الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثاني والثلاثون:
في ذكر شيء من أخبار قريش بمكة في الجاهلية وشيء من فضلهم وما وصفوا به وبيان نسبهم، وسبب تسميتهم بقريش وابتداء ولايتهم للكعبة، وأمر مكة
ذكر شيء من فضلهم وما جاء في أنهم خير العرب:
روينا في صحيح مسلم عن واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم؛ فأنا خيار من خيار من خيار"1.
ما جاء في أن الخلافة لا تزال في قريش:
رينا عن البخاري في صحيحه قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا عاصم بن محمد، قال سمعت أبي يحدث عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان".
وروينا ذلك في صحيح البخاري، عن معاوية بن أبي سفيان، عن النبي صلى الله عليه وسلم2.
ما جاء في عقوبة من عادي قريشا 3:
روينا عن البخاري في صحيحه من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما أن سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا أكبه الله على وجهه، ما أقاموا الدين".
1 أخرجه: الترمذي "3607"، ومناهل الصفة 53 رقم 125.
2 صحيح البخاري.
3 ورد في الأصل قبل ذلك عبارة: "ما جاء في الأمر بتقديم قريش على عيرهم" ثم أضاف: "روينا" وبعد ذلك يوجد بياض في الأصل في جميع النسخ.
ولذكر معاوية رضي الله عنه هذا الخبر قصة مذكورة في "صحيح البخاري".
والأخبار الواردة في فضل قريش كثيرة، وفيما أوردناه من ذلك كفاية، ولم نورده إلا للتبرك به.
ذكر ما وصفت به بطون قريش:
قال الفاكهي: حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي سعد، قال: حدثنا إسحاق بن البهلول، قال حدثني محمد بن عبد الرحمن القرشي، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عبد مناف عز قريش، وأسد ركنها وعضدها، وعبد الدار رئتها وأوائلها، وعدي جناحاها، ومخزوم ريحانتها في نظرتها، وجمح وسهم عديدها، وعامر ليوثها، وفرسانها والناس تبع لقريش، وقريش مع لولد قصي"1.
وحدثنا عبد الله بن أبي سلمة قال: حدثني إبراهيم بن المنذر، عن عبد العزيز بن عمران عن عبد الملك بن عبد العزى، عن عبد الملك بن عبد العزى، عن عمر بن عبد العزيز، قال: عبد مناف عز قريش، وأسد بن عبد العزى عضدها، وزهرة الكبد، وتيم وعدي رئتها، ومخزوم فيها كالأراكة في بطونها، وجمح وسهم جناحاها، وعامر ليوثها وفرسانها، وكل تبع لولد قصي، والناس تبع لقريش".
وحدثني حسن بن حسين قال: حدثنا محمد بن أبي السري قال: حدثنا هشام بن الكلبي، وعن سفيان بن عيينة، عن محمد بن قيس -الأسدي قال غير ابن الكلبي؛ عن علي بن ربيعة ولم يقله ابن الكلبي؛ أوقفه على محمد بن قيس، قال: سئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن بني أمية، فقال: أشدنا حجرا، وأدركنا للأمور إذا طلبوا، وسئل عن بني المغيرة من بني مخزوم، فقال: أولئك ريحانة قريش التي تشمونها. وسئل عن بطن آخر كنى عنهم سفيان بن عيينة -قال عثمان: وهم بنو تيم- فذكر شيئا.
قال الحسن بن حسين: وأخبرني محمد بن سهل الأزدي، قال: سمعت هشام بن الكلبي يذكر عن أبيه، قال: سئل علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه- عن قريش، فقال: أما بنو هاشم فأفصح وأسمح وأصبح، وأما إخوتها من بني عبد شمس فأنكر وأمكر، وأغدر وأفجر.
وسئل مرة أخرى فقال: أما بنو هاشم فأصدق قريش في النوم واليقظة، وأكرمها أحلامها، وأضربها بالسيف، وأما بنو عبد شمس فأبعدنا همما، وأمنعنا لما وراء ظهورها،
1 سمط النجوم العوالي 1/ 211.
وأما بنو مخزوم فريحانة من ريحانة قريش، يحب حديث رجالهم، ويشتهي تزوج نسائهم1، وسئل عن قوم من أقوام قريش، فقال: زعائفة.
وأخبرني عبد الله بن عمرو بن أبي سعد، قال: حدثنا محمد بن الحسين الشامي، قال: حدثنا النضر بن عمرو، قال: حدثني بكر بن عامر المري، عن عامر بن عبد الله المسمعي قال: دخل دغفل الشيباني2 على معاوية، فقال له معاوية رضي الله عنه: أخبرنا عن بني هاشم، فقال: في الواسطة من القلادة، في الجاهلية سادة، وفي الإسلام ملوك وقادة، قال: فأخبرنا عن بني عبد المطلب، قال: بيت مقشعرة، أصابتها قرة، لا يسمع لها حرة، ولا يرى لها درة. قال: فأخبرنا عن بني نوفل، قال: اسم ولا حسيس، قال: فأخبرنا عن بني أسد. قال: ذو سؤم ونكد، وبغي وحسد. قال: فأخبرنا عن بني أسد. قال: ذو شؤم ونكد، وبغي وحسد. قال: فأخبرنا عن بني زهرة، قال: جهل فاش، وحلم الفراش، قال: فأخبرنا عن آل تيم بن مرة، قال: كثير أوغادهم، عبيد من سادهم، ولا يرى منهم قائد يقودهم، قال: فأخبرنا عن بني مخزوم، قال: معزى مطيره، أصابتها قشعريرة، إلا بني المغيرة؛ فإنهم أهل التشدق في الكلام، ومصاهرة الكرام. قال: فأخبرنا عن بني جمح، قال: كلهم طلف، إلا بني خلف. قال: فأخبرنا عن بني عدي بن كعب، قال: قساة الأخلاق، ولؤم أعراق، إن استغنوا شجوا، وإن انفردوا لجوا.
ذكر أهل البطاح، والظواهر، والعارية، والعائدة من قريش:
قال الفاكهي: حدثنا الزبير بن أبي بكر قال: حدثنا محمد بن الحسن المخزومي، عن العلاء بن الحسن، عن عمه أفلح بن عبد الله بن المعلي، عن أبيه وغيره من أهل العلم، قال: إن قريش البطاح: لأن قرشا حين اقتسموا بلادهم احتلت كعب بن لؤي الأباطح؛ فكعب وبنوه مالك، وقدد بن رجا، والحارث ومحارب ابنا فهر، وعوف بن فهر ودرج، والأدرم؛ وهم بنو تيم بن غالب بن فهر، وعوف بن فهر، وقيس بن فهر، وقدد، وعامر بن لؤي؛ وإنما سموا الظواهر لأن قريشا حين اقتسموا دارهم أخذوا منهم ظواهر مكة؛ بحيث سكنوا بالظواهرة3 أو بالبطحاء، فهم قريش الظواهر بالظاهرة أو بالبطحاء.
1 أخبار مكة للفاكهي 5/ 166، 168.
2 هو دغفل بن حنظلة بن يزيد، يعرف بدغفل النسابة، كان يحكم بجهة الموصل. "جمهرة أنساب العرب -ص319".
3 أخبار مكة للفاكهي 5/ 167.
وحدثنا الزبير بن أبي بكر قال: حدثني أبو الحسن الأثرم، عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال: كانت قريش الظواهر: محارب، والحارث ابنا فهر، ومن هناك من جيرانهم عامر بن لؤي، والأدرم1 بن غالب يغيرون على بني كنانة، يغير بهم عمرو بن عبد ود؛ إلا أن الحارث بن فهر دخلت بعد ذلك مكة، فهي من البطاح، وهم يد مع المطيبين
…
انتهى.
وأما قريش العاربة؛ فإنهم ولد سامة بن لؤي بن غالب بن فهر بنمالك بن النصر بن كنانة خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وقد ذكر الفاكهي سبب تسميتهم بذلك؛ لأنه قال: حدثنا الزبير بن أبي بكر قال: وأما ولد سامة بن لؤي وهم قريش العاربة؛ وإنما سموا العاربة لأنهم عربوا عن قومهم، فنسبوا إلى أمهم ناجية بنت حزم بن ربان، وهو علاف، وكان أول من اتخذ من الرجال العلافية فنسب إليها، فقيل: علاف. واسم ناجية: ليلي؛ وإنما سميت ناجية؛ لأنها سارت في مفازة فعطشت، فاستقت سامة بن لؤي، فقال لها: بين يديك، وهو يريها السراب، حتى جاءت الماء فنجت فسميت: ناجية2.
قريش العائدة:
وأما قريش العائدة: فهم بنو خزيمة بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر.
وقد ذكر الفاكهي عن الزبير سبب تسميتهم بذلك؛ لأنه قال: وإنما قيل لخزيمة بن لؤي: عائدة؛ لأن عبيدة3 بن خزيمة تزوج عائدة بنت الحمس بن قحافة بن خثعم؛ فولدت له مالكا وتيما فسموا عائدة بأمهم.
قال لنا الزبير: قال علي بن المغيرة، عن حسن بن علي العقيلي قال: وإنما قيل: عائدة قريش؛ لأن عدادهم في بني أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان في الجاهلية والإسلام فقيل: عائدة قريش، لئلا يضلوا.
حدثني الزبير بن أبي بكر قال: كان أهل الظواهر من قريش في الجاهلية يفخرون على أهل الحرم، فيعقد لواء فخارهم للناس. قال الزبير: وكانت العرب تنفس قريشا، وتعير أهل الحرم منها بالمقام بالحرم، فأسموهم: الصب
…
انتهى.
وفي قريش رهط يقال لهم: الأحربان، ذكرهم الزبير بن بكار؛ لأنه قال: حدثنا محمد بن أبي قدامة العمري قال: كان بنو معيص بن عامر بن لؤي وبنو محارب بن فهر
1 "الأدرم": المنقوص الذقن "الروض الأنف 1/ 119".
2 أخبار مكة للفاكهي 5/ 168.
3 في نسب قريش "ص441": "عبيدة".
متحافين، وكانا يدعيان الأحربين -لما بينهما- فهما الأحربان من أهل تهامة، والأحربان من أهل نجد: بنو عبس، وذبيان
…
انتهى.
ذكر بيان نسب قريش:
اختلف في نسبهم؛ فقيل: إنهم ولد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، وقيل: إنهم ولد النضر بن كنانة، والقول الأول ذكره الزبير بن بكار عن غير واحد من أهل العلم؛ لأنه قال: حدثني إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا أبو البختري وهب بن وهب، قال: حدثني ابن أخي ابن شهاب، عن عمه قال: إن اسم فهر بن مالك الذي أسمته أمه قريشا، كما يسمي الصبي غدارة، وشمله، وأشباه ذلك، قال: قال: وقد اجتمع النساب من قريش وغيرهم على أن قريشا إنما تفرقت عن فهر، والذي عليه من أدركت من نساب، وذكر الزبير هذا القول عن هشام بن الكلبي؛ لأنه قال: قال: ولد مالك بن النضر فهرا، وهو جماع قريش.
وقال الزبير فيما نقله عنه القطب الحلبي، قال عمي: فهر هو قريش1، وقريش اسمه وفهر لقب له؛ فمن لم يلده فهر فليس من قريش.
ونقل الزبير هذا القول أيضا عن هشام بن الكلبي؛ لأنه ذكر أن أبا الحسن الأثرم حدثه عن الكلبي أن النضر بن كنانة هو قريش.
ونقل ذلك الزبير، عن أبي عبيدة بن المثنى؛ لأنه ذكر أن أبا الحسن الأثرم حدثه عن أبي عبيدة؛ قال: منتهى من وقع عليه اسم قريش: النضر بن كنانة؛ فولده قريش دون سائر بني كنانهة بن خزيمة بن مدركة، وهو عارم بن إلياس بن مضر، فأما من كان من ولد كنانة سوى النضر فلا يقال لهم: قريش، قال: وإنما سموا بنو النضر قريشا2؛ لأ، التقرش هو التجمع، قال: وقال بعضهم للتجار، يتقارشون، أي يتجرون.
1 قارن بجمهرة أنساب لابن حزم "ص12"، والروض الأنف 1/ 16.
2 في الروض: 1/ 17 "قريشا لتجمعهم".
والدليل على اضطراب هذا القول: إن قريشًا لم يجتمعوا حتى جمعهم قصي بن كلاب؛ فلم يجتمع إلا ولد فهر بن مالك، لا مرية عند أحد في ذلك، وبعد هذا فنحن أعلم بأمورنا، وأرعى لمآثرنا، وأحفظ لأسمائنا، ولم ندع قريشا، ولم تهمهم1 إلا ولد فهر بن مالك2
…
انتهى.
وذكر هذين القولين في نسب قريش: ابن هشام في "السيرة"؛ لأن فيها: وقال ابن هشام: النضر، قريش؛ فمن كان من ولده فهو قرشي، ومن لم يكن من ولده فليس بقرشي3، ثم قال: ويقال فهر بن مالك قريش، فمن كان من ولده فهو قرشي، ومن لم يكن من ولده فليس بقرشي
…
انتهى.
وليس في كلام ابن هشام ما يقتضي ترجيح أحد القولين. وفي كلام الزبير ما يقتضي ترجيح القول بأن قريشا ولد فهر بن مالك. وكلام النووي يقتضي ترجيح القول بأنهم ولد النضر.
ويقال: إن أول من قيل له القرشي: قصي بن كلاب؛ لأن الفاكهي روي بسنده: أن عبد الملك بن مروان سأل محمد بن جبير بن مطعم عن سبب تسميته قريش؛ فذكر له محمد بن جبير أن ذلك لتجمعها في الحرم، وأن عبد الملك قال له: ما سمعت بهذا، ولكني سمعت: أن قصيا كان يقال له: القرشي، ولم يسم قرشي قبله.
ونقل الفاكهي ذلك عن أبي سلمة عن عبد الرحمن بن عوف من طريقين، ونقل الفاكهي ما يخالف ذلك؛ لأنه قال: قال أبو بكر: وحدثني أبو بكر بن عبد الله، وابن أبي جهم، عن أبيه قال: النضر بن كنانة كان يسمى القرشي
…
انتهى.
وذكر السهيلي ما يقتضي أن قريشا كانت تسمى قريشا قبل مولد قصي؛ لأنه ذكر أن كعب بن لؤي قال:
إذا قريش تبغي الحق خذلانا4
…
انتهى.
وقال أبو الخطاب بن دحية في تسمية قريش، ومن أول من سمي به عشرون قولا، نقل ذلك عن ابن دحية هكذا القطب الحلبي.
وقال القطب الحلبي: ثم النسب إلى قريش: قرشي، وقريشي؛ فمن قال: قريشي، أجراه في النسب على أصله وتوفيته حروفه، فهو القياس؛ لأن الياء لا يطرد حذفها إلا ما كانت فيه هاء التأنيث. نحو: مرتبة
…
انتهى.
1 في الروض 1/ 17: "نهمم".
2 الروض الأنف 1/ 117.
3 قارن بجمهرة أنساب العرب "ص: 12"، وسيرة ابن هشام 1/ 91، 94.
4 الروض الأنف 1/ 117.
ذكر سبب تسمية قريش بقريش موما قيل في ذلك:
اختلف في تسمية قريش بقريش؛ فقال ابن هشام في "السيرة": وإنما سميت قريش قريشا من التقرش، والتقرش: التجارة والاكتساب، وأنشد في ذلك شعرا لرؤبة بن العجاج.
وقال ابن إسحاق: قال: إنما سميت قريش قريشا لتجمعها من بعد تفرقها، يقال للتجمع: التقرش1
…
انتهى.
وقيل: إنما سميت بذلك، لتفتيشها عن حاجة الناس وسدها لها؛ وهذا يروي عن الشعبي كما سبق.
وقيل: سميت بذلك: لأن قريش بن بدر يخلد بن النضر بن كنانة كان دليل بني كنانة في تجارتهم؛ فكان يقال: "قدمت عير قريش" فسميت قريش به، ذكر ذلك مصعب الزبيري2. قال: وأبوه بدر بن مخلد، صاحب بدر، الموضع الذي لقي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا. ذكر ذلك الزبير عن عمه.
وقيل: إنما سموا قريشا لأنهم يتقرشون البضاعات فيشترونها.
قيل: جاء النضر بن كنانة في ثوب له؛ فقالوا: قد تقرش في ثوبه كأنه جمل قريش: أي شديد مجتمع.
وقال ابن الأنباري: وقيل: قريش من التقريش وهو التحريش3. قال أبو القاسم الزجاجي: هذا الوجه ليس بمعروف؛ لأن المعروف في اللغة أن تقديم الراء على القاف هو التحريش لا التقريش، والتقريش: تزيين الكلام وتحسينه.
قال أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد: قريش مأخوذ من القرش، وهو وقع الأسنة بعضها على بعض؛ لأن قريشا أحرب الناس بالطعان
…
انتهى.
وقيل: سميت قريش قيرشا بدابة في البحر تسمى القرش، وهذا يروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لعمرو بن العاص رضي الله عنه حين سأله عن ذلك بحضرة معاوية رضي الله عنه استعجازا له عن معرفته، وأنشد ابن عباس رضي الله عنه على ذلك قول المسرح بن عمرو الحميري:
وقريش هي التي تسكن البحر
…
بها سميت قريش قريشا
1 سيرة بن هشام 1/ 94.
2 نسب قريش "ص: 12"، جمهرة أنساب العرب "ص: 11".
3 الزاهر لابن الأنباري 2/ 121.
تأكل الغث والسمين ولا تترك
…
منه لذي جناحين ريشا
ذكر هذا الخبر الفاكهي وغيره، وذكره القطب الحلبي، وكلامه يوهم أن ابن عباس رضي الله عنهما سأل عمرو بن العاص؛ وذلك يخالف ما ذكره الأزرقي، ثم قال القطب: وقال المطرزي: هي ملكة الدواب وسيدة الدواب وأشدها؛ فلذلك قريش سادة الناس1
…
انتهى.
وذكر هذا القول السهيلي؛ لأنه قال: ورأيت لغيره -يعني الزبير بن بكار- أن قريشا تصغير القرش: وهو حوت في البحر يأكل حيتان البحر، سميت به القبيلة، أو سمي به أبو القبيلة، والله أعلم2
…
انتهى.
هذا ما رأيته من الأقوال في تسمية قريش، وفي ذلك أقوال أخر على مايقتضيه كلام ابن دحية3، والله أعلم بالصواب.
ذكر ابتداء ولاية قريش الكعبة المعظمة ومكة:
أول من ولي ذلك منهم: قصي بن كلاب، وقد ذكر خبره في ذلك جماعة من أهل الأخبار، منهم: الأزرقي وذلك فيما رويناه عنه بالسند المتقدم، قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، عن ابن جريج، وعن ابن إسحاق -يزيد أحدهما على صاحبه- قالا -بعد ذكر شيء من خبر خزاعة-: فلبثت خزاعة على ما هي عليه، وقريش -إذ ذاك- في بني كنانة متفرقة، وقد قدم في بعض الزمان حاج قضاعة، فيهم: ربيعة بن حرام بن ضبة بن عبد كثير بن عذرة بن سعيد4 بن زيد، وقد هلك كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، وترك زهرة وقصيا ابني كلاب مع فاطمة بنت عمرو بن سعد بن شبل، وسعد بن شبل الذي يقول فيه الشاعر -وكان أشجع أهل زمانه:
لا أرى في الناس شخصا واحدا
…
فاعلموا ذاك لسعد بن شبل
فارس أضبط فيه عسرة
…
فإذا ما عاين القرن نزل
فارس يستدرج الخيل كما
…
يدرج الحر القطامي الحجل
وزهرة أكبرهما، فتزوج ربيعة بن حزام أمهما. وزهرة رجل بالغ، وقصي فطيم أو في سن الفطيم، فاحتملها ربيعة إلى بلاده من أرض عذرة إلى أطراف الشام، فاحتملت
1 أخبار مكة للفاكهي 5/ 170.
2 الروض الأنف 1/ 117.
3 يراجع في هذا لسان العرب "مادة قرش"، وقلائد الجمعان في التعريف بقبائل عرب الزمان للقلقشندي، تحقيق إبراهيم الإبياري "ص: 137"، ونهاية الأرب في معرفة أنساب العرب "ص: 398".
4 في أخبار مكة للأزرقي 1/ 104: "سعد".
معها قصيا لصغره، وتخلف زهرة في قومه؛ فولدت فاطمة ابنه عمرو بن سعد لربيعة: رزاح بن ربيعة؛ فكان أخا قصي بن كلاب لأمه، ولربيعة بن حزام من امرأة أخرى، ثلاثة نفر: حسن، ومحمود، وطهيمة1، بنو ربيعة.
فبينا قصي بن كلاب في أرض قضاعة لا ينتهي2 إلا إلى ربيعة بن حزام؛ إذ كان بينه وبين رجل من قضاعة شيء، وقصي قد بلغ، فقال له القضاعي: ألا تلحق بنسبك وقومك، فإنك لست منا؟ فرجع قصي إلى أمه وقد وجد في نفسه مما قال له القضاعي، فسألها عما قال له، فقالت له: أنت والله يا بني خير منه وأكرم، أنت كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، وقومك عند البيت الحرام وما حوله؛ فأجمع قصي الخروج إلى قومه واللحاق بهم، وكره الغربة في أرض قضاعة؛ فقالت له أمه: يا بني لا تعجل بالخروج حتى يدخل عليك الشهر الحرام، فتخرج في حاج العرب؛ فإني أخشى عليك. فأقام قصي حتى دخل الشهر الحرام، وخرج في حاج قضاعة حتى قدم مكة؛ فلما فرغ من الحج أقام بها، وكان قصي رجلا جليدا حازما بارعا، فخطب إلى حليل بن حبشية بن سلول الخزاعي ابنته حبي ابنة حليل؛ فعرف حليل النسب ورغب في الرجل، فزوجه حليل، وحليل يومئذ يلي الكعبة وأمر مكة، فأقام قصي معه حتى ولدت حبي لقصي عبد الدار -وهو أكبر ولده- وعبد مناف، وعبد العزي، وعبد بن قصي؛ فكان حليل يفتح البيت، فإذا اعتل أعطى ابنته حبي المفتحا، ففتحته، فإذا اعتلت أعطت المفتاح زوجها قصيا، أو بعض ولدها، فيفتحه، وكان قصي يعمل في حيازته إليه، وقطع ذكر خزاعة عنه؛ فلما حضرت حليل الوقاة نظر إلى قصي فجعل له ولاية البيت، وأسلم إليه المفتاح، وكان يكون عند حبي؛ فلما هلك حليل، أبت خزاعة أن تدعه وذلك، وأخذوا المفتاح من حبي، فمشي قصي إلى رجل من قومه من قريش وبني كنانة، فدعاهم إلى أن يقوموا معه في ذلك، وأن ينصروه ويعضدوه؛ فأجابوه إلى نصره، ويعلمه ما حالت خزاعة بينه من ولاية البيت، ويسأله الخروج إليه بمن أجابه من قومه؛ فقام رزاح في قومه، فأجابوا إلى ذلك، فخرج الخروج إليه بمن أجابه من قومه، فقام رزاح في قومه، فأجابوا إلى ذلك، فخرج رزاح بن ربيعة ومعه إخوته من أبيه: حسن، ومحمود، وطهيمة3، بنو ربيعة بن حزام، فيمن معهم من قضاعة، وفيمن ومعهم من حاج العرب مجتمعين لنصر قصي، والقيام معه؛ فلما اجتمع الناس بمكة، خرجوا إلى الحج، فوقفوا بعرفة، وبجمع، ونزلوا منى.
1 كذا في الأصل، وفي أخبار مكة للأزرقي 1/ 104، والروض الأنف:"جهلمة".
2 في أخبار مكة للأزرقي 1/ 104: "ينتمي".
3 كذا في الأصل، وفي أخبار مكة:"جهلمة".
وقصي مجمع على ما أجمع عليه، من قتالهم بمن معه من قريش وبني كنانة، ومن قدم عليه مع أخيه رزاح من قضاعة؛ فلما كانت آخر أيام منى، أرسلت قضاعة إلى خزاعة يسألونهم أن يسلموا إلى قضي ما جعل له حليل، وعظموا عليهم القتال في الحرم، وحذروهم الظلم والبغي بمكة، وذكروهم ما كانت فيه جرهم، وما صارت إليه حين ألحدوا1 فيه بالظلم؛ فأبت خزاعة أن تسلم ذلك، فاقتتلوا بمفضى مأزمي منى -قال: فسمى ذلك المكان المفجر2، لما فجر فيه وسفك فيه من الدم، وانتهك من حرمته- فاقتتلوا قتالا شديدا، حتى كثرت القتلى في الفريقين جميعا، وكثرت فيهم الجراحات، وحاج العرب جمعيا من مضر واليمن مستنكفون، ينظرون سفك الدماء والفجور في الحرم؛ فاصطلحوا على أن يحكموا بينهم رجلا من العرب، فحكموا عمر بن عوف بن كعب بن عامر بن الليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وكان رجلا شريفا؛ فقال لهم: موعدكم فناء الكعبة غدا، فاجتمع الناس، وعدوا القتلى؛ فكانت في خزاعة أكثر منها في قريش وقضاعة وكنانة، وليس كل بني كنانة قاتل مع قصي خزاعة؛ إنما كانت مع قريش من كنانة فلال يسيرة، واعتزلت عنها بنو بكر بن عبد مناة قاطبة.
فلما اجتمع الناس بفناء الكعبة قام يعمر بن عوف؛ فقال: ألا إني قد شدخت ما كان بينكم من دم تحت قدمي هاتين، ولا تباعة لأحد على أحد في دم، وإني قد حكمت لقصي بحجابة البيت، وولاية أمر مكة دون خزاعة لما جعل له حليل، وأن يخلي بينه وبين ذلك، وأن لا تخرج خزاعة من مساكنها من مكة.
قال: فسمي يعمر ذلك اليوم: الشداخ.
فسلمت ذلك خزاعة لقصي، وأعظموا سفك الدماء في الحرام، وافترق الناس.
فولي قصي بن كلاب حجابة البيت وأمر مكة، وجمع قومه قريشا من منازلهم إلى مكة يستعز بهم ويملك على قومه، فملكوه، وخزاعة مقيمة بمكة على رباعهم وسكانهم لم يحركوا ولم يخرجوا منها؛ فلم يزالوا على ذلك حتى الآن، وقال قصي في ذلك وهو يشكر لأخيه رزاح بن ربيعة:
أنا ابن العاصمين بني لؤي
…
بمكة مولدي وبها ربيت
لي البطحاء قد علمت معد
…
ومروتها رضيت بها رضيت
1 من الإلحاد وهو الميل.
2 ما زال اسم هذا المكان "المفجر" معروفا حتى اليوم وهو قريب من منى خلف الجبل المقابل لثبير.
وفيها كانت الآباء قبلي
…
فيما سويت أخي وما سويت
رزاح ناصري وبه أسامي
…
فلست أخاف ضيما ما حييت1
فكان قصي أول رجل من كنانة أصاب ملكا، وأطاع له به قومه؛ فكانت إليه الحجامة، والرفادة، والسقاية، والندوة2، والقيادة؛ فلما جمع قصي قريشا بمكة سمي مجمعا، وفي ذلك يقول حذافة بن غانم الجمحي يمدحه:
أبوهم قصي كان يدعى مجمعا
…
به جمع الله القبائل من فهر
همو نزلوها والمياه قليلة
…
وليس بها إلا كهول بني عمرو
يعني هم خزاعة:
قال إسحاق بن أحمد: أبو جعفر محمد بن الوليد بن كعب الخزاعي:
أقمنا بها والناس فيها قلائل
…
وليس بها إلا كهول بني عمرو
هم ملكوا البطحاء مجدا وسوددا
…
وهم طردوا عنها غواة بني بكر
هم حفروها والمياه قليلة
…
ولم يستقوا إلا بنكد من الحفر
حليل الذي عادى كنانة كلها
…
ورابط بيت الله بالعسر واليسر
أحازم إما أهلكن3 فلا تزل
…
لهم شاكرا حتى توسد في القبر
ويقال: من أجل تجمع قريش سميت قريش: قريشا4.
وذكر ابن إسحاق خبر ولاية قصي بن كلاب، وفيه زيادة على ما في هذا الخبر؛ لأنه قال: ثم إن قصي بن كلاب خطب إلى حليل بن حبشية ابنته حبي؛ فرغب فيه حليل فزوجه، فولدت له عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزي، وعبدا؛ فلما انتشر ولد قصي وكثر ماله وعظم شرفه هلك حليل؛ فرأى قصي أنه قصي أنه أولى بالكعبة وبأمر مكة من خزاعة وبني بكر، وأن قريشا فرعة إسماعيل بن إبراهيم -عليهما الصلاة والسلام- وصريح ولده؛ فكلم رجالا من قريش وبني كنانة، ودعاهم إلى إخراج خزاعة وبني بكر من مكة، فأجابوه، وكان ربيعة بن حزام بن عزرة بن سعد بن زيد بن مناة قد قدم مكة بعد هلك كلاب. فتزوج فاطمة بنت سعد بن شبل5، وهو يومئذ رجل، وقصي فطيم. فاحتملها إلى بلاده، فحملت قصيا معها، وأقام زهرة، فولدت لربيعة: رزاحا، فلما بلغ قصي.
1 في أخبار مكة للأزرقي 1/ 107 بيتان زيادة على ما هنا.
2 في أخبار مكة للأزرقي يضيف بعد الندوة: "اللواء".
3 في أخبار مكة للأزرقي 1/ 108: "أحازم إما أهلكنا".
4 أخبار مكة للأزرقي 1/ 103، 108.
5 في أخبار مكة للأزرقي 1/ 109: "سيل".
وصار رجلا، أتى مكة فأقام بها؛ فلما أجابه قومه إلى ما دعاهم إليه، كتب إلى أخيه من أمه رزاح بن ربيعة يدعوه إلى نصرته والقيام معه.
فخرج رزاح بن ربيعة ومعه إخوته: حسن بن ربيعة، ومحمود بن ربيعة، وطهيمة وهم لغير فاطمة، فيمن تبعهم من قضاعةت في حاج العرب، وهم مجمعون لنصر قصي، وخزاعة تزعم أن حليل بن حبشية أوصى بذلك قصيا وأمره به؛ حتى انتشر له من ابنته من الولد ما انتشر، وقال: أنت أولى بالكعبة، والقيام عليها، وبأمر مكة من خزاعة؛ فعند ذلك طلب قصي ما طلب. ولم يسمع ذلك من غيرهم؛ فالله أعلم أي ذلك كان.
ثم قال بعد أن ذكر شيئا من خبر صوفة وإجازتها بالناس من عرفة ومنى؛ فلما1 كان ذلك العام فعلت صوفة كما كانت تفعل، وقد عرفت لها ذلك العرب، وهو دين في أنفسهم في عهد جرهم وخزاعة وولايتهم، فأتهاهم قصي بن كلاب لمن معه من قومه من قريش وكنانة وقضاعة عند العقبة؛ فقال: لا، نحن بهذا أولى منكم.
فقاتلوه؛ فاقتتل الناس قتالا شديدا، ثم انهزمت صوفة، وغلبهم قصي على ما كان بأيديهم، من ذلك. وانحازت عند ذلك خزاعة، وبنو بكر عن قصي، وعرفوا أنه سيمنعهم كما منع صوفة، وأنه سيحول بينهم وبين الكعبة، وأمر مكة؛ فلما انجازوا عنه باداهم2 وأجمع لحربهم. وخرجت له خزاعة وبنو بكر، فالتقوا، فاقتتلوا قتالا شديدا، حتى كثرت القتلى في الفريقين جميعا، ثم إنهم تداعوا إلى الصلح، وإلى أن يحكموا بينهم رجلا من العرب؛ فحكموا يعمر بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة؛ فقضى بينهم بأن قصيا أولى بالكعبة تحت قدميه، وأن ما أصابت خزاعة وبنو بكر من قريش وكنانة وقضاعة ففيه الدية مؤداة، وأن يخلي بين قصي وبين الكعبة ومكة، فسمي يعمر بن عوف يومئذ: الشداخ، بما شدخ من الدماء، ووضع منها.
قال ابن هشام: ويقال: الشداج.
قال ابن اسحاق: وولي قصي البيت وأمر مكة، وجمع قومه من منازلهم إلى مكة، وتملك على قومه وأهل مكة فملكوه؛ إلا أنه قال: قد أقر العرب ما كانوا عليه؛ وذلك أنه كان يراه دينا في نفسه لا ينبغي تغييره؛ فأقر آل صفوان، وعدوان، والنساء، ومرة بن عوف على ما كانوا عليه، حتى جاء الإسلام فهدم الله ذلك كله؛ فكان قصي أول بني كعب بن لؤي أصاب ملكا أطاع له به قومه، فكانت إليه الحجابة3
1 من هنا يبدأ النص في سيرة ابن هشام 1/ 147.
2 باداهم: ظاهر وجاهر لهم بالعداوة.
3 الحجابة: سدانة الكعبة، وفتح بابها للحجاج.
والسقاية1، والرفادة2، والندرة3، واللواء4؛ فحاز شرف مكة كله، وقطع مكة رباعا بين قومه؛ فأنزل كل قوم من قريش منازلهم من مكة التي اصطلح عليها. ويزعم بعض الناس أن قريشا هابوا قطع شجرا الحرام في منازلهم، فقطعها قصي بيده وأعوانه فسمته قريش مجمعا، لما جمع من أمرها، وتيمنت قريش بأمره؛ فما تنكح امرأة ولا يتزوج رجل من قريش، ولا يتشاورون في أمر نزل بهم، ولا يعقدون لواء لحرب قوم من غيرهم إلا في داره، يعقده لهم بعض ولده، وما تدرع جارية إذا بلغت أن تدرع من قريش إلا في داره، تشق عليها فيها درعها، ثم تدرعه، ثم ينطلق إلى أهلها؛ فكان أمره في قومه من قريش بها في حياته ومن بعد موته كالدين المتبع. لا يعمل بغيره، واتخذ لنفسه دار الندرة، وجعل بابها إلى مسجد الكعبة؛ ففيها كانت قريش تقضي أمورها.
قال ابن هشام: قال الشاعر:
قصي لعمري كان يدعى مجمعا
…
به جمع الله القبائل من قهر
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الملك بن راشد عن أبيه، قال: سمعت السائب بن حباب صاحب المقصورة يحدث أنه سمع رجلا يحدث عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو خليفة- حديث قصي بن كلاب، وما جمع من أمر قومه، إخراجه خزاعة وبني بكر من مكة، وولايته البيت وأمر مكة؛ فلم يرد ذلك عليه ولم ينكره5
…
انتهى.
وفي هذا الخبر من الفائدة في خبر قصي غير ما في الخبر الأول، ببيان ما كان من خبر قصي وصوفة وغير ذلك، وهو يقتضي أن منازعة قصي خزاعة، لما كان في نفسه، من أنه أولى بالكعبة
وأمر مكة خزاعة، أو لكون حليل جعل ذلك إليه -كما تزعم خزاعة- من غير أن تكون خزاعة عارضت قصيا في ذلك، والخبر الأول يقتضي أن منازعة قصي خزاعة لمنعهم له؛ مما جعله إليه حليل من أمر البيت، والله أعلم بالصواب.
1 السقاية: سقيا الحجيج في الحرم.
2 الرفادة: ضيافة الحجاج ومدهم بالطعام.
3 الندرة: التشاور في الأمر، وبنى لها دارا سميت دار الندرة، وهو المكان الذي أقيمت عليه مقام الحنفي -الآن- بالمسجد الحرام.
4 اللواء: الراية التي تنشر لقيادة الجيوش، أو لقيادة الحجيج في مناسكهم، وتلك هي أهم وأعظم شخصية من الشخصيات الفذة الجيوش، أو لقيادة الحجيج في مناسكهم -وتلك هي أهم وأعظم شخصية من الشخصيات الفذة الخالدة في تاريخ العروبة؛ فهو أول من حكم، وأول من أشرك شعبه في الحكم بتأسيس دار الندرة للتشاور فيها؛ بحيث لا بيت في أمر إلا بعد أخذ رأيي أهل الندرة.
5 سيرة ابن هشام 1/ 115-117.
وقد ذكر الزبير بن بكار خبرًا يدل على أن حليلا حين حضرته الوفاة، جعل إلى قصي أمر البيت ومكة؛ وذلك يوافق ما زعمته خزاعة، كما في الخبر الذي ذكره ابن إسحاق، ونص ما ذكره الزبير: حدثني إبراهيم بن المنذر، عن محمد بن عمر الواقدي، عن عبد الله بن عمر بن زهير، عن عبد الله بن خراش بن أمية الكعبي، عن أبيه، قال لما تزوج قصي إلى حليل بن حبشية حبي، ابنته، وولدت له، أوصى حليل عند موته بولاية البيت وأمر مكة إلى قصي.
قال الزبير: وحدثني إبراهيم، عن الواقدي، عن فاطمة الأسلمية، عن فاطمة الخزاعية -وكانت أدركت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالت: وقال حليل: إنما ولد قصي ولدي، وهم بنو ابنتي؛ فأوصى إلي قصي بالبيت والقيام بأمر مكة، وقال: أنت أحق الناس بها
…
انتهى.
وقد قيل في سبب ولاية قصي غير ما سبق، وقد أشرنا إلى شيء من ذلك في خبر خزاعة ونذكره فيما هنا لما فيه من زيادة في إيضاح ذلك؛ ورويناه عن الزبير بن بكار، قال: قال محمد بن الضحاك: اشترى قصي مفتاح بيت الله الحرام من أبي غبشان الخزاعي بكبش، وزق خمر؛ فقال الناس: أخسر من صفقة أبي غبشان، فذهبت مثلا.
وقال أيضا: حدثني أبو الحسن الأثرم، عن أبي عبيدة، قال: زعم الناس من خزاعة أن قصيا تزوج حبي ابنة خليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر؛ فولدت له عبد مناف، وعدب العزى، وعبد الدار، وعبد بن قصي، وكان حليل آخر من ولي البيت من خزاعة؛ فلما ثقل1، جعل ولاية البيت إلى ابنته حبي؛ فقالت له: قد علمت أني لا أقدر على فتح الباب وإغلاقه. قال: إني أجعل لؤي بن ملكان بن أقصي بن حارثة بن عمرو بن عامر، فاشترى قصي ولاية البيت منه بزق خمر وقعود؛ فلما رأت ذلك خزاعة كثروا على قصي، فاستنصر أخاه رزاحا، فقدم بمن معه من قضاعة، فقاتل خزاعة حتى نفوا خزاعة.
قالوا: فأما الخلفي -قال: قال أبو عبيدة: وهو رجل من بني خلف- فزعم أن خزاعة أخذتها العدسة حتى كادت تفنيها؛ فلما رأت ذلك جلت عن مكة؟ فمنهم من وهب مسكنه، ومنهم من باع، ومنهم من أسكن. قال: قال أبو عبيدة: وهذا باطل ليس كما قال الخلفي.
1 أي حضرته الوفاة.
وقال الزبير: حدثني عمر بن أبي بكر الموصلي، عن عبد الحكم بن سفيان بن أبي نمر، قال: كان أبو غبشان الخزاعي يلي البيت، وكان هو وقصي بمكة، فتحالفا على أن لا يبغي أحدهما على صاحبه، ثم ابتاع قصي المفتاح؛ فقدم مكة؛ فقال لقومه: هذا مفتاح بيت أبيكم إسماعيل، قد رده الله تعالى عليكم من غير ولا ظلم؛ فلما أفاق أبو غبشان ندمه قومه، وعابوا عليه ما صنع، فجحد البيع؛ فقال: إنما رهبته عنده رهنا بحقه. فقال الناس: أخسر من صفقة أبي غبشان. فذهبت مثلا.
ووقعت الحرب بين قصي وبين غبشان، وقومهما قريش وخزاعة، فذلك قول الشاعر:
أبو غبشان أظلم من قصي
…
وأظلم من بني فهر خزاعة
فلا تلحوا قصيا في شراه
…
ولوموا شيخكم إن كان باعه1
وذكر الفاكهي الخبر الذي رواه الزبير عن الموصلي، ووقع في الخبر الذي ذكره الفاكهي عن الزبير فائدتان لا يفهمان من الخبر الذي نقلناه عن الزبير من كتابه.
إحداهما: أن اشتراء قصي من أبي غبشان لمفتاح البيت كان بالطائف.
والأخرى: أنه اشترى ذلك بزق خمر.
وذكر الفاكهي أن الذين قدم بهم رزاح لنصر أخيه قصي كانوا ثلاثمائة رجل، روى ذلك الفاكهي بسنده عن كرامة بنت المقداد بن عمرو الكندي، المعروف بالمقداد الأسود، عن أبيها.
وذكر الفاكهي أيضا ما يقتضي أن قدوم رزاح على أخيه قصي، كان بعد أن نفى خزاعة، والمعروف أن قصي لم يقاتل خزاعة إلا بعد أن قدم عليه أخوه رزاح.
وفي الخبر الذي فيه ما ذكرناه من قدوم رزاح على أخيه بعد نفي خزاعة شيئًا من خبر قصي لم يسبق له ذكر، فحسن ذكره لما في ذلك من الفائدة. ونصه على ما في كتاب الفاكهي.
حدثنا الزبير بن أبي بكر، قال: قال أبو الحسن الأثرم، قال أبو عبيدة: قال محمد بن حفص: قدم رزاح وقد نفي قصي خزاعة، وقال بعض مشيخة قريش: إن مكة لم يكن بها بيت في الحرم؛ إنما كانوا يكونون بها حتى إذا أمسوا خرجوا، لا يستحلون أإن يصيبوا فيها جناية، ولم يكن بها بيت قائم؛ فلما جمع قصي قريشا- وكان أدهى من رؤي في العرب- قال لهم: أرى أن تصبحوا بأجمعكم في الحرم حول البيت، فوالله لا
1 مروج الذهب 2/ 58.
يستحل العرب قتالكم، ولا يستطيعون إخراجكم منه، وتسكنوه فتسودون العرب أبدا1.
فقالوا: أنت سيدنا، رأينا لرأيك تبع.
فجمعهم، ثم أصبح بهم في الحرم حول البيت؛ فمشت إليه أشراف كنانة، وقالوا: إن هذا عند العرب عظيم، ولو تركناك ما تركتك العرب؛ فقال: والله لا أخرج منه، فثبت، وحضر الحج؛ فقال لقريش: قد حضر الحج، وقد سمعت العرب بما قد صنعتم، وهم لكم معظمون، ولا أعلم مكرمة عند العرب أعظم من الطعام، فليخرج كل إنسان منكم من ماله خرجا، ففعلوا، فجمع من ذلك شيئا كثيرا.
فلما جاء أوائل الحاج نحر على كل طريق من طرق مكة جزورا، ونحر بمكة، وجعل حظيرة؛ فجعل فيها الطعام من الخبر والثريد واللحم، فمن مر باللحم والثريد أكل، ومن قدم دخل الحظيرة فأكل، وسقى الماء واللبن المحض، ثم صدروا على مثل ذلك، فصدر روادهم وهم يقولون:
إن الحجيج طاعمين دسما
…
عن الحسا مستحقين
…
2
أشبعهم زيد قصي لحما
…
ولبنا محضا وخبزوا هشما
ولم يكن بنو عامر بن لؤي ترفد مع قريش شيئا
…
انتهى.
وزيد: اسم قصي على ما ذكر الزبير؛ لأنه قال: كان اسم قصي: زيدا؛ وإنما سمي قصيا لأنه يقصي عن مكة، وخرجت به أمه منها إلى غيرها.
وذكر الزبير عن قصي أخبارا غير ما سبق، وذكر أنه قال فيما رويناه عنه: حدثني أبو الحسن الأثرم، عن عبيدة، قال: كان قصي يلي الرفادة، ويسقي الحاج اللبن والزبيب.
وقال الزبير: قال أبو الحسن الأثرم: قال أبو عبيدة: حدثنا خالد بن أبي عثمان، قال: كان قصي أول من ثرد الثريد؛ فأطعم بمكة، وسقى اللبن بعد نابت بن إسماعيل فقال قائل: ولم يسموه هاشما:
أشبعهم زيد قصي لحما
…
ولبنا محضا وخبزا هشما
وقال الزبير: حدثني عمر بن أبي بكر الموصلي، عن عبد الحكيم بن سفيان بن أبي نمر قال: لما ولد لقصي أول ولد سماه عبد مناة، ثم نظر؛ فإذا هو موافق لاسم عبد مناة بن كنانة؛ فأحاله إلى عبد مناف3 بن كنانة؛ وإنما سمي عبد الدار لأنه حين هدم
1 أخبار مكة للفاكهي 5/ 170، والعقد الثمين 1/ 13.
2 هكذا في الأصل.
3 كان عبد مناف قد شرف في زمان أبيه، وذهب شرفه كل مذهب ولم يبلغ أحد من أولاد قصي ما بلغ عبد مناف من الذكر والشرف والعز.
الكعبة وأراد بناءها حضر الحج قبل بنيانها، وهي مهدومة؛ فأحاط عليها دارا من خشب، وربطها بالحبال ليدور الناس منوراء الدار؛ فولد له عبد الدار، فسماه بها: عبد الدار.
وأما عبد بني قصي؛ فإنه سماه عبد قصي فكان بذلك يدعى، ثم أحال اسمه، فقيل له: عبد بن قصي.
قال الزبير: وقال غير الموصلي: قال قصي: ولد لي، فسميت اثنين بآلهة -يعني: عبد مناف وعبد العزى- وسميت الثالث بداري، يعني: عبد الدار، وسميت الرابع بنفسي -يعني: عبدا- فكان يقال لعبد بن قصي: عبد قصي الصنم.
وقال الزبير: حدثني محمد بن حسن قال: إنما سمي عبد مناف لأن أمه أخدمته صنما يقال له: مناف، ويقال: إن أباه أخدمه ذلك الصنم.
وقال الزبير: وروي أن قصيا قال للأكابر من ولده: من عظم لئيما شركه في لؤمه. ومن استحسن مستقبحا شرك فيه، ومن لم تصلحه كرامة كبر فدعوه بهوانه فأداء يحسن الداء.
وروى الزبير بسنده عن محمد بن جبير بن مطعم قال: إن قصي بن كلاب كان يعشر1 من دخل مكة من غير أهلها.
وقال الزبير: وحدثني إبراهيم بن المنذر عن الواقدي قال: مات قصي بمكة فدفن بالحجون، فتدافن الناس بعده بالحجون
…
انتهى.
وذكر الفاكهي خبرا يقتضي أن قصي بن كلاب أظهر الناس الحجر الأسود بعد دفن جرهم له؛ لأنه قال: حدثنا عبد الله بن أبي سلمة، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن محمد بن عبد الرحمن أبي الأسود، قال: إن يعقوب بن عبد الله بن وهب حدثنه، وعن أبيه أن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم -وهي جدته- قالت: قدم قصي بن كلاب -يعني مكة- فقطع غيضة كانت، ثم ابتنى حول البيت دارا، ونكح حبي بنت حليل الخزاعي؛ فولدت له عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزى بن قصي.
ثم قال: فقال قصي لامرأته: قولي لأمك تدل بنيك على الحجر الأسود؛ فإنما هم يلون البيت؛ فلم يزل بها: يا أمه دليني عليه فإنما هم بنوك، ولم يزل، بها حتى قالت: فإني أفعل، إنهم حين خرجوا إلى اليمن سرقوه، فنزلوا منزلا -وهم معهم- فبرك الجمل الذي عليه الحجر فضربوه؛ فقام، ثم ساروا فبرك، فضربوه، ثم ساروا الثالثة، فقالوا:
1 أي يجبي منه العشر.
ما يبرك إلا من أجل الحجر، فدفنوه؛ وذلك في أسفل مكة، وإني لأعرف حيث برك. فخرجوا بالحديد، وخرجوا بها، فأرتهم حيث برك أول الشأن؛ فلا شيء. ثم المكان الثاني، فلا شيء. ثم الثالث، فقالت: احفروا هاهنا، فحفروا حتى أيسوا منه، ثم ضربوا فأصابوا، فأخرجوه؛ فأتى به قصي فوضعه موضعه في الأرض، فكانوا يتمسحون به وهو في الأرض، حتى بنت قريش الكعبة.
ثم روى الفاكهي بسنده عن أم سلمة رضي الله عنهما أنها قالت: منزل الجعل الأول عند الجزارين، ثم دلتهم على المنزل الثاني عند سوق البقر1.
وذكر هذا الخبر محمد بن عائذ في "مغازيه" وفيه نظر؛ لما فيه أن الحجر الأسود لم يزل مدفونا على عهد قصي، وقد بينا ذلك في أخبار الحجر الأسود؛ فأغنى ذلك عن إعادته.
وقصي بن كلاب أحدث وقود الناس بالمزدلفة ليراها من دفع من عرفة، على ما ذكر القطب الحلبي. وكلامه يوهم أن أبا محمد عبد الله بن محمد العلاطي صاحب "الاشتمال" نقل ذلك عن أبي عبيدة، والله أعلم.
وفي "العقد" لابن عبد ربه أن قصي بن كلاب، بني قزح: موضع الوقوف بالمزدلفة2، والله أعلم.
1 أخبار مكة للفاكهي 5/ 174.
2 لم أجد في كتاب العقد الفريد هذه المعلومة التي ذكرها الفاسي أعلاه.