الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولَايَة عبيد الله بن الحبحاب على الْمغرب
عبيد الله هَذَا هُوَ مولى بني سلول وَكَانَ رَئِيسا نبيلا وأميرا جَلِيلًا وخطيبا مصقعا ولاه هِشَام بن عبد الْملك على الْمغرب بعد عزل عُبَيْدَة بن عبد الرَّحْمَن عَنهُ وَأمره أَن يمْضِي إِلَيْهِ من مصر فاستخلف عبيد الله على مصر ابْنه أَبَا الْقَاسِم وَسَار إِلَى الْمغرب فَقدم القيروان فِي ربيع الآخر سنة أَربع عشرَة وَمِائَة وَاسْتعْمل عمر بن عبيد الله الْمرَادِي على طنجة وَالْمغْرب الْأَقْصَى وَاسْتعْمل ابْنه إِسْمَاعِيل بن عبيد الله مَعَه على السوس وَمَا وَرَاءه وَاسْتعْمل على الأندلس عبد الرَّحْمَن بن عبد الله الغافقي فَكَانَت لَهُ فِي الفرنجة وقائع وَأُصِيب جَيْشه فِي رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة فِي مَوضِع يعرف ببلاط لشهداء وَبِه عرفت الْغَزْوَة
ثمَّ ولى عبيد الله على الأندلس عبد الْملك بن قطن الفِهري ثمَّ بعده عقبَة بن الْحجَّاج السَّلُولي فَكَانَ مَحْمُود السِّيرَة وَتمكن سُلْطَان عبيد الله بالمغرب وَبنى جَامع الزيتونة بتونس لَكِن صحّح صَاحب المؤنس أَن أول مختط للجامع الْمَذْكُور حسان بن النُّعْمَان وتممه عبيد الله هَذَا وَاتخذ بهَا دَار صناعَة لإنشاء المراكب البحرية ثمَّ بعث حبيب بن أبي عُبَيْدَة بن عقبَة بن نَافِع الفِهري غازيا أَرض الْمغرب فَانْتهى إِلَى السوس الْأَقْصَى وَقَاتل مسوفة ثمَّ تخطاهم إِلَى تخوم السودَان وَأصَاب من مَغَانِم الذَّهَب وَالْفِضَّة والسبي شَيْئا كثيرا ودوخ بِلَاد البربر وقبائلها وَرجع ثمَّ أغزاه ثَانِيَة جَزِيرَة صقلية فَركب الْبَحْر إِلَيْهِم سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَة وَمَعَهُ ابْنه عبد الرَّحْمَن بن حبيب فنازل سرقوسة أعظم مدن صقلية وَضرب على أَهلهَا الْجِزْيَة وأثخن فِي سَائِر الجزيرة
وَكَانَ عمر بن عبيد الله فِي هَذِه الْمدَّة بطنجة قد أَسَاءَ السِّيرَة فِي برابرة الْمغرب الْأَقْصَى وَأَرَادَ أَن يُخَمّس من أسلم مِنْهُم وَزعم أَنه الْفَيْء فنفرت قُلُوب البربر عَنهُ وأحسوا بِأَنَّهُم طعمة للْعَرَب وثقلت عَلَيْهِم وَطْأَة عُمَّال ابْن الحبحاب جملَة بِمَا كَانُوا يطالبونهم بِهِ من الْوَظَائِف البربرية مثل الإدم العسلية الألوان وأنواع طرف الْمغرب فَكَانُوا يتغالون فِي جمع ذَلِك وانتخابه حَتَّى كَانَت الصرمة من الْغنم تهْلك ذبحا لاتخاذ الْجُلُود العسلية من سخالها وَلَا يُوجد فِيهَا مَعَ ذَلِك إِلَّا الْوَاحِد وَمَا قرب مِنْهُ فَكثر عيثهم بذلك فِي أَمْوَال البربر فَأَجْمعُوا الانتقاض وبلغهم مسير العساكر مَعَ حبيب بن أبي عُبَيْدَة إِلَى صقلية فجرأهم ذَلِك على مُرَادهم وثار ميسرَة المضغري بأحواز طنجة على مَا نذكرهُ
وَكَانَت بِدعَة الخارجية يَوْمئِذٍ قد سرت فِي البربر وتلقنها رؤوسهم عَن عرب الْعرَاق الساقطين إِلَى الْمغرب نزعوا بهَا إِلَى الْأَطْرَاف داعين أغمار
الْأُمَم إِلَيْهَا عَسى أَن تكون لَهُم دولة فاستحكمت صبغتها فِي طغام البربر ووشجت فيهم عروقها فَكَانَ ذَلِك من أقوى البواعث والأسباب فِي خرق حجاب الهيبة على الْخُلَفَاء وانتقاض البربر على الْعَرَب ومزاحمتهم لَهُم فِي سلطانهم
ولنذكر هُنَا أصل الْخَوَارِج وفرقهم على الْجُمْلَة ثمَّ نعود إِلَى موضوعنا الَّذِي كُنَّا فِيهِ فَنَقُول قد تقدم لنا فِي خلَافَة عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه مَا كَانَ من أَمر التَّحْكِيم وَمَا نَشأ عَنهُ من خُرُوج طَائِفَة من الْقُرَّاء عَلَيْهِ وَقَالُوا حكمت الرِّجَال فِي دين الله وَلَا حكم إِلَّا لله وَأَن عليا رضي الله عنه استأصلهم بالنهروان فَقَالَ لَهُ بعض أَصْحَابه قد قطع الله دابرهم آخر الدَّهْر فَقَالَ عَليّ رضي الله عنه وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّهُم لفي أصلاب الرِّجَال وأرحام النِّسَاء لَا تخرج خَارِجَة إِلَّا خرجت بعْدهَا مثلهَا فَصدق الله قَول عَليّ ونبغت مِنْهُم طوائف بالعراق وَغَيره وتكرر خُرُوجهمْ على الْخُلَفَاء وشرى داؤهم وأعيى دواؤهم وتعددت فرقهم ومذاهبهم
قَالَ ابْن خلدون افْتَرَقت الْخَوَارِج على أَربع فرق
الأولى الْأزَارِقَة أَصْحَاب نَافِع بن الْأَزْرَق الْحَنَفِيّ وَكَانَ رَأْيه الْبَرَاءَة من سَائِر الْمُسلمين وتكفيرهم والاستعراض يَعْنِي الْقَتْل من غير سُؤال عَن حَال أحد وَقتل الْأَطْفَال وَاسْتِحْلَال الْأَمَانَة لِأَنَّهُ يراهم كفَّارًا
الثَّانِيَة النجدية وَيُقَال لَهُم النجدات أَصْحَاب نجدة بن عَامر الْحَنَفِيّ وَهُوَ بِخِلَاف الْأزَارِقَة فِي ذَلِك كُله
الثَّالِثَة الإباضية أَصْحَاب عبد الله بن أباض التَّمِيمِي ثمَّ الصريمي وهم يرَوْنَ أَن الْمُسلمين كلهم يحكم لَهُم بِحكم الْمُنَافِقين فَلَا ينتهون إِلَى الرَّأْي الأول وَلَا يقفون عِنْد الثَّانِي وَلَا يحرمُونَ مناكحة الْمُسلمين وَلَا موارثتهم وهم عِنْدهم كالمنافقين وَمن هَؤُلَاءِ البيهسية أَصْحَاب أبي بيهس هَيْصَم بن جَابر الضبعِي
الرَّابِعَة الصفرية وهم موافقون للإباضية إِلَّا فِي الْقعدَة يَعْنِي الَّذين يَقْعُدُونَ عَن الْقِتَال مَعَهم فَإِن الإباضية أَشد على الْقعدَة مِنْهُم وَرُبمَا تشعبت هَذِه الآراء بعد ذَلِك
وَاخْتلف فِي تَسْمِيَة الصفرية فَقيل نسبوا إِلَى عبد الله بن صفار الصريمي وَقيل اصفروا بِمَا نهكتهم الْعِبَادَة وَفِي الْقَامُوس الصفرية بِالضَّمِّ وبكسر قوم من الحرورية نسبوا إِلَى عبد الله بن صفار بن ككتان أَو إِلَى زِيَاد بن الْأَصْفَر أَو إِلَى صفرَة ألوانهم أَو لخلوهم من الدّين اه
وَقد كَانَت الْخَوَارِج من قبل هَذَا الِافْتِرَاق على رَأْي وَاحِد لَا يَخْتَلِفُونَ إِلَّا فِي الشاذ من الْفُرُوع وَفِي أصل افتراقهم مكاتبات بَين نَافِع بن الْأَزْرَق وَأبي بيهس وَعبد الله بن أباض ذكرهَا الْمبرد فِي الْكَامِل فَلْتنْظرْ هُنَالك
وَكَانَت خوارج الْمغرب إباضية وصفرية فَلَمَّا كَانَت ولَايَة عبيد الله بن الحبحاب ونال عماله من البربر مَا نالوا من الْجور والعسف انتقضوا عَلَيْهِ وثار ميسرَة المضغري الْمَعْرُوف بالخفير بأحواز طنجة ومضغرة بطن من بني فاتن بن تامضيت بن ضرى بن زجيك بن مادغيس الأبتر وَكَانُوا على رَأْي الصفرية وَكَانَ شيخهم ميسرَة الْمَذْكُور مقدما فِي ذَلِك الْمَذْهَب فَحمل البربر على الْخُرُوج عَن الطَّاعَة وزحف إِلَى عمر بن عبيد الله بطنجة فَقتله سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَة وَولى عَلَيْهَا من قبله عبد الْأَعْلَى بن جريج الإفْرِيقِي رومي الأَصْل وَمولى للْعَرَب كَانَ إِمَام الصفرية فِي انتحال مَذْهَبهم فَقَامَ بأمرهم مُدَّة ثمَّ تقدم إِلَى السوس فَقتله عاملها إِسْمَاعِيل بن عبيد الله وَكَانَ ميسرَة لما استولى على طنجة وَالْمغْرب الْأَقْصَى قد بَايعه البربر بالخلافة وخاطبوه بأمير الْمُؤمنِينَ إِذْ الْخَوَارِج لَا يشترطون فِي الإِمَام الْأَعْظَم القريشية محتجين بقوله صلى الله عليه وسلم (اسمعوا وَأَطيعُوا وَإِن اسْتعْمل عَلَيْكُم عبد حبشِي كَأَن
رَأسه زبيبة) وَهُوَ مؤول واضطرم الْمغرب نَارا وفشت نحلة الخارجية فِي جَمِيع قبائله وانتقض أمره على خلفاء الْمشرق فَلم يُرَاجع طاعتهم بعد
ثمَّ إِن ابْن الحبحاب بعث إِلَى ميسرَة خَالِد بن حبيب الفِهري فِيمَن كَانَ قد بَقِي عِنْده من الْجَيْش واستقدم أَبَاهُ حبيب بن أبي عُبَيْدَة من صقلية فَقدم فِيمَن مَعَه من عَسَاكِر الْمُسلمين وَبَعثه فِي أثر خَالِد ونهض إِلَيْهِم ميسرَة فِي جموع البربر فَلَقِيَهُمْ بأحواز طنجة فَاقْتَتلُوا قتالا شَدِيدا ثمَّ تحاجزوا وَرجع ميسرَة إِلَى طنجة فَسَاءَتْ سيرته فِي البربر ونقموا عَلَيْهِ مَا جَاءَ بِهِ فَقَتَلُوهُ وولوا عَلَيْهِم مَكَانَهُ خَالِد بن حميد الزناتي
قَالَ ابْن عبد الحكم هُوَ من هتورة إِحْدَى بطُون زناتة فَقَامَ بأمرهم وَاجْتمعَ إِلَيْهِ البربر فزحف إِلَى الْعَرَب وسرح إِلَيْهِ ابْن الحبحاب عَسَاكِر الْخَلِيفَة هِشَام بن عبد الْملك وعَلى مقدمتها خَالِد بن حبيب الفِهري فَكَانَ اللِّقَاء على وَادي شلف فَانْهَزَمَ الْمُسلمُونَ وَقتل خَالِد بن حبيب ووجوه من مَعَه من الْعَرَب فسميت الْوَقْعَة وقْعَة الْأَشْرَاف وانتقض الْمغرب على ابْن الحبحاب من سَائِر جهاته وَبلغ الْخَبَر إِلَى أهل الأندلس فعزلوا عَامله عقبَة بن الْحجَّاج السَّلُولي وولوا عَلَيْهِم عبد الْملك بن قطن الفِهري ومرج أَمر النَّاس وانْتهى الْخَبَر بذلك كُله إِلَى الْخَلِيفَة هِشَام بِدِمَشْق فعزل ابْن الحبحاب عَن الْمغرب
وَقَالَ صَاحب الْخُلَاصَة لما اختلت الْأُمُور على ابْن الحبحاب اجْتمع النَّاس وعزلوه فَبلغ ذَلِك هشاما فَغَضب وَكتب إِلَى ابْن الحبحاب بالقدوم فَخرج فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَة وَالله أعلم