الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تَقْدِيرِ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَإِعْدَامًا لَهُ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِهِ. فَصَارَ كُلٌّ مِنْ الثُّبُوتِ وَالِانْتِفَاءِ حُكْمًا شَرْعِيًّا ثَابِتًا بِاللَّفْظِ مَنْطُوقًا وَمَفْهُومًا. وَعَلَى الْأَوَّلِ يُجْعَلُ مُوجِبًا لِلْحُكْمِ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِ الشَّرْطِ سَكْتًا عَنْ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِهِ، فَصَارَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ عَدَمًا أَصْلًا مَبْنِيًّا عَلَى دَلِيلِ عَدَمِ الثُّبُوتِ لَا حُكْمًا شَرْعِيًّا مُسْتَفَادًا مِنْ النَّظْمِ.
قَالَ فِي الْبَدِيعِ: وَنَصَّ فَخْرُ الْإِسْلَامِ الْخِلَافَ عَلَى حَرْفٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الشَّرْطَ عِنْدَنَا مَانِعٌ مِنْ انْعِقَادِ السَّبَبِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مِنْ الْحُكْمِ، فَالتَّعْلِيقُ سَبَبٌ عِنْدَنَا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ بِعَدَمِ الْحُكْمِ فَيُضَافُ إلَى عَدَمِ سَبَبِهِ، وَعِنْدَهُ إلَى انْتِفَاءِ شَرْطِهِ مَعَ وُجُودِ سَبَبِهِ. وَفَرَّعَ عَلَى هَذَا أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالْمِلْكِ قَبْلَهُ فِي الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ صَحِيحٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَكَذَا تَعْجِيلُ النَّذْرِ الْمُعَلَّقِ وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ مُمْتَنِعٌ، وَطَوْلُ الْحَرَّةِ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ.
[الثَّانِي انْتِفَاءِ الْحُكْمِ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ]
الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الْمَنْزَعُ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْحُكْمِ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: الْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ عُدِمَ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَإِلَّا لَكَانَ التَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ نَسْخًا، وَلَخَلَا مِنْ الْفَائِدَةِ. وَكَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَسْتَدِلُّ عَلَى أَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ عُدِمَ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ، فَيَقُولُ: لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَإِنَّك طَالِقٌ، لَا تَطْلُقُ قَبْلَ دُخُولِ الدَّارِ. فَلَوْلَا أَنَّ الشَّرْطَ يَنْفِي ثُبُوتَ الْحُكْمِ قَبْلَهُ لَوَجَبَ الْوُقُوعُ عَمَلًا بِالْمُقْتَضَى، وَهُوَ قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ. .
[الثَّالِثُ هَلْ الدَّالُّ عَلَى الِانْتِفَاءِ صِيغَةُ الشَّرْطِ أَوْ الْبَقَاءُ عَلَى الْأَصْلِ]
الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّرْطِ هُوَ اللُّغَوِيُّ سَبَقَ، وَهُوَ مُغَايِرٌ لِلشَّرْعِيِّ وَالْعَقْلِيِّ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْتَفِي الْمُسَمَّى بِانْتِفَائِهِ وَلَا يُوجَدُ بِوُجُودِهِ، وَأَمَّا اللُّغَوِيُّ فَلَا يَبْقَى أَثَرُهُ إلَّا فِي وُجُودِ الْمُعَلَّقِ بِوُجُودِ مَا عُلِّقَ عَلَيْهِ لَا غَيْرُ. وَأَمَّا عَدَمُهُ فَإِمَّا لِعَدَمِ مُقْتَضِيهِ، أَوْ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا كَانَ
قَبْلَ التَّعْلِيقِ لَا مِنْ جِهَةِ الْمَفْهُومِ كَمَا سَبَقَ. فَالْخِلَافُ حِينَئِذٍ إنَّمَا نَشَأَ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الشَّرْطِ. وَمَنْ قَالَ: الْمُعَلَّقُ بِكَلِمَةِ " إنْ " صَرِيحٌ، فَدَلَّ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى وُجُودِ مَا عُلِّقَ عَلَيْهِ عِنْدَ وُجُودِهِ لَيْسَ إلَّا، أَمَّا الْعَدَمُ عِنْدَ الْعَدَمِ فَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَلْبَتَّةَ، بَلْ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْمَفْهُومِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي انْتِفَاءِ الْحُكْمِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ، وَلَكِنْ هَلْ الدَّالُّ عَلَى الِانْتِفَاءِ صِيغَةُ الشَّرْطِ أَوْ الْبَقَاءُ عَلَى الْأَصْلِ؟ فَمَنْ جَعَلَهُ حُجَّةً، قَالَ بِالْأَوَّلِ، وَمَنْ أَنْكَرَهُ قَالَ بِالثَّانِي. وَهَاهُنَا أُمُورٌ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا: ثُبُوتُ الْجَزَاءِ عِنْدَ ثُبُوتِ الشَّرْطِ. وَثَانِيهَا: عَدَمُ الْجَزَاءِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ. وَثَالِثُهَا: دَلَالَةُ النُّطْقِ عَلَى الْأَوَّلِ. وَرَابِعُهَا: دَلَالَتُهُ عَلَى الثَّانِي. فَأَمَّا الدَّلَالَةُ الْأُولَى فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهَا. وَالرَّابِعُ هُوَ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ عَدَمَ الْجَزَاءِ ثَابِتٌ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ. لَكِنْ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْمَفْهُومِ ثُبُوتُهُ لِدَلَالَةِ التَّعْلِيقِ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ النُّفَاةِ ثَابِتٌ بِمُقْتَضَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، فَالْحُكْمُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالْخِلَافُ فِي عِلَّتِهِ، فَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي دَلَالَةِ حَرْفِ الشَّرْطِ عَلَى الْعَدَمِ عِنْدَ الْعَدَمِ، لَا عَلَى أَصْلِ الْعَدَمِ عِنْدَ الْعَدَمِ. فَإِنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ بِالْأَصْلِ قَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ النَّاطِقُ بِكَلَامٍ. وَهَكَذَا الْكَلَامُ فِي سَائِرِ الْمَفَاهِيمِ.
قَالَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ وَهُوَ مِنْ الْمُنْكِرِينَ لَهُ: انْتِفَاءُ الْمُعَلَّقِ حَالَ عَدَمِ الشَّرْطِ، لَا يُفْهَمُ مِنْ الْمُتَعَلِّقِ، بَلْ يَبْقَى عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ وُرُودِ النَّصِّ. قَالَ: وَحَاصِلُ الْخِلَافِ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ الشَّرْطَ هَلْ يَمْنَعُ مِنْ انْعِقَادِ عِلَّةِ الْحُكْمِ؟ فَعِنْدَنَا يَمْنَعُ، وَعِنْدَهُمْ لَا. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الشَّرْطُ عِنْدَهُمْ مِمَّا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْعِلَّةِ، كَانَتْ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةً، وَكَانَتْ مُوجِبَةً لِلْحُكْمِ، وَالشَّرْطُ يَمْنَعُ وُجُودَ الْحُكْمِ، وَعِنْدَنَا لَمَّا كَانَ الشَّرْطُ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْعِلَّةِ، لَمْ تَكُنْ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةً حَتَّى تُوجِبَ الْحُكْمَ، فَلَمْ يُتَصَوَّرُ اسْتِنَادُ مَنْعِ الْحُكْمِ إلَى الشَّرْطِ.