المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(الرابعة: التكليف يتوجه حال المباشرة. وقالت المعتزلة: بل(2)قبلها) - الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي - جـ ٢

[تاج الدين ابن السبكي - تقي الدين السبكي]

فهرس الكتاب

- ‌(قال المصنف رحمه الله

- ‌البحث الثاني: في تعريف معنى أصول الفقه اللقبي:

- ‌البحث الثالث: في الفرق بين المعاني الثلاثة وتعريفاتها، وما بينها من النسب

- ‌الوجه الثاني من الكلام على التعريف: الباء في قوله: (بالأحكام)

- ‌الوجه الثالث: قوله: "بالأحكام

- ‌الوجه الرابع قوله: "الشرعية

- ‌الوجه الخامس قوله: "العملية

- ‌الوجه السادس: قوله: "المكتسب من أدلتها

- ‌الوجه السابع: قوله: "التفصيلية

- ‌مقدمة

- ‌(الباب الأول: في الحكم. وفيه فصول:

- ‌الفصل الأول: في تعريفه

- ‌(الفصل الثاني: في تقسيمه

- ‌الأول: الخطاب إن اقتضى الوجود ومنَع النقيض فوجوب

- ‌(الثاني: ما نُهِي عنه شرعًا فقبيح، وإلا فحسن، كالواجب، والمندوب، والمباح، وفِعْلِ غير المكلف)

- ‌(الثالث: قيل: الحكم إما سبب، وإما مسبب

- ‌(الرابع: الصحة: استتباع الغاية

- ‌(الخامس: العبادة إنْ وقعت في وقتها المعيَّن

- ‌(السادس: الحكم إنْ ثبت على خلاف الدليل لعذر فرخصة

- ‌(الفصل الثالث: في أحكامه.وفيه مسائل:

- ‌الأولى: الوجوب قد يتعلق بمعَيَّن، وقد يتعلق بمُبْهم من أمور معينة، كخصال الكفارة، ونَصْب أحد المُسْتَعِدِّينَ للإمامة

- ‌(الثانية: الوجوب إنْ تَعَلَّق بوقت: فإما أنْ يُساويَ الفعلَ كصوم رمضان وهو المضيَّق

- ‌(الثالثة: الوجوب إنْ تناول كلَّ واحد كالصلوات الخمس

- ‌(الرابعة: وجوب الشيء مطلقًا يُوجِب وجوبَ(6)ما لا يتم إلا به وكان مقدورا)

- ‌(الخامسة: وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه

- ‌(السادسة: الوجوب إذا نُسخَ بقي الجواز خلافًا للغزالي

- ‌(السابعة: الواجب لا يجوز تركه. قال الكعبي: فعل المباح ترك الحرام وهو واجب. قلنا: لا بل به يحصل)

- ‌(الباب الثاني: فيما لا بد للحكم منه. وهو الحاكم، والمحكوم عليه، وبه

- ‌(فرعان على التَّنَزُّل:

- ‌ الأول: شكر المنعم ليس بواجب عقلًا

- ‌ حكم الأشياء قبل ورود الشرع

- ‌(الفصل الثاني: في المحكوم عليه.وفيه مسائل:

- ‌الأولى: يجوز الحكم على المعدوم:

- ‌فائدة:

- ‌تنبيه:

- ‌ امتناعَ تكليفِ الغافلِ

- ‌(الثالثة: الإكراه الملجئ يمنع التكليف؛ لزوال القدرة)

- ‌(الرابعة: التكليف يتوجه حال المباشرة. وقالت المعتزلة: بل(2)قبلها)

- ‌(الفصل الثالث: في المحكوم به.وفيه مسائل:

- ‌الأولى: التكليف بالمحال جائز

- ‌فائدة:

- ‌فائدة:

- ‌(الثانية: الكافر مُكلَّف بالفروع خلافًا للحنفية(2)، وفرَّق قوم بين الأمر والنهي)

- ‌خاتمة

- ‌(الثالثة: امتثال الأمر يُوجب الإجزاء؛ لأنه إن بقي متعلقًا(1)به فيكون أمرًا بتحصيل الحاصل

الفصل: ‌(الرابعة: التكليف يتوجه حال المباشرة. وقالت المعتزلة: بل(2)قبلها)

ومنها: إذا أكْرِه حتى أكل بنفسه وهو صائم، أو أكرهت المرأة حتى مكَّنت من نفسها - ففي الفطر قولان

(1)

.

ومنها: إذا حلف بالله مكرهًا انعقدت يمينه على وجه، حكاه ابن الرفعة.

قال: ‌

‌(الرابعة: التكليف يتوجه حال المباشرة. وقالت المعتزلة: بل

(2)

قبلها)

.

هذه

(3)

المسألة من مشكلات المواضع، وفيها اضطراب في المنقول، وغَوْر في المعقول

(4)

، ونحن نذكر مقالات الناس، والتنبيه على جهة الاختلاف، ثم نعمد إلى الرأي الأسَدِّ فنناضل عنه. فنقول:

قال القاضي في "مختصر التقريب" باختصار إمام الحرمين: "الفعل مأمور به في حال حدوثه. ثم قال المحققون من أصحابنا: الأمر قبل حدوث الفعل المأمورِ به أمرُ إيجابٍ وإلزام، ولكنه يتضمن الاقتضاءَ والترغيبَ والدلالةَ على امتثال الأمور به، وإذا تحقق الامتثالُ فالأمر يتعلق به، ولكن

= فأُسقط أثره. وفي الأشباه والنظائر للسيوطي ص 204: "الإكراه على فعل ينافي الصلاة، فتبطل قطعًا؛ لندوره".

(1)

انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص 204.

(2)

سقطت من (ص)، و (ك)، و (غ).

(3)

سقطت من (ص)، و (ك)، و (غ).

(4)

قال القرافي رحمه الله تعالى في شرح تنقيح الفصول ص 146: "هذه المسألة لعلها أغمض مسألةٍ في أصول الفقه".

ص: 421

لا يقتضي ترغيبًا مع تحقق المقصود، ولا يقتضي دلالةً، بل يقتضي كونه طاعة بالأمر المتعلِّق. وذهب بعض مَنْ ينتمي إلى أهل الحق إلى أنَّ الأمر إنما

(1)

يقتضي الإيجاب على التحقيق إذا قارن حدوث الفعل، وإذا تقدم عليه فهو أمر إنذارٍ وإعلامٍ بحقيقة الوجوب عند الوقوع. وهذا باطل، والذي نختاره تحقق الوجوب قبل الحدوث، وفي حال الحدوث، وإنما تفترق الحالتان فيما قدمناه من الترغيب والاقتضاء والدلالة، فإن ذلك يتحقق قبل الفعل ولا يتحقق معه.

وزعمت القدرية بأسرها: أن الفعل في حال حدوثه يستحيل أن يكون مأمورًا به، ولا يتعلق به الأمر إلا قبل وجوده. ثم طردوا مذهبهم في جملة الأحكام الشرعية، فلم يَصِفوا كائنًا بحظر ولا وجوب ولا ندب، وإنما أثبتوا هذه الأحكام قبل تحقق الحدوث.

ثم افترقوا فيما بين أظهرهم:

فقال بعضهم: لا يصحّ تقدمُ الأمر على المأمور به بأكثر من وقت واحد

(2)

.

وصار الأكثرون منهم إلى جواز تقدمه عليه بأوقات

(3)

.

ثم الذين صاروا إلى هذا المذهب اختلفوا في أنه: هل يُشترط بقاء المكلَّف في الأوقات المتقدمة على حدوث المأمور به - على أوصاف

(1)

سقطت من (ت).

(2)

يعني: فلا يصح أن يُؤمر بالعصر إلا في وقت الظهر، لا قبله.

(3)

أي: فيصح أن يؤمر بصلاة العشاء في وقت الفجر مثلًا.

ص: 422

التكليف؟

فمنهم من شرط كونه مستجمعًا لشرائط

(1)

التكليف في كل

(2)

الأوقات المتقدمة.

وزعم بعضهم أنا لا نشترط ذلك، وإنما نشترط اجتماع الأوصاف عند حدوث الفعل، ويُشْترط

(3)

في الأوقات المتقدمة عليه كونُ المخاطب ممن يفهم الخطاب.

ثم افترقوا بعد ذلك في أصل آخر، وذلك أنهم قالوا: هل يجوز أن يتقدم الأمر على المأمور به بأوقات، من غير أن يكون فيه لطف ومصلحة زائدة على التبليغ من المبلِّغ، والقبولِ من المخاطَب؟

فمنهم مَنْ شرط أن يكون في ذلك لطف يعلمه الله، ومنهم من لم يشترط ذلك"

(4)

انتهى.

وهو أثبت منقول في المسألة، وصريحُ نقلِ إمام الحرمين في "البرهان"

(5)

: أن مذهب أصحاب

(6)

الشيخ: أن الفعل في حال حدوثه مأمور به. ثم ذكر في تعليله ما يدل على أنه ليس بمأمور به قبل حدوثه،

(1)

في (غ): "بشرائط".

(2)

سقطت من (ت).

(3)

في التلخيص 1/ 445: و"نشترط".

(4)

انظر: التلخيص 1/ 443 - 445.

(5)

البرهان 1/ 976.

(6)

سقطت من (ت).

ص: 423

وهذا هو الذي يقتضيه أصلهم: وهو أن الاستطاعة عندهم مع الفعل لا قبله.

فإن قلت: أصلهم الآخر وهو تجويز التكليف بما لا يطاق - يقتضي جواز الأمر بالفعل حقيقة قبل الاستطاعة، فعلى هذا يكون المأمور مأمورًا قبل التلبس بالفعل.

قلت: لعلهم فَرَّعوا هذا على استحالته، أو أنهم وإنْ جوزوه فلم يقولوا بوقوعه، ويكون كلامهم هنا بناء على عدم الوقوع.

ثم اختار إمام الحرمين مذهب المعتزلة من الأمر بالحادث قبل الحدوث، وعدم الأمر به مع الحدوث. وقال: "أما أنْ يتجه

(1)

القول في تعلق الأمر به طلبًا واقتضاءً مع حصولهِ - مذهبٌ لا يرتضيه لنفسه عاقل"

(2)

.

وأما الغزالي فإنه قال: بوجود الأمر قبل الفعل، وسلَّم مقارنة القدرة للفعل

(3)

، ومن هنا خالف قولَ إمامه، فإن إمامه رأى أنَّ

(4)

القدرة: هي التمكن، وحالةُ الوجود تُنافي التمكنَ من الفعل والترك، فيتعين الوقوع،

(1)

في البرهان 1/ 279: "فأما أن ينجزم"، وعبارة "يتجه" أولى وأحسن؛ لأن المعنى: فأما أن يستحسن ويستسيغ عاقل. . . إلخ، ولا علاقة للجزم بالكلام، وإنْ كان يمكن فهم الكلام به، لكن الأقرب هو عبارة:"يتجه". وقد أشار محقق "البرهان" إلى نسخة فيها: "يتجه".

(2)

البرهان 1/ 279.

(3)

فقبل أن يَفْعل هو مأمور، مع أن القدرة على الفعل لا تكون إلا مع الفعل لا قبله.

(4)

سقطت من (ت).

ص: 424

كذا قال القرافي

(1)

. وهذه عبارة الغزالي: "لا أمر إلا بمعدوم يمكن حدوثه، وهل يكون الحادث (في أول حال)

(2)

حدوثِه مأمورًا كما كان قبل الحدوث، أو يخرج عن كونه مأمورًا كما في الحالة الثانية من

(3)

الوجود؟ اختلفوا فيه، وفيه بحث كلامي لا يليق بمقاصد أصول الفقه ذِكْرُه"

(4)

.

وأما الإمام فقال: "ذهب بعض أصحابنا إلى أن المأمور إنما يصير مأمورًا حالةَ زمان الفعل، وأما قبل ذلك فلا يكون أمرًا، بل هو

(5)

إعلام له بأنه في الزمان الثاني سيصير مأمورًا

(6)

. وقالت المعتزلة: إنما يكون مأمورًا بالفعل قبل وقوعه"

(7)

، ثم استدل على أنه (لا يمتنع)

(8)

كونه مأمورًا حال

(1)

أي: القدرة: هي التمكن من الفعل والترك، وحالة وجود الفعل تنافي التمكن من الفعل والترك؛ لأنه يتعين الوقوع، إذن لا بد أن تكون القدرة سابقة لوجود الفعل؛ لأن التمكن من الفعل والترك لا يكون إلا قبل وجود الفعل. وانظر مقولة القرافي في نفائس الأصول 4/ 1647.

(2)

في (ت): "من أول".

(3)

في (ص): "في".

(4)

المستصفى 1/ 285.

(5)

سقطت من (ت).

(6)

قال القرافي: "معناه: أنه إعلام له بأنه مأمور زمن الملابسة، ونعني بالإعلام الإعلام الذي يصحب الأمر على سبيل اللزوم، كما نقول: كل مَنْ أمر شخصًا فقد لزم أمرَه خبرٌ لزوميٌّ: أنه يعاقبه إذا لم يفعل. . . أما الإعلام الصرف فليس مراده". نفائس الأصول 4/ 1645.

(7)

المحصول 1/ ق 2/ 456.

(8)

في (ت): "لا يُمْنع".

ص: 425

حدوث الفعل.

وإذا تُؤُمِّل دليله أرشد إلى أنه أختار ما حكاه عن بعض الأصحاب من أن التكليف يتوجه حال المباشرة ولا يتوجه قبلها. وهذا هو المذهب الذي حكاه القاضي عن بعض مَنْ ينتمي إلى

(1)

أهل الحق وقال إمام الحرمين: "لا يرتضيه لنفسه عاقل".

ولم يتعرض الإمام إلى حكاية القول الذاهب إلى أنه مأمور قبل الحدوث ومع الحدوث، وهو الذي ذهب إليه المحققون من أصحابنا كما قاله القاضي، بل حاصل ما فعل

(2)

أنه اختار أحد مذهبَيِ الأصحاب، واقتصر مع حكايته على حكاية مذهب المعتزلة.

وقال الآمدي: "اتفق الناس على جواز التكليف بالفعل

(3)

قبل حدوثه سوى شذوذ من أصحابنا"

(4)

. انتهى.

وهذ الذي ادعى الاتفاق على خلافه إلا عن شذوذ - هو أحد شِقَّيْ ما اختاره الإمام، ونَصَبه محلَّ النزاع مع المعتزلة. قال:"وعلى امتناعه بعد حدوث الفعل، واختلفوا في جواز تعلقه به في أول زمان حدوثه، فأثبته أصحابنا، ونفاه المعتزلة"

(5)

. انتهى.

(1)

سقطت من (ت).

(2)

أي: الإمام.

(3)

سقطت من (ت).

(4)

الإحكام 1/ 212.

(5)

الإحكام 1/ 212.

ص: 426

وهو ما أشعر به كلام الغزالي المتقدم، وهو نَقْلٌ

(1)

مُتْقَنٌ مُحَرَّر، واتبعه عليه ابن الحاجب، إلا أنه نَسَب القول بانقطاع التكليف حال حدوث الفعل إلى الشيخ

(2)

، وليس بجيد، فليس للشيخ في المسألة صريح كلام، وإنْ كان ذلك يُتلقى من قضايا مذهبه.

وقال ابن بَرْهان

(3)

في أصوله: "الحادث

(4)

في حال حدوثه مأمور به

(5)

خلافًا للمعتزلة"

(6)

. انتهى.

ولم يتعرض له قبل الحدوث، وأما صاحب الكتاب فمِن شعاب الإمام نبع

(7)

، وقد أوردنا من النقول في المسألة ما فيه كفاية للمتبصر.

(1)

سقطت من (ت).

(2)

انظر: بيان المختصر 1/ 431.

(3)

هو أحمد بن علي بن محمد بن بَرْهان الأصوليّ. ولد ببغداد سنة 479 هـ على الراجح. كان أولًا حنبلي المذهب ثم انتقل وتفقَّه على الشاشي والغزَّالي وإلكيا. كان حاذق الذهن، عجيب الفطرة لا يكاد يسمع شيئًا إلا حفظه. له ستة كتب في أصول الفقه منها: الأوسط، والوجيز. توفي ببغداد سنة 518 هـ، وقيل غير ذلك. انظر: الطبقات الكبرى 6/ 30، شذرات 4/ 61، مقدمة تحقيق "الوصول إلى الأصول" للدكتور عبد الحميد أبو زنيد 1/ 9.

(4)

نصُّ ابنِ بَرْهان: "الفعل الحادث".

(5)

سقطت من (ت)، و (غ)، و (ك).

(6)

انظر: الوصول إلى الأصول 1/ 174.

(7)

في (ت): "تبع". وهو خطأ. وفي (ص): "نبغ". وهو بمعنى: نبع. انظر: لسان العرب 8/ 453، مادة (نبغ). والمثبت من (غ)، والمعنى: أن كلام المصنف نَبَع وظهر من شعاب كلام الإمام رحمهما الله تعالى، فهو تابع للإمام في كلامه.

ص: 427

قال: (لنا: أن القدرة حينئذ قبل التكليف في الحال بالإيقاع في ثاني الحال. قلنا: الإيقاع إنْ كان نفس الفعل فمحالٌ في الحال، وإنْ كان غيرَه فيعود الكلام إليه (ويتسلسل)

(1)

. قالوا: عند المباشرة واجب الصدور. قلنا: حال القدرة والداعية كذلك).

قد علمتَ اتباعه للإمام في اختيار أنَّ التكليف إنما يتوجه حالَ المباشرة ولا يتوجه قبلها.

واستدل عليه: بأن التكليفَ مشروطٌ بحصول قدرة المكلَّف، وحينئذ يكون

(2)

التكليف متوجهًا حال المباشرة، ولا يكون متوجهًا قبلها. أما تحقق القدرة حال المباشرة (فلأن المراد من القدرة: التمكن من الفعل، والتمكن حاصلٌ حينئذ. وأما انتفاؤها قبل المباشرة)

(3)

فلأن الفعل قبل المباشرة ممتنع الوقوع؛ إذ لو كان ممكن الوقوع لأمكن أن يُفرض وقوعُه، ويكون (ما فرضناه)

(4)

أنه قبل المباشرة هو حال المباشرة، وهذا خلف. فوضح أن الفعل قبل المباشرة ممتنع الوقوع، والممتنع لا قدرة عليه.

قوله: "قبل التكليف". أجاب الخصم عن القول: بأنه إذا كان ممتنعًا قبل المباشرة (فلا يكلف به: بأن التكليف الذي ادعينا أنه ثابت قبل المباشرة)

(5)

ليس هو التكليف بنفس الفعل حتى يلزم ما

(1)

سقطت من (ص)، و (ك).

(2)

في (ص): "فيكون".

(3)

سقطت من (ت).

(4)

في (ت): "ما فرضنا".

(5)

سقطت من (ت).

ص: 428

ذكرتم، بل التكليف في الحال - يعني: قبل المباشرة - تكليفٌ بالإيقاع في ثاني الحال، يعني: حال المباشرة.

واعترض المصنف على هذا الجواب: بأن الإيقاع المكلَّفَ به إن كان نفس الفعل فالتكليف به في الحال. أي: حالَ قبلَ الفعل محالٌ؛ وذلك

(1)

لأنه يلزم من امتناع التكليف بالفعل قبل مباشرته امتناع التكليف بالإيقاع، إذ الفرض

(2)

أن الإيقاع هو نفس الفعل

(3)

.

وإنْ كان الإيقاع غير الفعل فيعود الكلام إليه، أي: إلى هذا الإيقاع الذي كُلِّف به، ويقال: هذا الإيقاع الذي وقع التكليف به إنْ وقع التكليف به حالَ وقوع الإيقاع - لزم المدعى: وهو توجه التكليف حال المباشرة. وإن وقع التكليف به قبله - لزم أن يكون مكلفًا بما لا قدرة له عليه؛ لأنا قررنا أن القدرة مع الفعل.

فإنْ قلت: التكليف - قبل الإيقاع - بإيقاع الإيقاع في ثاني الحال.

قلت: يعود الكلام إليه أيضًا، ويُقال: إيقاع الإيقاع الذي كُلِّف به إما أن يكون نفس الفعل، أو غيره، ويتسلسل؛ فتعيَّن أن يكون توجه التكليف حال المباشرة لا قبلها.

قوله: "قالوا" إشارةٌ إلى حجةٍ ذَكَرها المعتزلة: وهي أنَّ الفعل حال

(1)

تعليل لاستحالة التكليف في الحال.

(2)

في (ص): "الغرض" - بالغين - وهو خطأ.

(3)

فكما امتنع التكليف بالفعل قبل المباشرة، لا بد أن يمتنع الإيقاع؛ لأنهما شيء واحد.

ص: 429

المباشرة واجب الصدور عن المكلف

(1)

؛ لامتناع الترك منه حينئذ، وكل ما كان واجب الوقوع فليس بمقدور

(2)

، وما ليس بمقدور لا يتوجه التكليف نحوه

(3)

؛ فلا يتوجه التكليف نحو الفعل حال المباشرة

(4)

.

وأجاب: بأنه لما كانت القدرة: هي التمكن من الفعل. والداعية: هي ميل الإنسان إلى الفعل أو الترك إذا عَلِمَ أو ظَنَّ أن له في الفعل مصلحةً أو مفسدة. وإذا اجتمعت القدرة والداعية سميت علةً تامة، وإذا وجدت فقيل: يجب وقوع الفعل، وقيل: لا يجب، بل يكون الفعل أولى.

إذا

(5)

عرفت هذا فنقول: الفعل يترتب وجوده على وجود القدرة مع الداعية، فيكون مأمورًا حال القدرة والداعية عند الخصم؛ لكونه من جملة الأزمان التي قبل الفعل، مع أنَّ الفعل واجبُ الصدور في تلك الحالة

(6)

؛ فانتفى ما ذكرتموه

(7)

.

(1)

هذه مقدمة صغرى.

(2)

هذه مقدمة كبرى.

(3)

هذه مقدمة كبرى ثانية.

(4)

هذه النتيجة. وهذا قياسٌ مركب لأنه متكون مِنْ قضايا أكثر من اثنين.

(5)

في (ص): "وإذا".

(6)

أي: في حالة العلة التامة.

(7)

يعني: لما أنكر المعتزلة التكليف بالفعل حال المباشرة؛ بعلة أن الفعل حال المباشرة واجب الصدور غير مقدورٍ عليه، فيمتنع التكليف به. ردَّ عليهم: بأنهم يقولون بالتكليف قبل المباشرة، مع أن الفعل قبل المباشرة واجب الصدور أيضًا؛ لوجود العلة التامة، وهي القدرة والداعية، فيلزمهم أن لا يقولوا بالتكليف قبل المباشرة؛ لأن صدور الفعل واحبٌ غير مقدورٍ عليه.

ص: 430

ويمكن أن يقرر على وجه آخر فيقال: القدرة مع الداعي مؤثرة في وجود الفعل، ولا امتناع من

(1)

كون المؤثر مقارنًا للأثر، فتكون القدرة مقارنة للفعل مع كونه واجب الوقوع؛ فبطل دعواكم أنَّ ما كان واجب الصدور لا يكون مقدورًا

(2)

.

والتقرير الأول أقرب إلى كلام المصنف، وهو يتمشى على (تقدير التزام الخصم أن العلةَ مع المعلول

(3)

.

والثاني

(4)

: يتمشى على)

(5)

تقدير

(6)

قوله: العلة قبل المعلول. وتوجيه

(7)

كلام المصنف على التقرير الثاني أن يقال: قلنا

(8)

يكون التكليف حال القدرة والداعية معه، ويلزم من مجموعهما وجوبُ الوقوع.

(1)

في (ص): "في".

(2)

الفرق بن التقرير الأول لكلام المصنف والتقرير الثاني: أن التقرير الأول إلزام للخصم بنفس دعواه لإبطال مذهبه. والتقرير الثاني: إبطالٌ لذات الدليل، وهو امتناع القدرة مع وجوب الوقوع، وأنه لا امتناع في ذلك، مثل المؤثر يجب وقوع أثره، وهو مقارن له.

(3)

أي: العلة مقارنة للمعلول لا قبله؛ لأنه لو قَدَّر أن الخصم لا يلتزم بهذا ويقول: بأن العلة قبل المعلول، فإن هذا يعني أن وجود القدرة والداعية لا يوجب وقوع الفعل، فيبطل رد المصنف عليهم.

(4)

أي: التقرير الثاني.

(5)

سقطت من (ت).

(6)

في (ص): "تقرير". وهو خطأ.

(7)

في (ت): "وتوجه".

(8)

في (ص): "فإما". وهو خطأ؛ لأن جواب المصنف: "قلنا حال القدرة والداعية كذلك" - بناءً على التقرير الأول، فأراد الشارح أن يُبين كيف يكون جوابه على التقرير الثاني.

ص: 431

وقد اعترض العِبْري

(1)

: بأنه إذا كان الفعل قبل المباشرة غيرَ مقدور عليه، وعند المباشرةِ واجب الوقوعِ - فيلزم التكليف بالممتنع أو الواجب، وهو محال. هذا شرح ما في الكتاب على الاختصار، والمسألة دخيلة في هذا العلم، والكلام فيها مما لا يكثر جدواه، والذي نقوله: إن الحق في إحدى جهتين إلى الأشاعرة مَرْجِعُهما:

إحداهما: القول بأن التكليف متوجه قبل المباشرة، وحال المباشرة أيضًا، وهو المنقول عن المحققين.

والثانية: أن التكليف لا يتوجه إلا حال المباشرة. وهو مختار الإمام، وصاحب الكتاب، وهو عندنا منقدح

(2)

، لا يمنعنا عن الجزم به إلا ما سنذكره بعد سؤال وجواب سنوردهما

(3)

إن شاء الله تعالى.

فإن قلت: هذا يؤدي إلى أن المكلَّف لا يَعصي بترك مأمور به؛ لأنه إنْ اتى به كان ممتثلًا، وإن لم يأت كان معذورًا لعدم التكليف.

قلت: هذا من الأسئلة التي قامت بها الشناعة على القائل بهذه المقالة، وجوابه عندنا دقيق فنقول: إذا كان التكليف متوجهًا حال المباشرة - فهو

(1)

هو عبيد الله بن محمد الهاشمي الحسيني الفرغانيّ الشريف المعروف بالعِبْري، الشافعي. كان عارفًا بالأصلين، وشرح مصنفات القاضي ناصر الدين البيضاوى "المنهاج"، و"المطالع" و"الغاية"، و"المصباح". ولي قضاء تِبْريز، وتوفي سنة 743 هـ. انظر: الدرر 2/ 433، شذرات 6/ 139.

(2)

أي: متجه، له حظ من النظر.

(3)

في (ص): "نوردهما".

ص: 432

في حال ترك المأمور به مباشر للترك، والترك فِعْلٌ وهو حرام، فقد باشر الترك؛ فتوجَّه عليه التكليف بالحرمة حال مباشرة الترك، والعقاب ليس إلا على الترك، وهذا في غاية الحسن.

وقد أشار إليه إمام الحرمين في مسألة تكليف ما لا يطاق

(1)

، وهو أجل ما يستفاد من شرحنا في هذه المسألة

(2)

، وليس عندي فيه

(3)

إلا أنه يلزم منه أن يقال: تارك الصلاة مثلًا غير مكلَّف بالصلاة، بل بتَرْك تَرْك الصلاة الذي يلزم منه الصلاة

(4)

، وقد ادَّعى إمام الحرمين اتفاقَ أهل الإسلام على أن القاعد في حال قعوده مأمور بالقيام، فإنْ صح الإِجماع هكذا فهو

(5)

يَصُدُّ عن القول بأن التكليف لا يتوجه إلا حال المباشرة، وإنْ أمكن ردُّه إلى تَرْك التَّرْك كما قررناه فهذا المذهب منقدح

(6)

(7)

.

(1)

انظر: البرهان 1/ 103.

(2)

أي: هذا الذي بيناه: وهو أن الترك فِعْلٌ، فالتارك مكلَّف بترك تركه - أجلُّ ما يستفاد من شرحنا في هذه المسألة.

(3)

أي: ليس عندي في هذا الجواب شك أو شبهة.

(4)

لأنَّ سَلْبَ السلب إثبات.

(5)

في (ص): "فهل". وهو خطأ؛ لأن المقامَ مقامُ تقريرٍ لا استفهام.

(6)

المعنى والله أعلم: أنه إنْ صَحَّ الإجماع على أن القاعدَ مأمورٌ بالقيامِ حال قعوده - فهذا الإجماع يَصُدُّ عن القول بأن التكليف لا يتوجه إلا حال المباشرة. لكن إنْ أمكن ردُّ هذا الإجماع إلى تَرْك التَّرْك كما قَرَّره الشارح - فنقول: القاعد: مأمور بترك ترك القيام، الذي يلزم منه القيام، فيكون القاعد مكلَّفًا حال مباشرته ترك القيام، لا أنه مكلَّف قبل مباشرة القيام كما ادعى إمام الحرمين، لأن تركه للقيام فِعْلٌ وهو مباشر له، فتكليفه بتركه - تكليفٌ حال المباشرة لا قبله، فعلى هذا يتجه مذهب الإمام والمصنف، ويكون له حظ من النظر.

(7)

انظر المسألة في: المحصول 1/ ق 2/ 456، التحصيل 1/ 332، الحاصل 1/ 485. =

ص: 433

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الإحكام 1/ 212، جمع الجوامع مع المحلي 1/ 216، نهاية السول 1/ 329، السراج الوهاج 1/ 214، بيان المختصر 1/ 431، شرح العضد على ابن الحاجب 2/ 14، شرح تنقيح الفصول ص 146، تيسير التحرير 2/ 141، فواتح الرحموت 1/ 134، شرح الكوكب 1/ 493.

ص: 434

الفصل الثالث: المحكوم به

ص: 435