المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الأول: الخطاب إن اقتضى الوجود ومنع النقيض فوجوب - الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي - جـ ٢

[تاج الدين ابن السبكي - تقي الدين السبكي]

فهرس الكتاب

- ‌(قال المصنف رحمه الله

- ‌البحث الثاني: في تعريف معنى أصول الفقه اللقبي:

- ‌البحث الثالث: في الفرق بين المعاني الثلاثة وتعريفاتها، وما بينها من النسب

- ‌الوجه الثاني من الكلام على التعريف: الباء في قوله: (بالأحكام)

- ‌الوجه الثالث: قوله: "بالأحكام

- ‌الوجه الرابع قوله: "الشرعية

- ‌الوجه الخامس قوله: "العملية

- ‌الوجه السادس: قوله: "المكتسب من أدلتها

- ‌الوجه السابع: قوله: "التفصيلية

- ‌مقدمة

- ‌(الباب الأول: في الحكم. وفيه فصول:

- ‌الفصل الأول: في تعريفه

- ‌(الفصل الثاني: في تقسيمه

- ‌الأول: الخطاب إن اقتضى الوجود ومنَع النقيض فوجوب

- ‌(الثاني: ما نُهِي عنه شرعًا فقبيح، وإلا فحسن، كالواجب، والمندوب، والمباح، وفِعْلِ غير المكلف)

- ‌(الثالث: قيل: الحكم إما سبب، وإما مسبب

- ‌(الرابع: الصحة: استتباع الغاية

- ‌(الخامس: العبادة إنْ وقعت في وقتها المعيَّن

- ‌(السادس: الحكم إنْ ثبت على خلاف الدليل لعذر فرخصة

- ‌(الفصل الثالث: في أحكامه.وفيه مسائل:

- ‌الأولى: الوجوب قد يتعلق بمعَيَّن، وقد يتعلق بمُبْهم من أمور معينة، كخصال الكفارة، ونَصْب أحد المُسْتَعِدِّينَ للإمامة

- ‌(الثانية: الوجوب إنْ تَعَلَّق بوقت: فإما أنْ يُساويَ الفعلَ كصوم رمضان وهو المضيَّق

- ‌(الثالثة: الوجوب إنْ تناول كلَّ واحد كالصلوات الخمس

- ‌(الرابعة: وجوب الشيء مطلقًا يُوجِب وجوبَ(6)ما لا يتم إلا به وكان مقدورا)

- ‌(الخامسة: وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه

- ‌(السادسة: الوجوب إذا نُسخَ بقي الجواز خلافًا للغزالي

- ‌(السابعة: الواجب لا يجوز تركه. قال الكعبي: فعل المباح ترك الحرام وهو واجب. قلنا: لا بل به يحصل)

- ‌(الباب الثاني: فيما لا بد للحكم منه. وهو الحاكم، والمحكوم عليه، وبه

- ‌(فرعان على التَّنَزُّل:

- ‌ الأول: شكر المنعم ليس بواجب عقلًا

- ‌ حكم الأشياء قبل ورود الشرع

- ‌(الفصل الثاني: في المحكوم عليه.وفيه مسائل:

- ‌الأولى: يجوز الحكم على المعدوم:

- ‌فائدة:

- ‌تنبيه:

- ‌ امتناعَ تكليفِ الغافلِ

- ‌(الثالثة: الإكراه الملجئ يمنع التكليف؛ لزوال القدرة)

- ‌(الرابعة: التكليف يتوجه حال المباشرة. وقالت المعتزلة: بل(2)قبلها)

- ‌(الفصل الثالث: في المحكوم به.وفيه مسائل:

- ‌الأولى: التكليف بالمحال جائز

- ‌فائدة:

- ‌فائدة:

- ‌(الثانية: الكافر مُكلَّف بالفروع خلافًا للحنفية(2)، وفرَّق قوم بين الأمر والنهي)

- ‌خاتمة

- ‌(الثالثة: امتثال الأمر يُوجب الإجزاء؛ لأنه إن بقي متعلقًا(1)به فيكون أمرًا بتحصيل الحاصل

الفصل: ‌الأول: الخطاب إن اقتضى الوجود ومنع النقيض فوجوب

‌(الفصل الثاني: في تقسيمه

.

‌الأول: الخطاب إن اقتضى الوجود ومنَع النقيض فوجوب

، وإن لم يمنع فندب، وإن اقتضى الترك ومنع النقيض فحرمة، وإلا فكراهة، وإنْ خَيَّر فإباحة).

لما فرغ من تعريف الحكم الشرعي - شرع في تقسيمه، وحذف قوله: وهو من وجوه، لدلالة الكلام عليه

(1)

.

والألف واللام في "الخطاب" للمعهود السابق في حد الحكم، وهذا التقسيم بحسب ذات الحكم.

والاقتضاء: هو الطلب. وقابل المصنف الموجودَ بالترك، ولو جعل موضع الوجود الفعل، أو موضع الترك العدم - لكان أحسن من حيث اللفظُ، وأما المعنى ففيه تَسَمُّح على التقديرين؛ لأنَّ الترك فعل وجودي، فلا يكون قسيما

(2)

لا للفعل ولا للوجود

(3)

، ولذلك قال غيره: المطلوب إما فعل غير كَفٍّ، وإما كفٌّ، وهذا بحسب حقيقة الفعل عقلا

(4)

.

(1)

يعني: لم يقل البيضاوي: الفصل الثاني: في تقسيمه، وهو من وجوه؛ لأن عبارة: وهو من وجوه، يدل الكلام عليها، فاستغنى بذلك عن ذكرها.

(2)

في (ص): "تقسيما". وهو خطأ.

(3)

يقصد أنَّه من حيث المعنى هناك تسمح، أي: احتياج إلى التأويل؛ لأنَّه لما كان الترك فعلًا وجوديًا، فكيف يكون قسيما للفعل أو الوجود وهو مركَّب منهما، يعني: كيف يكون قسيما لجزئيه أو لبعضه! هذا لا يكون.

(4)

أي: وهذا التقسيم للفعل إلى كف وغير كف بحسب حقيقة الفعل عقلًا.

ص: 139

وأهل العرف يقابلون بين الفعل والترك المطقَيْن

(1)

، والأولى

(2)

اعتماده في هذا التقسيم، وعدم التقييد بكونه كَفًّا أو غير كف.

وقوله: "فوجوبٌ" - صوابه: فإيجاب، فإنه الحكم، والوجوب أثره. تقول: أوجبه الله إيجابًا، فوجب وجوبًا

(3)

.

وكذلك قوله: "حُرمةٌ" - صوابُه: تحريمٌ

(4)

. ووجه الحصر بَيِّنٌ

(5)

.

(1)

أي: غير المقيَّدين بكفٍ أو غير كف.

(2)

في (ت): "فالأولى".

(3)

فوجب فعل متأثر بأوجب، فكذا مصدره وجوبًا، ولذلك قال الإسنوي في نهاية السول 1/ 72: لكن تعبير المصنف بالوجوب والحرمة لا يستقيم، بل الصواب الإيجاب والتحريم؛ لأن الحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى كما تقدم، والخطاب إنما يصدق على الإيجاب والتحريم، لا على الوجوب والحرمة؛ لأنهما مصدرا وجب، والإيجاب والتحريم مصدران لأوجب وحَرَّمَ بتشديد الراء، فمدلول: خاطبنا الله تعالى بالصلاة مثلًا - هو أوجبها علينا، وليس مدلوله وَجَبت، نعم إذا أوجبها فقد وجبت وجوبا. ولبعض الأصوليين نقاش في هذا، انظره في: شرح العضد على ابن الحاجب 1/ 225، مع حاشية السعد والجرجاني، وحاشية البناني على شرح المحلي لجمع الجوامع 1/ 80.

(4)

تعبير المحصول 1 / ق 1/ 113، والتحصيل 1/ 172: بالإيجاب والتحريم. وتعبير الحاصل 1/ 236: بالوجوب والحرمة. والمصنف البيضاوي تبعه في هذا.

(5)

يعني: وجه حصر الأحكام التكليفية في هذه الأقسام الخمسة واضح جلي.

وانظر تقسيم الحكم التكليفي في: المحصول 1/ ق 1/ 113، نهاية السول 1/ 71، شرح تنقيح الفصول ص 70، شرح الكوكب المنير 1/ 340، الإحكام للآمدي =

ص: 140

(ويُرسم الواجب بأنه: الذي يذم شرعًا تاركه قصدًا مطلقًا).

لما ذَكَر الإيجاب والندب والتحريم والكراهة والإباحة في التقسيم المذكور - بأن به ماهية كلِّ واحد منها.

فالإيجاب: طلب الفعل المانع من النقيض.

(والندب: طلب الفعل غير المانع من النقيض)

(1)

(والتحريم: طلب الترك المانع من النقيض.

والكراهة: طلب الترك غير المانع من النقيض)

(2)

.

والإباحة: هي التخيير بين الفعل والترك.

ولك أن تجعل مكان: "المانع من النقيض" الجازم، في جميع المواضع، فهما مترادفان

(3)

.

والأفعال التي هي مُتَعَلَّق هذه الأحكام هي: الواجب، والمندوب، والحرام، والمكروه، والمباح - تظهر ماهياتها بذلك أيضًا

(4)

، فيقال:

الواجب: المطلوب الفعلَ طلبًا جازمًا.

والمندوب: المطلوب الفعل طلبًا غير جازم.

= 1/ 137، إرشاد الفحول ص 6، شرح العضد على ابن الحاجب 1/ 225.

(1)

سقطت من (ص).

(2)

سقطت من (ت).

(3)

يعني: كلمة: الجازم، وجملة: المانع من النقيض، مترادفان.

(4)

يعني: الأفعال التي هي متعلِّقات الأحكام تظهر ماهياتها بكلمة جازم أيضًا.

ص: 141

والحرام: المطلوب الترك طلبًا جازمًا.

والمكروه: المطلوب الترك طلبًا غير جازم.

والمباح: المُخَيَّر فيه.

ولكنه ذكر لها رسوما

(1)

أخرى تظهر بها خصائصها

(2)

، وبدأ بالواجب

(3)

، وترك ذِكْر الجنس وهو الفعل

(4)

؛ لدلالة الكلام عليه، واكتفى بذكر الخواص.

(1)

الرسوم جمع رسم، وهو في اللغة: الأثر. المصباح المنير 1/ 243. وفي اصطلاح المناطقة ينقسم إلى قسمين:

رسم تام: وهو التعريف بالجنس القريب والخاصة. كقولنا: الإنسان حيوان ضاحك. ورسم ناقص: وهو التعريف بالخاصة فقط، أو بالخاصة مع الجنس البعيد. كقولنا: الإنسان: ضاحك. وقولنا: الإنسان: جسم ضاحك. فجسم جنس بعيد، وضاحك خاصة. انظر: شرح الباجوري على السلم ص 43، وشرح الدمنهوري على السلم ص 9، والتعريفات للجرجاني ص 98.

(2)

في (ص): "حقائقها". وهو خطأ؛ لأنَّ الحدود هى التي تظهر بها الحقائق، أما = الرسوم فتظهر بها الخصائص لا الحقائق. والمعنى: أنَّ المصنف بعد أن بَيَّن حدود الأحكام الخمسة، بأن بتلك الحدودِ حدودُ مُتَعَلَّقَاتُها وهي الأفعال، فَثَنَّى المصنف بعد ذكر الحدود بذكر الرسوم لتلك الأفعال.

(3)

أي: بدأ في تعريفاته بتعريف الواجب. ولم يذكر تعريفه في اللغة، وهو لغة: الساقط والثابت. قال في القاموس 1/ 136: "وجب يَجِب وَجْبةً سقط، والشمس وَجْبًا ووجُوبًا غابت، والعينُ غارت. . . والوَجْبَة السقطة مع الهُدَّة أو صوت الساقط". وفي اللسان 1/ 793: "وَجَب الشيء يَجِبُ وُجوبًا إذا ثبت ولَزِم". وانظر: شرح الكوكب 1/ 345، وبيان المختصر 1/ 333.

(4)

أي: ترك ذكر الجنس في تعريف الواجب، وهو كلمة: الفعل.

ص: 142

فقوله: "الذي" صفةٌ لمحذوف، أي: الفعل الذي، فالفعل جنس يشمل الخمسة، و"الذي يُذَمُّ تاركه"

(1)

: أخرج المندوب، والحرام، والمكروه، والمباح.

وعادة الأصوليين يقولون: الذي يُذَم: يُخْرج المندوب والمكروه والمباح، وتاركه: يُخْرج الحرام. وكان الباجي يشرحه كذلك، وأنا لا أختار هذا

(2)

؛ لأنَّ الذي يُذم وحده لا يصلح أن يكون فصلًا

(3)

، ألا ترى أنك لو قلتَ: الفعل: الذي يذم - لم يكن جنسًا للمحدود، ولا مفيدًا للمقصود

(4)

.

وقوله: "شرعًا" احتراز عن مذهب المعتزلة، فإن عندهم الذم بالعقل، فأشار بهذا إلى قاعدة الأشاعرة، وهي أنَّ الأحكام لا تثبت إلا بالشرع

(5)

،

(1)

هذه هي الخاصة الثانية في الرسم، وقد قدمها الشارح على الأولى، مع تنويهه بذلك في كلامه الآتي.

(2)

هذا الذي اختاره الشارح، اختاره الجاربردي؛ إذ قال في السراج الوهاج 1/ 104: أقول: قوله: "يذم الشرع تاركه" خرج به الندب، والحرمة، والكراهة، والإباحة.

(3)

هذا سهو من الشارح - رحمه الله تعالى -، والصواب: لا يصلح أن يكون خاصة. وهو ما سبق أنْ ذكره في الأسطر التي قبله.

(4)

يعني: أنك لو عَرَّفت الفعل بأنه: الذي يذم. فليس هذا جنسًا للمحدود؛ لأنَّ الذم أمر خارجي ليس ذاتيًا، وليس مفيدًا للمقصود؛ لأنَّه لا يدل على المعنى الذي يقصده المعرِّف، فهو لا يصلح أنْ يكون خاصة.

(5)

هذا يخالف ما قرره الشارح - رحمه الله تعالى - سابقًا في تعريف الفقه في قيد "الشرعية"، وأن هذا القيد ليس فيه تنبيه على مخالفة المعتزلة في هذا؛ إذ الحكم عندهم شرعي، وإنما العقل طريق إليه. =

ص: 143

وقَدَّم "شرعًا" على "تاركه" حتى يتبين أنَّ انتصابه عن يُذَمَّ

(1)

.

وقوله: "قصدًا" متعلِّق بتاركه، وهو قيد ليس في "المحصول"

(2)

، ولا في "الحاصل"

(3)

، وأراد به إدخال الواجب إذا تُرك سهوًا، فإنه لا يُذم، ولا يخرجه ذلك عن الوجوب، ولو لم يقل ذلك لكان الرسم مُطَّرِدًا غير منعكس

(4)

، لأنَّ ما لا يذم تاركه قد يكون واجبًا بأن يتركه سهوًا،

= ولعل الأولى بالشارح أنْ يقول ما قاله الطوفي في شرح تعريف الواجب: فقولنا: "ما ذم" أي: ما عيب، "شرعًا": أي احتراز مما عيب عقلًا أو عرفًا. وكثير من الأفعال يُذَم فاعله عرفًا لا شرعًا، فلا يكون واجبًا؛ لأن الاعتبار بالذم الشرعي. اهـ. انظر: شرح مختصر الطوفي 2/ 282. علمًا بأن عامة الأصوليين يقولون بقول الشارح هنا وهو أن قيد "شرعًا" احتراز عن مذهب المعتزلة، ولكن الاعتراض على الشارح في هذا؛ لأنَّه سبق أنّ قرر أنَّ قيد "الشرعية" في تعريف "الفقه" لا يقصد به الاحتراز عن مذهب المعتزلة. وأنكر على شمس الدين الأصفهاني قوله بذلك، مع أَنَّه قال به هنا، فكان هذا تناقضا.

وقد قال الجاربردي في شرح التعريف: "وإنما قال: "يذم شرعا"؛ لأنَّ العقل لا حكم له". انظر: السراج الوهاج 1/ 104، فكان فعل الجاربردي موافقًا للطوفي، وكلاهما في شرح تعريف الفقه عند قيد "الشرعية" لم يذكرا أنَّ المقصود به المعتزلة، بل الاحتراز عن الأحكام العقلية. انظر: شرح المختصر 2/ 118، والسراج الوهاج 1/ 81.

(1)

يعني: كلمة "شرعا" حال من الفعل يذم.

(2)

انظر: المحصول 1/ ق 1/ 117.

(3)

انظر: الحاصل 1/ 237.

(4)

يقصد السبكي بقوله: مطردًا، أي: مانعًا. وبقوله: غير منعكس، أي: غير جامع؛ بدليل أنَّه قال بعده: لأنَّ ما لا يذم تاركه قد يكون واجبًا بأن يتركه سهوا. فيكون الرسم بغير قيد: "قصدا" غير جامع؛ لأنَّه يَخْرج فردٌ من أفراده، وهو الواجب =

ص: 144

وإطلاق "تاركه" مع ما فيه من العموم المستفاد من الإضافة - يقتضي: أنَّ ما لا يذم (كلُّ تاركٍ له)

(1)

ليس بواجب؛ فَقَيَّد التارك بالقصد.

وكل قيد في الفصل يكثر به المحدود، بخلاف زيادة الفصول فإنه ينقص بها المحدود، وصار الرسم بهذا القيد مطردًا منعكسًا، أما اطراده فلأن كل ما يذم تاركه قصدًا واجب، وهذا صحيح. وكذا انعكاسه؛ لأنَّ ما لا يذم تاركه قصدًا

(2)

ليس بواجب.

فإن قلت: الساهي غير مكلَّف، فليس الفعل في حقه واجبًا، فلا يوصف بترك الواجب.

قلتُ: إما أن يكون بُني هذا على رأي الفقهاء، فإنهم يقولون: الصلاة واجبة على الساهي والنائم؛ ولذلك يجب القضاء

= المتروك سهوًا، الذي لا ذَمَّ في تركه.

قال العضد في شرح ابن الحاجب 1/ 71: ". . فالاطراد: هو أنَّه كلما وُجِد الحد وجد المحدود، فلا يدخل فيه شيء ليس من أفراد المحدود؛ فيكون مانعًا. والانعكاس: هو أنَّه كلما وُجِد المحدود وجد الحد. ويلزمه كلما انتفى الحد انتفى المحدود، فلا يخرج عنه شيء من أفراد المحدود، فيكون جامعًا".

قال في شرح الكوكب المنير 1/ 91 "وكون المانع تفسيرًا للمطرد، والجامع تفسيرًا للمنعكس هو الصحيح الذي عليه الأكثر". وانظر ما قاله الشنقيطي في آداب البحث والمناظرة ق 1/ 42، فهو تفصيل وتوضيح جيد.

وانظر أيضًا: كشف الأسرار للبخاري 1/ 21.

(1)

في (ت): "كل تاركه".

(2)

سقطت من (ص).

ص: 145

عليهما. وإما أنْ يُفرض فيمن سَهَى عن الصلاة بعد دخول وقتها ووجوبها عليه

(1)

، واستمر سهوه حتى خرج الوقت، فالوجوب قد تَحَقَّق وتحقق الترك، ولا معصية بسبب السهو، كمن مات في أثناء الوقت ولا يَعْصِي على الصحيح، فطريان

(2)

السهو (في أثناء الوقت)

(3)

كطريان الموت، وكذا إذا طرأ النوم عن غلبة، وإنما قَيَّدت بقولي: عن غلبة؛ لأنَّه إذا قصد النوم حيث يحتمل عنده أن يستيقظ قبل خروج الوقت، وأن لا يستيقظ، والاحتمالان على السواء، فإنه إذا نام يكون قد عرَّضها للفوات، فيظهر عصيانه، وهذا قلتُه تَفَقُّهًا

(4)

، ثم وجدتُه في فتاوي أبي عمرو بن الصلاح، واستدل بما جاء في الحديث في العِشَاء:"أَنَّه نهى عن النوم قبلها"

(5)

.

(1)

يعني: كان في أول الوقت متذكرًا للصلاة ثم سها عنها.

(2)

في (ك): "وطريان".

(3)

سقطت من (ت).

(4)

يعني: اجتهادًا من عندي، من غير أن أجده في كتب الفقه.

(5)

أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 333، من حديث أنس وأبي برزة الأسلمي رضي الله عنهما، وفي 2/ 280، من حديث أبي بردة وأنس رضي الله عنهما. وأخرجه أحمد في المسند 4/ 423، من حديث أبي برزة رضي الله عنه. وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير 11/ 96، عن ابن عباس رضي الله عنهما، رقم الحديث 11161. قال الهيثمي في المجمع 1/ 315:"رواه الطبراني في الكبير، وفيه أبو سعيد بن عود المكي، ولم أجد من ذكره".

وفي البخاري 1/ 208، في مواقيت الصلاة، باب ما يُكره من النوم قبل العشاء، حديث رقم 543، عن أبي برزة: "أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره النوم قبل =

ص: 146

وإنْ غلب على ظنه أنْ

(1)

يستيقظ قبل خروج الوقت - فالذي يظهر جواز النوم، ولا يَعْصي إذا استغرق به النوم على نُدُورٍ حتى خرج الوقت، ويُحْمَل الحديث على ما سوى هذه الصورة، أو على أَنَّه نَهْيُ تنزيه. وإنْ ظَنَّ أَنَّه لا يسقط حَرُم بلا إشكال مهما نام بعد الوقت.

أما إذا نام قبله فلا؛ لأنَّ التكليف لم يتعلق به، ودَعْ [مَنْ]

(2)

يَعْلم مِنْ عادته أَنَّه لا يستيقظ إلا بعد الوقت

(3)

؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا استيقظت فصلِّ"

(4)

.

= العشاء، والحديث بعدها". وحديث البخاري أخرجه الترمذي 1/ 312 - 313، في أبواب الصلاة، باب ما جاء في كراهية النوم قبل العشاء، رقم 168. قال الترمذي: "وقد كره أكثر أهل العلم النوم قبل صلاة العشاء، والحديث بعدها، ورخَّص في ذلك بعضهم. وقال عبد الله بن المبارك: أكثر الأحاديث على الكراهية. ورخَّص بعضهم في النوم قبل صلاة العشاء في رمضان". قال ابن حجر: "ومن نُقلت عنه الرخصة قيِّدت عنه في أكثر الروايات بما إذا كان له من يُوقظه، أو عرف من عادته أنه لا يستغرق وقت الاختيار بالنوم. وهذا جيد حيث قلنا: إن علة النهي خشية خروج الوقت. وحمل الطحاوي الرخصة على ما قبل دخول وقت العشاء، والكراهة على ما بعد دخوله". فتح الباري 2/ 49.

(1)

في (ك): "أنه".

(2)

لا بد من وضع هذه الكلمة ليستقيم المعنى. وهي موجودة في المطبوعة فقط 1/ 33.

(3)

يعني: واترك حال مَن يَعْلَم مِن عادته أنَّه لا يستيقظ إلا بعد الوقت، فلا تُقَيِّد بها؛ لأنَّ هذه الحالة شاذة نادرة، والشاذ النادر لا يُقَيَّد به.

(4)

هذا حديث أبي سعيد الخدري - رضى الله عنه - قال: "جاءت امرأةٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده فقالت: يا رسول الله إنَّ زوجي صفوان بن المعطِّل يضربني إذا =

ص: 147

فإن قلتَ: هل هذا القيد

(1)

الذي زاده المصنف لا بد منه، حتى يكون الحد بدونه فاسدا؟

قلتُ: يلتفت على شيء، وهو أنَّ عدم الفعل أعمُّ من تركه، فمن مات، أو نام غَلَبةً

(2)

أو قبل الوقت حتى خرج، يقال في حَقِّه: لم يُصلِّ، ولا يقال: ترك الصلاة. ومن اشتغل بضدها وهو ذاكرٌ لها فقد تركها قصدًا، ومَنْ نام عن اختيارٍ في أثناء الوقت، مع عِلْمه مِنْ عادته أنه لا يستيقظ - داخلٌ في ذلك.

وأما الساهي: وهو الذي اشتغل بضدها، قاصدًا لذلك الضد، ولم يخطر بباله الصلاة، فيقال: إنه لم يصل، وهل يقال: إنه تارك للصلاة؛

= صليت، ويُفطرني إذا صمت، ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس. قال: وصفوان عنده، قال فسأله عما قالت؟ فقال: يا رسول الله أما قولها يضربني إذا صليت فإنها تقرأ سورتين نهيتها عنهما وقلت: لو كانت سورة واحدةً لكفت الناس. وأما قولها: يفطرني إذا صمت - فإنها تنطلق فتصوم وأنا رجل شابٌّ فلا أصبر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذٍ: لا تصوم امرأةٌ إلا بإذن زوجها. وأما قولها: بأني لا أصلي حتى تطلعَ الشمس - فإنَّا أهلُ بيتٍ قد عُرِفَ لنا ذاك، لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس. قال فإذا استيقظت فصلِّ".

أخرج الحديث أحمد في المسند 3/ 80، والحاكم في المستدرك 1/ 436، في كتاب الصوم، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. والبيهقي في السنن الكبرى 4/ 303، في كتاب الصيام، باب المرأة لا تصوم تطوعًا وبعلها شاهدٌ إلا بإذنه. والطحاوي في مشكل الآثار 21/ 424.

(1)

أي: قيد "قصدا".

(2)

أي: غلبة النوم بعد دخول الوقت.

ص: 148

لأجل تلبسه بضدها مختارًا له، أو لا يقال ذلك؛ لعدم قَصْده لها، فأشبه مَنْ لا يُنسب إليه فِعْلٌ؟

هذا محل نظر، فإنْ أطلقنا عليه اسم التارك - فلا بد من القيد المذكور

(1)

، وإلا فلا حاجة إليه، وهو الأولى

(2)

؛ لأنَّ قولنا: الواجب ما يذم على تركه - معناه: على تركه حين كونه واجبًا.

والناسي حين نسيانه لم يكن الفعل واجبًا عليه، فَتَرْكُه الذي لم يُذَمَّ عليه والوجوبُ لم يجتمعا في زمن واحد، ولذلك إن القاضيَ أبو بكر

(3)

وغيره من الأئمة لم يذكروا هذا القيد.

وقوله: "مطلقًا"، متعلِّق أيضًا بتاركه، وهو قيد في الفصل

(4)

زائد في المحدود، كما أشرنا إليه من قبل، وأن مقتضاه الإدخال لا الإخراج

(5)

، وقَصَد به إدخال الواجب المُوَسَّع، والمخيَّر، وفرض الكفاية، فإنَّ كلًا منها قد يتركه قصدًا تركًا مقَيَّدًا ولا

(6)

يذم، كما إذا ترك الموسع في أول الوقت وفعله في آخره، وترك خصلة من خصال المخيَّر

(1)

يعني: إنْ أطلقنا اسم التارك على الساهي - فلا بد من قيد: "قصدًا" في تعريف الواجب.

(2)

يعني: وإن لم نطلق اسم التارك على الساهي؛ فلا حاجة إلى قيد: "قصدا" في تعريف الواجب، وهذا هو الأولى.

(3)

الصواب: أبا يكر. بدل أو عطف بيان

(4)

الصواب أن يقول: في الخاصة؛ لأنَّ هذا رسم، والرسم لا يُستعمل فيه الفصل.

(5)

أي: مقتضاه الانعكاس (جامع) لا الطرد (مانع).

(6)

في (ك): "فلا".

ص: 149

وفعل الأخرى، وترك فرض الكفاية وقام به غيره - لا يأثم في الصور الثلاث، وإنما يأثم في الموسع (إذا تركه في جميع الوقت، وفي المخيَّر إذا ترك جميع الخصال، وفي فرض الكفاية)

(1)

إذا ترك هو وغيره، فإنه يصح حينئذ إطلاق الترك عليه.

والنوع الرابع من أنواع الواجبات: وهو الواجب المُضَيَّق، إطلاق الترك صادق عليه، حيث تُرك بلا قيد

(2)

، فشمل كلامه الواجبات الأربعة، وهذا القيد وهو قوله:"مطلقا"، قاله صاحب "الحاصل"

(3)

، وحذف قول الأصحاب:"على بعض الوجوه"؛ لأنَّ به يُستغنَى عنه

(4)

، وهم يجعلون:"على بعض الوجوه" متعلِّقًا بيُذَمُّ، وفائدة هذا الرسم: أَنَّه إذا لم يَرِد من الشارع طلبٌ لفعل، ولكن ورد ذمه أو ذم فاعله

(5)

لأجله - استدللنا بذلك على وجوبه.

والذم معروف لغةً وعرفًا فلا حاجة إلى تفسيره

(6)

، والمعتزلة فسروه بأنه: قولٌ أو فعلٌ، أو تركُ قولٍ أو تركُ فعلٍ، (ينبئ عن إيضاع)

(7)

حال

(1)

سقطت من (ص).

(2)

في (ص): "فلا قيد".

(3)

انظر: الحاصل 1/ 237.

(4)

يعني: أنَّ المصنف البيضاوي - رحمه الله تعالى - حذف قول الأصحاب في تعريف الواجب: الذي يذم تاركه شرعًا قصدًا على بعض الوجوه. واستبدل بهذا القيد الأخير قيد: مطلقًا؛ لأنَّ بهذا القيد يُستغنى عن قيد: على بعض الوجوه.

(5)

مراده بفاعله: تاركه؛ لأنَّه فسر الترك - قبل ذلك - بالفعل الوجودي.

(6)

انظر: المصباح 1/ 225.

(7)

في (ص): "ينبني على إيضاح". وهو خطأ، والمعنى واضح: أنَّه ينبئ عن سقوط =

ص: 150

الفاعل.

ولأصحابنا معهم فيه مُشَاحَحَات متكلَّفة.

وأورد في "المحصول" أَنَّه يدخل في هذا التحديد السنة

(1)

؛ فإن الفقهاء قالوا: إن أهل محلةٍ لو

(2)

اتفقوا على ترك سنة الفجر بالإصرار - فإنهم يحاربون بالسلاح

(3)

وهذا الذي قاله في سنة الفجر لم أرَ مِنَ الفقهاء ولا من غيرهم مَنْ قاله غيره

(4)

، وإنما قالوه في الأذان والجماعة ونحوهما من الشعائر الظاهرة، ومع ذلك الصحيح عندهم إذا قلنا بسنيتها أنهم لا يقاتلون على تركها، خلافًا لأبي إسحاق المروزي.

ويجاب عن هذا القول

(5)

: بأن المقاتلة على ما يدل عليه ذلك من الاستهانة بالدين المحرمة، لا على ترك السنة

(6)

(7)

.

= حال الفاعل.

(1)

أي: يدخل في تحديد الواجب السنة.

(2)

في (ص): "إذا".

(3)

انظر: المحصول 1/ ق 1/ 119.

(4)

سقطت من (ت)، و (ك).

(5)

أي: قول أبي إسحاق المروزي بالمقاتلة على ترك الأذان والجماعة مع كونهما عنده سنتين.

(6)

أما إذا قلنا بكونهما من فروض الكفايات؛ فإنه يُقَاتل على تركهما قولًا واحدًا.

انظر: المجموع 3/ 80، نهاية المحتاج للرملي 1/ 384، تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي 1/ 460، الروض المربع مع حاشية ابن قاسم 1/ 432.

(7)

انظر تعريف الواجب في: المحصول 1/ ق 1/ 117، التحصيل 1/ 172، الحاصل 1/ 237، شرح الكوكب 1/ 345، المستصفى 1/ 211، فواتح الرحموت =

ص: 151

(ويرادفه الفرض، وقالت الحنفية: الفرض: ما ثبت بقطعي، والواجب: بظني).

قال أبو زيد الدبوسي

(1)

من الحنفية: الفرض: التقدير

(2)

، والوجوب: السقوط، فَخَصَّصْنا اسم الفرض بما عُرِف وجوبه بدليل قاطع؛ لأنَّه الذي يُعلم مِنْ حاله أنَّ الله قَدَّره علينا

(3)

، والذي عُرف وجوبه بدليل ظني نسميه بالواجب؛ لأنَّه ساقط علينا، ولا نسميه بالفرض؛ لأنا لا نعلم أنَّ الله قَدَّره.

قلنا: الفرض: المُقَدَّر، أعم مِنْ كونه عِلْما أو ظنا، والواجب: هو الساقط أعم من كونه عِلْمًا أو ظنًا، فتخصيص كلٍّ من اللفظين بأحد القسمين تَحَكُّمٌ، ولو قالوا: إن هذا مجرد اصطلاح لم

= 1/ 61، شرح العضد على ابن الحاجب 1/ 228، البرهان 1/ 308.

(1)

هو عبد الله - في بعض المصادر: عبيد الله - بن عمر بن عيسى الدَّبُوسيُّ الحنفي البخاريّ. ودَبُوسة: بليدة بين بخارى وسمرقند. كان ممن يضرب به المثل في النظر واستخراج الحجج والرأي، وهو أول مَنْ وضع علم الخلاف، وأبرزه إلى الوجود، وكان من أذكياء الأُمة. له كتاب "تقويم الأدلة"، وكتاب "الأسرار"، وكتاب "الأمد الأقصى". وغيرها. مات ببخارى سنة 430 هـ. انظر: الأنساب 2/ 454، وفيات 3/ 48، سير 17/ 521، الجواهر المضية 2/ 499.

(2)

انظر: المصباح المنير 2/ 123، وله في اللغة معانٍ أُخَرُ، قال في اللسان 7/ 202:"فرضتُ الشيءَ أفْرِضُه فَرْضًا وفرَّضتُه للتكثير: أوجبته". انظر: بقية المعاني في اللسان، وفي القاموس 2/ 339.

(3)

ولذلك عَرَّف السرخسي الفرض بقوله: "فالفرض: اسم لمقدَّرٍ شرعًا لا يحتمل الزيادة والنقصان". أصول السرخسي 1/ 110.

ص: 152

نشاحِحْهم، والنزاع فى موافقته للأوضاع اللغوية

(1)

، ثم زادوا وادعوا أنَّ الفرض والواجب مختلفان بالحقيقة، ولو سُلِّم لهم الاختلاف في الطريق - لم يلزم منه الاختلاف في الحقيقة

(2)

، وقصدهم (مِنْ هذا)

(3)

أنَّ الوتر واجب وليس بفرض

(4)

، وقراءة الفاتحة في الصلاة واجبة بالحديث، وأصل القراءة فرض بقوله

(5)

تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}

(6)

(7)

(8)

.

(1)

يعني: لو أنَّ الحنفية قالوا: إن هذا التفريق بين الفرض والواجب اصطلاح عندنا - لم نشاحِحْهم في هذا التفريق، ويبقى النزاع بيننا وبينهم في كونه هذا التفريق هل هو موافق للأوضاع اللغوية، أم غير موافق؟ .

(2)

يعني: لو سُلِّم للحنفية الاختلاف في طريق إثبات الفرض والواجب - لا يلزم منه اختلاف الحقيقة بين الفرض والواجب، بل ينبغي أن يقولوا بأن حقيقتهما واحدة، لكن الفارق بينهما أنَّ أحدهما ثابت الحقيقة قطعًا، والآخر ظنًا، وهذا الاختلاف من العَرَضيات لا من الذاتيات.

(3)

في (ت): "بهذا".

(4)

هو واجب عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، سنة عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى.

وإنما قال بالوجوب دون الفرضية؛ لأنَّه ثبت بأخبار الآحاد.

انظر: الهداية للمرغيناني 1/ 70، باب صلاة الوتر. وملتقى الأبحر للحلبي 1/ 111، باب الوتر والنوافل، تحقيق وهبي سليمان الألباني.

(5)

في (ك): "لقوله".

(6)

سورة المزمل: 20.

(7)

في (ص)، و (ك)، و (غ):"فاقرؤوا ما تيسر منه"، وكلا المقطعين في آية واحدة.

(8)

الفرض في القراءة عندهم ثلاث آيات قِصَار، أو آية طويلة، والواجب قراءة الفاتحة، أي: لا يلزم بتركها فساد الصلاة، وإنما يلزم الإثم إن كان عمدًا، وسجدتا السهو إن كان خطأ. انظر: ملتقى الأبحر 1/ 68 - 70، الهداية 1/ 49، فتح القدير 1/ 240.

ص: 153

ثم لم يستمروا على ذلك وجعلوا القَعْدة في الصلاة فرضًا

(1)

، ومسح رُبْعِ الرأس فرضًا

(2)

ولم يثبتا بقاطع.

وقد جاء في الحديث فريضة الصدقة

(3)

، يعني: النُّصُب والمقادير، ويلزم الحنفية أن لا يكون شيء من ذلك

(4)

فرضًا

(5)

، وألزمهم القاضي أن لا يكون شيءٌ مما ثبت وجوبه بالسنة كنيَّة الصلاة

(6)

، ودية الأصابع

(7)

، والعاقلة

(8)

- فرضًا

(9)

. وأن يكون الإشهاد (عند التبايع)

(10)

ونحوه من المندوبات الثابتة

(1)

أي: القعدة في آخر الصلاة مقدار التشهد فرض، وقراءة التشهد واجب. انظر: الهداية 1/ 49، ملتقى الأبحر 1/ 69، 71، فتح القدير 1/ 240.

(2)

انظر: ملتقى الأبحر 1/ 12، الهداية 1/ 12، فتح القدير 1/ 15.

(3)

يعني: أنَّه قد ورد في الحديث فريضةُ الصدقة، فأُطْلِق اسم الفرض بحديث ظني.

(4)

أي: من القَعْدة، ومسح ربع الرأس، والنصب والمقادير.

(5)

الحنفية يرون أنَّ هذه الأحكام ثبتت فرضيتها بالقرآن، وجاءت السنة مبيِّنةً للقرآن، والمجمل من الكتاب إذا لحقه البيان الظني كان الحكم بعده مضافًا إلى الكتاب لا إلى البيان. انظر: شرح العناية على الهداية للبابرتي، وهو مع فتح القدير 1/ 240، وانظر: المراجع السابقة.

(6)

انظر: ملتقى الأبحر 1/ 64، والهداية 1/ 48. والفرض عند الحنفية نوعان: ما كان خارج الماهية وهو الشرط كالوضوء للصلاة، وكالنية. وما كان داخل الماهية وهو الركن، مثل القراءة في صلاة الإمام أو المنفرد. انظر: المراجع السابقة.

(7)

انظر: الهداية 4/ 529.

(8)

انظر: الهداية 4/ 574، ملتقى الأبحر 2/ 318.

(9)

أي: مع كونها فرضًا عندهم، وهي ثابتة بالأحاديث الظنية.

(10)

في (ص)، و (ك):"عند السامع". وهو خطأ.

ص: 154

بالقرآن فرضًا؛ لما ادعوا أنَّ الفرض: ما

(1)

ثبت بالقرآن، والواجب: ما ثبت بالسنة

(2)

.

(والمندوب: ما يحمد فاعله، ولا يذم تاركه).

لك أنْ تجعل "ما" بمعنى الذي، كما قال في الواجب. وأن تجعلها نكرةً، أي: فعل

(3)

، وهو جنس للخمسة.

و"يحمد فاعله": خرج به المباح، والحرام، والمكروه.

"ولا يذم تاركه": خرج به الواجب.

و

(4)

العموم المستفاد من النفي في قوله: "ولا يذم تاركه" أغنى عن التقييد بقوله: قصدًا مطلقًا

(5)

.

وفي بعض النسخ: "يمدح" مكان "يحمد"، وقد تقدم الكلام في الخطبة

(1)

في (ت): "إنما".

(2)

انظر هذه المسألة في: المحصول 1 / ق 1/ 120، شرح الكوكب المنير 1/ 351، أصول السرخسي 1/ 111، شرح العضد على ابن الحاجب 1/ 228 - 232، المستصفى 1/ 213، مسلم الثبوت 1/ 58.

(3)

يعني: إما أنْ نجعل "ما" موصولة، بمعنى الذي، فهى من المعارف، أو أنْ نجعلها نكرة بمعنى فعل.

(4)

سقطت الواو من (ت).

(5)

يعني: قوله: "ولا يذم تاركه" يفيد نفي الذم بأيِّ وجه من الوجوه، لأنَّ الفعل في سياق النفي يعم كالنكرة، فلا يحتاج إلى التقييد بقوله: ولا يذم تاركه قصدًا مطلقًا، لأنَّ هذا مندرج في عموم قوله:"ولا يذم تاركه".

ص: 155

على الحمد والمدح.

ولا بد من قوله: شرعًا، وكأنه لما ذكرها في حد الواجب، اكتفى به عن ذكرها في الأربعة مع إرادتها

(1)

.

وظن شيخنا الجزري

(2)

أنَّ الناسخ أسقطها فألحقها بالأصل.

(3)

(4)

(ويُسمى سنةً ونافلة)

(1)

هذا سهو من الشارح رحمه الله تعالى، إذ قد ذكر البيضاوي - رحمه الله تعالى - قيد الشرع في الحرام أيضًا، والسبكي ذاته ذكر عن الماتن أنَّه ذكر قيد "شرعا" في الواجب والحرام، كما سيأتي.

(2)

هو محمد بن يوسف بن عبد الله الجزريّ ثم المصريّ، أبو عبد الله شمس الدين، ولد بجزيرة ابن عمر من نواحي الموصل في سنة 637 هـ. كان إمامًا في الأصلين والفقه والنحو والمنطق والبيان والطب أديبًا شاعرًا ذا مروءة. شَرَح "منهاج البيضاوي" في أصول الفقه، وشَرَح أسولة القاضي سراج الدين في "التحصيل" التي اعترض بها على الإمام. توفي بمصر سنة 711 هـ. انظر: الطبقات الكبرى 9/ 275، طبقات الإسنوي 1/ 185، الدرر 4/ 299.

(3)

أي: بالمتن. انظر: معراج المنهاج للجزري 1/ 54، تحقيق د/ شعبان إسماعيل.

(4)

لم يُعَرِّف المندوب في اللغة وهو: المَدْعُوُّ، من ندبته إلى الأمر ندبًا، أي: دعوتُه. والأصل: المندوب إليه، لكن حُذِفت الصلة منه لفَهْم المعنى. انظر: المصباح 2/ 265. وقال الآمدي في الإحكام 1/ 170: "والمندوب في اللغة مأخوذ من الندب، وهو الدعاء إلى أمر مهم".

وانظر تعريف المندوب في: المحصول 1/ ق 1/ 128، الحاصل 1/ 239، التحصيل 1/ 174، شرح الكوكب 1/ 402، الإحكام 1/ 170، إرشاد الفحول ص 6، البرهان 1/ 310.

ص: 156

من أسمائه أيضًا أَنَّه: مرغب فيه، وتطوع، ومستحب. والترادف في هذه الأسماء عند أكثر الشافعية، وجمهور الأصوليين.

وقال القاضي حسين من الشافعية

(1)

: السنة: ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم، والمستحب: ما فعله مرة أو مرتين

(2)

، والتطوع: ما يُنشئه الإنسان باختياره، ولم يَرِد فيه نقل

(3)

.

وقالت المالكية: السنة: ما واظب النبي صلى الله عليه وسلم على فعله مُظهِرًا له، والنافلة عندهم: أنْزَلُ

(4)

(5)

رتبةً من الفضيلة التي هي أنزل رتبة من السنة

(6)

.

وللحنفية اصطلاح آخر في الفرق بين السنة والمستحب

(7)

، والصحيح

(1)

هو أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد المَرْوَرُّذِيّ، القاضي، الإمام الجليل. قال الرافعيّ: وكان يقال له: حَبْر الأمَّة. من مصنفاته: "التعليقة الكبرى" وهي من أنفس الكتب، و"الفتاوى". توفي رحمه الله بمرو الرُّوذ سنة 462 هـ. انظر سير 18/ 260، الطبقات الكبرى 4/ 356.

(2)

في البحر المحيط 1/ 378: "وألحق بعضهم به ما أمر به ولم يُنْقل أَنَّه فَعَله".

(3)

في البحر المحيط 1/ 378: "وتطوعات: وهو ما لم يَرِد فيه بخصوصه نقل، بل يفعله الإنسان ابتداء كالنوافل المطلقة". وانظر: شرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 90.

(4)

في (غ): "أقل".

(5)

وفي (ص): "ول". هو خطأ.

(6)

انظر: البحر المحيط 1/ 378.

(7)

في فتح الغفار 2/ 66: "وقد فرق الفقهاء بين الثلاثة (أي: السنة، والمستحب، والمندوب)، فقالوا: ما واظب النبي عليه الصلاة والسلام على فعله مع تَرْكٍ ما بلا عذرٍ سنة، وما لم يواظبه مستحب إن استوى فِعْلُه وتركه (أي: كان فعله صلى الله عليه وسلم قدر تركه)، ومندوب إنْ تَرَجَّح تركه على فعله بأن فعله مرة أو مرتين (أي: كان =

ص: 157

ما قدمناه أولا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَنَّ سنة"

(1)

؛ ولقوله: "ولكن أُنَسَّى لأَسُنَّ"

(2)

، فانظر كيف جعل السنة بما يحصل نِسيانًا، وهو أندر شيء يكون.

وأما المندوب فلا شك في عمومه للجميع، والأصل: المندوب إليه، ولكن حُذِف: إليهِ، وتُوُسِّع فيه، فقيل: المندوب.

وفي السنة اصطلاح: وهو ما عُلِم وجوبه أو ندبيته بأمر النبي صلى الله عليه وسلم

(3)

(4)

.

= تركه كثيرًا غالبًا، وفعله نادرًا قليلا)، والأصوليون لم يفرقوا بين المستحب والمندوب".

(1)

أخرجه مسلم 2/ 704 - 705، في كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة، وأنها حجاب من النار، رقم 1017. وابن ماجه 1/ 74، 75، في المقدمة، باب مَن سن سنة حسنة أو سيئة، رقم 203، 207. والبيهقي 4/ 175 - 176، في الزكاة، باب التحريض على الصدقة وإن قلَّت.

(2)

رواه مالك بلاغًا في الموطأ 1/ 100، في كتاب السهو، باب العمل في السهو، حديث رقم 2، بلفظ:"إني لأَنْسَى، أو أُنَسَّى لأَسُنَّ".

قال ابن عبد البر رحمه الله: لا أعلم هذا الحديث رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مُسندًا ولا مقطوعًا من غير هذا الوجه، وهو أحد الأحاديث الأربعة التي في الموطأ، التي لا توجد في غيره مسندةً ولا مرسلة. ومعناه صحيح في الأصول. انظر: شرح الزرقاني على الموطأ 1/ 205.

(3)

فالسنة على هذا الرسم شاملة للواجب والمندوب.

(4)

انظر أسماء المندوب في: المحصول 1/ ق 1/ 129، شرح الكوكب 1/ 403، شرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 89، البحر المحيط 1/ 377.

ص: 158

(والحرام: ما يُذَم شرعًا فاعلُه)

بقوله

(1)

: "يذم فاعله" خرجت الأربعة، وكان ينبغي للمصنف على طريقته أن يقول: قصدًا؛ لأنَّ وطء الشبهة يصفه بعض الفقهاء بالتحريم ولا يُذَم عليه، (فهو كالواجب الذي يُترك نسيانًا ولا يُذَم عليه)

(2)

.

والصواب حذفها من الموضعين

(3)

.

وأما قوله في الواجب: "مطلقًا" - فلإدخال الواجب المخيَّر، والموسَّع، وفرض الكفاية وليس ذلك

(4)

في الحرام، إلا أنَّ الآمدي نقل خلافًا في الحرام المخيَّر، فأصحابنا أثبتوه في نكاح الأختين

(5)

، والمعتزلة نفوه

(6)

، وكان الباجي يقول الحق نفيه؛ لأنَّ المحرم الجمع بينهما، كما نطق به القرآن، لا إحداهما، ولا كل واحدة منهما، بخلاف الواجب المخيَّر، فإن الواجب إما أحدهما، وإما كل منهما على التخيير، فلذلك

(7)

الذي قال: "على بعض الوجوه" في الواجب لم يذكرها في الحرام

(8)

، ولم

(1)

في (ص): "فقوله". وهو خطأ.

(2)

سقطت من (ص).

(3)

فالسبكي يرجح حذف قيد "قصدًا" من الموضعين؛ لأنَّه يرى أنَّ الواجب حال النسيان ليس بواجب، وكذا وطء الشبهة ليس بحرام، فلا يدخل كذلك في التعريف.

(4)

سقطت من (ت).

(5)

يعني: لو تزوج أختين - فالمحرم إحداهما، بمعنى: أنَّه لو فارق إحداهما خرج من الحرام.

(6)

انظر: الإحكام 1/ 161.

(7)

في (ت): "ولذلك".

(8)

يعني: مَنْ قيد تعريف الواجب بـ: على بعض الوجوه - لم يذكر هذا القيد في تعريف الحرام؛ لأنَّه ليس هناك حرام مخير، لكن الآمدي - رحمه الله تعالى - أثبت الحرام =

ص: 159

يحتج المصنف إلى زيادة قيد آخر

(1)

.

وأنا أقول في الأختين كذلك: إن الحرام الجمع فقط، وأُثْبِت الحرامَ المخيَّر كما أثبته القاضي أبو بكر وغيره من الأشعرية

(2)

وأُمَثِّلُه بما إذا أعتق إحدى أمتَيْه، فإنه يجوز له وطء إحداهما، ويكون الوطءُ تعيينًا للعِتْق في الأخرى.

وكذا إذا طلَّق إحدى امرأتيه، وقلنا: الوطء تعيين على أحد القولين، ففي هذين المثالين الحرام واحدة لا بعينها.

وقسَّم القاضي الأفعال إلى: متماثلة، ومختلفة، ومتضادة. فالمتماثلة: لا يتعلق الأمر (ولا النهي)

(3)

باثنين منها

(4)

(لا جمعًا ولا تخييرًا)

(5)

كالكونين

(6)

في مكان واحد لعدم تمييزهما

(7)

، والمختلفان:

= المخيَّر؛ فلذلك قال في تعريفه: "هو ما ينتهض فعلُه سببًا للذم شرعًا بوجه ما من حيث هو فعل له". الإحكام 1/ 161.

(1)

انظر: قول الباجي في البحر المحيط 1/ 360.

(2)

بل هو مذهب الأكثرين من عامة الفقهاء والمتكلمين.

انظر: شرح الكوكب 1/ 387، المسودة ص 81، تيسير التحرير 2/ 218، شرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 181، البحر المحيط 1/ 358.

(3)

سقطت من (ص).

(4)

في (ص): "مبهمًا". وهو خطأ.

(5)

في (ص): "ولا جمعًا بلا تخيير".

(6)

في (ص): "كاللونين". وهو خطأ.

(7)

في (ص)، و (غ):"غيرهما". وهو خطأ.

ص: 160

كالكون

(1)

والكلام يصح الأمر والنهي عنهما جمعًا وتخييرًا.

والضدان: يجوز [النهي]

(2)

تخييرًا والنهي عنهما جميعًا

(3)

، ولا يصح الأمر بهما جميعًا

(4)

. وصورة التحريم المُخَيَّر صريحًا أن

(5)

يقول: حرمت هذا أو هذا. وكذا لو قال: لا تفعل كذا أو لا تفعل كذا. فإن قال

(6)

: لا تفعل كذا

(7)

أو تفعل كذا

(8)

(بإسقاط لا)

(9)

، أو قال: لا تفعل كذا أو كذا - احتمل النهي المخيَّر والنهي عن كل منهما، وهو في الثاني أظهر

(10)

، وعلى ذلك قوله تعالى:{وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا}

(11)

.

وقريبٌ مِن هذا في المأخذ، وإن اختلفا في الصورة - قولُك: ما ضربتُ زيدًا وعَمْرًا، محتمل، فإذا قلت: ولا عمرًا - كان نَصًّا في أَنَّه لم يضرب واحدًا منهما.

(1)

في (ص): "كاللون". وهو خطأ.

(2)

هذه الكلمة لم ترد في أي مخطوطة، لكنها وردت في المطبوعة 1/ 37، وأثبتها لأنَّ المعنى لا يستقيم إلا بها.

(3)

في (غ): "جمعًا".

(4)

في (ت): "جمعًا".

(5)

سقطت من (ص).

(6)

سقطت من (ت)، و (ص).

(7)

سقطت من (ص).

(8)

سقطت من (ت).

(9)

في (ص): "بإسقاط أو كذا". وهو خطأ.

(10)

أي: هو في النهي عن كل منهما أظهر.

(11)

سورة الإنسان: 24.

ص: 161

وعند عدمها لا نَصَّ، ولا ظهور في ذلك

(1)

.

(والمكروه: ما يُمدح تاركه ولا يُذَمُّ فاعله).

بقوله: "يمدح تاركه"

(2)

خرج الواجب والمندوب والمباح، وبقوله:"ولا يذم فاعله" خرج

(3)

الحرام.

وليس معنى المكروه أنَّ الله لم يُرِدْ فعلَه، وإنما معناه ما ذكرناه، وليس هو حسنًا ولا قبيحًا

(4)

.

وفي المكروه ثلاثة اصطلاحات:

أحدهما: الحرام، فيقول الشافعي: أكره كذا، ويريد التحريم، وهو غالب إطلاق المتقدمين

(5)

، تحرزًا عن قول الله تعالى:{وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ الْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ}

(6)

، فكرهوا إطلاق لفظ التحريم.

(1)

انظر تعريف الحرام في: المحصول 1 / ق 1/ 127، الحاصل 1/ 239، التحصيل 1/ 174، الإحكام 1/ 160، شرح الكوكب 1/ 386، نهاية السول 1/ 79، إرشاد الفحول ص 6، البرهان 1/ 313.

(2)

سقطت من (ص).

(3)

في (ت): "يخرج".

(4)

انظر: البحر المحيط 1/ 397، وسيأتي كلام للشارح في هذا.

(5)

في شرح الكوكب 1/ 419: وهو كثير في كلام الإمام أحمد - رضي الله تعالى عنه - وغيره من المتقدمين، ومن كلامه:"أكره المتعة والصلاة في المقابر"، وهما محرمان. اهـ. وانظر: البحر المحيط 1/ 393.

(6)

سورة النحل: 116.

ص: 162

الثاني: ما نُهِي عنه نَهْيَ تنزيه، وهو المقصود هنا.

الثالث: تَرْكُ الأولى، كترك صلاة الضحى لكثرة الفضل في فعلها، والفرق بين هذا والذي قبله ورود النهي المقصود.

والضابط: أنَّ

(1)

ما ورد فيه نهيٌ مقصودٌ يقال فيه مكروه، وما لم يرد فيه نهي مقصود يقال: تَرْكُ الأَولى، ولا يقال مكروه. وقولنا:"مقصود"، احتراز من النهي التزامًا، فإن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده التزامًا، فالأَوْلى

(2)

مأمورٌ به، وتركه منهي عنه التزامًا لا مقصودًا

(3)

.

(والمباح: ما لا يتعلق بفعله وتركه مدح ولا ذم).

لا بد من الإتيان بـ "لا" بين الفعل والترك، وبين المدح والذم، وبذلك تخرج الأحكام الأربعة، فإن الواجب يتعلق بفعله مدح وبتركه ذم، والحرام عكسه، والمندوب يتعلق بفعله مدح ولا ذم في تركه، والمكروه يتعلق بتركه مدح ولا ذم في فعله.

هذا تمام الرسوم، وفيها زيادة على ما اقتضاه التقسيم من تعريف حقائقها

(4)

، وهي فائدة جليلة كما إذا رأينا فعلًا لم يَرِد في الشرع في فعله

(1)

سقطت من (ص).

(2)

أي: الفعل الأَوْلى، وهو الذي فِعله أفضل من تركه.

(3)

انظر تعريف المكروه في: المحصول 1/ ق 1/ 131، الحاصل 1/ 239، التحصيل 1/ 175، شرح الكوكب 1/ 413، الإحكام 1/ 174، إرشاد الفحول ص 6، البرهان 1/ 310.

(4)

هذا تَسَمُّح من السبكي رحمه الله تعالى؛ إذ الرسوم لا تكون لتعريف الحقائق، بل =

ص: 163

مدح، ولا ذم، ولا في تركه، أو ورد (مدح أو ذم)

(1)

، فَيُحْكم بمقتضى ذلك، وإن لم تأت صيغةُ طلبٍ ولا تخيير.

وقد تقدم التنبيه على أَنَّه (لا بد من التقييد بالشرع في الكل)

(2)

، وقد تعرض له الإمام في المندوب

(3)

، وصاحب الكتاب تعرض له في الواجب والحرام؛ لأنَّ الذم فيهما، وكما أنَّ الذم الذي ثبوته علامة الواجب أو الحرام هو الذم الشرعي (كذلك انتفاء الذم الذي هو علامة الثلاثة، هو انتفاء الذم الشرعي)

(4)

، وهو أخص من انتفاء الذم مطلقًا

(5)

، فبدون هذا القيد يكون الرسم غير جامع؛ لخروج المباحات التي انتفى الذم الشرعي فيها، ووُجِد فيها ذم عقلي أو عرفي.

= لبيان الخصائص.

(1)

في (ت): "أو ورد ذم".

(2)

في (ص)، و (ك):"لا بد من التقييد في الشرع كما في الكل". وهو خطأ.

(3)

يعني: تعرَّض لذكر قيد "الشرع" في تعريف المندوب، ومفهومه أنَّه لم يذكره في الواجب، والحرام، والمكروه، والمباح، وهو غير صحيح، بل ذَكَرَ قيد الشرع في الكل، إلا أنَّه قال في المباح:"الذي أُعْلِم فاعلُه، أو دُلَّ على أنَّه لا ضرر في فِعله وتركه، ولا نفع في الآخرة"، وهو وإن لم يصرح بقيد الشرع هنا، إلا أنَّ مفهوم التعريف يدل عليه؛ إذ معرفة الضرر وعدمه، والنفع في الآخرة لا تكون إلا من الشرع. انظر: المحصول 1/ ق 1/ 117، 127، 128، 131.

(4)

سقطت من (ص).

(5)

قوله: وهو. . الخ، أي: الذم الشرعي أخص من انتفاء الذم مطلقًا، فالنسبة عموم وخصوص مطلق.

ص: 164

وأعني بالقيد

(1)

أن يكون كل من الوصفين المذكورين في طرفي الأحكام الثلاثة ثابتا بالشرع

(2)

.

ولْيُتَنبه

(3)

لذلك في قول المصنف: "المباح ما لا يتعلق بفعله وتركه

(4)

مدح ولا ذم" إنْ أراد أنَّه عُرف من الشرع انتفاء ذلك فصحيح، وإن أراد أنَّه لم يوجد في الشرع مدح ولا ذم لذلك

(5)

- فلا يلزم كونه مباحًا، فقد يكون باقيًا على حكم الأشياء قبل ورود الشرع؛ ولذلك قال الإمام: المباح ما أُعلم فاعله (أو دُلَّ على)

(6)

أَنَّه لا حرج في فعله ولا في تركه، ولا نفع في الآخرة.

وقول الإمام هذا احتراز عن فعل البهيمة، وغير المكلف، (فلا يكفي)

(7)

في الإباحة عدم الحكم بذلك، بل الحكم بعدمه

(8)

.

(1)

في (ص): "بالتقييد". وهو خطأ.

(2)

يعني أن يكون الوصفان وهما: المدح والذم، المذكوران في طرفي الأحكام الثلاثة: الندب، والكراهة، والإباحة - ثابتين بالشرع.

وقال السبكي: في طرفي الأحكام الثلاثة، ولم يقل الخمسة؛ لأنَّ الواجب والحرام ذَكَر فيهما قيد الشرع.

(3)

في (ص)، و (ك):"والتنبيه".

(4)

في (ص)، و (ك):"وبتركه".

(5)

في (ص)، و (ك):"كذلك". وهو خطأ؛ لأنَّ المعنى: لم يوجد مدح ولا ذم لذلك الأمر.

(6)

في (ص): "أو على". وهو سقط أيضًا.

(7)

في (ك): "فلا يكتفى".

(8)

يعني: أنَّ تعريف الإمام المباح بقوله: "ما أُعلم فاعله أو دُلَّ" فيه احتراز عن فعل البهيمة وغير =

ص: 165

ويَحْتاج في المندوب والمكروه أن يأتي بقوله: "شرعًا" في طرفي الفعل والترك جميعًا.

وتصحيح كلام المصنف أنْ يحمل على أَنَّه أراد ذلك، فإنه مُحْتمِل له، على أني أقول: إنَّ ما لم يوجد في الشرع دليل على مدح ولا ذم في فعله، ولا في تركه - مباحٌ بأدلة شرعية، وإنما أُوردَ عليه فِعْلُ غير المكلف: كالساهي، والنائم، والبهائم. وطريق الاعتذار عنه ما ذكرته

(1)

، أو يقال: إنه إنما يتكلم

(2)

في فعل المكلف

(3)

.

= المكلف، فإنه لا حرج في فعلهما ولا في تركهما، ولا نفع في الآخرة ولكن ليس فيه إعلام ولا دلالة، فيخرج من الحد.

فيقول السبكي مؤيدًا لهذا القيد: بأنه لا يكفي في تعريف الإباحة عدم الحكم بالحرج في الفعل والترك، بل الحكم بعدم ذلك، ولازم هذا إعلام المكلف بعدم ذلك.

(1)

المعنى: أنَّ البيضاوي وإن لم يقيِّد بالشرع في حد المباح لكنه مراد، وسواء كان مراده بالقيد بالشرع ما أَثْبت الشارعُ نفيَ المدح والذم عنه، أو لم يُثْبت له بخصوصه، فإنه يُعلم بأدلة عامة أخرى من الشارع على نفي الذم والمدح عنه، فيكون عدم الذم والمدح شرعيًا، وبهذا يخرج غير المكلف كالساهي والنائم والبهائم، فإن الذم والمدح منتف عنها جميعًا؛ لعدم التكليف، لكن لا يقال لهذا الانتفاء إنه إباحة أو مباح؛ لأنَّه فرق بين عدم الحكم، وبين ثبوت عدم الحكم، فعدم الحكم يعني: لا تكليف ولا دليل يُثْبِت الحكم، وثبوت عدم الحكم، يعني: وجود دليل ينفي الحكم، وهذا هو طريق الاعتذار عن المصنف في خروج فعل غير المكلف من حد المباح، أنَّه يريد بالمباح ما ثبت فيه نفيُ المدح والذم، وفعل غير المكلف: ما انتفى عنه المدح والذم، وهذا لا يكفي في الإباحة.

(2)

في (ت): "تكلم".

(3)

انظر تعريف المباح في: الحاصل 1/ 239، التحصيل 1/ 174، الإحكام 1/ 175، =

ص: 166