الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من عوامل الثبات على دين الله
(1)
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ..
إخوة الإيمان .. وكما يحرص المسلم على معرفة أسباب الهداية فهو حريص كذلك بل هو أحرص على معرفة عوامل الثبات على دين الله .. ذلك لأن الثبات على دين الله حتى الممات هو ثمرة الهداية، وهو الضمان بإذن الله للحصول على الجنة والمغفرة، وما أتعس المرء وأقل حظه حين يذوق طعم الإيمان ثم هو يرتد بعد إلى حماة الكفر بالله والعياذ بالله، ولذا كانت عاقبة المرتد وخيمة ونهايته أليمة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:«من بدل دينه فاقتلوه» (2) الحديث رواه أحمد والبخاري وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما (صحيح الجامع 5/ 264).
وما أحوج المرء في زمان الغربة إلى التعرف على عوامل الثبات بعد معرفته لأسباب الهداية إلى الصراط المستقيم وذلك لفساد الزمان، وندرة الإخوان، وضعف المعين، وقلة الناصر، بل ولكثرة حوادث الردة والنكوص على الأعقاب .. وليس بالضرورة أن تكون الردة ردة معلنة صريحة عن الإسلام .. فإن قبول بعض أحكام الإسلام ورفض أحكام أخرى، أو الإيمان بشيء مما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم والعمل به، ورفض شيء آخر من دين الله هو ردة عن الدين، وهو نكوص عن الحق الذي نزل به المرسلون عليهم السلام والإسلام كل لا يتجزأ، والشريعة حق كلها وهي منظومة لا يمكن الفصل بينها .. وقد حكم الله بكفر
(1) ألقيت هذه الخطبة يوم الجمعة الموافق 17/ 3/ 1414 هـ.
(2)
الحديث رواه أحمد والبخاري وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما (صحيح الجامع 5/ 264.
الذين يقبلون بعضها ويرفضون بعضًا آخر، فقال تعالى {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون} (1).
إن العلمنة بكافة ألوانها وصورها- هي ردة عن دين الله .. وكيف لا يكون كذلك وهي أسلوب ماكر لتنحية الدين عن الحياة وأن العلمانيين مهما اختلفت أسماؤهم أو تباينت لغاتهم أو تباعدت ديارهم هم أولئك النفر الذين يحاولون فصل الأمة عن دينها وتاريخها، ويلبسون عليها دينها هم دعاة على أبواب جهنم.
وفي ظل هذا التشكيك الخفي في دين الله تبرز الحاجة إلى معرفة عوامل الثبات .. بل وفي ظل مغريات الحياة الدنيا واختلاط الحق بالباطل، وضعف اليقين وغلبة الدين، وندرة الصالحين تكون الحاجة أشد للوقوف على عوامل الثبات.
فإذا أضيف إلى هذه العوامل أن الهداية والثبات مردها بإذن الله إلى القلب، وهي متعلقة به، وهو من أكثر الجوارح تقلبًا، حتى قال فيه الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم:«لقلب ابن آدم أشد انقلابًا من القدر إذا اجتمعت غليانً» (2).
ويقول عليه الصلاة والسلام في حديث آخر: «إنما سمي القلب من تقلبه، إنما مثل القلب كمثل ريشة في أصل شجرة يقلبها الريح ظهرًا لبطن» (3).
إذا كان ذلك كذلك عدم مدى الحاجة إلى معرفة عوامل الثبات بعد معرفة أسباب الهداية .. وإليك أخي المسلم بعضًا من الأمور التي تعين بإذن الله على
(1) سورة البقرة، الآية:85.
(2)
الحديث روه أحمد والحاكم والطبراني بأسانيد ورجال أحدها ثقات (مجمع الزوائد 7/ 211).
(3)
الحديث رواه أحمد.
الثبات على الحق .. أسأل الله أن يثبتني وإياكم وإخواننا المسلمين على الحق إنه جواد كريم.
1 -
العامل الأول: الاعتصام بالكتاب والسنة، والتمسك بما فيهما علمًا وعملاً، فالقرآن الكريم حبل الله المتين، والسنة النبوية مكملة للقرآن وشارحة له، تفصل ما أجمل، وتفسر ما أشكل، وهما جميعًا نور وضاء يهتدي بنورهما أولو الألباب، وما فتئ المصطفى صلى الله عليه وسلم يدعو أمته للتمسك بهما والرجوع إليهما حتى وافاه اليقين، ومما قاله عليه الصلاة والسلام «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله» (1).
وهكذا فكلما كان التزام الأمة بالكتاب والسنة قويًا، كان ثباتها على الحق .. وكلما هجر القرآن اندرست السنة .. كان ذلك داعيًا للانحراف وباعثًا للضلال ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ويندرج تحت هذا الأصل الاقتداء بسلف الأمة الصالحين الذي صحبوا محمدًا صلى الله عليه وسلم وأخذوا منه وتربوا على يديه، وفي طليعة هؤلاء الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وعن سائر الصحابة أجمعين وفي هؤلاء جاءت وصية محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (2).
أخي المسلم ومن هنا يتضح لك حاجتك في الثبات على دين الله على لزوم الكتاب والسنة وما فيهما من توجيه ولزوم سنة الخلفاء الراشدين، وهديهم .. ويتبين لك كذلك أن التمسك بالبدع المحدثة كأعياد المولد مثلاً، والتعبد
(1) أخرجه الإمام مالك والحاكم بسند حسن، جامع الأصول 1/ 277.
(2)
الحديث رواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه بسند صحيح جامع الأصول 1/ 279.
بالخرافات الشركية كالطواف حول القبور والتوسل بالأموات ونحوها كل ذلك مما يدعو إلى الانحراف عن صراط الله المستقيم، ويبعد المرء عن الثبات على دين الله ومنهجه القويم.
2 -
العامل الثاني: من عوامل الثبات استدامة الطاعة والاقتصاد فيها: قال الله تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} (1) وقال في الآية الأخرى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة} (2).
فهذا وعد من الله أن يحفظ ويثبت الملتزمين بالطاعة والمحافظين على فعل ما جاءت به الشريعة في الحياة الدنيا وفي الآخرة إن الاستمرار على فعل الطاعات وترك المحرمات والعمل بما يوعظ به المرء أمر عزيز على النفس ويحتاج إلى مجاهدة وترويض، لكنه في النهاية عامل مهم في الثبات {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا} (3).
وقال تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء} (4).
قال قيادة وغي واحد من السلف: أما الحياة الدنيا فيثبتهم بالخير والعمل الصالح. وفي الآخرة في القبر (5).
(1) سورة الأحقاف، الآية:13.
(2)
سورة فصلت، الآية: 30، 31.
(3)
سورة النساء، الآية:66.
(4)
سورة إبراهيم، الآية:27.
(5)
تفسير ابن كثير 4/ 421.
أما الكسالى والمفرطون .. والذين يقدمون عمى الطاعة حينًا ويتهاونون فيها حينًا آخر فهؤلاء على خطر .. وهل يضمنون أنفسهم أن تخترمهم المنية في حال تفريطهم فيحتم لهم بسوء الخاتمة ولا حول ولا قوة إلا بالله. فاحرص أخي المسلم على استدامة الطاعة، لأنك لا تدري متى الرحيل، واعلم أن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم المداومة على عمل الصالحات وإن كانت قليلة، وقال في ذلك «أحب الأعمال إلي الله أدومها وإن قل» (1) وبهذا نصح الأمة وأرشد الرعية، وفي الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان للنبي صلى الله عليه وسلم حصير، وكان يحجره بالليل فيصلي فيه، ويبسطه بالنهار فيجلس عليه، فجعل الناس يثوبون إلى النبي صلى الله عليه وسلم يصلون بصلاته حتى كثروا، فأقبل فقالت فقال «يا أيها الناس خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملو، وأن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل» (2).
زاد في رواية و «كان آل محمد إذا عملوا عملاً أثبتوه» (3).
3 -
العامل الثالث من عوامل الثبات على دين الله .. الدعاء والإلحاح على الله بالثبات، وكما أن الدعاء سبب للهداية أصلاً- فهو عامل للثبات ثانيًا وإذا كانت القلوب هي أوعية الهداية .. أو هي السبب في الغواية- فهي بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء عن نعيم بن همام الغطفاني رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أن يزيغه أزاغه، وإن شاء أن يقيمه أقامه، وكل يوم الميزان بيد الله، يرفع أقوامًا، ويضع آخرين إلى يوم القيامة» (4).
(1) متفق عليه صحيح الجامع 1/ 107.
(2)
متفق عليه صحيح الجامع 1/ 107.
(3)
انظر رواياته في جامع الأصول 1/ 303 - 305.
(4)
الحديث رواه الطبراني ورجاله ثقات، مجمع الزوائد 7/ 211.
وثبت في الحديث الصحيح أن أكثر دعائه صلى الله عليه وسلم «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» فقيل له في ذلك؟ قال: «إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ» (1). وثبت أيضًا أن أكثر أيمانه كانت: «لا ومصرف القلوب» (2) فألحوا على الله بذلك معاشر المسلمين ولاسيما في أوقات الإجابة، نسأل الله ألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب (3).
أقول ما تسمعون وأستغفر الله
…
(1) صحيح الجامع 4/ 36 حديث رقم 4677.
(2)
صحيح الجامع 4/ 236 حديث رقم 4676.
(3)
مجمع الزوائد 7/ 211.