المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(الخامس: العبادة إن وقعت في وقتها المعين - الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي - جـ ٢

[تاج الدين ابن السبكي - تقي الدين السبكي]

فهرس الكتاب

- ‌(قال المصنف رحمه الله

- ‌البحث الثاني: في تعريف معنى أصول الفقه اللقبي:

- ‌البحث الثالث: في الفرق بين المعاني الثلاثة وتعريفاتها، وما بينها من النسب

- ‌الوجه الثاني من الكلام على التعريف: الباء في قوله: (بالأحكام)

- ‌الوجه الثالث: قوله: "بالأحكام

- ‌الوجه الرابع قوله: "الشرعية

- ‌الوجه الخامس قوله: "العملية

- ‌الوجه السادس: قوله: "المكتسب من أدلتها

- ‌الوجه السابع: قوله: "التفصيلية

- ‌مقدمة

- ‌(الباب الأول: في الحكم. وفيه فصول:

- ‌الفصل الأول: في تعريفه

- ‌(الفصل الثاني: في تقسيمه

- ‌الأول: الخطاب إن اقتضى الوجود ومنَع النقيض فوجوب

- ‌(الثاني: ما نُهِي عنه شرعًا فقبيح، وإلا فحسن، كالواجب، والمندوب، والمباح، وفِعْلِ غير المكلف)

- ‌(الثالث: قيل: الحكم إما سبب، وإما مسبب

- ‌(الرابع: الصحة: استتباع الغاية

- ‌(الخامس: العبادة إنْ وقعت في وقتها المعيَّن

- ‌(السادس: الحكم إنْ ثبت على خلاف الدليل لعذر فرخصة

- ‌(الفصل الثالث: في أحكامه.وفيه مسائل:

- ‌الأولى: الوجوب قد يتعلق بمعَيَّن، وقد يتعلق بمُبْهم من أمور معينة، كخصال الكفارة، ونَصْب أحد المُسْتَعِدِّينَ للإمامة

- ‌(الثانية: الوجوب إنْ تَعَلَّق بوقت: فإما أنْ يُساويَ الفعلَ كصوم رمضان وهو المضيَّق

- ‌(الثالثة: الوجوب إنْ تناول كلَّ واحد كالصلوات الخمس

- ‌(الرابعة: وجوب الشيء مطلقًا يُوجِب وجوبَ(6)ما لا يتم إلا به وكان مقدورا)

- ‌(الخامسة: وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه

- ‌(السادسة: الوجوب إذا نُسخَ بقي الجواز خلافًا للغزالي

- ‌(السابعة: الواجب لا يجوز تركه. قال الكعبي: فعل المباح ترك الحرام وهو واجب. قلنا: لا بل به يحصل)

- ‌(الباب الثاني: فيما لا بد للحكم منه. وهو الحاكم، والمحكوم عليه، وبه

- ‌(فرعان على التَّنَزُّل:

- ‌ الأول: شكر المنعم ليس بواجب عقلًا

- ‌ حكم الأشياء قبل ورود الشرع

- ‌(الفصل الثاني: في المحكوم عليه.وفيه مسائل:

- ‌الأولى: يجوز الحكم على المعدوم:

- ‌فائدة:

- ‌تنبيه:

- ‌ امتناعَ تكليفِ الغافلِ

- ‌(الثالثة: الإكراه الملجئ يمنع التكليف؛ لزوال القدرة)

- ‌(الرابعة: التكليف يتوجه حال المباشرة. وقالت المعتزلة: بل(2)قبلها)

- ‌(الفصل الثالث: في المحكوم به.وفيه مسائل:

- ‌الأولى: التكليف بالمحال جائز

- ‌فائدة:

- ‌فائدة:

- ‌(الثانية: الكافر مُكلَّف بالفروع خلافًا للحنفية(2)، وفرَّق قوم بين الأمر والنهي)

- ‌خاتمة

- ‌(الثالثة: امتثال الأمر يُوجب الإجزاء؛ لأنه إن بقي متعلقًا(1)به فيكون أمرًا بتحصيل الحاصل

الفصل: ‌(الخامس: العبادة إن وقعت في وقتها المعين

الصحة والإجزاء

(1)

، ويكون انقسام العبادة إليهما

(2)

باعتبار الإجزاء

(3)

(4)

(5)

.

‌(الخامس: العبادة إنْ وقعت في وقتها المعيَّن

، ولم تُسْبق بأداء مُخْتل فأداء، وإلا فإعادة. وإن وقعت بعده ووجد فيه سبب وجوبها فقضاء، وجب أداؤه كالظهر المتروكة قصدًا، أو لم يجب وأمكن كصوم المسافر والمريض، أو امتنع عقلًا كصلاة النائم، أو شرعًا كصوم الحائض).

هذا تقسيم آخر للعبادة التي هي مُتَعَلَّق الحكم، ويصح جعله تقسيمًا للحكم من جهة أنَّ الأمر قد يكون بالأداء، وقد يكون بالقضاء، وقد يكون بالإعادة.

(1)

يعني: النسبة بينهما المساواة، فكل صحيح مجزئ، وكل مجزئ صحيح.

(2)

في (ص): "إليها". وهو خطأ؛ لأنَّ الضمير يعود إلى الصحة والفساد، أو الإجزاء وعدمه.

(3)

في (ت): "بالاعتبار الإجزاء".

ووضع (أل) التعريف للفظ "الاعتبار" غير سليم، وفي (ص):"بالاعتبار الآخر". وهو خطأ.

(4)

والمعنى: أنَّ الأصل في تحديد معنى الصحة وعدمه، أو الإجزاء وعدمه - هو الإجزاء، فإذا كانت العبادة مجزئة فهي صحيحة، وإلا ففاسدة.

(5)

انظر ما سبق في: المحصول 1/ ق 1/ 143، التحصيل 1/ 178، الحاصل 1/ 247، شرح تنقيح الفصول ص 77، شرح الكوكب 1/ 468، تيسير التحرير 2/ 235، نهاية السول 1/ 101، السراج الوهاج 1/ 118، شرح الأصفهاني 1/ 72، البحر المحيط 2/ 22.

ص: 199

وقوله: "العبادة" يشمل الفرض والنفل، فكلٌّ منهما إذا كان مؤقتًا يُوصف بالثلاثة، وزعم بعضهم أَنَّه لا

(1)

يُوصف بشيء من الثلاثة إلا الواجب، وزعم بعضهم أنَّ القضاء لا يوصف به إلا الواجب، وكل ذلك خَلْط، والصواب أنَّ الواجب والمندوب كلٌّ منهما يوصف بالأداء، والإعادة، والقضاء.

وقوله: "إن وقعت"، لو قال: إنْ أُوقِعَت

(2)

كان أحسن؛ لأنَّ الأداء والإعادة والقضاء أنواع للإيقاع لا للوقوع، لكن لك أن تنتصر لتصحيح كلامه بأن العبادة: فِعْلُ الفاعل، ففعلها وإيقاعها وأداؤها ووقوعها سواء

(3)

.

وقوله: "في وقتها المعيَّن"، الأحسن عندي في تفسيره: أَنَّه الزمان المنصوص عليه لفعلها مِنْ جهة الشرع؛ فإن المأمور به تارة يُعَيِّن الآمر وقته، كالصلوات الخمس وتوابعها، وصيام رمضان، وزكاة الفطر، فإنَّ جميع ذلك قُصِد فيه زمان معيَّن. وتارة يَطْلب الفعلَ من غير تعرض للزمان

(4)

، وإنْ كان الأمر يدل على الزمان بالالتزام، ومن ضرورة الفعل وقوعُه في زمان، ولكنه ليس (مقصودًا للشارع)

(5)

، ولا مأمورًا به قصدًا.

(1)

في (ص): "لم".

(2)

وقع لازم، أي: بنفسها وقعت، وأوقع متعد، أي: العبد أوقعها.

(3)

يعني: لا كانت العبادة هي فعل الفاعل، كان الإيقاع والوقوع سواء؛ لأنَّ الوقوع لا يتحقق إلا بمُوقعٍ وهو الفاعل.

(4)

في (ت)، و (ك):"مقصود الشارع".

(5)

في (ك)، و (ت):"مقصود الشارع".

ص: 200

فالقسم الأول يسمى مؤقتًا، والقسم الثاني يسمى غير مؤقت، وسواء قلنا في القسم الثاني: إن الأمر يقتضي الفور أو التراخي، أو كان قد دل على ذلك

(1)

قرينة، كإنقاذ الغريق ونحو ذلك، أوْ لا

(2)

فإن المقصود من

(3)

هذا كله إنما هو الفعل مِنْ غير تعرض إلى الزمان. والقسم الأول قُصِدَ فيه الفعل والزمان، إما لمصلحةٍ اقتضت تعيين ذلك الزمان، وإما تعبدًا محضًا.

والقسم الثاني ليس فيه إلا قصد الفعل، فالقسم الثاني لا يُوصف فعله بأداء ولا قضاء؛ لأنهما فرعا الوقت ولا وقت له، وينبغي أنْ يوصف بالإعادة إذا تقدم فعلٌ مثله على ما سأبينه.

ومن هذا القسم: (الإيمان، فإنه لا وقت له

(4)

، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كان وقته)

(5)

وَقتَ سَبَبِه، ولكنه ليس وقتًا مُعَيَّنًا من حيث هو، وإنما هو حضوره، وكذا زكاة المال إذا حال الحول، كل هذه واجبات فورية غير مؤقتة

(6)

. وكذا الواجبات

(1)

أي: على الفور أو التراخي.

(2)

في (ص)، و (ك)، و (غ):"وإلا". وهو خطأ؛ لأنَّ المعنى: أو لم يدل على الفور أو التراخي قرينة.

(3)

في (ت): "في".

(4)

يعني: لا وقت له من حيث إنه مُطالب به في جميع الأوقات والحياة، فخرج عن كونه مؤقتًا بوقت يطالب فيه دون غيره من الأوقات.

(5)

سقطت من (ت).

(6)

يعني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذا زكاة المال، لا وقت لهذه الواجبات، بل هي واجبات فورية غير مؤقتة بوقت، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر =

ص: 201

على التراخي بلا حد. وقد أطلق الفقهاء على الحجِّ الأداءَ متى أَوْقعَ حجة الإسلام في عُمُره، والقضاء في صورتين:

إحداهما: إذا قُضِي عنه بعد موته.

والثانية: إذا حَجَّ العبدُ وأَفسد حجه، ثم عَتَق - فيحج عن حجة الإسلام ثم عن القضاء.

وعندي أن إطلاقهم الأداء والقضاء في ذلك بطريق المجاز، فإنَّ الحج من القسم الثاني الذي لم يُقصد فيه غير الفعل، وإن وُسِّع فيه مدةَ العمر عندنا، أو ضُيِّق وجب فيه الفور عند غيرنا، فإن ذلك لا يُصَيِّر الوقت مقصودًا فيه.

وأما إذا أَفسد حجة الإسلام وأمرناه بقضائها فقد صَرَّحوا أنَّ ذلك ليس بقضاء، يَعْنُون: بل هو أداءٌ مُعَاد.

وإذا عرفتَ هذا فلنتكلم في مقصودنا، وهو القسم الأول المؤقت بوقت معيَّن، سواء أكان

(1)

مُضَيَّقًا كصوم رمضان، أم

(2)

مُوَسَّعًا، كالصلاة، فإنْ فُعِل في وقته فهو أداء، سواء أفعله

(3)

مرة أخرى قبل ذلك

= يجبان عند تحقق سببهما، وهو ترك المعروف أو فعل المنكر، والزكاة تجب عند تحقق شرطها وهو حَوَلان الحول، وقبل ذلك فهى ليست بواجبة.

(1)

في (ص): "كان".

(2)

في (ص): "أو".

(3)

في (ص)، و (ك):"فعله".

ص: 202

أم لا

(1)

.

هذا هو الذي نختاره، وهو مقتضى إطلاقات الفقهاء، ومقتضى كلام الأصوليين: القاضي أبي بكر في "التقريب والإرشاد"

(2)

، والغزالي في "المستصفى"

(3)

، والإمام في "المحصول"، ولكن الإمام لما أطلق ذلك

(4)

ثم قال: " (إنه إنْ فُعِل ثانيًا بعد خَلَلٍ)

(5)

سُمِّي إعادةً - ظَنَّ

(1)

يعني: سواء فعل الصلاة مرة واحدة في الوقت، أو أعاد الصلاة بعد أنْ صلاها مُخْتَلَّة في الوقت، كل ذلك أداء. فالأداء: فِعْل الصلاة في الوقت، سواء فعلها مرة أو أكثر من مرة.

(2)

انظر: التلخيص للجويني 1/ 419.

(3)

قال الغزالي في المستصفى 1/ 320: "اعلم أنَّ الواجب إذا أُدِّي في وقته سُمِّي أداء. وإن أدي بعد خروج وقته المضيق، أو الموسع المقدَّر - سمي قضاء. وإن فُعِل مرةً على نوع من الخلل، ثم فعل ثانيا في الوقت - سُمِّي إعادة. فالإعادة: اسم لمثل ما فُعِل. والقضاء: اسم لفعل مثل ما فات وقته المحدود".

ومفهوم كلام الغزالي رحمه الله تعالى هو أنَّ الإعادة أداء؛ لأنها فُعِلت في الوقت؛ ولذلك جعلها مقابلةً للقضاء، وفَرَّق بينهما بأن الإعادة: اسم لمثل ما فُعِل في الوقت. والقضاء: اسم لِفْعل مِثْل ما فات وقته المحدود. فالأداء قسمان: فعل الواجب في الوقت أولًا، وفعل الواجب في الوقت ثانيًا، ويسمى هذا إعادة.

(4)

يعني: لما أطلق أنَّ الواجب إذا أُدِّي في وقته سمي أداء.

انظر: المحصول 1/ ق 1/ 148.

(5)

في (ص): "إنه إنْ فُعِل ذلك ثانيًا بعد ذلك". وهو خطأ، وفي (غ):"إنْ فعل ذلك ثانيا بعد خلل". (وسقطت من (غ): إنه). والعبارة في (ك) كما هي في (غ) ولكن مع وجود السقط.

ص: 203

صاحبا "الحاصل" و"التحصيل" أنَّ هذا مخصِّص للإطلاق المتقدم، فَقَيَّداه، وتبعهما المصنف، فإنه كثيرًا ما يتبع "الحاصل"

(1)

، وليس لهم مساعد من

(1)

يعني: أنَّ صاحبي الحاصل 1/ 248، والتحصيل 1/ 179 ظنا أنَّ كلام الإمام (وهو أنَّ فعل الواجب في الوقت بعد فعله بخلل يُسَمَّى إعادة) مخصِّص للإطلاق المتقدم (وهو أنَّ الأداء: فِعْل الواجب في الوقت. ومفهومه: سواء أداه مرة أو أكثر من مرة)، فخصصا هذا الإطلاق بكلامه المتقدم، والصواب خلافه كما يقول الشارح. ومفهوم كلام شيخ الإسلام السبكي رحمه الله تعالى: أنَّ تسميته بالإعادة لا تخصِّص تسميته بالأداء، بل يسمى بهما جميعًا؛ إذ لا تنافي بين تعريف الأداء والإعادة، فالأداء: ما أُدِّي في وقته، كما يقول الرازي والغزالي وغيرهما، وهذا شامل لما أدِّي مرة أو أكثر. والإعادة: ما أُدِّي في الوقت ثانيًا. فتكون الإعادة من قسم الأداء، ولا يحسن أنْ نقول بأنَّ الإعادة ليست أداء؛ إذ قسمة العبادة بالنسبة للوقت ثنائية؛ لأنَّ العبادة المؤقتة إما أنْ تُفعل داخل الوقت فهي أداء، أو خارجه فهي قضاء، فتكون الإِعادة من قسم الأداء لا محالة، وكيف لا تكون أداءً وهي عبادة مُؤَدَّاة داخل الوقت المقدَّر شرعا! . وهذا استدراك من الشارح دقيق على المصنف وصاحبي التحصيل والحاصل، بل إنَّ شراح المنهاج كالإسنوي 1/ 109، والجاربردي 1/ 123، والبدخشي 1/ 64، والأصفهاني 1/ 76، لم ينتبهوا لهذا المَلْحَظِ الدقيق على المصنف، ظانين أنَّ مذهب الإمام هو أنَّ الإعادة ليست من الأداء، والمصنف تَبَعٌ له في هذا، والواقع بخلافه. وقد فَصَّل الشيخ المطيعي رحمه الله تعالى هذه المسألة تفصيلًا جيدًا، ولولا طوله لنقلتُه، ورجَّح أن الإعادة أداءٌ على مذهب الشافعية والحنفية. انظر: سلم الوصول 1/ 109، قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع 1/ 253:"إذا أُمِر بعبادة في وقت فَفَعَلها فيه سُمِّي ذلك أداءً حقيقة. وإنْ شَرَع فيها في الوقت ثم أفسدها وأعادها سُمِّي ذلك الفعل أداءً وإعادة. وإن فعلها بعد خروج الوقت سمي ذلك قضاءً وإعادة"، وتسمية القضاء إعادة تسامح في التعبير، والمراد واضح، وموطن الشاهد هو قوله:"سمي ذلك الفعل أداءً وإعادة". =

ص: 204

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وقد قال شمس الدين الأصفهاني في شرحه على المنهاج 1/ 78، بعد أنْ ذكر تعريف البيضاوي للأداء والإعادة:"وقد تُطْلق الإعادة على ما وقع ثانيًا في وقته المعيَّن لعذر، وهو أعم من الخلل، فصلاة مَنْ صلى مع الإمام بعد أن صلى صلاة صحيحة إعادة على الثاني لا الأول"، وهذا يدل على أنَّ هناك رأيين في تعريف الإعادة عند الجمهور: رأيٌ يَخُصُّها بما وقع في الوقت بعد خلل، ورأي يرى أنها ما وقع في الوقت مرة ثانية لعذر، سواء لخلل أو لغير خلل. ولذلك قال ابن السبكي في جمع الجوامع:"والإعادة: فِعْلُه في وقت الأداء. قيل: لخلل، وقيل: لعذر".

قال المحلي في شرحه على الجمع: "والأول هو المشهور الذي جزم به الإمام الرازي وغيره، ورجَّحه ابن الحاجب. . . . ثم ظاهِرُ كلام المصنف أن الإعادة قسم من الأداء، وهو كما قال مصطلح الأكثرين، وقيل: إنها قسيم له كما قال في المنهاج. . .".

انظر: شرح المحلي على الجمع 1/ 117 - 119، بيان المختصر 1/ 338.

وقد ذهب الحنابلة إلى أنَّ الإعادة: ما فُعِل في وقته المقدَّر ثانيًا مطلقًا. أي: سواء كانت الإعادة لخلل في الفعل الأول أو غير ذلك. انظر: شرح الكوكَب 1/ 368. والمراد بالخلل عند الجمهور - كما سيأتي - هو فساد العبادة.

أما الحنفية فلهم أصطلاح خاص بالإعادة، قال في فواتح الرحموت 1/ 85:(الإعادة: وهو الفعل فيه) أي: في وقته المقدَّر شرعًا (ثانيًا لخلل) واقع في الفعل الأول غير الفساد، كترك الفاتحة على مذهبنا. اهـ. وكذا في تيسير التحرير 2/ 199. قال الشيخ المطيعي في سلم الوصول 1/ 110:"والإعادة عند الحنفية لا تُطلق إلا على فِعْل العبادة ثانيًا في وقت الأداء، كترك واجب لا تفوت الصحة بفواته، أما إذا تَرَك ركنًا كانت الصلاة فاسدة، فالفعل المعتد به هو الثاني، والأول لغو، فلا يسمى فِعْله ثانيًا إعادة، وكذلك فعل الأمور به ثانيًا بلا خلل بل لعذر كإدراك فضل الجماعة، فليس أداء ولا قضاء ولا إعادة عند الحنفية، بل هو فعل أدرك به المتعبِّد فضلَ الجماعة فقط، والفرض والمُسقط للتعبد عن المكلف هو الأول بلا شبهة عندهم". =

ص: 205

إطلاقات الفقهاء، ولا من كلام الأصوليين، فالصواب أنَّ الأداء اسم لما وقع في الوقت مطلقًا مسبوقًا كان أو سابقًا، أو منفردًا.

وقد قال القاضي حسين من الشافعية: إنه إذا شَرع في الصلاة ثم أفسدها ثم صلاها في وقتها كانت قضاء، وتبعه غيره على ذلك

(1)

.

ومأخذه في ذلك أَنَّه لما شَرَع فيها تَعَيَّن ذلك الوقت لها، حتى لا يجوز له الخروج منها، ولم يبق لها وقتُ شروعٍ، وإنما بقي وقت استدامة

(2)

، فإذا أفسدها أو فَسَدت وقد فات وقت الشروع لم يكن فِعْلُها بعد ذلك إلا قضاءً؛ لأنَّ وقت الاستدامة وحده لا يكفي، ولا يكون إلا مبنيًا على وقت الشروع، كما أنَّ المغرب عند العراقيين مِنْ أصحابنا لها وقت ابتداء بقدر (ما يَشْرع)

(3)

فيها، ووقت استدامة، فإذا أخَّرها مقدار الشروع صارت قضاء عندهم، وإن بقي قدر ركعتين وشيء.

= وسيأتي معنى الإعادة عند الشارح رحمه الله تعالى، وأنها لا تختص بالأداء، بل بالأداء والقضاء، فكل ما فعل ثانيًا في الوقت فهو أداء وإعادة، وما فعل ثانيًا خارج الوقت فهو قضاء وإعادة.

(1)

انظر: البحر المحيط 2/ 48، التمهيد للإسنوي ص 63، والظاهر أنَّ الإسنوي يرجح أنَّ الإعادة من قسم القضاء، واستدل على ذلك بما قاله القاضي حسين في "تعليقه"، والمتولِّي في "التتمة"، والرُّوياني في "البحر"، كلهم قالوا بأنه إذا أَفْسد الصلاة ثم أعادها في الوقت فإنها تكون قضاء؛ لأنَّ وقت الإحرام بها قد فات، والدليل عليه أنَّه لو أراد الخروج منها لم يُجِز على المعروف. وانظر نهاية السول 1/ 116.

(2)

يعني: فوقت الشروع هو الوقت المشروع فيه، وهو وقت الأداء، فإذا خرج من ذلك الوقت بقي وقت الاستدامة، فهو يصلي في غير وقت الأداء.

(3)

في (ت): "ما شرع".

ص: 206

هذا مأخذ القاضي حسين، ومع ذلك هو مردود بوجهين:

أحدهما: على رأي الإمام والغزالي في

(1)

قولهما: إنه يجوز الخروج من الفريضة إذا أمكن تداركها في الوقت، فلا يصح ما احتج به له

(2)

.

والثاني: أنَّ تَعَيُّن ذلك الوقت بالشروع بفعله لا بأمر الشرع

(3)

، والنظر في الأداء والقضاء إلى أمر الشرع لا إلى فعله، وبهذا فارقت المغرب.

وبما ذكرناه مِنْ مأخذ القاضي حسين يُعلم أنَّه ليس مخالفًا لما ذكرناه في حد الأداء، فإنه إنما قال بالقضاء وعدم الأداء لظنه أنَّ الوقت قد خرج، فلا مخالفة في المصطلح، وإذا قلنا بقول القاضي حسين: فلو دخل في الجمعة ثم أفسدها وأراد إعادتها في الوقت، فعلى مقتضى قول القاضي يكون قضاء، فإن قال: بأنه يعيدها جمعة، وهو الذي يَظْهَر - فيدخل القضاء في الجمعة، ولم أر أحدًا من الأصحاب تَعَرَّض له.

وإنْ قال: إنه يعيدها

(4)

ظهرًا - فبعيد؛ لأنَّ وقت الجمعة على الجملة باق.

وقول المصنف: "وإلا فإعادة" أي: وإن سُبقت بأداء مختل فإعادة، ومراده

(5)

بالمختل: ما فَقَد ركنًا أو شرطًا، هكذا صَرَّح

(1)

في (ص)، و (ك):"على".

(2)

أي: فلا يصح ما احتج به القاضي حسين لقوله.

(3)

يعني: أنَّ تعين ذلك الوقت للصلاة بالشروع إنما هو بفعل المكلف، لا بأمر الشرع، فالشروع فعل المكلف وليس هو أمر الشرع.

(4)

في (ت): "يصليها".

(5)

في (ك): "والمراد"، وفي (ت):"ومقصوده".

ص: 207

به

(1)

القاضي أبو بكر، فمعنى المختل: الفاسد

(2)

، فالإعادة على قول المصنف فِعْل مِثْلِ

(3)

ما مضى فاسدًا في الوقت. وقد يُورد على هذا بأن الثاني صحيح، فليس مِثْلًا للفاسد، ويجاب بأنهما اشتركا في الحقيقة الموصوفة بالصحة والفساد، وجُعل اسم الصلاة شاملًا للصحيح والفاسد حقيقة أو مجازًا، ولو صلى في أول الوقت صلاة صحيحة، ثم صلاها في الوقت إما على وجه أكمل من الأول أو على خلافه، فكلام الأصوليين يقتضي أنها لا تسمى إعادة بل أداء

(4)

.

والأقرب إلى إطلاقات الفقهاء أَنَّه تَصْدُق الإعادة عليها، واللغة تساعد على ذلك، فليكن هذا هو المعتمد

(5)

، ولا يجيء مِثْلُ هذا في الصوم، ولا

(1)

سقطت من (ص).

(2)

وهذا هو المشهور بين الأصوليين. انظر: جمع الجوامع 1/ 117، نهاية السول وحاشية المطيعي 1/ 110، 111، 114. وذهب القرافي إلى أنّ المراد بالخلل ما هو أعم من الإجزاء والكمال.

انظر: نفائس الأصول 1/ 325، البحر المحيط 2/ 41.

(3)

في (ت): "لمثل".

(4)

هي إعادة عند بعض الأصوليين رهم الذين لا يشترطون أنْ يَسْبق الإعادة خلل كالحنابلة وغيرهم. وأما القول بأنها أداء لا إعادة فيمكن أنْ يُقال بأنه مقتضى كلام الإمام وأتباعه وموافقيهم؛ إذ الإعادة عندهم مشروطة بما سُبِق بأداء مختل. ومفهوم كلام المصنف رحمه الله تعالى أنَّ الإعادة ليست قسمًا للأداء، بل قسيمًا له، وهو خلاف الراجح، والمسألة فيها خلاف كما سبق ذكره. انظر: شرح المحلي على الجمع 1/ 118، فواتح الرحموت 1/ 85.

(5)

أي: كونها أداء وإعادة، فهي أداءٌ نظرًا لكونها فُعِلت في الوقت، وإعادةٌ نظرًا لتكررها.

ص: 208

في الحج، فإنَّ مَنْ حج صحيحًا، ثم حج ثانيًا - كانت حجته (الثانية غير الأُولى)

(1)

، بخلاف الصلاة فإن الثانية هي الأُولى، ولهذا يَنْوي فيها الفرض، ولعل الأصوليين لا يوافقون على نية الفرض في الثانية، ويقولون: إنَّ الثانية صلاة مُئتدَأةٌ؛ فلذلك عرَّفوا الإعادة بما ذكروه

(2)

، ولكن نفس الشريعة تخالفه.

ولو حج فاسدًا ثم حج - فقد قلنا: إنه لا يسمى قضاء حقيقة

(3)

، وأما تسميته إعادة فلا يَمْتنع، وهذا هو الذي وَعَدنا به مِنْ قبل، فخرج مِنْ هذا أنَّ الإعادة: فِعْلُ مِثْلِ ما مضى، فاسدًا كان الماضي أو صحيحًا، أداءً أو غيره.

فبين الأداء والإعادة عموم وخصوص من وجه، ينفرد الأداء في الفعل الأول، وتنفرد الإعادة فيما إذا قضى صلاةً وأفسدها ثم أعادها

(4)

، وفي الحج كما صورناه

(5)

. ويجتمعان في الصلاة الثانية في الوقت على ما

(1)

في (ص)، و (ك):"الأولى غير الثانية".

(2)

أي: لا يوافقون أنْ ينوي الفرض في الصلاة الثانية، وقد كان صلى الفرض صحيحًا في الصلاة الأولى، بل الثانية صلاة مبتدأة غير الأولى؛ ولذلك اشترطوا في الإعادة أنْ تكون مسبوقة بصلاة فيها خلل، أي: بصلاة فاسدة. فالثانية غير الأولى. وهذا الذي ذكره الشارح إنما يتأتى على قول مَن اشترط الخلل في الإعادة.

(3)

لأنَّ شرط القضاء خروج الوقت، والحج يمتد وقته إلى آخر العمر.

(4)

يعني: ينفرد الأداء في أداء الصلاة في الفعل الأول داخل الوقت، فهو أداء لا إعادة. وتنفرد الإعادة فيما إذا قضى صلاة - أي: خارج الوقت - وأفسدها، ثم أعادها، فهذه إعادة وليست بأداء.

(5)

يعني: أفسد الحج الأول، ثم أعاده ثانية، فهذه إعادة وليست بأداء ولا قضاء.

ص: 209

اخترناه

(1)

، خلافًا للمصنف ومَنْ وافقه

(2)

، وكذا يكون بين الإعادة والقضاء عموم وخصوص من وجه

(3)

.

وقد تكلم الفقهاء في إعادة صلاة الجنازة ولا أداءَ فيها؛ إذ لا وقت معيَّن

(4)

، ولا يُسَمَّى القضاء الأول إعادة؛ لأنَّ القضاء بأمر جديد، فهو غير المأمور به في الوقت، وإنْ سميناه قضاءً للمشابهة. فإنَّ

(5)

الإعادة

(1)

يعني: يجتمع الأداء والإعادة في الصلاة الثانية في الوقت، بأن أدى الصلاة الأولى مختلة أو غير مختلة - كما هو رأي الشارح وغيره - ثم صلاها في الوقت ثانيًا، فهذه الصلاة الثانية يقال لها: أداء وإعادة.

(2)

قال القرافي في شرح تنقيح الفصول ص 76: "الإعادة: وهي إيقاع العبادة في وقتها بعد تقدم إيقاعها على خَلَل في الإجزاء (كمن صلى بدون ركن) أو في الكمال (كصلاة المنفرد). هذا هو لفظ المحصول في اشتراط الوقت، وأما مذهب مالك فإنَّ الإعادة لا تختص بالوقت، بل في الوقت لاستدراك الندوبات، أو بعد الوقت كفوات الواجبات". وهذا التفسير للخلل لم أجد غير القرافي قال به، والمشهور هو أنَّ المراد به الفساد كما سبق ذكره، وهو الأقرب والأظهر. وقال القرافي أيضًا في نفائس الأصول 1/ 325:"الإعادة قد تكون خارج الوقت، فاشتراطه الوقتَ يُصَيِّر الحدَّ غير جامع". يعني: اشتراط الإمام الوقت في الإعادة، وأنها هي العبادة المؤداة ثانيًا في وقتها المقدَّر لها - يجعل حدَّ الإعادة غير جامع؛ لأنَّه قد تكون الإعادة خارج الوقت. وبهذا يتبين أنَّ ما ذهب إليه الشارح رحمه الله تعالى في جَعْل الإعادة داخل الوقت وخارجه - لم ينفرد به، بل سبقه إلى ذلك مالك رضي الله عنه، وهو الذي رجحه القرافي رحمه الله تعالى.

(3)

فيجتمع القضاء والإعادة في فعل العبادة ثانيًا بعد خروج الوقت، وينفرد القضاء بفعل العبادة أولًا بعد خروج الوقت، وتنفرد الإعادة بفعل العبادة ثانيًا داخل الوقت.

(4)

في (ص): "يتعين".

(5)

في (ص): "كانت". وهو خطأ.

ص: 210

تستدعي من المماثلة أكثر مما يستدعي القضاء

(1)

.

وقول المصنف: "وإنْ وقعت بعده، ووجد فيه سبب وجوبها فقضاء" - موافق لقول "المحصول": إنَّ الفعل لا يُسمى قضاء إلا إذا وُجد سبب وجوب الأداء، مع أَنَّه لم يوجد الأداء

(2)

.

ومِنْ هنا تَوَهَّم بعضهم أنَّ المندوب لا يُسمى قضاء، وأنَّ قول الفقهاء بقضاء

(3)

الرواتب مجاز

(4)

. والذي يقتضيه كلام الأكثرين والاصطلاح أنَّه لا فرق بين الواجب والمندوب، فينبغي أن يقال: وَوُجد فيه سبب الأمر بها

(5)

.

واعلم أنَّ الشرط المذكور أعني: تقدم السبب يُذكر في شيئين:

(1)

قول الشارح: وقد تكلم الفقهاء في إعادة صلاة الجنازة. . . الخ معناه: أنَّه إذا صلى صلاة الجنازة وأفسدها، ثم قضاها - فلا يقال لهذا القضاء الأول إعادة؛ لأنَّ إطلاقَنا على صلاة الجنازة ثانيًا قضاءً - من باب المجاز للمشابهة، وإلا فإنَّ القضاء يحتاج إلى أمر جديد، والأمر الجديد يكون بعد الوقت، وصلاة الجنازة لا وقت لها، لكن لما كانت المشابهة بين القضاء والأداء أقلَّ من المشابهة بين الأداء والإعادة - أطلقنا على صلاة الجنازة ثانيًا قضاءً، ولم نُطْلق عليها إعادة؛ لأنها تستدعي مشابهة أكثر من القضاء.

(2)

انظر: المحصول 1/ ق 1/ 149، وانظر: شرح تنقيح الفصول ص 74.

(3)

في (ت): "تُقضى".

(4)

لأنَّه قال في المحصول: "الفعل لا يُسمى قضاء إلا إذا وُجد سبب وجوب الأداء"، والمندوب لا وجوب فيه، فالقضاء من خصائص الواجبات.

(5)

أي: بالعبادة. وفي (ت): "بهما". فيعود ضمير التثنية إلى الواجب والمندوب.

ص: 211

أحدهما: في الأمر بالقضاء، فلا يُؤمر بقضاء عبادة إلا إذا

(1)

تقدم سبب الأمر بأدائها، ونعني بالسبب: ما هو مُقتضِي لوجوبها أو الندب إليها، سواء أقارنه مانع من ترتب الحكم

(2)

عليه أم لا، ومتى تقدم السبب ولم تُفعل أُمِر بقضائها، ومتى لم يتقدم السبب أصلًا لم يُؤمر بالقضاء؛ فلذلك تارك الصلاة عمدًا يقضي لوجود السبب والوجوب

(3)

.

والنائم يقضي لوجود السبب الذي قارنه مانع الوجوب، وهو النوم، والطفل لم يوجد في حقه السبب أصلا

(4)

، فلا يُؤمر بالقضاء بعد البلوغ لا إيجابًا ولا ندبًا.

ولو أنَّ المميز ترك الصلاة ثم بلغ فالظاهر أَنَّه يستحب له قضاؤها، كما كان يستحب له أداؤها، إنْ قلنا: كان مأمورًا بأمر الشرع

(5)

.

والحائض لا يُستحب لها بعد الطهر قضاء الصلاة؛ لأنَّ سقوطها في حقها عزيمة، فليست أهلًا للصلاة، فلم يُوجد سبب الوجوب.

والمجنون سقوط القضاء في حقه رخصة؛ لأنَّه إنما سقط عنه تخفيفًا

(6)

.

(1)

في (ت)، و (ك):"إن".

(2)

في (ت): "حكمه".

(3)

السبب هو دخول الوقت، وكونه مكلفًا حال دخول الوقت، ووجوب الصلاة عليه هو الحكم.

(4)

يعني: الطفل لم يُوجد فيه السبب المقتضي للوجوب، وهو كونه مكلَّفًا حال دخول الوقت.

(5)

مفهومه: أنَّه إن قلنا بأن المميِّز مأمور بأمر الولي فلا يستحب له قضاؤها بعد البلوغ.

(6)

فحال المجنون كحال النائم، وجد فيه السبب، وقارنه مانع - الوجوب وهو =

ص: 212

الثاني: مما يذكر فيه تقدم السبب، تسمية القضاء

(1)

، فقد اقتضى كلام الإمام أَنَّه لا يُسَمَّى قضاء إلا إذا وُجد السبب، فيقتضي هذا أنَّ الطفل لو أراد أن يقضيَ ما فاته في طفوليته لا يُسمى ذلك قضاء، ولا يَصِح قضاءً، بل إنْ صَحَّ - صَحَّ نفلًا مطلقًا، وهذا صحيح؛ لأنَّ القضاء يستدعي تَقَدُّمَ أمرٍ وفوات، فمتى لم يُوجدا استحالت هذه التسمية.

فقد تحرر أنَّ الأداء: فعلُ العبادة في وقتها. والقضاء: فعل العبادة خارج وقتها.

ولا حاجة إلى قيد آخر؛ لأنَّه متى لم يتقدم سَبَبُها لا يكون المفعول بعد الوقت تلك العبادة، بل غيرها.

والإعادة: فِعْل العبادة مرة

(2)

بعد أخرى، إذا كانت أداء

(3)

أو قضاء أو غيرهما

(4)

.

وقولنا: فعل العبادة، نعني به الواقعة، فخرج به إنشاء التطوع بحجٍّ بعد حجِّ الفرض، أو بصلاةٍ مطلقةٍ بعد الفريضة والراتبة

(5)

، وظهر: أنَّ الإعادة

= الجنون - فكان ينبغي أنْ يقضي بعد الإفاقة من جنونه، كالنائم إذا استيقظ، لكن الشارع أسقط القضاء في حقه تخفيفًا.

(1)

يعني: نسمي الفعل قضاءً إذا تقدم سببه، فإن لم يتقدم لا نسميه قضاء.

(2)

في (ص): "من". وهو خطأ

(3)

سقطت من (ت)، و (غ).

(4)

أي: غير الأداء والقضاء، وهي العبادات غير المؤقتة التي لا توصف بأداء ولا قضاء.

(5)

يعني: قوله في تعريف الإعادة: "فعل العبادة"، يعني به العبادة التي وقعت، لا مطلق العبادة، فيخرج بهذا القيد إنشاء التطوع بعد الفرض، لأنَّه ليس إعادة للعبادة =

ص: 213

تدخل في جميع العبادات، والأداء والقضاء يدخلان في المؤقتة فقط.

وكل عبادة مؤقتة

(1)

يصح وصفها بالأداء والقضاء إلا الجمعة، فإنها توصف بالأداء، ولا توصف بالقضاء؛ لأنها لا تُقضى.

وأُورد على هذا أنه لا يُوصف بالشيء إلا ما أمكن وصفه بضده، كالإجزاء والصحة لا يُوصف بهما إلا ما أمكن وقوعُه غير مُجْزئ وغير صحيح، فكيف تُوصف الجمعة بالأداء؛ إذ لا تقع

(2)

غير مؤداة!

والجواب من وجهين:

أحدهما: منع تلك القاعدة على الإطلاق، فقد يُوصف بالشيء ما لا يُوصف بضده، وإنما خصوص الإجزاء والصحة اقتضى ذلك.

والثاني: أنّ الجمعة تُقضى ظهرًا، وبين الجمعة والظهر اشتراك في الحقيقة، فقَبِلت الوصف بذلك في الجملة

(3)

، وأيضًا لو أَنَّها وقعت بعد الوقت جمعة بجهل مِنْ فاعليها

(4)

-

= (أي: الفرض) بل إنشاء لها، فمن تنفل بالحج بعد أداء الفريضة ليس معيدًا للفرض، بل مُنشئ لتطوع جديد، وكذا الصلاة المطلقة بعد الفريضة الراتبة، ليست إعادة للفريضة ولا للراتبة، وكذا لو مثلنا بالراتبة، فإنها ليست إعادة للفريضة، بل إنشاء لعبادة جديدة.

(1)

سقطت من (ص).

(2)

في (ت): "ولا تقع".

(3)

أي: قبلت الجمعة وصف القضاء في الجملة؛ لأنَّ الظهر مُشْتَرِك مع الجمعة في حقيقة الصلاة، وإن كان يباينها من جهة العدد.

(4)

في (ص)، و (غ)، و (ك):"فاعلها".

ص: 214

فنسميها

(1)

قضاءً فاسدًا، فصح وصف الجمعة بالقضاء

(2)

(3)

كما صح وصف الصلاة بالفساد. وبقي من الأقسام الممكنة أنْ تقع العبادة المؤقتة قبل وقتها تعجيلًا، كإخراج صدقة الفطر في رمضان، فلا توصف بأداء ولا قضاء مع صحتها

(4)

، ووقوع الظهر قبل وقتها لا توصف بأداء ولا قضاء مع فسادها.

وقول المصنف: "وأمكن" أي: الفعل، ومَثَّل بالمسافر والمريض؛ ليبين

(5)

أنَّه لا فرق (بين أن يكون)

(6)

مانع الوجوب من جهة العبد كالسفر، أو من جهة الله تعالى كالمرض. وسيأتي إن شاء الله تعالى في المسألة السابعة من الفصل الثالث من هذا الباب الكلام مع

(7)

الفقهاء القائلين بأنه يجب الصوم على الحائض والمريض والمسافر.

(1)

في (ت)، و (غ):"سميناها".

(2)

في (ص): "بالأداء". وكلاهما صحيح؛ لأنَّ وصف الجمعة بالقضاء الفاسد يقتضي صحة وصفها بالأداء.

(3)

انظر: شرح تنقيح الفصول ص 75 - 76. وفي شرح الكوكب 1/ 365: . . . (سوى جمعة)، فإنها توصف بالأداء والإعادة إذا حصل فيها خلل، وأمكن تداركها في وقتها، ولا توصف بالقضاء؛ لأنها إذا فاتت صُلِّيت ظهرًا. اهـ.

(4)

وكذا الزكاة المعجلة قبل حَوَلان الحول - عند من يُجَوِّز تعجيلها - لا توصف بأداء ولا قضاء مع صحتها؛ لأنَّ الأداء والقضاء يُوصف بهما إذا دخل الوقت، وهنا لم يدخل الوقت بعد.

(5)

في (ص): "ليتبين".

(6)

في (ص): "بين كون".

(7)

في (ص): "الكلام في منع". وهو خطأ.

ص: 215

وقوله: "أو امتنع"، أي: الفعل، فإنَّ النائم يمتنع منه عقلًا أن يصلي.

والفقهاء يطلقون

(1)

أنَّ الصلاة واجبة عليه، (ولا معنى لذلك)

(2)

إلا ثبوتها في ذمته، كما تقول: الدَّين واجب على المُعْسِر.

وقد ذكر القاضي أبو بكر أنَّ الفقهاء يُطلقون التكليف على ثلاثة معان:

أحدها: المطالبة بالفعل أو الترك.

والثاني: بمعنى أنَّ عليه فيما سهى عنه أو نام فرضًا، وإنما يُخاطب بذلك قبل زوال عقله وبعده، فيقال له: إذا نسيت أو نِمْت في وقتٍ لو كنت فيه ذاكرًا أو يقظانًا لزمتك - فقد وجب عليك قضاؤها.

والثالث: على الفعل الذي ينوب مناب الواجب، كصلاة الصبي، وصوم المريض، وجمعة العبد إذا حضرها وفعلها، وحجُّ غير المستطيع، ويطلقون التكليف في ذلك

(3)

.

وهذا الذي نقله القاضي من اصطلاحهم فائدة توجب رفع الخلاف بين الفريقين في المعنى.

وامتناع الصوم شرعًا على الحائض بالإجماع، يحرم عليها ولا يصح

(4)

. وإمكانه من المسافر وصحته والاعتداد به لم يخالف فيه إلا

(1)

في (ص): "مطلقون".

(2)

في (ص): "ولا يجب لذلك". وهو خطأ.

(3)

أي: يطلقون التكليف تجوزًا. انظر: التقريب والإرشاد للباقلاني 1/ 239، تحقيق الدكتور عبد الحميد أبو زنيد.

(4)

انظر: المجموع 6/ 257.

ص: 216

الظاهرية، فقالوا: إنه لا يجزئه

(1)

؛ لقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر}

(2)

، وهم محجوجون بالأخبار التي تدل على الصوم في السفر في رمضان، ومعنى الآية: فأفطر فَعِدُّة من أيام أخر

(3)

.

(ولو ظَنَّ المكلف أَنَّه لا يعيش إلى آخر الوقت تَضَيَّق عليه، فإن عاش وفَعَل في آخره فقضاءٌ عند القاضي، أداءٌ عند الحجة؛ إذ لا عبرة بالظن الْبَيِّنُ خطؤُه).

قوله: "تَضَيَّق عليه" - معناه: يَقْضِي بالتأخير عنه

(4)

. والحجة هو

(1)

في المجموع 6/ 264: "قالت الشيعة: لا يصح، وعليه القضاء، واختلف أصحاب داود الظاهري فقال بعضهم: يصح صومه، وقال بعضهم: لا يصح. وقال ابن المنذر: كان ابن عمر وسعيد بن جبير يَكْرهان صوم المسافر. قال: ورُوِّينا عن ابن عمر رضي الله عنه أنَّه قال: إن صام قضاه. قال: ورُوي عن ابن عباس قال: لا يجزئه الصيام. وعن عبد الرحمن بن عوف قال: الصائم في السفر كالمفطر في الحضر. وحكى أصحابنا بطلان صوم المسافر عن أبي هريرة وأهل الظاهر والشيعة". وفي فتح الباري 4/ 183: "وقد اختلف السلف في هذه المسألة، فقالت طائفة: لا يُجزئ الصوم في السفر عن الفرض، بل مَنْ صام في السفر وجب عليه قضاؤه في الحضر. . . . وهذا قول بعض أهل الظاهر، وحكي عن عمر وابن عمر وأبي هريرة والزهري وإبراهيم النخعي وغيرهم".

(2)

سورة البقرة: 184، 185.

(3)

انظر ما سبق في: المحصول 1/ ق 1/ 148، الحاصل 1/ 247، التحصيل 1/ 179، شرح تنقيح الفصول ص 72، البحر المحيط 2/ 40، شرح الكوكب 1/ 365، المستصفى 1/ 320، فواتح الرحموت 1/ 85، نهاية السول 1/ 109، السراج الوهاج 1/ 122، شرح الأصفهاني 1/ 76، شرح المحلي على جمع الجوامع 1/ 108، فتح الغفار 1/ 40، شرح مختصر الروضة 3/ 471.

(4)

لأنَّه لما كان الوجوب مضَيَّقًا يحرم تأخيره - لزمه القضاء بالتأخير عنه؛ لأنَّه خرج وقته.

ص: 217