الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فيض العشر وفضل الدعاء
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه
…
أما بعد إخوة الإسلام فها هي أيام رمضان تسارع مؤذنة بالانصراف والرحيل، وها هي أيام العشر تحل لتكون الفرصة الأخيرة لمن فرط في أول الشهر، أو لتكون التاج الخاتم لمن أصلح ووفي فيما مضى، إخوة الإيمان العشر الأخيرة من شهر رمضان سوق عظيم يتنافس فيه العاكفون، وموسم يضيق فيه المفرطون، وامتحان تبتلى فيها الهمم، ويتميز أهل الآخرة من أهل الدنيا .. طالما تحدث الخطباء، وأطنب الوعاظ، وأفاض الناصحون بذكر فضائل هذه الليالي .. ويستجيب لهذا النداء الحاني، والموعظة المشفقة قلوب خالط الإيمان بشاشتها، وآذان أصغت للمنادي واستقر في روعها أنه لا يريد إلا الخير ليس إلا .. فسلكت هذه الفئة المستجيبة طريق المؤمنين، وانضمت إلى قافلة الركع الساجدين، واختلطت دموع أصحابها بدعائهم في جنح الظلام، وربك يسمع ويجيب، ويجزي العاملين المخلصين، وما ربك بظلام للعبيد.
أما الفئة الأخرى فتسمع النداء وكأنه لا يعنيها، وتسمع المؤمنين يتضرعون لخالقهم، وكأنه ليس لهم حاجة إلا ملء البطون والتفكير في الفروج .. ويا ليت شعري والمأساة أعظم أن هؤلاء نائمون قائمون .. فهم في عداد النائمين إذ لم يشهدوا مع المسلمين صلواتهم ودعاءهم وهم في عداد القائمين المضيعين لأوقاتهم والمزحين لفراهم بالقيل والقال والسهر الذي لا طائل من ورائه، ولا نفع يرجى من خلاله إلا من رحم الله.
فهل يتأمل الشاردون في غبنهم، وهل يعيد المفرطون الحساب مع أنفسهم ومع خالفهم، ونحن بعد في مستهل هذه العشرة التي ضمنها الله تعالى ليلة: العبادة فيها خير من العبادة في ما يزيد على ثلاثة وثمانين عامًا، وربك تعالى يقول {ليلة القدر خير من ألف شهر} وكم هي نعمة أن يتخفف المرء في هذا الشهر من الذنوب والأوزار التي لو كان لها جرم لما أطاق الإنسان حملها لثقلها، ولو كان للذنوب رائحة لزكمت الأنوف لشدة نتنها «ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه» .
هكذا يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم، والذي يحتسبون على الله قيام ليالي العشر لابد وأن يدركوا هذه الليلة، فهي في العشر الأواخر، وهي في الأوتار أحرى وآكد.
وفي الليل سواء كان في رمضان أو غيره- ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شيئًا من أمور الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، ولكم هو وقت النزول الإلهي، ومنه الثلث الأخير من الليل، يقول المولى جل جلاله في هذه الساعة: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ .. فأين أنت يا عبد الله عن هذا المورد العظيم، وإذا غلبتك نفسك في سائر العام أفلا تغلبها على الأقل في هذه الليالي والأيام.
أخوة الإيمان إذا كان قيام الليل أعظم ما يرجى وأزكى ما يقدم في هذه العشر منحة قربات حري بالمؤمن أن يتقدم بها لمولاه في هذه الليالي والأيام الفاصلة .. فذكر الله على كل حال سياج من الشيطان ودرع واق للإنسان، ويكفي أن يعلم أن مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكره كمثل الحي والميت .. ويرحم الله أمواتًا رغبوا لأنفسهم الموت وهم بعد أحياء، ويرحم الله أمواتًا إذا ذكرهم الناس ذكروا الله وإن كانوا أجداثًا في قبورهم.
فليس من مات فاستراح
…
بميت إنما الميت ميت الأحياء.
فلا تمت نفسك أخي المسلم بالغفلة عن ذكر الله وأنت بعد على قيد الحياة. وبادر باغتنام هذه العشر لمزيد ذكر الله والأنس به {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} ومن رحمة الله أن فضل الذكر عظيم وهو لا يكلف المرء عناءً، وبإمكان المرء أن يذكر الله قائمًا أو قاعدًا أو على جنبه. فلا يستحوذن عليكم الشيطان.
عباد الله حذار أن ينسيكم الشيطان ذكر الله والباري يقول في محكم التنزيل {استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون} .
ومن الأمور المعينة على ذكر الله الاعتكاف في المساجد، وهي سنة أغفلها كثير من الناس، ومنها انقطاع عن الخلق واتصال بالخالق تعين المرء على ذكره والإنس به وحده، وفيها تفريغ للقلب من المشاغل التي طالما فرقته في أودية الدنيا وهمومها، ويخطأ بعض الناس فيظن أن الاعتكاف لازم للعشر كلها، وليس الأمر كذلك فبإمكان الإنسان أن يعتكف نصفها، أو بعضًا منها، أو يومًا أو ساعةً منها، فهل تحيي هذه السنة النبوية في مساجدنا وتشجع كبارنا وصغارنا على المسارعة في الخيرات واغتنام الأوقات؟
وليس يخفي أن الإكثار من تلاوة القرآن، والسنن النوافل والصدقات، وصلة الأرحام، والعمرة، ونحوها من القربات، تحسن في كل حال، ولها ميزتها في مثل هذه الأيام، ولا تنسوا أنكم مقبلون على إجازة، الكيس منكم من استثمرها في الطاعة، والمسكين من فرط فيها بكثرة النوم وضياع الأوقات.
أيها المسلمون وثمة عبادة يحسن التذكير بها في كل حال، وهذه الليالي والأيام بالذات ميدان للاجتهاد فيها- ألا وهي الدعاء.
إخوة الإيمان والدعاء هو سهام الليل يطلقها القانتون، وهي حبل ممدود بين السماء والأرض يقدره حق قدره عباد الله المخلصون.
هو الربح ظاهرًا بلا ثمن، وهو المغنم في الدنيا والآخرة بلا عناء، هو التجارة الرابحة يملكها الفقراء كما يملكها الأغنياء على حد سواء، يتفاوت الناس في هذه العبادة بين مقل ومستكثر، بين حاضر القلب، وشارد الذهن، بين خاشع متأمل لما يقول وبين قاس القلب لا يتأثر ولا يلين وهو طريق للفلاح في الآخرة، وهو سبب من أسباب السعادة في الدنيا بإذن الله ذلكم هو الدعاء، بل هو العبادة، كما قال عليه الصلاة والسلام:«الدعاء هو العبادة» (1).
قال الله تعالى: {وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} (2).
فالآية في بدئها تسمية الدعاء، وفي نهايتها أطلق عليه العبادة، مما يؤكد لك أهمية الدعاء، وكونه هو العبادة.
وإذا كان الله يصف الراغبين عن الدعاء بالاستكبار كما في الآية السابقة، فاعلم أخي المسلم- أن ليس شيء أكرم على الله من الدعاء، كما أخبر بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي وابن ماجه بسند حسن (3) - يا أخا الإسلام أترغب أن توصف بالعجز والكسل، وهل علمت أن المقصر في الدعاء من أعجز الناس بقول الرسول صلى الله عليه وسلم «أعجز الناس من عجز عن الدعاء وأبخل الناس من بخل بالسلام» (4).
لقد أمر الله المسلمين بالدعاء ووعدهم بالاستجابة، وهل بعد ذلك من كرم، فقال أكرم الأكرمين:{وقال ربكم ادعوني استجب لكم} ، لكنها الاستجابة
(1) قال الترمذي: حديث حسن صحيح (الأذكار/ 333).
(2)
سورة غافر، الآية:60.
(3)
الأذكار للنووي/ 333.
(4)
رواه الطبراني في الأوسط، والبيهقي في شعب الإيمان بسند صحيح (صحيح الجامع 1/ 346.
المشروطة بالاستجابة لله والإيمان به، وهذا وذاك طريق الرشد وسبيل الخير {وإذا سألك عبادي عني فاني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} (1).
وهل علمت أخا الإسلام أن الدعاء وتعليمه يأتي في مرتبة تالية للصلاة، للداخلين في الإسلام فقد كان الرجل إذا أسلم علمه النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات «اللهم اغفر لي وارحمني، واهدني وعافني وارزقني» وكان عليه الصلاة والسلام يقول في فضل هذه الدعوات: إنها تجمع الدنيا والآخرة (2).
وهل علمت أن صاحب الدعاء كاسب على كل حال إذا لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، وتأمل جيدًا هذا الحديث النبوي الشريف الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا أتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، فقال رجل من القوم: إذا نكثر (يعني من الدعاء) قال صلى الله عليه وسلم: الله أكثر (3).
وحاصل ذلك أن الداعي لا يعلم أحد ثلاثة أمور، إما أن يستجاب دعوته عاجلاً، أو تأخر له في القيامة، أو يدفع عنه من السوء مثلها.
وهذا أو ذاك لا شك فضل عظيم ومنة من الله يمتن بها على عباده الداعين، اسأل الله سبحانه وتعالي أن يتقبل منا إنه هو السميع العليم.
(1) سورة البقرة، الآية:186.
(2)
الحديث رواه مسلم في صحيحه. رياض الصالحين/ 469.
(3)
يعني أكثر إحسانًا مما تسألون (الحديث رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح (رياض الصالحين/ 475. وزاد الحاكم في المستدرك: (أو يدخر له من الأجر مثلها) وصححه ووافقه الذهبي (الدعاء/ 5).