المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ولاة مكة بعد الفاسي مؤلف "شفاء الغرام - شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام - جـ ٢

[التقي الفاسي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الثاني

- ‌الباب السادس والعشرون: في ذكر شيء من خبر إسماعيل عليه السلام وذكر ذبح إبراهيم لإسماعيل عليهما السلام

- ‌الباب السابع والعشرون:

- ‌في ذكر شيء من خبر هاجر أم إسماعيل عليه السلام:

- ‌ذكر أسماء أولاد إسماعيل وفوائد تتعلق بذلك:

- ‌ذكر شيء من خبر بني إسماعيل عليه الصلاة والسلام:

- ‌ذكر ولاية نابت بن إسماعيل للبيت الحرام:

- ‌الباب الثامن والعشرون:

- ‌ذكر ولاية إياد بن نزار بن معد بن عدنان للكعبة:

- ‌ذكر ولاية بني إياد بن نزار الكعبة وشيء من خبرهم وخبر مضر ومن ولي الكعبة من مضر قبل قريش:

- ‌الباب التاسع والعشرون:

- ‌في ذكر من ولي الإجازة بالناس من عرفة ومزدلفة ومنى من العرب في ولاية جرهم وفي ولاية خزاعة وقريش على مكة:

- ‌الباب الثلاثون

- ‌في ذكر من ولي إنساء الشهور من العرب بمكة

- ‌ذكر صفة الإنساء

- ‌ذكر الحمس والحلة

- ‌ذكر الطلس:

- ‌الباب الحادي والثلاثون:

- ‌ذكر نسبهم:

- ‌ذكر سبب ولاية خزاعة لمكة في الجاهلية:

- ‌ذكر مدة ولاية خزاعة لمكة في الجاهلية:

- ‌ذكر أول من ولي البيت من خزاعة وغير ذلك من خبر جزهم

- ‌ذكر شيء من خبر عمرو بن عامر الذي تنسب إليه خزاعة وشيء من خبر بنيه:

- ‌الباب الثاني والثلاثون:

- ‌الباب الثالث والثلاثون:

- ‌في ذكر شيء من خبر بني قصي بن كلاب:

- ‌الباب الرابع والثلاثون

- ‌في ذكر شيء من خبر الفجار والأحابيش

- ‌ذكر يوم العبلاء:

- ‌ذكر يوم شرب:

- ‌ذكر يوم الحريرة:

- ‌ذكر الفجار الأول وما كان فيه بين قريش وقيس عيلان وسبب ذلك:

- ‌ذكر شيء من خبر الأحابيش ومحالفتهم لقريش:

- ‌الباب الخامس والثلاثون:

- ‌ذكر شيء من خبر حلف الفضول:

- ‌ذكر شيء من خبر ابن جدعان الذي كان في داره حلف الفضول:

- ‌ذكر شيء من خبر أجواد قريش في الجاهلية:

- ‌ذكر الحكام من قريش بمكة في الجاهلية:

- ‌ذكر تملك عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى بن كلاب القرشي الأسدي على قريش بمكة وشيء من خبره:

- ‌الباب السادس والثلاثون:

- ‌ذكر شيء من خبر فتح مكة:

- ‌ذكر فوائد تتعلق بخبر فتح مكة:

- ‌الباب السابع والثلاثون:

- ‌في ذكر شيء من ولاة مكة المشرفة في الإسلام:

- ‌الدولة العباسية:

- ‌الباب الثامن والثلاثون

- ‌في ذكر شيء من الحوادث المتعلقة بمكة في الإسلام

- ‌الباب التاسع والثلاثون:

- ‌سيول مكة في الجاهلية:

- ‌سيول مكة في الإسلام:

- ‌ذكر شيء من أخبار الغلاء والرخص والوباء بمكة المشرفة على ترتيب ذلك في السنين:

- ‌الباب الأربعون:

- ‌في ذكر الأصنام التي كانت بمكة وحولها وشيء من خبرها:

- ‌ذكر أسواق مكة في الجاهلية والإسلام:

- ‌ذكر شيء مما قيل من الشعر في التشوق إلى مكة الشريفة وذكر معالمها المنيفة:

- ‌خاتمة المؤلف للكتاب:

- ‌الملحق الأول:‌‌ ولاة مكة بعد الفاسي مؤلف "شفاء الغرام

- ‌ ولاة مكة بعد الفاسي مؤلف "شفاء الغرام

- ‌الملحق الثاني في الدرة الثمينة في تاريخ المدينة

- ‌مقدمة بقلم اللجنة التي أشرف على تحقيق الكتاب

- ‌مقدمة المؤلف:

- ‌الباب الأول- في ذكر أسماء المدينة وأول من سكنها

- ‌الباب الثاني: في ذكر فتح المدينة

- ‌الباب الثالث: في ذكر هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه

- ‌الباب الرابع: في ذكر فضائلها وما جاء في ترابها

- ‌الباب الخامس: في ذكر تحريم النبي للمدينة وحدود حرمها

- ‌الباب السادس: في ذكر وادي العقيق وفضله

- ‌الباب السابع: في ذكر آبار المدينة وفضلها

- ‌الباب الثامن: في ذكر جبل أحد وفضله وفضل الشهداء به

- ‌الباب التاسع: في ذكر إجلاء النبي صلى الله عليه وسلم بني النضير من المدينة

- ‌الباب العاشر: حفر النبي صلى الله عليه وسلم الخندق حول المدينة

- ‌الباب الحادي عشر: في ذكر قتل بني قريظة بالمدينة

- ‌الباب الثاني عشر: في ذكر مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وفضله

- ‌الباب الثالث عشر: في ذكر المساجد التي بالمدينة وفضلها

- ‌الباب الرابع عشر: في ذكر مسجد الضرار وهده

- ‌الباب الخامس عشر: في ذكر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما

- ‌الباب السادس عشر: في ذكر فضل زيارة النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌الباب السابع عشر: في ذكر البقيع وفضله

- ‌الباب الثامن عشر: في ذكر أعيان من سكن المدينة من الصحابة ومن بعدهم

- ‌الملحق الثالث في‌‌ العمارة التي أدخلت على المسجد النبوي الشريفمنذ إنشائه حتى اليوم وفوائد أخرى عن المدينة

- ‌ العمارة التي أدخلت على المسجد النبوي الشريف

- ‌ المسجد النبوي الشريف قبل التوسعة السعودية:

- ‌ سير العمل في العمارة الجديدة:

- ‌ المباني التي هدمت:

- ‌ وصف المسجد النبوي الشريف بعد التوسعة

- ‌ أبواب الحرم النبوي الشريف:

- ‌ حول عمارة المسجد النبوي الشريف:أسئلة موجهة من الحاج عبد الشكور فدا إلى سعادة الشيخ صالح القزاز وإجابة فضيلته عليها:

- ‌الملحق الرابع: بعض آثار المدينة والمزارات وغيرها

- ‌مساجد المدينة المنورة

- ‌ القصور التاريخية بالمدينة:

- ‌ خزانات ماء الشرب

- ‌كلمة الختام:

- ‌فهرس المحتويات:

الفصل: ‌ ولاة مكة بعد الفاسي مؤلف "شفاء الغرام

‌الملحق الأول:‌

‌ ولاة مكة بعد الفاسي مؤلف "شفاء الغرام

"

ولاة مكة بعد الفاسي مؤلف "شفاء الغرام" 1:

قال العلامة المؤرخ ابن ظهيرة القرشي المخزومي المكي في كتابه "الجامع اللطيف في أخبار مكة المشرفة والبيت الشريف"2 ما تلخيصه:

واستمر السيد بركات بعد موت الفاسي المؤرخ على ولاية مكة إلى أثناء سنة خمس وأربعين وثمانمائة فعزل عن ذلك.

ثم وليها أخوه السيد علي بن حسن وكان بالقاهرة فوصل مكة يوم السبت مستهل شعبان واستمر متوليا إلى رابع شوال سنة ست وأربعين وثمانمائة3، وقبض عليه وعلى أخيه السيد إبراهيم.

ثم وليها أخوه أبو القاسم بن حسن وقدم من مصر متوليا، فدخل مكة في يوم السبت السابع والعشرين من ذي القعدة سنة ست وأربعين وثمانمائة واستمر متوليا إلى أوائل سنة خمسين فعزل.

ثم أعيد السيد بركات إلى ولاية مكة ودامت ولايته إلى أن مرض وترعك بدنه؛ وذلك في سنة تسع وخمسين "بتقديم التاء المثناة الفوقية" وثمانمائة فسأل نائب جدة الأمير جاني بك الظاهر بأن يرسل إلى السلطان يسألة ولاية عمرة مكة لولده السيد محمد عوضا

1 تذييل وتكميل من الناسخ الفقير إلى الله، الراجي من ربه بلوغ المراد، أبي الفيض وأبي الإسعاد، عبد الستار الصديقي الحنفي، ابن المرحوم الشيخ عبد الوهاب المبارك المكي البكري.

2 هو القاضي ابن ظهيرة المخزومي المكي، المؤرخ المتوفى عام 950هـ.

3 وذلك في عهد برسباي الأشرف "833-841هـ" وابنه العزيز يوسف بن برسباي "841-842هـ" وجزء من عهد الملك الظاهر سيف الدين جقمق العلائي "842-857هـ" وهم من الملوك الشراكسة في مصر.

ص: 359

عن أبيه فأجاب السلطان ذلك، وقبل وصول الخبر توفي السيد بركات في عصر يوم الاثنين تاسع عشر شعبان سنة تسع وخمسين بأرض خالد بوادي مر وحمل على أعناق الرجال إلى مكة ودفن بها في صبح يوم الثلاثاء لعشرين من شعبان؛ فلما كان عصر ذلك اليوم المذكور وصل قاصد من الديار المصرية بمرسوم للسيد محمد مؤرخا بسادس عشر رجب، ومضمونه ولاية مكة للسيد محمد عوضا عن والده حسب ما سأل نائب جدة، وكان السيد محمد خارجا عن مكة فدعى له على زمزم بعد المغرب من ليلة الأربعاء حادي عشر شعبان، ثم وصل السيد محمد مكة ليلة الجمعة سابع رمضان فقرئ موسمه في صبحها ثم لما كان رابع شوال من السنة المذكورة وصل إلى السيد محمد كتاب من السلطنة بالعزاء في والده وتوقيع باستمراره مؤرخا بشهر رمضان واستمر السيد محمد على ولاية مكة ودانت له البلاد وأطاعت له العباد لكونه أظهر العدل والإحسان والرأفة على الرعية والالتفات في أمور المسلمين وعدم الغفلة عن ذلك؛ فبسبب ذلك طالت مدته وحمدت سيرته وطابت سريرته فكانت مدة ولايته ثلاثا وأربعين سنة ونصفا إلا أربعة أيام مع مشاركة والده السيد بركات على عوائدهم، ثم انتقل إلى رحمة الله تعالى في الحادي والعشرين من محرم الحرام سنة ثلاث وتسعمائة بوادي الأبيار وحمل إلى مكة ووقف بها1.

ثم وليها من بعده ولده السيد بركات بن محمد بركات من قبل الملك الناصر محمد بن قايتباي في رابع شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث وتسعمائة واستمر على ولايتها إلى أن كان موسم سنة ست وتسعمائة.

ووليها أخوه السيد هزاع بن محمد بعد محاربة وقعت بينه وبين أخيه السابق السيد بركات بالموسم المذكور بمحل يقال له وادي الحجون2 بمر الظهران وانهزم السيد بركات ودخل السيد هزاع مكة وحج بالناس سنة ثم خرج منها بعد انقضاء الموسم إلى ينبع3 خوفا من أخيه بركات لقلة عسكره؛ فعاد السيد بركات إلى مكة واستمر بها إلى جمادى الثانية سنة سبع بتقديم السين وتسعمائة فوصل السيد هزاع من ينبع بعسكر عظيم

1 فقد استمرت ولايته من عام 589هـ حتى عام 903هـ وعاصر عهد ملك مصر المنصور بن الظاهر جقمق "857هـ"، ثم الملك الأشرف أنيال العلائي "857-865هـ"، ثم ابنه الملك المؤيد أحمد بن أنيال "865هـ"، ثم الملك الناصر سيف الدين بن سعيد خوشقدم الناصري "865-872هـ" ثم الملك الظاهر الناصر يلباي المؤيدي "872هـ"، ثم الملك الظاهر أبي سعيد تمربغا الظاهري "872هـ"، ثم قايتباي "872-901هـ"، ثم ابنه الناصر أبو السعادات "901-904هـ".

2 المعرف أن الحجوم بمكة، أما مر الظهران فهي تبعد عن مكة لأنها بالمكان الذي يقال له الآن:"وادي فاطمة".

3 قد سبق التعريف بينبع.

ص: 360

وتحارب هو وأخوه السد بركات محاربة ثانية بمحل يقال له: "طرف البرقا"1 فانهزم السيد بركات؛ فوليها السيد هزاع ثانيا واستمر إلى خامس عشر من رجب ثم توفي إلى رحمة الله.

ثم عاد السيد بركات إلى مكة واستمرت الفتن والشرور بينه وبين أخيه السيد أحمد جازان وتحاربا مرارا، وكان ابتداء ذلك من أواخر ذي الحجة سنة سبع وتسعمائة إلى أن كان يوم السبت الخامس والعشرون من شوال سنة ثمان وتسعمائة فوصل السيد جازان بعسكر كبير من ينبع من بني إبراهيم وغيرهم ووقع الحرب بينه وبين أخيه السيد بركات فانهزم السيد بركات.

ثم وليها السيد أحمد جازان ودخل مكة في يوم السبت المذكور ونهب عسكره مكة وفعلوا أفعالا قبيحة وانتهكوا حرمة البيت وجرى منهم على مكة وأهلها أمورا شنيعة ليس هذا محل ذكرها ولا نحن بصددها، واستمر السيد جازان بمكة إلى آخر ذي القعدة من السنة المذكورة فبلغه وصول التجريدة من قبل السلطان الغوري2 بقيادة الأمير الكبير المعروف: بقتب الرجبي "بالجيم ثم الموحدة" بسبب ما فعله السيد جازان من نحو مكة ونهب الحاج الشامي والمصري فخرج من مكة هاربا، وهذا الشريف أحمد جازان المذكور هو جد أشراف مكة.

ثم عاد إلى مكة السيد بركات فواجه أمير التجريدة وقبض عليه، ثم حج وتوجه بعد ذلك إلى القاهرة من طريق ينبع في أوائل سنة تسع وسبعمائة، ثم عاد السيد جازان إلى مكة واستمر بها إلى يوم الجمعة عاشر رجب من السنة المذكورة فقتله الأتراك الشراكسة بالمطاف.

ثم وليها بعده أخوه السيد حميضة بن محمد واستمر إلى أواخر محرم أو أوائل صفر من سنة عشر وتسعمائة فعزل.

ثم وليها أخوه السيد قايتباي بن محمد بإشارة أخيه السيد بركات، وقد أمكنه الله بالفرار إلى مكة من مصر ولم يشعر به الغوري إلا بعد يومين؛ فأرسل خلفه فلم يلحقه، واستمر قايتباي متوليا موافقا لأخيه بركات مستضيئا برأيه إلى أن توفي إلى رحمة الله يوم الأحد الحادي والعشرين من صفر عام ثمان عشرة وتسعمائة بأرض حسان بوادي مر، فحمل إلى مكة فدفن بها، وهذا الشريف قايتباي جد أشراف مكة.

ثم استولى السيد بركات بعد موته على مكة إلى شهر شعبان من هذه السنة بمفرده.

1 البرقا: ماء معروف بمر الظهران.

2 هو الملك الأشرف قانصوه الغوري، ولي حكم مصر من عام 906هـ حتى 922هـ.

ص: 361

ثم أرسل السلطان الغوري يطلب الشريف بركات إلى مصر، فاعتذر، وأرسل ولده الشريف محمد أبا نمي بن بركات إلى الديار المصرية فوصلها1 فقابل السلطان قانصوه فأكرمه وعظمه وأنعم عليه بإمرة مكة، ثم عاد إليها شريكا لأبيه وعمره يومئذ سبع سنوات وبضعة شهور2 وكان وصوله إلى مكة في أواخر ذي القعدة الحرام بين يدي الحاج من السنة المذكورة، واستمر كذلك إلى أن كان عام ثلاث وعشرين وتسعمائة فاستولى السلطان سليم خان من آل عثمان على الديار الشامية والمصرية والحرمين الشريفين وجهز؛ فأصدر إلى مكة3 للسيد بركات وابنه السيد أبي نمي باستمرارها في إمرة مكة، فتجهز حينئذ السيد أبو نمي، وسافر إلى القاهرة وقابل السلطان سليما4 المذكور بمصر فأكرمه واحترمه وأقره هو ووالده على إمرة مكة، ثم عاد إلى مكة واستمر شريكا لوالده إلى أن أذن الله بوفاة والده السيد بركات في أثناء ليلة الأربعاء الرابع والعشرين من ذي القعدة الحرام عام إحدى وثلاثين وتسعمائة5 وله من العمر إحدى وسبعون سنة.

ثم ولي بها بعده السيد محمد أبو نمي بمفرده ولقب بنجم الدين، ووصلت إليه الأحكام السلطانية السليمانية بولاية إمرة مكة في أواخر عام اثنين وثلاثين وتسعمائة فاطمأنت به الخواطر وقرت به النواظر واستمر منفردا بالولاية إلى عام ست وأربعين وتسعمائة.

ثم وليها ابنه السيد أحمد شريكا لوالده في هذا العام بعد وصوله إلى الديار الرومية ومقابلته للإمام الأعظم والخاقان المكرم الملك المظفر السلطان سليمان خان؛ فقوبل بالإكرام والرعاية والاحترام، وعاد إلى مكة في أول ربيع الأول عام سبع وأربعين وتسعمائة واستمر شريكا لوالده الشريف أبي نمي إلى عام خمسين وتسعمائة.

واستمر الشريف أحمد بن أبي نمي إلى رجب سنة إحدى وستين وتسعمائة شريكا لوالده، وانتقل إلى رحمة الله ودفن بالمعلاة، وهو الشريف أحمد وهو جد ذوي حراز وذوي قنديل من أشراف مكة، والله أعلم.

ثم أقام الشريف أبو نمي ولده الثاني الشريف حسن وعرض ذلك على الأبواب السلطانية السليمانية ففوض إليه الأمر، واستمر والده مشاركا له في الدعاء إلى أن مات

1 إن عمره آنذاك 12 عاما، على رواية القطبي "ص: 214 من تاريخ القبطي".

2 هذا غير معقول، والصحيح أن عمره كان 12 عاما، كما سبق أن ذكرناه عن القبطي.

3 أي مرسوما.

4 تولى السلطان سليم حكم الدولة العثمانية من عام 917 حتى عام 926هـ وهو الذي فتح مصر، ودانت له البلاد الخاضعة لحكم مصر ومنها الحجاز.

5 وذلك في خلافة السلطان سليمان القانوني "926-974هـ".

ص: 362

في المحرم سنة اثنتين وتسعين وتسعمائة بتقديم التاء فيهما، فاستقل ولده الشريف حسن بالأمور، وهذا الشريف حسن هو جد ذوي حسن من الأشراف.

ثم في أوائل عام سنة تسع بعد الألف عرض الشريف حسن لأكبر أولاده أن يشاركه في الأمر؛ فوصل الأمر الشريف السلطاني في آخر السنة المذكورة بأن يكون أول أولاده الشريف أبو طالب بن حسن مشاركا لوالده، ودعى لهما واستمر مشاركا لوالده إلى أن قضى الله على والده الشريف حسن فتوفي في ثالث جمادى الآخرة سنة عشرة وألف في محل يسمى فاعية، بينه وبين مكة نحو سبعة أيام بالجمال، وحمل إلى مكة ودفن بالمعلاة.

واستقل بالأمر الشريف أبو طالب المذكور استقلالا تاما إلى أن توفي في العشرين من جمادى الآخرة سنة اثنتي عشرة وألف بمحل يقال له: العشبة بنواحي بيشة فغسل هناك وكفن وقصد به مكة ودفن بالمعلاة بعد الصلاة عليه حسب العادة، وهو يزار وينذر له النذور، وتحمي ساداتنا بنو حسن من التجأ إلى قبره ولا ينال من استجار به مكروه.

ثم اجتمع الأشراف جميعهم فاختاروا الشريف إدريس بن حسن بن أبي نمي أخا المذكور وصدروه في جميع الأمور وأشركوا معه في الدعاء الشريف: محسن بن حسين بن حسن بن أبي نمي، والشريف فهيد بن حسين، وكتبوا بذلك إلى أبواب السلطنة العثمانية إلى الروم، ثم وصل المكتوب واستمروا كذلك إلى آخر شهر ربيع الآخر من سنة تسع عشرة وألف؛ فدخل الشريف محسن بن حسين بن حسن من اليمن بأمر من الشريف إدريس وقد كان الشريف محسن خرج إلى اليمن مغاضبا للشريف إدريس في سنة خمس عشرة وألف، ثم أخرجوا الشريف فهيدا من الديار المكية ورفعوا يده عما كان يستلمه من غلة الأقطار الحجازية فذهب إلى الروم ومات سنة إحدى وعشرين وألف، واستوى على ذلك كله الشريف إدريس، ثم إنه جعل ما كان للشريف فهيد من الربع لابن أخيه الشريف محسن بن حسين بن حسن، واستمر كذلك إلى أن حصل التنافر بين الشريف محسن وعمه الشريف إدريس؛ فعند ذلك اجتمع أهل الحل والعقد من بني عمه فرفعوا الشريف إدريس وفوضوا الأمر إلى الشريف محسن في يوم الخميس رابع محرم سنة أربع وثلاثين، وألف حصل بسبب ذلك القتال، وركب الشريف أحمد بن عبد المطلب بن حسن ومعه خيل ونادى في البلاد السابق ذكره، ثم خرج الشريف إدريس ليلة عيد المولد متوجها إلى الشريف مريضا فتوفي في جمادى الأخرى من سنته؛ ثم عرض على الأبواب السلطانية ما وقع فجاء التأييد في رابع عشر رمضان من العام المذكور للشريف محسن.

ص: 363

ولم يزل الشريف محسن منفردا بمراده قامعا لأضداده آمنا في سربه عزيزا في حزبه إلى أن دخلت سنة سبع وثلاثين وألف وحصل القتال فيما بينه وبين الشريف أحمد بن عبد المطلب بن حسن؛ فدخل الشريف أحمد مكة وخرج الشريف محسن إلى اليمن بعد عزله في يوم الأحد سابع عشر رمضان من السنة المذكورة، واستمر هناك إلى أن توفي سادس رمضان المعظم بظاهر صنعاء اليمن سنة ألف وثمان وثلاثين وعمره أربع وخمسون سنة، فحمل إلى صنعاء ودفن بها وبنى عليه قبة تزار.

واستمر الشريف أحمد متغلبا على مكة إلى أن قتله قانصوه أمير الحج المصري في سنة تسع بتقديم التاء وثلاثين وألف.

وولي الشريف مسعود بن إدريس إمرة مكة ونودي له في البلاد واستمرار إلى أن توفي في ثاني عشرين من ربيع الثاني سنة أربعين وألف؛ فاتفق الأشراف على تولية عمه الشريف عبد الله بن حسن بن أبي نمي وإليه ينسب العبادلة جميعا، وعرضوا ذلك على الأبواب السلطانية العثمانية فجاءت المراسم بتأييده وفي أيامه كان إتمام عمارة البيت المعظم في أيام سلطنة الخاقان الأعظم السلطان مراد خان، وهذه هي العمارة الموجودة إلى وقتنا هذا، ثم في يوم الجمعة غرة صفر سنة إحدى وأربعين وألف خلع نفسه تعففا وديانة، وقلد إمرة مكة لولده الشريف محمد بن عبد الله بن حسن وابن أخيه الشريف زيد بن محسن بن حسين بن حسن وإليه ينسب أمراء مكة ذوي زيد، وكان الشريف عبد الله قد أرسل إليه يطلبه من اليمن؛ لكونه بغي هناك بعد وفاة والده الشريف محسن؛ فوفد إليه فأشركه مع ولده الشريف محمد، وتجرد حينئذ الشريف عبد الله عن إمرة مكة للعبادة إلا أنه كان يدعى له على المنبر معهما إلى أن توفي بالمنحني في بستان خياير بيك ليلة الجمعة عاشر جمادى الآخرة من السنة المذكورة أي سنة 1041 وصلى عليه ودفن بالمعلاة عند والده الشريف حسن.

وأعقب جملة من الذكور وهم محمد وأحمد وحمود وحسين وهاشم وثقبة وزامل ومبارك زين العادين، ولهؤلاء أعقاب معروفون بمكة واليمن والحجاز يقال لهم العبادلة.

ثم استمر الأميران على ولاية مكة وجاءهما التأييد من السلطنة العثمانية المرادية، ثم قتل الشريف محمد بن عبد الله بن في وقعة الجلالبة وهي وقعة البغاة من جند قانصوه قدموا من اليمن في سنته ووصلوا السعدية واقتتلوا بأسفل مكة عند فوز المكامسة؛ فاستشهد الشريف محمد المذكور في يوم الأربعاء خامس عشر من شعبان، فوصلوا به مكة عصر ذلك اليوم وغسلوه ودفنوه بعد أن صلوا عليه.

ثم دخلت الأتراك مكة ومعهم الشريف نامي بن عبد الملك بن حسن، فنودي له بالبلاد بعد أن ولاه قانصوه وأشركوا مع الشريف عبد العزيز بن إدريس في ربع مكة ولم

ص: 364

يشركه في الدعاء، وخرج الشريف زيد إلى بدر، وأرسل الشر يف علي بن هيازع إلى الأبواب السلطانية الشريفة يخبرها بوقعة الجلالبة، ثم توجه هو إلى المدينة النبوية فجاءه هناك قفطانان ولبسهما في حجرة جده صلى الله عليه وسلم وتوجه إلى ينبع فواجه العسكر وسار معهم إلى أن وصل الجموم وبلغ خبرهم إلى صاحب مكة الشريف نامي السابق؛ فخرج هو وأخوه الشريف عبد العزيز لأربع من ذي الحجة من سنته وتوجهوا إلى تربة، وتوجه الشريف عبد العزيز إلى ينبع وكان بمكة الشريف أحمد بن قتادة بن ثقبة بن مهنا فنادى في البلاد للسلطان، وأرسل للشريف زيد وأخبره بخلو البلاد؛ ففي سنته من ذي الحجة دخل الشريف زيد مكة ومعه الصناجق الأربعة المرسلة من السلطنة والعسكر، ونزل بدار السعادة فنودي له في البلاد وحج بالناس في سنته، ثم بعد قضاء المناسك توجه إلى تربة لمحاصرة المذكورين؛ فحاصرهم وهجم بالعسكر على الحصن ودخوله في سنة اثنتين وأربعين وألف ليلة الجمعة حادي عشر من محرم، وأمسكوا الشريف نامي وأخاه ثم رجعوا إلى مكة واستفتوا العلماء بقتلهما فأفتوا بذلك فشنقوا يوم الخميس ثاني عشر من محرم، وكان مدة الشريف نامي على عدد حروف اسمه مائة يوم، وبقي زيد حاكما على مكة إلى أن توفي يوم الثلاثاء في صبحه ثامن محرم أو ثالثه سنة سبع وسبعين وألف ومدته خمس وثلاثون سنة، وكانت ولادته بعد مضي درجتين من شروق شمس يوم الاثنين سبع عشرة شعبان من سنة تسع عشرة وألف ببلدة بيشة وكان رديفه الشريف حمود بن عبد الله بن حسن جد الحمودية من العبادلة؛ فكان يرى أنه الأحق بولاية مكة، فاستحسن عمار أفندي سنجق جدة وشيخ الحرم المكي تولية الشريف سعد بن زيد المذكور وحصلت هناك رجة شديدة لمنازعة الشريف حمود وكان يطلبها لنفسه، وكان له أتباع نحو أربعمائة من بني عمه وعبيده وغيرهم وللشريف سعد المذكور أضعاف ذلك، وتأخر تأمير الشريف سعد بن زيد بسبب المنازعة المذكورة إلى بعد الزوال وكان إذ ذاك بمكة المشرفة جماعة من أكابر الأتراك والأروام فاتفق رأيهم على تولية الشريف بعد المذكور فذهبوا لبيته، وخلعوا عليه وهنوه وعزوه في والده على أنهم يرسلون إلى السلطان محمد خان في ذلك، ثم إنه جلس للتهنئة، وأرسل إلى حاكم الطائف، وكان إذ ذاك بمكة وأمره أن يطلع إلى الطائف من ليلته وكان أهلها في شدة عظيمة فحصل لهم السرور واطمأنوا بقدومه.

وأما ما كان من طرق الحجاز؛ فقد وقع فيها النهب واشتد فيها فلما كان يوم الخميس حصل بمكة اضطراب كبير من مشاجرة وقعت بين الشريف سعد والشريف حمود، ووقع بينهم رمي البندق ومع ذلك لم يحصل فيهم ضرر والحمد لله، ووقع لذلك اضطراب الطائف حتى إن الخطيب امتنع من الخطبة بها لشهرة ذلك عندهم وتخيل عدم صحة التولية، وإن ذلك ناشئ عنه، وقد وقع بين بعض القبائل قتال ولم يزل الناس بعد

ص: 365

ذلك في قيل وقال إلى اليوم الثالث عشر من توليته فوقع الاتفاق بينهم وزينوا لذلك مكة حسب عادتهم ثلاث ليالي واطمأنت القلوب وراقت الأفكار ودام السرور وزالت الأحزان، والناس مستبشرون بتوليته؛ غير أنه لم تأته الخلعة السلطانية إلا بعد مضي ستة أشهر وهذه هي الولاية الأولى له؛ فلما أهل شهر رجب وقع في رابعه بين جماعة الشريف سعد وجماعة الشريف حمواد النزاع مرة أخرى واشتد الأمر وتجمعت القبائل والعساكر وتراموا بالبندق، ومات نحو أربعة رجال اثنان منهم خطأ، ودام ذلك بينهم ليلتين ويوما وبعض يوم، ثم وقع الصلح ونودي بالأمن والحمد لله إلى صبيحة اليوم السادس والعشرين من رجب؛ فجاء التأييد والخلع السلطانية بإمارة مكة للشريف سعد المذكور فحصل بها غاية السرور ونودي بالزينة سبع ليال وأعطى عسكره في ذلك اليوم ألفي دينار وخلع على كثير من خدامه، واستمر الأم إلى شهر ذي القعدة فحصل أيضا بين الشريف سعد والشريف حمود تنافر وكلام من جهة المعلوم وخرج لذلك من مكة؛ فلما كان الثالث والعشرون من الشهر المذكور أرسل خدامه إلى الطرقات ينتهبون ما يجدون فبالغوا في ذلك وجمعوا أموالًا كثيرة من القوافل وغيرهم؛ حتى إنهم أخذوا فرسا لبعض خدام الشريف وأرسل لهم عند ذلك عسكرا فلم يجدوهم، واستمر أمرهم كذلك إلى زمن الحج فلم يقع منهم أذية للحجاج؛ غير أن أهل مكة وقراها والعرب لم يحج منهم إلا القليل، وبعد انقضاء الحج طلبوه للصلح وحضر القاضي فلم يقع الصلح وذكر أنه متوجه إلى مصر وخرج مع الأمير المصري إلى بدر فتخلف فيها، ثم انتقل إلى ينبع، ووقع لبعض أولاد الشريف زيد تنافر مع أخيرهم الشريف سعد والتحقوا بالسيد حمود وفعلوا مثل فعله من النهب وغيره، وجهز الشريف إليهم فلم يظفر بهم بل ببعض أموالهم ووقع من الشريف حمود أمور مشتهرة قيدها غير واحد من المؤرخين.

وفي هذه المدة تكاثرت الفتن والغلاء والسرقة والحرائق وسقوط النجوم وظهر عمود في السماء لم يظهر مثله وكثر الفناء والمرض وكسفت الشمس، وقد كان توجه الشريف سعد إلى ينبع مع الحج المصري وخلف أخاه الشريف أحمد بن زيد على مكة؛ فأقامه الله سبحانه وتعالى أحسن قيام ووجد الطعام ثم توجه هو إلى نواحي المبعوث وأقام مقامه الشريف بشير بن سليمان في صفر من سنة ألف وتسع وسبعين، انتهى ما وجدته مذيلا على نسخة المؤرخ العلامة ابن ظهيرة الموجودة بمصر بالأزهر الأنور برواق الأروام بخط كاتب ذلك التاريخ، وتم نسخ النسخة المذكورة في يوم الأحد الحاديث عشر من ذي القعدة الحرام من سنة ألف ومائة وتسع وثلاثين من هجرته صلى الله عليه وسلم.

ثم رجع الشريف سعد إلى مكة في يوم الثلاثاء ثاني عشر ذي القعدة من ينبع واستمر إلى سنة ثلاث وثمانين وألف وكان في هذه السنة أمير الحج حسين باشا فحصل التنافر في يوم الحادي عشر من ذي الحجة بمنى بين الشريف سعد وبين الباشا، وكان في

ص: 366

ذلك اليوم ترد الخلع السلطانية والمرسوم المتضمن بقاء الولاية والوصاية على الرعية والحجاج وتأخير أمين الصرة بذلك عن وقته المعهود وتعدى الحدود؛ فحينئذ أرسل الشريف سعد في طلبه فوجده عند الباشا المذكور وبعثوا يطلبونه من عندهم للبسه وكان مرادهم اقتناصه من أبناء جنسه؛ فأرسل يعرفهم أن القواعد جرت بأن يأتيهم به إليه فمنعوه وشحوا به عليه؛ فعلم الشريف القضية وأيقن أنه لا بد من القتال فترك ذلك حرمة للزمان والمكان ورأى أن القتال في هذا الشهر الشريف مما يضر بأهل التعريف وارتحل هو وأخوه الشريف أحمد ليلة الاثنين الثالث عشر من ذي الحجة المذكور إلى الطائف ثم إلى تربة ثم إلى بيشة ثم سار منها إلى بلاد عديدة إلى أن اجتماعا ووصل الديار الرومية وقابل الدولة العلية وبقيا هناك؛ فلما أصبح الناس يوم الثاني عشر منه شاع بين الناس ارتحال الشريف سعد وأخيه أحمد فاجتمع حسين باشا وأمين الصرة في بيت الشيخ محمد بن سليمان بمنى واستدعوا جماعة من الأشراف منهم الشريف بركات بن محمد بن إبراهيم بن بركات بن أبي نمي فأظهر الباشا أمرا سلطانيا بتولية المذكور فألبسوه خلعة الولاية، ثم إنه نزل من منى في موكب عظيم إلى مكة وجلس كهيئته في دار أبيه المعروفة به واستمر في ولاية مكة عشر سنين وعدة أيام إلى أن توفي ليلة الخميس في التاسع والعشرين من ربيع الثاني سنة ثلاث وتسعين وألف، ودفن بجوار الشيخ النسفي بوصاية منه، وقد ترجمه العلامة المحبي في تاريخ "خلاصة الأثر".

فولي مكة بعده ابنه الشريف سعد بن بركات وألبسه قاضي مكة خلعة الاستمرار بموجب الأمر السلطاني الذي بيده المتضمن كونه ولي عهد أبيه بعد يوم وفاة أبيه، ولم ينازعه أحد في ذلك، ثم ورد التأييد السلطاني بذلك أيضا وبقي إلى سنة خمس وتسعين وألف.

فولي بعده السلطان إمارة مكة للشريف أحمد بن زيد من الأستانة؛ لكونه كان موجودا هناك وسار إليها كما تقدم مع أخيه الشريف سعد، ثم دخل هو مكة في سابع ذي الحجة من سنة خمس وتسعين وألف، وتوجه الشريف سعيد بن بركات إلى مصر وتوفي بها، استمر الشريف أحمد إلى سنة تسع وتسعين "بتقديم التاء فيهما" وألف وتوفي يوم الخميس ثاني عشر جمادى الأولى من العام المذكور.

فولي مكة الشريف سعيد بن سعد بن زيد وهي المرة الأولى من إمارته؛ حتى ورد الشريف أحمد بن غالب مكة ومعه أمر سلطاني بإمارة مكة له في ثاني شوال من السنة المذكورة وجلس للتهنئة وحصل التنافر بينه وبين الأشراف فنودي بالطائف وحده للشريف محسن بن حسين بن زيد فدخل مكة وخرج الشريف أحمد بن غالب بعد عشرين يوما منها، وجلس للتهنئة يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من رجب سنة ألف ومائة

ص: 367

وواحد وجاءه التأييد السلطاني؛ فبقي مدة حتى صار الاختلاف فيما بين الأشراف في سنة ثلاث بعد المائة والألف إلى أن نزل عن ولاية مكة للشريف مساعد بن سعد جد ذوي مساعد من آل زيد.

ونزل هو للشريف سعيد بن سعد السابق جد ذوي سعيد بن ذوي زيد بحضرة القاضي فسجل ذلك، وبعث القاضي الشريف سعيد قفطانا من السلطان فلبسه وجلس للتهنئة يوم الأحد سابع محرم سنة ثلاث ومائة وألف، وهذه هي الولاية الثانية للشريف سعيد، ثم أرسلوا الخبر إلى أبواب السلطنة بذلك فولت والده الشريف سعد ذلك، وهذه هي الولاية الثانية له وكان حينئذ عندهم كما تقدم، ولم تزل الأخبار تتوارد بمجيء الشريف سعد إلا أن دخل مكة مع الحج في ذي الحجة من العام وجلس في دار للتهنئة، ثم بعد مدة في أواخر سنة خمس ومائة وألف عزل عنها لمنافرة حصلت بينه وبين محمد باشا صاحب جدة.

فولي إمارة مكة الشريف عبد الله بن هاشم بن محمد بن عبد المطلب بن حسن بن أبي نمي وخرج الشريف سعد إلى القنفذة.

ثم رجع الشريف أحمد بن غالب مكة وواجه أميرها الشريف عبد الله بن هاشم، ثم وصل الخير إلى الشريف بالقنفذة، وورد مكة فحصل القتال بينه وبين جماعة الشريف عبد الله بن هاشم الأمير والشريف أحمد بن غالب.

فغلب الشريف أسعد على مكة ودخلها وارتحل الشريف عبد الله والشريف أحمد إلى الرنى فاجتمع الأشراف وقالوا إن الفتنة لا تسكن إلا إذا نودي في البلاد للشريف سعد فحينئذ تم الأمر له وجلس في داره للتهنئة، وكانت مدة تولية الشريف عبد الله أربعة أشهر، وهذه هي الولاية الثالثة للشريف سعد، ثم وصل الخبر بذلك إلى الأبواب الخاقانية والسلطنة العثمانية؛ فأرسل حينئذ السلطان مصطفى خان التأييد للشريف سعد.

وإلى هنا تم تاريخ العلامة المؤرخ السنجاري1 المسمى "منائح الكرم في أخبار مكة وولاة الحرم".

واستمر الشريف سعد في ولايته هذه مطمئنا إلى سنة ثلاث عشرة ومائة وألف؛ فاستحسن أن يعرض للدولة إقامة ولده الشريف سعيد مقامه في ولاية مكة وينزل عنها فأجيب إلى ذلك، وهيه هي الولاية الثالثة للشريف سعيد السابق ذكره، وبقي فيها إلى أن حصل التنافر فيما بينه وبين الأشراف وامتدت الولاية إلى سنة ست عشرة ومائة، وحصل

1 هو السنجاري المكي المؤرخ المتوفى عام 1125هـ.

ص: 368

بينهما القتال إلى أن خرج الشريف سعيد بن المغرب من أعلى مكة في ليلة الحادي والعشرين من شهر ربيع الأول من العام المذكور.

ثم دخلت الأشراف مكة ورئيسهم الشريف عبد المحسن بن أحمد بن زيد فنودي في البلاد له بحكم سليمان باشا بعد عزل الشريف سعيد؛ فجلس في دار السعادة للتنهئة وبقي تسعة أيام.

ثم نزل عنها للشريف عبد الكريم بن محمد بن يعلى بن حمزة بن مغامس بن بركات بن أبي نمي جد ذوي عبد الكريم من آل بركات؛ فقبلها برضاء الأشراف جميعا وجلس في داره للتنهئة وهذه هي الولاية الأولى له.

ثم وقع فيما بين قائم مقام الشريف عبد الكريم بمكة وبين الشريف سعد النزاع وحصل القتال فيما بينهما؛ فغلب عليه فنودي في البلاد للشريف سعد المذكور سادس شوال من سنة ست عشرة ومائة وألف، وكان أمير مكة -إذ ذاك- غائبا باليمن ودخل الشريف سعد مكل وأرسل له الباشا قفطانا، وهذه هي الولاية الرابع للشريف سعد بن زيد وأقام فيها ثمانية عشر يوما، وسببه أن الشريف عبد الكريم ورد الحسينية1 قافلا من اليمن ومعه بنو عمه وقبائل عتبة وحرب وقاتل الشريف سعدا إلى أن انهزم؛ فدخل الشريف عبد الكريم مكة وفي صحبته الشريف عبد المحسن، ونودي في شوارع مكة للشريف عبد الكريم، وهذه هي الولاية الثانية له واطمأنت البلاد وخرج الشريف سعد إلى العابدية، وتوفي هناك يوم الأحد خامس ذي القعدة من سنة ست عشرة ومائة وألف، ودفن بقبة الشريف أبي طالب عند قبر والده الشريف زيد.

ثم ورد الأمر الشاهاني بتولية الشريف سعيد بن سعد من الدولة العلية؛ فدخل مكة بعده في اليوم السابع من ذي الحجة ونودي له في البلاد، وهذه هي الولاية الرابعة للشريف سعيد؛ فحج من سنته وذهبت القوافل حسب عادتها وأهل محرم سنة سبع عشرة ومائة وألف.

ثم كان يوم الاثنين ثامن عشر من رجب ورد مكة خبر أغا السلطان وصحبته الأمر السلطاني بتولية مكة للشريف عبد الكريم بن محمد بن يعلى السابق، ثم وصل الأغا جده ونودي له بها؛ فلما كان يوم الثلاثاء سادس شعبان دخل الشريف عبد الكريم مكة، وهذه هي الولاية الثالثة له وجلس للتنهئة في داره وبقي إلى سنة ثلاث وعشرين ومائة ألف.

وفي يوم الثلاثاء السابع والعشرين من رجب أو شوال من السنة المذكورة وردت الأخبار من المدينة النبوية بأن السلطنة أمرت بتوجيه ولاية مكة للشريف سعيد وورد إليهم

1 الحسينية: مزرعة معروفة بأسفل مكة. وهي للأشرف من ذوي زيد.

ص: 369

صورة الأمر الوارد فدخل الشريف سعيد ثامن عشر من ذي القعدة ونودي له في البلاد وجلس للتنهئة، وهذه هي الولاية الخامسة للشريف سعيد المذكور، واستمر فيها إلى أن توفي في الحاديث والعشرين من المحرم سنة تسع وعشرين ومائة وألف.

ثم تولى بعده ولده الشريف عبد الله بن سعيد وبقي إلى سنة ثلاثين ومائة وألف في ست وعشرين من جمادى الأولى وطلب الشريف علي بن سعيد فأعطاه ولاية مكة، وكتبوا إلى الدولة باستحسان ذلك فجاءته المراسيم السلطانية في شوال من سنته، ثم عدن ورود باشتة المحمل طلبت الأشراف أن يولوا الشريف يحيى بن بركات ويعزلوا الشريف الحالي فوافقهم على ذلك؛ فألبس الباشا الشريف يحيى بن بركات خلعة الولاية، وهذه هي الولاية الأولى له؛ وذلك في اليوم السادس من ذي الحجة من سنة ثلاثين ومائة وألف ودخل مكة وخرج الشريف علي بن سعيد منها، واستمر الشريف يحيى إلى أن عزل عنها بالشريف مبارك بن أحمد بن زيد من سنة اثنتين وثلاثين ومائة وألف، فدخل مكة بعد القتال مع الشريف يحيى ونودي للشريف مبارك في شوارع مكة وجلس للتنهئة، وهذه هي الولاية الأولى للشريف مبارك، ولم يزل في إمارة مكة إلى ست من ذي الحجة من سنة أربع وثلاثين ومائة وألف؛ فانتزعها منه الشريف يحيى بن بركات السابق ذكره بولاية من السلطنة الشريفة، وكان قد توجه هذا الشريف إلى دار السلطنة حتى اجتمع بالسلطان أحمد خان بن محمد بن إبراهيم خان العثماني؛ فولاه ذلك وأرسله مع أمير المحمل الشامي هو ووالي جدة أيضا فدخلوا مكة في ست من ذي الحجة ونودي له في البلاد، وهذه هي الولاية الثانية للشريف بركات في ذي الحجة في سبع وعشرين منه من سنة خمس وثلاثين ومائة وألف، ثم حصل القتال فيما بينه وبين الشريف مبارك بن أحمد بن زيد المار ذكره في ثاني عشر من المحرم الحرام من سنة ست وثلاثين ومائة وألف؛ فانهزم الشريف بركات بن يحيى بن بركات ودخل مكة الشريف مبارك بن أحمد ونودي له وعم الأمن من كل الجهات، وهذه هي الولاية الثانية له.

فلما كان خامس عشر جمادى الآخرة عزل عنها وتولى بأمر السلطان الشريف عبد الله بن سعيد ولاية مكة، وهذه هي الولاية الثانية له وكان ذلك في التاريخ المذكور، ثم بقي إلى أن توفي خامس عشر ذي القعدة من سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف، فتولى، ولده محمد ذلك بعد أن نودي له ودعي من اليمن وكان حين وفاة والده بها؛ فوصل مكة في تسع وعشرين من ذي القعدة الحرام من العام المذكور وألبس الخلعة ونودي له في البلاد وعلى المنبر دعي له وكان عمره عشرين سنة، واستمر إلى أن حصل النزاع والقتال فيما بينه وبين الشريف مسعود بن سعيد عمه؛ إلى أن انهز الشريف محمد بن عبد الله بن سعيد فدخل الشريف مسعود مكة في سابع جمادى الأولى من سنة خمس وأربعين ومائة

ص: 370

وألف ونودي له في شوارع مكة، وهذه هي الولاية الأولى للشريف مسعود، ثم ارتحل الشريف محمد بن عبد الله بن سعيد اليمني، ثم رجع إلى الطائف فارتحل إليه الأمير الشريف مسعود وحصل القتال فيما بينهما فانهزم الشريف مسعود واستقل الشريف محمد بن عبد الله بكرسي الولاية وتوجه إلى مكة، وهذه هي الولاية الثانية له في السنة المذكورة، وبقي إلى أن أقبل الشريف مسعود بن سعيد مكة بجماعة معه فتقاتلا صبح اليوم السابع من رمضان من سنة ست وأربعين ومائة وألف؛ فانهزم الشريف محمد بن عبد الله بن سعد ودخل الشريف مسعود عمه مكة ونزل في داره وجلس للتنهئة، وهذه هي الولاية الثانية للشريف مسعود كما رأيت ذلك بخط العلامة المؤرخ عبد الرحمن بن عبد الكريم الأنصاري المدني في هامش تاريخ ابن ظهيرة المسمى "بالجامع اللطيف في أخبار مكة المشرفة وولاتها والبيت الشريف"، واستمر الناس في ولايته مطمئنين فتوفي في يوم الجمعة الثاني من ربيع الثاني من سنة خمس وستين ومائة وألف.

وتولى بعده الشريف مساعد بن سعيد ونودي له في البلاد وعرفوا بذلك الدولة العليلة؛ فجاءه التأييد في ست وعشرين من شعبان وألبس الخلعة بالحطيم؛ كما رأيت بخط بعض الأماثل المعاصرين للشريف المذكور.

ثم استمر وانقادت له الأمور إلى سنة إحدى وسبعين ومائة وألف فحصل التنافر بينه وبين الأشراف فبسببه قبض على الأمير الشريف مساعد المذكور، وتولى أخوه الشريف جعفر بن سعيد إمارة مكة وألبس القفطان في السنة المذكورة.

ثم بعد توجه الحجاج والقوافل نزل الشريف جعفر بالإمارة لأخيه الشريف مساعد المذكورة؛ وذلك في اليوم الرابع عشر من المحرم الحرام من سنة اثنتين وسبعين ومائة وألف وبقي هو في ذلك إلا أن توفي يوم الأربعاء لثلاث بقين من شهر المحرم الحرام من سنة أربع وثمانين ومائة وألف

فبعد وفاته ولي إمارة مكة أخوه الشريف عبد الله بن سعيد.

فألبسه قاضي الشرع الشريف ونودي له في البلاد، ثم نزل عنها لأخيه الشريف أحمد بن سعيد وبقي أياما ثم في يوم الجمعة الثامن عشر من ربيع الأول من العام المذكور وصل مكة أبو الذهب محمد بيك من مصر؛ فعزل الشريف أحمد بن سعيد، وجلس على كرسي الولاية والإمارة الشريف عبد الله بن حسين بن يحيى بن بركات بن محمد بن بركات بن أبي نمي، وحسين والد هذا الأمير ينسب إليه ذوو حسين من الأشراف وسكن بدار آبائه المسماة بدار الهنا بباب الوداع ونودي باسمه في البلاد، وتوجه الشريف أحمد بن سعيد السابق إلى اليمن، ثم جاء إلى مكة لأخذ الثأر من الشريف عبد الله بن حسن السابق الأمير ومعه من العربان جمع غفير فحصل بينهما القتال

ص: 371

فانهزم الشريف عبد الله بن حسين، ودخل مكة الشريف أحمد بن سعيد في الثاني عشر من جمادى الثانية من السنة المذكورة سنة 1184هـ أربع وثمانين ومائة وألف، وبقي إلى أن حصل النزاع فيما بين الشريف أحمد بن سعيد الأمير وبين ابن أخيه الشريف سرور بن مساعد بن سعيد بن مسعد بن زيد يوم السبت ثلاثة عشر من ذي القعدة من سنة 1186هـ ست وثمانين ومائة وألف، وأدى إلى القتال؛ فانهزم الشريف أحمد ودخل مكة المشرفة الشريف سرور بن مساعد يوم السبت ثالث عشر من ذي القعدة من السنة المذكورة، ونودي له في شوارع مكة، وأمنت البلاد، ثم حصل القتال الشديد مرارا وفي كل مكان انهزم عمه الشريف أحمد، وفي الوقعة الخامسة عشر من جمادى الأولى من سنة 1193هـ ثلاث وتسعين ومائة وألف قبض الشريف سرور على عمه وعلى ولديه وأمر بحبسهم بينبع، ثم نقلوا إلى جدة وما زالوا بها حتى توفي أحد ولديه، ثم توفي الشريف أحمد بن سعيد في السجن أيضا في عشرين من ربيع الثاني من سنة 1195هـ خمس وتسعين ومائة وألف وأطلق حينئذ ابنه الأحسن وجاء جد كاتب النسخة، وجاء مع التذييل الشيخ حبيب الله لأجل أداء فريضة الحج من بلاد الهند في سنة 1200هـ مائتين وألف، ثم بعد فراغه من الزيارة النبوية عاد إلى بلده دلهي بالهند وعاش ممتعا بحواسه بين أقرانه إلى أن توفي سنة 1245هـ خمس وأربعين ومائتين وألف.

وخلف عمي الشيخ عبد النبي ووالد الشيخ عبد الوهاب وعمر الأول أربعون سنة ووالدي -إذ ذاك- ينيف عمره على عشر سنين، والله أعلم.

ولم يزل الشريف سرور في إمارة مكة إلى سنة اثنتين بعد المائتين والألف حتى توفي في اليوم الثامن عشر من شهر ربيع الثاني من العام المذكور.

وتولى إمارة مكة أخوه الشريف عبد المعين بن مساعد، ونودي له بذلك وبقي أياما، ثم نزل عنها لأخيه الشريف غالب بن مساعد بن سعيد بن مسعد بن زيد جد ذوي غالب وجاءته الخلعة السلطانية في التاسع والعشرين من ذي القعدة من العام المذكور، وقد حصل في أيامه الحركة الإصلاحية الوهابية المنسوبة إلى الإمام محمد بن عبد الوهاب النجدي ودام القتال معه مدة المواسم، ذكرها شيخنا العلامة المرحوم برحمة الملك المنام السيد أحمد بن زيني بن دحلان في تاريخ "خلاصة الكلام في تاريخ أمراء بلد الله الحرام"، ثم صفا الوقت والزمان للشريف غالب المذكور إلى أن وصل محمد علي باشا جد العائلة الخديوية بمصر مكة المشرفة. واحتفل به الشريف غالب احتفالا تاما غير أن الباشا المذكور كان مأمورا من طرف الدولة العثمانية بالقبض على الشريف غالب الأمير وإرساله إلى الآستانة العلية فصار متحيرا في هذا الأمر لتحفظ الشريف غالبا أمير مكة على نفسه؛ حتى تشاور مع الشيخ أحمد تركي في ذلك الأمر، فدبر له تدبيرا حسنا،

ص: 372

حتى تم له الأمر في أواخر ذي القعدة الحرام من سنة 1228هـ ثمان وعشرين ومائتين وألف، وقد صار الاستحسان بأن تكون إمارة مكة لابن أخيه الشريف يحيى بن سرور بن مساعد؛ فطلبوه فمضى فألبسه محمد علي باشا فروا سموريا، وأركبوه في هيئة على فرس وأوصلوه إلى داره بقرب باب الوداع فجلس للتنهئة؛ ثم إن الشريف غالب أنزل إلى جدة وتوجه به إلى الآستانة، ثم أرسل إلى سلانيك ونفى بها إلى أن توفي في سنة 1235هـ خمس وثلاثين ومائتين وألف وقبره بها يزار.

واستمرت الإمارة للشريف يحيى مدة أعوام إلى أن دخلت سنة 1240هـ أربعين ومائتين وألف، وفي ليلة الثاني من شعبان من العام المذكور صار قتل الشريف، وفي عام 1242هـ حصل نزاع بين الشريف يحيى والأمير التركي أحمد باشا وخصوم الشريف من يحيى إلى مصر؛ حينئذ تأهب للسفر؛ فلما خرج ووصل بدرا صام رمضان فجاءته مشايخ حرب وهم عربان سكنوا بين الحرمين فوعدوه بالإعانة، ومكث هناك إلى تمام السنة فهلت سنة ثلاث وأربعين ومائتين فأخذ في الشروع في جمع القبائل؛ فوصل الخبر إلى مكة بذلك، وكان أحمد باشا قد أنهى الأمر إلى مصر لدولة محمد علي بابا فأبطأ عليه في الجواب فاستحسن أن يولي مكة أحدا من الأشراف صورة؛ فوليها الشريف عبد المطلب بن غالب ليجمع جموعا يقابل بها الشريف يحيى المذكور وذلك في أثناء سنة اثنتين وأربعين ومائتين وألف. وهذه هي الولاية الأولى للشريف عبد المطلب المذكور؛ وحينئذ نودي باسمه في البلاد. وبعد دخول سنة ثلاث وأربعين ومائتين وألف جاءت البشائر من مصر بأن محمد علي باشا استحسن أن تكون الإمارة للشريف محمد بن عبد المعين بن عوف بن حسين بن عبد الله بن حسن بن أبي نمي، وكان -إذ ذاك- بمصر وهو جد أمراء مكة ذوي عون.

وأما الشريف يحيى فذهب من بلاد الحرمين إلى المدينة المنورة وزار قبر جده صلى الله عليه وسلم وتوجه بعد حين إلى مصر فوصلها واجتمع بالشريف محمد بن عبد المعين بن عوف المتولي المذكور وبقي هناك إلى أن توفي بها.

ثم أرسل محمد علي باشا صاحب مصر الشريف محمدا المذكور مع جموع وعسكر عظيم إلى مكة فوصل جدة؛ ثم في اليوم الثاني من جمادى الأولى من العام المذكور أي عام ثلاث وأربعين ومائتين وألف، فدخل مكة بدون قتال لتوجه الشريف عبد المطلب بن غالب إلى الطائف، وجلس الشريف محمد بن عبد المعين بن عون في اليوم المذكور في دار الشريف يحيى بن سرور عند باب الوداع للتنهئة، ثم توجه إلى الطائف لقتال الشريف عبد المطلب فلم يقع ذلك، وحصل الصلح وكان ذلك في شهر

ص: 373

رجب الحرم من السنة المذكورة، وتوجه الشريف عبد المطلب بن غالب ومعه أخوه الشريف بن غالب إلى الآستانة برا فوصلها وتولى ثانيا كما سيأتي إن شاء الله، ثم استقامت للشريف محمد بن عبد المعين الأمير الأمور على أحسن حال وانتظمت أحكامه بلا معارض على أتم نظام.

وفي سنة خمس وستين ومائتين وألف توفي بمصر محمد علي باشا، ثم استمر الحال مطمئنا للشريف محمد بن عبد المعين بن عون إلى أن دخلت سنة سبع وستين ومائتين وألف ونزل من الطائف وفي صحبته ولده الشريف عبد الله والشريف علي فحضروا عند عبد العزيز باشا الشهير بأنه باشا، وكان ذلك في رجب من العام المذكور؛ فأبرزا أمرا مضمونه حضورهما مع والدهما إلى الآستانة دار السلطنة، فتوجهوا وأقاموا حينئذ الشريف المنصور بن يحيى بن سرور وكيلا قائم مقام أمير مكة، ثم وجهت الدولة الإمارة للشريف عبد المطلب بن غالب في رمضان من السنة المذكورة، وكان إذ ذاك بالآستانة عندهم، وهذه هي الولاية الثانية له، ثم وصل مكة في ذل القعدة من العام المذكور وجلس في داره بالقرارة للتنهئة، وبقي إلى سنة اثنتين وسبعين ومائتين وألف، فعزل وتوجه إلى دار السلطنة في شوال من سنة ثلاث وسبعين ومائتين وألف.

فولت الدولة العلية إمارة مكة للشريف محمد بن عبد المعين بن عون وكان إذ ذاك بالآستانة كما تقدم، فهذه هي الولاية الثانية له وجاء الخبر بوصوله إلى جدة في ثاني شعبان ومعه ابنه الشريف علي باشا فقط، ثم بعد يومين وصلا مكة وجلس الشريف محمد بن المعين بن عون للتنهئة في داره العامرة بسوق الليل، وبقي فيها إلى سنة أربع وسبعين ومائتين وألف وتوفي في الثالث عشر من شعبان المبارك من العام المذكور، ودفن بقبة السيدة آمنة والدة النبي صلى الله عليه وسلم بالمعلاة.

فلما بلغ الخبر إلى السلطنة بوفاته وجهت الدولة إمارة مكة إلى ابنه الشريف عبد الله باشا في رمضان وكان إذ ذاك بالآستانة، وتركه والده كما تقدم وأقيم مقامه أخوه الشريف علي باشا بن محمد بن عبد المعين بن العون بمكة إلى حين مجيئه، ثم توجه الشريف عبد الله المتولي بعد قضاء حوائجه في ربيع الأول من سنة خمس وسبعين ومائتين وألف من الآستانة، ودخل مكة في موكب عظيم وجلس في دار والده للتنهئة، ودامت له الأمور في أحسن نظام إلى وفاته في اليوم الرابع عشر من جمادى الآخرة من سنة أربعين وتسعين ومائتين وألف بالطائف، ودفن بقبة الحبر ابن عباس.

فأقام تقي الدين باشا والي وجدة وشيخ الحرم المكي أخاه الشريف عون الرفيق باشا دليلا بمقام الإمارة وكان أخوة الأكبر الشريف حسين باشا بالآستانة؛ فوجهت الدولة

ص: 374

الإمارة له؛ فقدم مكة في شعبان من السنة المذكورة وتوجه الشريف عون الفريق إلى الآستانة في شوال من سنته، واستمر الشريف حسين في إمارة مكة إلى سنة سبع وتسعين "بتقدم السين في الأولى والتاء المثناة الفوقية في الثانية" ومائتين والألف

وفيها توجه إلى جدة في أوائل ربيع الثاني، وفي دخوله جدة طعن بسكين مسمومة ودفن في قبر والده بقبة السيدة آمنة والدة النبي صلى الله عليه وسلم بالمعلاة.

فلما وصل الخبر إلى الآستانة بوفاة الشريف حسين وجهت الدولة إمارة مكة للشريف عبد المطلب بن غالب، وكان إذ ذاك في الآستانة، وهذه هي الإمارة الثالثة له، ثم وصل مكة ودخلها في الحادي عشر من جمادى الثانية من العام المذكور وجلس للتنهئة في داره بالقرارة، واستمر الحال له بأحسن طريق إلى عشرين من شعبان من سنة تسع وتسعين ومائتين وألف حصل بينه وبين ولاة جدة ومكة الاختلاف، ثم جاء الخبر من السلطنة بأنها ولت عثمان نوري باشا ولاية الحجاز عبد المطلب الأمير؛ إذ أحاطت العسكر بداره الذي بالمثناة وأخبروه بأنه معزول ونودي في البلاد للسلطان، وأنزلوه من داره إلى قشلاق العسكرية للحكومة بالطائف، وأرسل الخبر إلى الدولة بذلك فتوجهت إمارة مكة للشريف عون الرفيق باشا، وكان إذ ذاك بالآستانة، ثم وصل الخبر بذلك إلى مكة وكان عثمان باشا قد أقام أخاه الشريف عبد الإله باشا نائبا عنه.

ثم توجه الشريف عون المتولي من دار السلطنة ووصل إلى جدة في ثامن يوم التروية من سنته، ووصل إلى مكة يوم عيد النحر وتوجه إلى منى في موكب عظيم في عصره وقرئ فرمانه ثاني يوم على حسب عادة الأمراء، ثم بعد انقضاء أيام منى نزل إلى مكة ومشت القوافل والحجيج وأهلت سنة ثلاثمائة وألف، وتوجه في شهر ربيع الأول من العام المذكور أخوه الشريف عبد الإله باشا إلى الآستانة، ولم يزل الشريف عون في إمارة مكة منتظما، وتوفي في جمادى الأولى من سنة أربع وعشرين وثلاثمائة وألف بالطائف بداره رغدان، ودفن بقبة الحبر ابن عباس على أخيه الشريف عبد الله باشا، ونودي في البلاد باسم ولي النعم سيدنا الشريف علي باشا بن عبد الله باشا بن محمد بن عبد المعين بن محمد بن عبد الله بن حسين بن عبد الله بن حسن بن أبي نمي، ثم أرسل الخبر إلى الحجاز وشيخ الحرم أحمد راتب باشا بوفاة الشريف عون الرفيق، ووجهت الدولة إمارة مكة أصالة لولي النعم المتلقي لها باليدين السامي إليها من ذروة الشرف صاحب الدولة والسيادة والشرف سيدنا الشيخ شريف علي باشا السابق ذكره وهنؤوه بذلك، ثم نزل إلى مكة في شعبان من العام المذكور؛ فانتظمت له الأمور على أحسن منوال بدون معارض له ولا منازع، وقد امتدح

ص: 375

بقصيدة غراء في عيد الفطر من مطلعها1:

وفد الربيع بحلة خضراء

فكسى الرياض ملابس الهيفاء

إلى آخرها.

وبقي فيها إلى أن انفصل عن ذلك في شوال من سنة سبع وعشرين وثملاثمائة وألف، وجاء الخبر من الآستانة بتولية إمارة مكة لعمه الشريف عبد الإله باشا، وكان إذ ذاك باقيا بدار السلطنة وبقي فيها أياما وتوفي هناك من عامه، ثم وصل الخبر بتولية الشريف حسين باشا بن علي باشا بن محمد بن عبد المعين بن عون إمارة مكة لكونه إذ ذاك كان بالآستانة، وأقيم أخوه الشريف ناصر باشا نائبا عنه، ثم وصل في ذي القعدة إلى جدة، وفي ثاني يوم منه دخل مكة في موكبه وجلس في بيت جده للتنهئة، ثم توجهت القافلة حسب عادتها وحج هو في سنته، ثم في شعبان من سنة ثمان وعشرين وثملاثمائة وألف توجه أخوه الشريف ناصر باشا إلى دار السلطنة وهو باق بها معززا مكرما، وتوجه ابن عمه في هذه السنة الشريف علي باشا، ولم يزل الشريف حسين باشا بن علي باشا بن محمد بن عبد المعين بن عون يلي إمرة مكة من 6 شوال عام 1326هـ، ثم أعلن نفسه ملكا على الحجاز.

وقد دخل الملك عبد العزيز مكة في 7 من جمادى الآولى سنة 1343هـ، وسلم له الملك حسين حكم الحجاز في أوائل جمادى الثانية عام 1344هـ، وصار خالد بن لؤي حاكم مكة من قبله، وهو أحد قواد جيش الملك عبد العزيز ومن أقربائه، ثم اختير سمو الأمير فصيل نائبا عن والده الملك عبد العزيز في حكم مكة والمدينة وباقي الحجاز.

وتوفي الملك عبد العزيز في 2 ربيع الأول 1373هـ "9 نوفمبر 1953"، وتولي ولي العهد جلالة الملك سعود حكم المملكة العربية السعودية في الخامس من ربيع الأول 1373هـ، وكان قد بويع بولاية العهد قبل ذلك بأمد طويل في 16 محرم 1352هـ، وميلاده في ليلة الثالث من شوال عام 1319هـ.

وقد عين حضرة صاحب السمو الأمير فيصل رئيسا لمجلس الوزراء في 6 من ذي الحجة 1373هـ، وصار حضرة صاحب الجلالة الملك سعود هو حامي حمى الحرمين وباقي مدن الحجاز وهو حاكم مكة المكرمة2.

1 صاحب هذه القصيدة: هو كاتب هذا التذييل الشيخ عبد الستار الدهلوي.

2 إلى هنا انتهى ما كتبه عبد الستار الدهلوي عميد آل الدهلوي بالحجاز، وهم إحدى العريقة في مكة المكرمة، ولهم أياد بيض مشكورة: وما يلي ذلك فهو من قلم اللجنة.

ص: 376