.
المهم أن كاتبنا قد خصص بضع صفحات من ذلك الكتاب على درجة عالية من القيمة في المقارنة بين اللغتين الفرنسية والعربية، وبين أدبيهما، ففي عدة مواضع
من ذلك الكتاب نراه يعقد مقارنةً بين لغتنا وبين لغة الفرنسيس، وبلاغتنا وبلاغة الفرنسيس، فيقول مثلًا: إن لكل لغة قواعد خاصة مِن تنظيم استعمالها والتفاهم بها، وأنه إذا كان لأقسام الكلمة في لساننا ثلاثة هي الاسم والفعل والحرف، فإنها في الفرنسية هذه الثلاثة المذكورة، مضافًا إليها الضمير، وحرف التعريف، والنعت، واسم الفعل واسم المفعول، والظرف، وحروف الجر، وحروف الربط، وحروف النداء، والتعجب، ونحوه، وإن الكلمة قد تكون حرف جر في موضع، وظرفًا هي نفسها في موضع آخر؛ لأنها إذا جاء بعدها اسم كانت حرفًا، بخلاف ما لو استقلت بنفسها فإنها تكون حينئذٍ ظرفًا.
ومما قارن به بين اللسانين والبلاغتين أيضًا قوله: إنهم في فرنسا لا يعرفون نَظْم العلوم كما هو الحال عندنا في (الألفية) مثلًا، وهذا راجع إلى اتساع العربية، وضيق المجال في لغة الفرنسيين.
وبالمثل تكلم عن الفرق بين العَروض العربية ونظيره الفرنسي، قائلًا: إن لكل لغة عروضها الخاص بها، وإن النثر الفرنسي لا يعرف التقفية، أي: أنهم لا يلجئون إلى السجع، بخلاف الحال عندنا حيث استخدموا السجع في الرثاء والخطب والتاريخ، وما إلى ذلك، حسبما يقول.
كما أن المؤلفين الفرنسيين يهتمون بالتدقيق في ألفاظهم وعباراتهم، ويعملون على أن يجيء ما يكتبونه واضحًا لا يحوج إلى معاناة في الفهم والتعلم، ولا إلى ما كان يسمى عندنا بفك الألفاظ، ومن ثم فليس للكتب الفرنسية شروح ولا حواش، اللهم إلا إذا استلزم الأمر بعض التعليقات السريعة بمزيد من الضبط والإتقان.
وعلى نفس المنوال يمضي رفاعة مقارنًا بين البلاغة لدينا وبين البلاغة لدى الفرنسيين، فيقول: إن هذا الفن موجود في كل اللغات، ومنها الفرنسية بطبيعة الحال، بيد أنه في لغتنا أكمل منه في لغة الفرنسيين، كما أن علم البديع يوشك أن يكون خاصًّا بالعربية. وهو في هذه النقطة يختلف مع تلك الطائفة من الكتاب العرب القدماء ممن قالوا بخلو اللغات الأخرى من التشبيهات والاستعارات والمجاز، وما إلى ذلك. ويضيف الطهطاوي قائلًا: إن من الصور البيانية ما تستحسنه الأذواق في كل اللغات، ومنها ما يستحسنه بعض منها دون بعض، مثال ذلك: تشبيهنا الرجل الشجاع بالأسد، فهو تشبيه مقبول ومستحسن من الجميع، بخلاف كلام الشعراء العرب عن ريق الحبيبة، إذ لا يفهم الرجل الفرنسي ويعجز عن تذوقه، قائلًا: إنه بُصاق، والبصاق يبعث على النفور لا التلذذ.
وبالنسبة للشعر الفرنسي يقول رفاعة: إنه يجري على عادة الجاهلية اليونانية التي تعرف لكل معنًى من المعاني ولكل شعور من المشاعر إلهًا خاصًّا، فتراهم يقولون: إله الجمال، وإله العشق، وهذا كفر كما صرَّح، وإن أضاف أنهم لا يعتقدون في شيء من هذا، بل هو مجرد تمثيل، وهو يحكم على الأشعار الفرنسية بأن الكثير منها لا بأس بها، ولا ريب أن هذا حكم جريء يستغربه الأديب العربي الحالي الذي قد يرى أن الآداب الأوربية أرقى من الآداب العربية، أما رفاعة فرغم إعجابه بجوانب كثيرة من مدنية الفرنسيين، كان يرى أننا متفوقون عليهم في أمور الدين والاعتقاد، وكذلك في ميدان الشعر والبلاغة.
ومن الطريف قوله عن ترجمته لإحدى القصائد من الفرنسية للعربية: أخرجتُها من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام. ثم تعقيبه على جهده في ذلك بقوله: إن
الترجمة تذهب بحسن الأصل الأدبي في أية لغة، يستوي في ذلك أن تكون القصيدة منقولةً من الفرنسية بلغتنا أو العكس.
هذا، وقد تكررت الإشارة إلى حرص الغرب على نشر ثقافته وآدابه في العالم على حساب الثقافات والآداب الأخرى، وهو ما يسمى بالاختراق الحضاري، أي: العمل على غزو الشعوب الأخرى غزوًا ثقافيًّا وأدبيًّا، وطبعها بطابع غربي؛ كي يسهل انقيادها وشعورها بأنها تابعة للغرب، فلا تبدي مقاومةً لمخططات في إخضاعها سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا، ومن ثَم لا يحتاج إلى جيوش يجيشها، وأموال ينفقها، وجنود وضباط تزهق أرواحهم في المواجهة بين المقاومة الوطنية وجيوش احتلاله.
وقد سبق أني استشهدت بقول الدكتور حسام الدين الخطيب: إنه ينبغي الاعتراف بأن الذي تغير اليوم هو الوعي العالمي العام، بأن النموذج الغربي متفوق حقًّا في مختلف مجالات الثقافة والعلم، والإنتاج والقوة المادية، والاتصال، وغزو الفضاء، ولكن له مشكلاته ونقائصه وتناقضاته، ولا سيما بين المثل الأعلى المعلن والمثل غير الأعلى للهيمنة والسيطرة والاستيلاب، ولذلك ينبغي أن يكون الموقف منه حذرًا وانتقائيًّا وغيرَ مبني على الانبهار والتسليم الأعمى، كما أن هناك شيئًا آخر مهمًّا قد تغير في مجال المقارنة مع المركزية الأوربية، وهو الاعتراف الضمني أو الصريح بعظمة حضارات العالم القديم في إفريقيا وآسيا، والتسليم بما قدمته هذه الحضارات، ومنها الحضارة العربية الإسلامية من إسهام مباشر أو غير مباشر في مسيرة الحضارة الإنسانية.
وهنا أيضًا يقتضي الإنصاف منا الإشارة إلى أن عددًا لا يُستهان به من مثقفي الغرب وعلمائهم وأدبائه، أسهموا في دعم هذه الفكرة ونشرها، وإلى جانبها