الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين أحاط بكل شيء علمًا، ووسعت رحمته الآخرة والأولى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له قضى بالرفعة والفضل لأهل العلم والإيمان ولو كره المبطلون، وكتب على كل بشر قدره من الفتنة والبلوى، وعلى قدر الإيمان يكون البلاء، فلأشد الناس بلاءً الأنبياء عليهم السلام ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كما صح بذلك الحديث .. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ناله أصناف الأذى واتهمته قريش بألوان من التهم فأظهره الله عليهم والعاقبة للتقوى اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى سائر المرسلين.
إخوة الإيمان .. الإمام الشافعي الذي أطبق في الخافقين ذكره، وانتفع العالم بعلمه لم يسلم من حسد الحاسدين، ولم يكن بمنأى عن تقول المتقولين، وتناوشته سهام المتكلمين، شأنه في ذلك شأن المتقدمين والمتأخرين كما قال الإمام الذهبي رحمه الله وهو يصف هذه الظاهرة ويقول: ونال بعض الناس من الشافعي غضًا، فما زاده ذلك إلا رفعةً وجلالة، ولاح للمنصفين أن كلام أقرانه فيه بهوى، وقل من برز في الإمامة ورد على من خالفه إلا وعودي، نعوذ بالله من الهوى (1) ويحدد الذهبي- في موضع آخر- أصناف الذين يتكلمون في أهل العلم ويتهمونهم بغير حق، وأثر ذلك على العالم فيقول: «وما تكلم فيه- يعني الشافعي- إلا حاسد أو جاهل بحاله، فكان ذلك الكلام الباطل منهم موجبًا لارتفاع شأنه وعلو قدره، وتلك سنة الله في عباده {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا
(1) السير 10/ 9.
كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهًا يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدًا} (1).
وقبل الذهبي كشف الإمام أحمد رحمه الله أسباب كثرة الكلام والتهم على العالم من أقرانه ومعاصريه فقال «اعلموا رحمكم الله تعالى أن الرجل من أهل العلم إذا منحه الله شيئًا من العلم وحرمه قرناؤه وأشكاله حسدوه، فرموه بما ليس فيه، وبئست الخصلة في أهل العلم» (2).
أي وربي صدق الإمام أحمد، وبئست الخصلة في أهل العلم إنها الماحقة للدين، والموغلة بصدور المؤمنين، والميدان الرحب يفرح به المغرضون والمنافقون، وتلك بضاعة الشيطان يصد بها المسلمين عن ذكر الله وشكره وحسن عبادته وهو يصور لهم أن ذلك هو الجهاد الحق وإنه أولى من جهاد الكفار والمنافقين، وأن كشف زيف هؤلاء أولى وخطرهم على الدين أشد وأقضي.
وهكذا يزين الشيطان لبعض الناس ويتلاعب بعقولهم حتى تصبح الردود والتهم شغلهم الشاغل بها ينصرفون عن البناء وإكمال مسيرة العلماء، وبها ينسون عيوبهم وسبل إصلاحها ويشتغلون بعيوب الآخرين ويتزيدون فيها .. والمسلم الحق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وأربى الربى استطالة المرء في عرض أخيه، كما جاء في الحديث، وفي الرواية الأخرى «أربى الربا شتم الأعراض» (3).
(1) سورة الأحزاب، الآيتان: 69، 70، سير أعلام النبلاء 10/ 48.
(2)
السير 10/ 58 هامش (1).
(3)
صحيح الجامع 2/ 300.
إخوة الإيمان .. أما كيف تعامل العلماء قديمًا مع هذه الخلافات والنجوى .. وماذا ينبغي أدن يتعامل به الناس حديثًا، فهو طي هذا اللغط وإهمال أصحابه، والحرص على ردم الهوة بين المسلمين، وعدم مجاراة المغرضين فلا يعني السكوت على ترديد الشائعات والتهم الضعف والخور بقدر ما يعني التعقل والثقة والانشغال بالأهم، وسيكفي الله عباده الصالحين شر الأشرار وكيد الفجار، والله تعالى يدافع عن الذين آمنوا، والحق مهما اختلط بغيره فلا بد أن يظهر أصحابه، والباطل مهما تستر أصحابه فلا بد أن يكشفهم الله ويفضحهم في جوف دارهم .. وما ربك بغافل عما يعملون، ولا يظلم ربك أحدًا، والعاقبة للتقوى.
حول هذا المنهج قال الإمام الذهبي رحمه الله كلامًا طويلاً أقتبس منه العبارات التالية: «كلام الأقران إذا تبرهن لنا أنه بهوى وعصبية لا يلتفت إليه بل يطوى ولا يروى، ثم تحدث عما شجر من الصحابة وقال: إن أكثره منقطع وضعيف وبعضه كذب .. فينبغي طيه وإخفاؤه، بل إعدامه لتصفو القلوب وتتوفر على حب الصحابة والترضي عنهم، وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء، إلى أن قال: ثم تكلم خلق من التابعين بعضهم في بعض وتحاربوا وجرت أمور لا يمكن شرحها فلا فائدة في بثها، ووقع في كتب التواريخ وكتب الجرح والتعديل أمور عجيبة، والعاقل خصم نفسه، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، ولحوم العلماء مسمومة .. إلى آخر كلامه (1).
ألا فليتق الله أولئك الذين يروجون الشائعات ويلصقون التهم وىكتبون الكتابات ويتزيدون في التأويلات، ويتدخلون في تفسير المقاصد والنيات .. وتلك لا يعلمها إلا عالم السر والخفيات.
(1) سير أعلام النبلاء 10/ 92 - 94.
وعلى من اتهم في دينه أو عرضه بغير حق أن يصبر ويحتسب، ويتجرد عن حظوظ النفس والهوى، وأن يقوم بالقسط والعدل كما أمر الله {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا أعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} (1).
وينبغي أن يستقر في أذهان المسلمين أن الخلاف في الرأي دون هوى ليس مسوغًا للفرقة والاختلاف وملغيًا لحقوق إخوة الإسلام، وتأملوا هذه اللفتة الطيبة عن الإمام الشافعي: يقول يونس الصدفي: ما رأيت أعقل من الشافعي ناظرته يومًا في مسألة ثم افترقنا ولقيني فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة.
ثم يعلق الذهبي على ذلك ويقوله: قلت: هذا يدل على كمال عقل هذا في ما- وفقه نفسه، فمازال النظراء يختلفون (2).
فهل يفقه المسلمون أدب الخلاف، وهل يتقون الله حين الاتفاق أو الاختلاف، وهل يلتفت العقلاء إلى خطط الكافرين وموائد المنافقين، وأطماع اليهود والنصارى والمجوس والمشركين فذلك أولى وأحرى من تصويب السهام في صدور المسلمين، والحط من قدر العلماء والدعاة المجتهدين .. إن في ذلك لذكري لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .. والموفق من وفقه الله والمعصوم من عصمه الله .. اللهم اعصمنا من الزلل وطهر قلوبنا وألسنتنا من الغل والحقد والكذب.
(1) سورة المائدة، الآية:8.
(2)
السير 10/ 16، 17.