الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْقَهْقَرَى وَلَا يزَال يمشي إِلَى وَرَاء وَلَوْلَا أَن الله تَعَالَى من بطَائفَة تَفَرَّقت فِي ديار الْعلم وَجَاءَت بلباب مِنْهُ كَالْقَاضِي أبي الْوَلِيد الْبَاجِيّ وَأبي مُحَمَّد الْأصيلِيّ فرشوا من مَاء الْعلم على هَذِه الْقُلُوب الْميتَة وعطروا أنفاس الْأمة الذفرة لَكَانَ الدّين قد ذهب وَلَكِن تدارك الْبَارِي تَعَالَى بقدرته ضَرَر هَؤُلَاءِ ينفع هَؤُلَاءِ وَرُبمَا سكنت الْحَال قَلِيلا وَالْحَمْد لله اه وَالله تَعَالَى ولي التَّوْفِيق
تَتِمَّة مهمة
قد ظهر بِبِلَاد الْمغرب وَغَيرهَا مُنْذُ أعصار متطاولة لَا سِيمَا فِي الْمِائَة الْعَاشِرَة وَمَا بعْدهَا بدعوة قبيحة وَهِي اجْتِمَاع طَائِفَة من الْعَامَّة على شيخ من الشُّيُوخ الَّذين عاصروهم أَو تقدموهم مِمَّن يشار إِلَيْهِ بِالْولَايَةِ والخصوصية ويخصونه بمزيد الْمحبَّة والتعظيم ويتمسكون بخدمته والتقرب إِلَيْهِ قدرا زَائِدا على غَيره من الشُّيُوخ بِحَيْثُ يرتسم فِي خيال جلهم أَن كل الْمَشَايِخ أَو جلهم أَن دونه فِي الْمنزلَة عِنْد الله تَعَالَى وَيَقُولُونَ نَحن أَتبَاع سَيِّدي فلَان وخدام الدَّار
الْفُلَانِيَّة لَا يحولون عَن ذَلِك وَلَا يزولون خلفا عَن سلف وينادون باسمه ويتسغيثون بِهِ ويفزعون فِي مهماتهم إِلَيْهِ معتقدين أَن التَّقَرُّب إِلَيْهِ نَافِع والإنحراف عَنهُ قيد شبر ضار مَعَ أَن النافع والضار هُوَ الله وَحده وَإِذا ذكر لَهُم شيخ آخر أَو دعوا إِلَيّ حاصوا حَيْصَة حمر الْوَحْش من غير تبصر فِي أَحْوَاله هَل يسْتَحق ذَلِك التَّعْظِيم أم لَا فَصَارَ الْأَمر عصبيا وَصَارَت الْأمة بذلك طرائق قددا فَفِي كل بلد أَو قَرْيَة عدَّة طوائف وَهَذَا لم يكن مَعْرُوفا فِي سلف الْأمة الَّذين هم الْقدْوَة لمن بعدهمْ وغرض الشَّارِع إِنَّمَا هُوَ فِي الإجتماع وَتَمام الألفة واتحاد الوجهة وَقد قَالَ تَعَالَى لأهل الْكتاب {تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم} الْآيَة وَقد ذمّ قوما فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا وَإِنَّمَا الشَّأْن فِي أهل الخصوصية وَالدّين أَن يَكُونُوا عِنْد الْعَاقِل المحتاط لدينِهِ كأسنان الْمشْط بِحَيْثُ يُحِبهُمْ لله وَفِي الله ويستشفع بهم إِلَى الله ويسأله تَعَالَى أَن يُكرمهُ بِمَا أكْرمهم بِهِ من الْخَيْر وَالْهدى وَالدّين وليحبهم حب التشرع لَا حب التَّشَيُّع وليتأدب مَعَهم وَلَا يقدم على مفاضلتهم بالهوى وَالرَّجم بِالْغَيْبِ فَإِن ذَلِك مُتَوَقف على الإطلاع على مَنْزِلَتهمْ عِنْد الله وَذَلِكَ مَحْجُوب عَنَّا وَإِذا نزلت بِهِ حَاجَة فليفرغ فِي قَضَائهَا إِلَى مَوْلَاهُ الَّذِي خلقه ورزقه مستشفعا إِلَيْهِ بِنَبِيِّهِ الَّذِي هداه للْإيمَان على يَده ثمَّ بخواص الْأمة الَّذين هم آبَاؤُنَا فِي الدّين فَإِن الْمَطْلُوب من العَبْد أَن يصرف وجهته وقصده فِي جَمِيع أُمُوره وَيتَعَلَّق فِيهَا بِاللَّه بِحَيْثُ لَا يطْلبهَا إِلَّا مِنْهُ وَلَا يتكل فِيهَا إِلَّا عَلَيْهِ قَاطعا للنَّظَر عَن كل مَا سواهُ اللَّهُمَّ إِلَّا على سَبِيل التوسل والإستشفاع كَمَا قُلْنَا هَذَا هُوَ التَّوْحِيد الَّذِي بعث الله بِهِ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم وَإِلَيْهِ دَعَا وَعَلِيهِ قَاتل وسواه شرك ومنابذا لما جَاءَ بِهِ {إِن هَذَا لَهو الْقَصَص الْحق وَمَا من إِلَه إِلَّا الله}
ثمَّ استرسل هَؤُلَاءِ الطغام فِي ضلالهم حَتَّى صَارَت كل طَائِفَة تَجْتَمِع فِي أَوْقَات مَعْلُومَة من مَكَان مَخْصُوص أَو غَيره على بدعتهم الَّتِي يسمونها الحضرة فَمَا شِئْت من طست وطار وطبل ومزمار وغناء ورقص وخيط
وفحص وَرُبمَا أضافوا إِلَى ذَلِك نَارا أَو غَيرهَا يستعملونه على سَبِيل الْكَرَامَة بزعمهم ويستغرقون فِي ذَلِك الزَّمن الطَّوِيل حَتَّى يمْضِي الْوَقْت والوقتان من أَوْقَات الصَّلَوَات وداعي الْفَلاح يُنَادي على رؤوسهم وهم فِي حيرتهم يعمهون لَا يرفعون بِهِ رَأْسا وَلَا يرَوْنَ بِمَا هم فِيهِ من الضلال بَأْسا بل يَعْتَقِدُونَ أَن مَا هم فِيهِ من أفضل الْقرب إِلَى الله تَعَالَى الله عَن جهالتهم علوا كَبِيرا
وَلَا تَجِد فِي هَذِه المجامع الشيطانية غَالِبا إِلَّا من بلغ الْغَايَة فِي الْجفَاء وَالْجهل من لَا يحسن الْفَاتِحَة فضلا عَن غَيرهَا مَعَ ترك الصَّلَاة طول عمره أَو من فِي مَعْنَاهُ من معتوه نَاقص الْعقل وَالدّين فَمَا أحْوج هَؤُلَاءِ الفسقة إِلَى محتسب يُغير عَلَيْهِم مَا هم فِيهِ من الْمُنكر الْعَظِيم واللبس الْمُقِيم وَأعظم من هَذَا كُله أَنهم يَفْعَلُونَ تِلْكَ الحضرة غَالِبا فِي الْمَسَاجِد فَإِنَّهُم يتخذون الزاوية باسم الشَّيْخ ويجعلونها مَسْجِدا للصَّلَاة بالمحراب والمنار وَغير ذَلِك ثمَّ يعمرونها بِهَذِهِ الْبِدْعَة الشنيعة فكم رَأينَا من عود ورباب ومزمار على أفحش الهيأت فِي محاريب الصَّلَوَات
وَمن بدعهم الشنيعة محاكاتهم أضرحة الشُّيُوخ لبيت الله الْحَرَام من جعل الْكسْوَة لَهَا وتحديد الْحرم على مَسَافَة مَعْلُومَة بِحَيْثُ يكون من دخل تِلْكَ الْبقْعَة من أهل الجرائم آمنا وسوق الذَّبَائِح إِلَيْهَا على هَيْئَة الْهَدْي واتخاذ الْمَوْسِم كل عَام وَهَذَا وَأَمْثَاله لم يشرع إِلَّا فِي حق الْكَعْبَة ثمَّ يَقع فِي ذَلِك الْمَوْسِم وَلَا سِيمَا مواسم الْبَادِيَة من المناكر والمفاسد الْعِظَام واختلاط الرِّجَال بِالنسَاء باديات متبرجات شَأْن أهل الْإِبَاحَة وشأن قوم نوح فِي جاهليتهم مَا تصم عَنهُ الآذان وَلَا مُنكر وَلَا مغير وَلَا ممتعض للدّين لَا بل للحسب فَأَما الدّين عِنْد هَؤُلَاءِ فَلَا دين فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون على ضَيْعَة الدّين وغفلة أَهله عَنهُ وَبِاللَّهِ وَيَا للْمُسلمين لهَؤُلَاء الهمج الرعاع الَّذين سلبوا الْمُرُوءَة وَالْحيَاء والغيرة وَالْعقل وَالدّين والإنسانية جملَة فليسوا فِي فطنة الشَّيَاطِين وَلَا فِي سَلامَة صُدُور الْبَهَائِم وَلَا فِي نخوة السبَاع فيغضبوا لديهم ومروءتهم
وَمن جهالاتهم الفظيعة جمعهم بَين اسْم الله تَعَالَى وَاسم الْوَلِيّ فِي مقامات التَّعْظِيم كالقسم والإستعطاف وَغَيرهمَا فَإِذا أَقْسمُوا قَالُوا وَحقّ الله وَحقّ سَيِّدي فلَان وَإِذا عزموا على أحد قَالُوا دخلت عَلَيْك بِاللَّه وسيدي فلَان وَإِذا سَأَلُوا قَالُوا من يُعْطِينَا على الله وعَلى سَيِّدي فلَان فيعطفون اسْم العَبْد على اسْم مَوْلَاهُ بِالْوَاو الْمُقْتَضِيَة للتشريك والتسوية التَّامَّة فِي مقَام قد حظر الشَّارِع أَن يتَجَاوَز فِيهِ اسْم الله إِلَى غَيره وَهَذَا هُوَ صَرِيح الشّرك
وَمن مناكرهم الجديرة بالتغيير اجْتِمَاعهم كل سنة للوقوف يَوْم عَرَفَة بضريح الشَّيْخ عبد السَّلَام بن مشيش رضي الله عنه ويسمون ذَلِك حج الْمِسْكِين فَانْظُر إِلَى هَذِه الطامة الَّتِي اخترعها هَؤُلَاءِ الْعَامَّة
وَمن اختراعاتهم تسميتهم لبدعتهم بالحضرة كَمَا قُلْنَا أخذا من اسْم حَضْرَة الله تَعَالَى فِي إصْلَاح الْأَئِمَّة العارفين من الصُّوفِيَّة كَأَهل رِسَالَة الْقشيرِي وَمن فِي معناهم فأوهم هَؤُلَاءِ الشَّيَاطِين بِهَذِهِ التَّسْمِيَة أَنهم يكونُونَ فِي حَال اشتغالهم بِتِلْكَ الْبِدْعَة فِي حَضْرَة الله تَعَالَى ثمَّ يذهبون فيسمون جنونهم وتخبطهم على تِلْكَ الطبول والمزامير بِالْحَال أخذا من الْحَال الَّتِي تعتري السالك إِلَى الله تَعَالَى فِي حَال ترقيه فِي دَرَجَات الْمعرفَة والوصول وَهَذَا لعمر الله من أقبح الضلالات واشنع الجهالات إِلَى غير هَذَا مِمَّا أُغني فِيهِ العيان عَن الْخَبَر وعرفه الْخَاص وَالْعَام فِي حالتي الْورْد والصدر
ولسنا ننكر على أَوْلِيَاء الله وَأهل الخصوصية مِنْهُم أَو على من يسْلك سبيلهم على الْوَجْه الْمُقَرّر فِي كتب الْأَئِمَّة المقتدى بهم مِنْهُم وَإِنَّمَا نشرح حَال هَؤُلَاءِ الجهلة الَّذين لم يَأْتُوا الْأَمر من بَابه وَلَا أَخَذُوهُ عَن أربابه وَإِنَّمَا حَالهم مَا رَأَيْت وَعلمت وَهَذِه نفثة مصدور صَاحبهَا عِنْد الْمنصف مَعْذُور فنسأل الله الْعَظِيم الْمولى الْكَرِيم أَن يُحَرك همة من لَهُ الْقُدْرَة وَالتَّصَرُّف إِلَى حسم هَذِه الضلالات وقطعها عَسى أَن يَرْحَمنَا رَبنَا وَيجْبر كسرنا ويكبت
عدونا إِذا نَحن راجعنا ديننَا وَسنة نَبينَا {إِن الله لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم وَإِذا أَرَادَ الله بِقوم سوءا فَلَا مرد لَهُ وَمَا لَهُم من دونه من وَال}
وَقد آن أَن نفرد الْكَلَام على الْمغرب الْأَقْصَى عِنْد مَا استولى عَلَيْهِ الْمولى إِدْرِيس بن عبد الله وَبَنوهُ من بعده واقتطعوه عَن نظر الْخُلَفَاء بالمشرق وصيروه مملكة مُسْتَقلَّة إِذْ كَانَ ذَلِك من شَرط كتَابنَا هَذَا حَسْبَمَا تقدّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ مقدمين لذَلِك مَا يجب تَقْدِيمه من الْإِشَارَة إِلَى أَمر الْخلَافَة وتنازع أهل الصَّدْر الأول فِي اسْتِحْقَاقهَا وَمن هُوَ أولى بهَا ثمَّ نتخلص مِنْهُ إِلَى الْمَقْصُود بِالذَّاتِ وَالله الْمُوفق