الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
محنة يوسف عليه السلام القصة والعبر
(1)
الخطبة الأولى:
إخوة الإسلام، كلما اغتم المسلمون، وترادفت الفتن، وتسلط الجبارون، ووقع الأذى على المسلمين، كلما كانت حاجتهم أشد لمعرفة سنن الله في الكون، وكان شوقهم أكبر للوقوف على سير الصالحين وفي مقدمتهم الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام.
ولئن كان الحديث قد مضى عن طائفة من أنبياء الله ورسله، وما فيها من دروس وعبر، يعقلها العالمون، وينساها الجاهلون، فإن يوسف عليه السلام نموذج للابتلاء، ومثال للصبر، ومؤشر لعاقبة المتقين، وفصول قصته تؤذن بأن الله لا يصلح عمل المفسدين، وأن الله لا يؤيد كيد الخائنين، وأن الله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين، وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين، وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون .. إلى غير ذلك من معان وقيم تبدو للعيان حين يكون الصبر واليقين، وتبرز للناظرين حين يكون الصدق ومجاهدة النفس، والانتصار على الشيطان في معركة الإغواء والإغراء.
أجل إخوة الإيمان إن المسافة هائلة بين غيابة الجب وبين علو الشأن في ملك مصر، والفرق كبير في عرف الناس بين يوسف عليه السلام وهو في غياهب السجن، وبين كونه من خلصاء ومستشاري عزيز مصر، وليس أقل منه الفرق بين يوسف عليه السلام وهو بمثابة السلعة تباع وتشترى بأزهد الأثمان، وينتقل في الرق من سيد إلى سيد، وهو لا يملك من أمره شيئًا وبين يوسف عليه السلام وهو على خزائن
(1) ألقيت هذه الخطبة يوم الجمعة الموافق 5/ 8/ 1415 هـ.
الأرض، يتبوأ منها حيث يشاء، يملك الكيل لفئة ويمنعه أخرى، ويمنع الميرة والطعام عن وفد ويهبه لآخرين.
ولكن هذه المسافة الهائلة، وتلك الفروق الكبيرة لم تكن في حياة الصديق عليه السلام لولا الصدق والإحسان، والصبر ومراقبة الرحمن، والشكر لله والرضاء بما قسم والتسليم بالعسر واليسر، والدعوة لدين الله الخالص وتوحيده في كل حال، حتى وهو يعيش في ظلمات السجق ووحشته {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} .
وهذه العاقبة الحميدة وذلك التمكين العظيم في الأرض لم يتسن ليوسف عليه السلام إلا بعد أن امتحنه ربه وابتلاه، وبعد أن عانى صنوفًا من المحن والابتلاءات قص القرآن علينا محنة كيد الإخوة وما أشقه على النفس.
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة
…
على النفس من وقع الحسام المهند ومحنة الجب والخوف والترويع فيه وما صاحبها من أذى وشدة إذ ربطوه بحبل ودلوه فيه، فجعل إذا لجأ إلى واحد منهم لطمه وشتمه، وإذا تشبث بحافات البئر ضربوا على يديه، ثم قطعوا به الحبل من نصف المسافة فسقط في الماء فغمره حتى صعد إلى صخرة في وسطه، ولم يتخل الله عنه في هذه اللحظة، بل أنزل الله عليه اليسر في حال العسر، وطمأنه بما أوحى إليه أن له مخرجًا مما هو فيه، بل وسينصره الله على إخوته ويرفع درجته، وسيخبرهم بصنيعهم وهم لا يشعرون {فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون} (1)
(1) سورة يوسف، الآية:15.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: ستنبئهم بصنيعهم هذا في حقك وهم لا يعرفونك ولا يستشعرون بك (1).
ومحنة الرق وهو ينتقل كالسلعة من يد إلى يد على غير إرادة منه، ودون تقدير أو معرفة من استرقه به، ولذا باعوه بأزهد الأثمان {وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين} (2).
قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: إن الضمير في قوله «وشروه» عائد على إخوة يوسف، وقال قتادة: بل هو عائد على السيارة، قال ابن كثير: والأول أقوى لأن قوله {وكانوا فيه من الزاهدين} إنما أراد إخوته لا أولئك السيارة، لأن السيارة استبشروا به وأسروه بضاعة، ولو كانوا فيه زاهدين لما اشتروه (3).
ومحنة كيد امرأة العزيز والنسوة وما صاحبها من إغراء وشهوة وفتنة، وما أشدها وأقساها! ! ويوسف عليه السلام في ريعان الشباب يمتلئ جسمه حيوية وقوة، وهو في حال غربة وعزبة، وأسباب الفاحشة ودواعيها تتهيأ له، فالمرأة هي الداعية، وقد تزينت بكل ما تملك، والدعوة في بيت آمن حيث منزل عزيز مصدر، والأبواب تغلق، ويبقى باب السماء مفتوحًا، فيتذكر يوسف عليه السلام من خلاله عظمة الله، ويتصور رقابته، ويرى برهان ربه، فيلوذ بحماه، وينتصر على الإغراء والشهوة، ويمتنع مقارفة الفاحشة، ويستحق أن يكون من عباد الله المخلصين {ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} (4).
(1) تفسير ابن كثير 4/ 302.
(2)
سورة يوسف، الآية:20.
(3)
تفسير ابن كثير 4/ 305.
(4)
سورة يوسف، الآية:24.
قال ابن جرير رحمه الله في تفسير البرهان الذي رآه يوسف- عليه السلام: والصواب أن يقال: إنه رأى من آيات الله ما زجره عما كان هم به، وجائز أن يكون صورة يعقوب عليه السلام عاضًا على أصبعه- وجائز أن يكون صورة الملك، وجائز أن يكون ما رآه مكتوبًا من الزجر عن ذلك، ولا صحة قاطعة على تعيين شيء من ذلك، فالصواب بدأ يطلق كما قال الله تعالى (1).
إخوة الإسلام لم تقف محن يوسف عند هذا الحد، فثمة محنة السجن بعد رغد العيش وطراوته في قصر العزيز مع ما في السجن من غربة وعزلة ووحدة، فآلام السجين تشتد حين يكون السجن ظلمًا وعدوانًا، ومحنة السجين تتضاعف حين يكون الطهر والعفاف جريمة وتهمة يؤاخذ بها الصالحون المخلصون.
وتزداد الحيرة والغرابة حين نعلم أن الذين سجنوا يوسف عليه السلام قد تبين لهم من الآيات والبراهين القاطعة ما يبرئ ساحته {ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين} فقد القميص من دبر، وشهادة الشاهد، وحز أيدي النساء، وقلة صبرهن عن لقاء يوسف عليه السلام كلها أدلة للبراءة كما قال (2).
ومع ذلك يسجن يوسف عليه السلام حتى لا تنشر فضيحة امرأة العزيز بمراودتها يوسف عن نفسه عند عامة الناس، وهكذا حين يغيب العدل بين الناس يستهان بحق الأبرياء في سبيل الحفاظ على سمعة الكبراء، ويبقى بعد ذلك أن الذي يدخل السجن متهمًا مظلومًا يخرج منه بعد حين عزيزًا مكرمًا بريئًا {قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عي كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} (3).
(1) تفسير ابن كثير 4/ 309.
(2)
القرطبي 9/ 186 في تفسيره.
(3)
سورة يوسف، الآية:33.
ثم محنة الرخاء والسلطان المطلق، وهو يتحكم في أقوات الناس وفي رقابهم، وفي يديه لقمة العيش التي تقوتهم، وليست محنة السراء بأقل من محنة الضراء فثمة، دواعي الكبر والخيلاء، والشح والبخل، والظلم والعدوان، والغفلة عن ذكر الله والدار الآخرة كلها أدواء تصاحب الغنى واليسر إلا من رحم الله، ويوسف عليه السلام كما كان نموذجًا للصبر والرضا والتسليم بما قدر الله في زمن الشدة والضراء، فقد كان نموذجًا آخر للعدل والأمانة والشكر والذكر لله في زمن الفرج والسراء ومقاليد أمور مصر بيديه، وخزائن الأرض تحت تصرفه .. أجل لقد ضرب الصديق عليه السلام نموذجًا للعفة وحسن السياسة في الرعية، وعرفت الأرض والناس به نموذجًا للحكام الصالحين، الذين تكثر نفقاتهم دون منٍ أو أذى، وتكثر الخيرات من حولهم، بهم تصلح الحياة الدنيا، وبسيرتهم يتذكر الناس الدار الآخرة، فلا جوع أو تسفيه، ولا فتنة ولا تخمة. وتأملوا كيف ترتبط الحياة الدنيا بالآخرة في أذهان العارفين {رب قد آتيتني من الملك وعلمتني هن تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلمًا وألحقني في بالصالحين} (1) ألا إنها أخلاق الأنبياء، نماذج خيرية بالاعتبار والاقتداء.
اللهم احشرنا مع البررة الأتقياء، وبلغنا منازلة الشهداء
…
أقول ما تسمعون
…
(1) سورة يوسف، الآية:101.