المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(الخامسة: وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه - الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي - جـ ٢

[تاج الدين ابن السبكي - تقي الدين السبكي]

فهرس الكتاب

- ‌(قال المصنف رحمه الله

- ‌البحث الثاني: في تعريف معنى أصول الفقه اللقبي:

- ‌البحث الثالث: في الفرق بين المعاني الثلاثة وتعريفاتها، وما بينها من النسب

- ‌الوجه الثاني من الكلام على التعريف: الباء في قوله: (بالأحكام)

- ‌الوجه الثالث: قوله: "بالأحكام

- ‌الوجه الرابع قوله: "الشرعية

- ‌الوجه الخامس قوله: "العملية

- ‌الوجه السادس: قوله: "المكتسب من أدلتها

- ‌الوجه السابع: قوله: "التفصيلية

- ‌مقدمة

- ‌(الباب الأول: في الحكم. وفيه فصول:

- ‌الفصل الأول: في تعريفه

- ‌(الفصل الثاني: في تقسيمه

- ‌الأول: الخطاب إن اقتضى الوجود ومنَع النقيض فوجوب

- ‌(الثاني: ما نُهِي عنه شرعًا فقبيح، وإلا فحسن، كالواجب، والمندوب، والمباح، وفِعْلِ غير المكلف)

- ‌(الثالث: قيل: الحكم إما سبب، وإما مسبب

- ‌(الرابع: الصحة: استتباع الغاية

- ‌(الخامس: العبادة إنْ وقعت في وقتها المعيَّن

- ‌(السادس: الحكم إنْ ثبت على خلاف الدليل لعذر فرخصة

- ‌(الفصل الثالث: في أحكامه.وفيه مسائل:

- ‌الأولى: الوجوب قد يتعلق بمعَيَّن، وقد يتعلق بمُبْهم من أمور معينة، كخصال الكفارة، ونَصْب أحد المُسْتَعِدِّينَ للإمامة

- ‌(الثانية: الوجوب إنْ تَعَلَّق بوقت: فإما أنْ يُساويَ الفعلَ كصوم رمضان وهو المضيَّق

- ‌(الثالثة: الوجوب إنْ تناول كلَّ واحد كالصلوات الخمس

- ‌(الرابعة: وجوب الشيء مطلقًا يُوجِب وجوبَ(6)ما لا يتم إلا به وكان مقدورا)

- ‌(الخامسة: وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه

- ‌(السادسة: الوجوب إذا نُسخَ بقي الجواز خلافًا للغزالي

- ‌(السابعة: الواجب لا يجوز تركه. قال الكعبي: فعل المباح ترك الحرام وهو واجب. قلنا: لا بل به يحصل)

- ‌(الباب الثاني: فيما لا بد للحكم منه. وهو الحاكم، والمحكوم عليه، وبه

- ‌(فرعان على التَّنَزُّل:

- ‌ الأول: شكر المنعم ليس بواجب عقلًا

- ‌ حكم الأشياء قبل ورود الشرع

- ‌(الفصل الثاني: في المحكوم عليه.وفيه مسائل:

- ‌الأولى: يجوز الحكم على المعدوم:

- ‌فائدة:

- ‌تنبيه:

- ‌ امتناعَ تكليفِ الغافلِ

- ‌(الثالثة: الإكراه الملجئ يمنع التكليف؛ لزوال القدرة)

- ‌(الرابعة: التكليف يتوجه حال المباشرة. وقالت المعتزلة: بل(2)قبلها)

- ‌(الفصل الثالث: في المحكوم به.وفيه مسائل:

- ‌الأولى: التكليف بالمحال جائز

- ‌فائدة:

- ‌فائدة:

- ‌(الثانية: الكافر مُكلَّف بالفروع خلافًا للحنفية(2)، وفرَّق قوم بين الأمر والنهي)

- ‌خاتمة

- ‌(الثالثة: امتثال الأمر يُوجب الإجزاء؛ لأنه إن بقي متعلقًا(1)به فيكون أمرًا بتحصيل الحاصل

الفصل: ‌(الخامسة: وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه

ومنها: إذا كان يُحسن آية فلا خلاف أنه يقرؤها، وهل يضيف إليها من الذكر ما يتم به قدرُ الفاتحة أو يكررها سبعًا؟ فيه قولان.

فإن قلتَ: لِمَ لا جَرَى قولٌ إنه لا يقرأ تلك الآية، بل يأتي ببدل الفاتحة كلها

(1)

، كما إذا قَدَر على بعض وضوئه ونظائره؟

قلت: كل آية من الفاتحة يجب قراءتُها بنفسها، فلا يأتي ببدلها مع القدرة عليها

(2)

. والله أعلم.

قال: ‌

‌(الخامسة: وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه

(3)

؛ لأنها

(4)

جزؤه. فالدال عليه يدل عليها بالتضمن. قالت المعتزلة وأكثر أصحابنا: الموجب قد يغفل عن نقيضه. قلنا: لا، فإن الإيجاب بدون المنع من نقيضه

(5)

محال، وإنْ سُلِّم فمنقوض بوجوب المقدِّمة).

(1)

سقطت من (ت).

(2)

يعني: لم لا نقول بقول: إنه لا يقرأ تلك الآية، بل يأتي ببدل الفاتحة كلها من الأذكار؛ لأنه عاجز عن الفرض وهو الفاتحة فتسقط كلها، ويتعيّن بدلها، مثل قول مَنْ يقول بسقوط التوضؤ ببعض الماء غير الكافي لجميع الأعضاء، والمصير إلى البدل وهو التيمم، فلِمَ لا نقول في صورة العاجز عن الفاتحة بمثل هذا القول وهو المصير إلى البدل؟.

والجواب: ما ذكروا، وهو أن كل آية واجبة بذاتها، فما دام قادرًا على ذلك الواجب لا يصير إلى البدل. انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي 1/ 159.

(3)

مثل: وجوب الصلاة، يستلزم حرمة نقيضه وهو ترك الصلاة.

(4)

في (ت): "لأنه". وهو خطأ؛ لأن الضمير يعود إلى الحرمة.

(5)

في (ت): "النقيض".

ص: 329

هذه هي المسألة المعروفة بأنَّ الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده

(1)

؟ .

اعلم أنه لا نزاع في أن الأمر بالشيء نهيٌ عن تركه بطريق التضمن، وإنما اختلفوا في أنه هل هو نهي عن ضده الوجودي

(2)

؟ على مذاهب:

أحدها: أن الأمر بالشيء نفس النهي عن ضده.

الثاني: أنه غيره ولكنه

(3)

يدل عليه بالالتزام، وهو رأي الجمهور، منهم الإمام وصاحب الكتاب

(4)

. وعلى هذا فالأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده؛ (لانتفاء حصول المقصود (إلا بانتفاء كل

(1)

والمراد بالضد: ما يستلزم ترك المأمور به. انظر: بيان المختصر 2/ 49.

(2)

فالأمر بالقعود مثلًا دال على النهي عن عدم القعود أو على المنع منه بالاتفاق؛ لأن القعود وعدم القعود نقيضان (نقيض كل شيء رفعه). والنقيضان لا يجتمعان، فالأمر بأحدهما نهي عن الآخر تضمنًا، وهذا لا نزاع فيه، فقول الشارح رحمه الله تعالى:"نهي عن تركه بطريق التضمن" أي: نهي عن نقيضه تضمنًا؛ لأن الأمر بالشيء معناه: فعله وعدم تركه. وإنما الخلاف في أن الأمر بالقعود هل هو نهي عن ضده الوجودي كالقيام والرقود، والضدان لا يجتمعان أيضًا. قال الإسنوي رحمه الله تعالى عن الضد الوجودي:"ووجه منافاته بالاستلزام: أن القيام مثلًا يستلزم عدم القعود، الذي هو نقيض القعود، فلو جاز عدم القعود لاجتمع النقيضان، فامتناع اجتماع الضدين إنما هو لامتناع اجتماع النقيضين، لا لذاتهما. فاللفظ الدال على القعود يدل على النهي عن الأضداد الوجودية كالقيام بالالتزام، والذي يأمر قد يكون غافلًا عنها". التمهيد ص 95.

(3)

في (ص): "ولكن".

(4)

انظر المحصول 1/ ق 2/ 334، شرح الكوكب 2/ 51.

ص: 330

ضد)

(1)

، والنهي عن الشيء أمرٌ بأحد أضداده لحصول المقصود)

(2)

(3)

بفعل ضدٍّ واحد، فالأولى التعبير بهذه العبارة وبها صَرَّح إمام الحرمين

(4)

.

والثالث: أنه لا يدل عليه أصلًا، ونَقَله في الكتاب عن المعتزلة وأكثر أصحابنا، واختاره ابن الحاجب

(5)

.

واستدل المصنف على اختياره: بأن حرمة النقيض جزء من الوجوب؛ لأن الواجب: هو الذي يجوز فعله ويمتنع تركه

(6)

. وإذا كان

(1)

قوله: "لانتفاء. . . ضد": سقط من (ت). ومعنى العبارة: أن حصول المقصود لا ينتفي إلا في حالة انتفاء جميع الأضداد، فإن المقصود يوجد حينئذ. أي: أن حصول المقصود إنما يوجد في حالة عدم وجود جميع الأضداد، ولو عبَّر المؤلف بقوله: لأن حصول المقصود لا يتم إلا بانتفاء كل ضد - لكان أوضح وأحسن.

(2)

سقطت من (ك).

(3)

وهو قوله: الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده؛ لأن الشيء قد يكون له أكثر من ضد، فقول المصنف:"وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه" فيه قصور.

(4)

انظر: البرهان 1/ 250. وكذا قال القرافي في نفائس الأصول 4/ 1487: "قلنا: أحسن من هذه العبارة: الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده، فإذا قال له: اجلس في البيت - فقد نهاه عن الجلوس في السوق، والحمام، الطريق، والبحر، وغير ذلك من المواضع التي يضاد الجلوسُ فيها الجلوسَ في البيت. وإذا قال له: لا تجلس في البيت - فقد أمره بالجلوس في السوق، أو في المسجد، أو في غير ذلك، ولا يتعين منها شيء، بل أحد الأمور التي يضاد الجلوسَ في البيت فِعْلُها، وقد خرج عن العُهْدة".

(5)

انظر: بيان المختصر 2/ 51.

(6)

فالترك نقيض الفعل، وهو محرم.

ص: 331

كذلك فالدالُّ على الوجوب يدل على حرمة النقيض بالتضمن؛ لأن المراد مِنْ دلالة التضمن: أن اللفظ يدل على جُزء ما وُضع له. والمراد بدلالة الالتزام هنا: دلالة اللفظ على كلِّ ما يُفهم منه غير المسمَّى، سواء كان داخلًا فيه، أو خارجًا عنه. فيصدق قوله:"يدل بالتضمن" مع قوله: بالالتزام

(1)

.

واحتجت المعتزلة: بأن الموجِب للشيء قد يكون غافلًا عن نقيضه، فلا يكون النقيض مَنْهيًا عنه؛ لأن النهي عن الشيء مشروطٌ بتصوره.

وأجاب عنه: بأنا لا نسلم أن الموجب للشيء قد يَغْفَل عن نقيضه؛ لأن الموجب للشيء ما لم يتصور الوجوبَ لا يَحْكم به، ويلزم مِنْ تصور الوجوب تصور المنع من النقيض؛ لأنه جزؤه

(2)

، وتصور الكل مستلزمٌ لتصور الجزء. ولو سلمنا أنه يجوز أن يكون الموجِب للشيء قد يغفل عن نقيضه - فذلك لا يمنع حرمة النقيض، بدليل وجوب

(1)

قوله: والمراد بدلالة الالتزام هنا. . . إلخ، يعني: المراد بدلالة الالتزام هنا في كلام المصنف في قوله: "وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه؛ لأنها جزؤه. فالدال عليه يدل عليها بالتضمن". فالمراد بدلالة الالتزام في كلام المصنف: هو دلالة اللفظ على كل معنى تُفهم منه غير ذلك المسمى المطلق عليه اللفظ، سواء كان المعنى المفهوم والذي هو غير المسمى داخلًا في معنى المسمى أو خارجًا عنه، فليس مراد المصنف بدلالة الالتزام المعنى الخارجي فقط كما هو اصطلاح المناطقة، بل مراده كلُّ معنى يلازم اللفظ داخلٌ أو خارجٌ عنه، ولو لم نفسر دلالة الالتزام هنا بهذا - لكان في كلام المصنف تناقض بين قوله: يدل بالتضمن، مع قوله بالالتزام.

(2)

أي: لأن تصور المنع من النقيض جزء لتصور الوجوب.

ص: 332

المقدِّمة، أعني: ما لا يتم الواجب إلا به، فإن الموجِب للشيء قد يكون غافلًا عن مقدمته مع استلزام وجوبِه لوجوبِها، كما تقدم. هذا شرح ما في الكتاب.

واعلم أنه قد تردد كلام الأصوليين في المراد مِنَ الأمر المذكور في هذه المسألة: هل هو النفساني؟ فيكون الأمر النفساني نهيًا عن الضد نهيًا نفسانيًا.

أو اللساني؟ فيكون نهيًا عن الأضداد بطريق الالتزام، وهذا هو الذي ذكره الإمام حيث صرح بلفظ الصيغة

(1)

.

وإذا عرفت هذا فنقول: إنْ كان الكلام في النفساني تعيَّن التفصيل بين مَنْ يعلم بالأضداد ومن لا يعلم

(2)

. فالله تعالى بكل شيء عليم، وكلامه واحد، وهو أمر ونهي وخبر، فأمره عَيْن نهيه وعَيْن خبره، غير أنَّ التعلُّقات تختلف، فالأمر عَيْنُ النهي باعتبار الصفة المتعلّقة نفسها التي هي الكلام

(3)

، وهو غيره باعتبار أن الكلام إنما يصير أمرًا بإضافة تعلُّق خاصٍّ: وهو تعلق الكلام بترجيح طلب الفعل، وإنما يصير نهيًا بتعلقه بطلب الترك

(4)

. والكلام بقيد التعلق الخاص غيرُه بالتعلق

(1)

انظر: المحصول 1/ ق 2/ 334.

(2)

يعني: إن كان الكلام النفسي صادرًا ممن يعلم الأضداد فالأمر بالشيء نهيٌ عن ضده بلا خلاف، وإن كان صادرًا ممن لا يعلم الأضداد فيأتي فيه الخلاف السابق.

(3)

يعني: فالأمر هو عَيْن النهي من حيث كونهما صفة لله تعالى وهي الكلام.

(4)

قوله: وهو غيره. . . إلخ، يعني: والأمر غير النهي باعتبار التعلقات الخاصة، فإذا =

ص: 333

الآخر

(1)

. فهذه الأقسام والتفاصيل لا ينبغي الخلاف فيها لِمَنْ تصورها، فإنَّ

(2)

أمر الله تعالى بالشيء نهيٌ عن ضده باعتبار أنه لا بد من حصول التعلق بالضد المنافي.

وأما من لا شعور له بضد المأمور فلا يُتصور منه النهي عن جميع الأضداد بكلامه النفسي تفصيلًا؛ لعدم الشعور بها، ولكن يصدق أنه نهيٌ عنها بطريق الإجمال؛ لأنه طالب للمأمور على التفصيل، ولتحصيله

(3)

بكل طريق مفض إلى ذلك، ومن جملتها اجتناب الأضداد.

وإن كان في اللساني فلا يتجه أن يقال: الأمر بالشيء نهي عن ضده، فإن صيغة قولنا:"تَحَرَّك" ليست صيغة قولنا: "لا تسكن". والمكابر في ذلك مُنَزَّل منزلة مُنْكِري المحسوسات، وإنما يتجه الخلاف في

= تعلّق الكلام النفساني بترجيح طلب الفعل سُمِّي أمرًا، وإذا تعلَّق بطلب الترك سُمِّي نهيًا.

(1)

يعني: الكلام النفسي بقيد التعلق بطلب الفعل (وهو تعلق خاص) غير الكلام بقيد التعلق بطلب الترك (وهو تعلق خاص آخر)، فالغَيْريَّة في الكلام النفساني باعتبار التعلقات الخاصة لا باعتبار ذات الكلام من حيث هو صفة لله تعالى، فالكلام النفساني عند الأشاعرة شيء واحد، لا يقال عن أمر ولا نهي ولا خبر ولا غير ذلك، بل هو صفة واحدة، ولكن تسمية هذا الكلام أمرًا أو نهيًا أو خبرًا بالنظر إلى التعلق الخاص، فيقولون: هذا أمر الله تعالى باعتبار تعلق طلب الفعل، وهذا نهي الله باعتبار تعلق طلب الترك. انظر: شرح الجوهرة ص 113، 114.

(2)

في (ص)، و (ك)، و (غ):"وإن".

(3)

في (ت): "ولتحصله".

ص: 334

أن صيغة الأمر هل دلت التزامًا؟ وهذا الذي قررناه هو الذي اقتضاه كلام إمام الحرمين، فإنه حكى اختلاف أصحابنا في أن الأمر بالشيء نهي عن أضداد المأمور به، ثم قال:"وأما المعتزلة فالأمر عندهم هو العبارة، وهو قول القائل: افْعَلْ، أصواتٌ منظومة معلومة، وليس هي على نظم الأصوات في قول القائل: لا تَفْعل، ولا يمكنهم أن يقولوا: الأمر هو النهي"

(1)

. وهذا هو مقتضى كلامه في "التلخيص"

(2)

الذي اختصره من "التقريب والإرشاد" للقاضي أبي بكر.

فَحَصَلْنا مِنْ هذا على أنَّ القائل: بأن الأمر بالشيء هو نفس النهي عن ضده - إنما كلامه في النفسي، وأن المتكلمين في النفسي يقع اختلافهم على مذاهب:

أحدها: أن الأمر بالشيء نفس النهي عن ضده، واتصافه بكونه أمرًا نهيًا بمثابة اتصاف الكَوْن الواحد بكونه قريبًا من شيء بعيدًا من غيره.

والثاني: وهو الذي مال إليه اختيار القاضي في آخر مصنفاته أنه ليس هو، ولكن يتضمنه

(3)

.

والثالث: أنه لا يدل عليه

(4)

أصلًا، وإليه ذهب إمام الحرمين

(1)

البرهان 1/ 251.

(2)

انظر: التلخيص 1/ 411.

(3)

ذكر هذا عن القاضي إمام الحرمين في البرهان 1/ 251، والمذهب الأول هو مذهب القاضي أوَّلًا. انظر الإحكام 2/ 251.

(4)

سقطت من (ت).

ص: 335

والغزالي

(1)

.

ويتعين أن تكون هذه المذاهب في الكلام النفسي بالنسبة إلى المخلوق

(2)

، وأما الله تعالى فكلامه واحد كما عرفت، لا تتطرق

(3)

الغَيْرِيَّة إليه، ولا يمكن أن يأمر بشيء إلا وهو مستحضر لجميع أضداده؛ لعلمه بكل شيء، بخلاف المخلوق فإنه يجوز أن يَذْهل ويَغْفَل عن الضد. وبهذا الذي قلناه صرَّح الغزالي

(4)

، وهو مقتضى كلام إمام الحرمين والجماهير.

وأما المتكلمون في اللساني فيقع اختلافهم على قولين:

أحدهما: أنه يدل عليه بطريق الالتزام، وهو رأي المعتزلة.

والثاني: أنه لا يدل عليه أصلًا.

ولبعض المعتزلة مذهب ثالث: وهو أن أمر

(5)

الإيجاب يكون نهيًا عن أضداده، ومُقَبِّحًا لها؛ لكونها

(6)

مانعةً من فعل الواجب، بخلاف المندوب فإن أضداده مباحةٌ غير منهيٍّ عنها

(7)

، لا نهيَ تحريم، ولا نهيَ تنزيه، ولم

(1)

انظر: البرهان 1/ 252، المستصفى 1/ 273.

(2)

مثل أن يَطلب في نفسه الحركة، فهل هذا الطلب هو بعينه كراهةٌ للسكون وطلب لتركه؟ . انظر: المستصفى 1/ 271.

(3)

في (ت): "لا تَطّرَّق".

(4)

انظر: المستصفى 1/ 270.

(5)

في (ت): "الأمر".

(6)

في (ص): "بكونها".

(7)

سقطت من (ت).

ص: 336

يقل أحد هنا: إن الأمر بالشيء نفس النهي عن ضده؛ لكونه مكابرة وعنادًا، كما قررناه

(1)

.

واختار الآمدي أن يقال: إنْ جَوَّزنا تكليف ما لا يطاق - فالأمر بالفعل ليس نهيًا عن الضد، ولا مستلزمًا للنهي عنه، بل يجوز أن يُؤمر بالفعل وبضده

(2)

في الحالة الواحدة. وإن مُنع فالأمر بالشيء مستلزمٌ للنهي عن ضده.

(3)

هذا خلاصة ما يجده الناظر في كتب الأصول من المنقول في هذه المسألة، وهو هنا على أحسن تهذيب وأوضحه.

ومنهم مَنْ أجرى الخلاف في جانب النهي هل هو أمر بضد المنهي عنه؟ وقال إمام الحرمين: "مَنْ قال: النهي عن الشيء أمرٌ بأحد أضداده فقد اقتحم أمرًا عظيمًا، وباح بالتزام مذهب الكعبي

(4)

في نفي الإباحة، فإنه إنما صار إلى ذلك من حيث قال: لا شيءَ يُقَدَّر مباحًا إلا وهو ضدُّ

(1)

في (ص): "كما قررنا".

(2)

سقطت من (ك).

(3)

انظر: الإحكام 2/ 252.

(4)

هو: أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي، المعروف بالكعبي، شيخ المعتزلة، ورأس طائفة:"الكعبية" منهم. ولد سنة 273 هـ. وله تصنيف في الطعن على المحدثين يدل على كثرة اطلاعه وتعصبه. وكان داعية إلى الاعتزال، وكفّره الحافظ عبد المؤمن بن خَلَف التميميّ النسفيّ. من مصنفاته:"المقالات"، "الاستدلال بالشاهد على الغائب"، "الجدل"، وغيرها. توفي سنة 319 هـ.

انظر: سير 14/ 313، 15/ 255، لسان 3/ 255، وفيات 3/ 45.

ص: 337

محظور؛ فيقع من هذه الجهة واجبًا، ومَنْ قال: الأمر بالشيء نهي عن الأضداد ومتضمن لذلك

(1)

[وليس النهي عن الشيء أمرًا بأحد الأضداد]

(2)

مِنْ حيث تَفَطَّنَ لمقالة

(3)

الكعبي - فقد ناقض كلامه؛ فإنه كما يستحيل الإقدام على المأمور به دون الانكفاف عن أضداده، فيستحيل الانكفاف عن المنهي دون الاتصاف بأحد أضداده"

(4)

(5)

.

ونختم الكلام في المسألة بفوائد:

إحداها: قال القاضي عبد الوهاب في "الملخص" بعد أن حكى عن الشيخ أبي الحسن رحمه الله أن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضدِّه إنْ كان ذا ضِدٍّ واحد، وأضدادِه إنْ كان ذا أضداد: إنَّ الشيخ شَرَط في ذلك أن يكون واجبًا لا ندبًا.

(1)

أي: متضمن للنهي عن الأضداد.

(2)

هذه الزيادة من البرهان 1/ 254، وليست هي في أي نسخة.

(3)

في (ص): "لقائله". وفي (ك)، و (غ):"لقائله". وهذا موافق لما في البرهان 1/ 255.

(4)

البرهان 1/ 254.

(5)

انظر ما سبق في: المستصفى 1/ 270، المحصول 1/ ق 2/ 334، التحصيل 1/ 310، الحاصل 1/ 460، شرح تنقيح الفصول ص 135، المعتمد 1/ 97، البرهان 1/ 250، شرح جمع الجوامع للمحلي 1/ 385، تيسير التحرير 1/ 362، بيان المختصر 2/ 48، شرح الكوكب 3/ 51، نهاية السول 1/ 222، السراج الوهاج 1/ 175.

ص: 338

قال القاضي عبد الوهاب: وقد حُكي عن الشيخ أنه قال في بعض كتبه: إن الندب حسن وليس مأمورًا به. وعلى هذا القول لا يحتاج إلى اشتراط الوجوب في الأمر إذ هو حينئذ لا يكون إلا واجبًا.

قال القاضي عبد الوهاب: ولا بد أن يشترط الشيخ في ذلك أن يكون مع وجوبه مضيَّقًا مستحق العين؛ لأجل أن الواجب الموسع ليس بنهي

(1)

عن ضده. (قال: ولا بد أيضًا من اشتراط كونه نهيًا عن ضده)

(2)

(وضد البدل منه، الذي هو)

(3)

بدل لهما إذا كان أمرًا على غير وجه التخيير

(4)

انتهى.

وما قاله من اشتراط كونه نهيًا عن ضدِّه وضد البدل منه لا يُحتاج إليه بعد معرفة صورة المسألة، فإنَّ صورتها في الأمر الذي على

(5)

غير وجه التخيير كما صرَّح به القاضي في "مختصر التقريب والإرشاد" لإمام الحرمين، فإنَّه قيَّد الكلام بالأمر على التنصيص لا على التخيير

(6)

. ثم قال: "وإنما قيدنا الكلام بانتفاء التخيير؛ لأن الأمر المنطوي على التخيير قد يتعلق بالشيء وضده، ويكون الواجب أحدهما لا بعينه، فلا سبيل

(1)

في (ص): "ينهي".

(2)

سقطت من (ت).

(3)

في (ص): "وضد البدل الذي منه".

(4)

نَقَل مقولة القاضي عبد الوهاب القرافي في "شرح تنقيح الفصول" مع اختلاف يسير ص 135، 136.

(5)

سقطت من (ص).

(6)

التلخيص 1/ 411.

ص: 339

لك إلى أن تقول فيما هذا وصفه إنه نهي عن ضده إذا خُيِّر المأمور بينه وبين ضده"

(1)

ولقائل أن يقول: محل التخيير لا وجوب فيه، فأين الأمر حتى يقال ليس نهيًا عن ضده؟ ومحل الوجوب لا تخيير فيه وهو نهي عن ضده. وما قاله القاضي عبد الوهاب من اشتراط التضييق لم يتضح لي وجهه، فإن الموسَّع إن لم يَصْدق عليه أنه واجب فأين الأمر حتى يستثنى من قولهم: الأمر بالشيء نهي عن ضده؟ وإن صدق عليه أنه واجب بمعنى أنه لا يجوز إخلاء الوقت عنه، فضده الذي يلزم من فعله تفويتُه منهِيٌّ عنه.

وحاصل هذا أنه

(2)

إنْ صدق الأمر عليه انقدح كونه نهيًا عن ضده، وإلا فلا وجه لاستثنائه كما قلناه في المخيَّر.

الثانية: قال النقشواني: لو كان الأمر بالشيء نهيًا عن ضده للزم أن يكون الأمر للتكرار وللفور؛ لأن النهي كذلك

(3)

.

وأجاب القرافي: بأنَّ القاعدة أن أحكام الحقائق التي تثبت لها حالة الاستقلال لا يلزم أن تثبت لها حالة التبعية

(4)

.

(1)

التلخيص 1/ 412.

(2)

سقطت من (ك).

(3)

التعليل كما في نفائس الأصول 4/ 1498: لأن النهي يجب أن يكون للتكرار، ومتى دام اجتناب الضد وجب دوام فعل الضد الآخر. . . ولأن الانتهاء عن المنهي عنه على الفور، فإذا وجب ترك الضد في الحال وجب فعل الضد الآخر في الحال؛ فيكون الأمر للفور لا للفور، وهو جمع بين النقيضين.

(4)

انظر: نفائس الأصول 4/ 1498.

ص: 340

الثالثة: سأل القرافي في مسألة مقدمة الواجب عن الفرق بينها وبين هذه المسألة، فإن عدم الضد مما يتوقف عليه الواجب

(1)

.

وأجيب: بأن ما لا يتم الواجب إلا به وسيلةٌ للواجب لازم التقدم عليه، فيجب التوصل به إلى الواجب؛ لئلا يعتقد أن حالة عدم المقدم خال عن التكليف؛ لزعمه بأن الأصل ممتنع الوقوع، وهو غير مكلف بالمقدمة. فقلنا: هذا غلط، بل أنت قادر على تحصيل الأصل بتقديم هذه المقدمة، فعليك فِعْلها، فكان إيجاب المقدمة تحقيقًا لإيجاب الأصل مع تقدير عدم المقدمة وترك الضد أمرٌ يَتْبع حصولُه حصولَ المأمور به من غير قصد، وهذا أصلح وجهين أجاب بهما في شرح المحصول.

الرابعة: سأل القرافي أيضًا

(2)

عن الفرق بين هذه المسألة وقولهم: متعلَّق النهي فعل الضد لا نفس: "لا تفعل"، فإن قولهم: نهيٌ عن ضدٍّ

(3)

معناه أنه تَعَلَّق بالضد. وقولهم: متعلَّقُه ضد المنهي عنه - هو الأول بعينه.

وسنستقصي الجواب عن هذا في كتاب الأمر والنهي إن شاء الله تعالى، فإن المصنف ذكر تلك المسألة ثَمَّ

(4)

.

(1)

انظر نفائس الأصول 3/ 1481. ولم يُجِب القرافي رحمه الله تعالى على هذا السؤال؛ ولذلك عَبَّر الشارح بقوله: وأجيب.

(2)

سقطت من (ص).

(3)

العبارة كما في نفائس الأصول 4/ 1496: "فإن قولهم نهي عن ضده".

(4)

قد أجاب القرافي عن هذا السؤال في نفائس الأصول 4/ 1496، وسيذكر الشارح أجوبته في كتاب الأمر والنهي كما وعد. انظر: ص: 1164.

ص: 341