الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر عين النبي صلى الله عليه وسلم:
أنبأنا يحيى بن أسعد عن الحسن بن أحمد عن أبي نعيم عن جعفر بن محمد حدثنا محمد بن عبد الرحمن حدثنا الزبير حدثنا محمد بن الحسن عن موسى بن إبراهيم بن بشير عن طلحة بن خراش قال: كانوا أيام الخندق يخرجون برسول الله صلى الله عليه وسلم ويخافون البيات، فيدخلون به كهف بني حرام فيبين فيه حتى إذا أصبح هبط، قال: ونقر رسول الله صلى الله عليه وسلم في العينية التي عند الكهف فلم تزل تجري حتى اليوم، قلت: وهذه العين في ظاهر المدينة وعليها بناء وهي مقابلة المصلى.
الباب الثامن: في ذكر جبل أحد وفضله وفضل الشهداء به
روى البخاري في الصحيح من حديث أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلع له أحد فقال: هذا جبل يحبنا ونحبه، قال أبو عمر بن عبد البر: في معنى هذا الحديث يحتمل أن الله خلق فيه الروح، فأحب النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: يحمل على المجاز. أخبرنا أبو غالب محمد بن المبارك الكاتب وعبد العزيز بن أحمد الناقد قالا: أنبأنا محمد بن عمر الفقيه أنبأنا جابر بن ياسين أنبأنا عمر بن أحمد المقري حدثنا عبد الله بن محمد البغوي حدثنا إسحاق حدثنا عبد الله بن جعفر حدثني أبو حازم عن سهل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أُحُد ركنٌ من أركان الجنة"1.
وكتب إلى أبي محمد بن أبي القاسم الحافظ أن عبد الرحمن بن أبي الحسن أخبره قال: أنبأنا سهل بن بشر أنبأنا أبو الحسن بن منير أنبأنا أبو طاهر محمد بن عبد الله الذهلي حدثنا موسى بن هارون حدثنا يعقوب حدثنا عبد العزيز بن محمد عن طلحة بن خراش بن جابر بن عتيك عن جابر بن عتيك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خرج موسى وهارون عليهما السلام حاجَّيْن أو معتمرين، فلما كانا بالمدينة مرض هارون فثقل، فخاف عليه موسى اليهود، فدخل به أُحُدًا فمات فدفنه فيه"2.
وروي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لما تجلى الله تعالى لجبل طور سينا تشظى منه ست شظايا فنزلت مكة، فكان: حراء وثبير وثور، وبالمدينة: أحد وورقان وعير"، قلت: فأحد معروف وعير مقابله والمدينة بينهما وورقان عند شعب علي رضي الله عنه.
قلت: وكانت قريش قد جاءت من مكة لحرب النبي صلى الله عليه وسلم ولقوه في يوم السبت للنصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة عند جبل أحد، وكان بينهم من القتال ما أكرم
1 رواه أبو يعلى في مسنده، والطبراني في الكبير عن سهل بن سعد وهو ضعيف.
2 المشهور أنهما قد ماتا في التيه.
الله به من أكرم من المسلمين بالشهادة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلص العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذب بالحجارة حتى وقع لشقه فانكسرت رباعيته وشج في وجهه وكُلِمَتْ شفته، وكان ذلك كرامة له صلى الله عليه وسلم، ولأصحابه الذين استشهدوا بين يديه وكانوا سبعين رجلا: حمزة بن عبد المطلب، وعبد الله بن جحش، ومصعب بن عمير، وشماس بن عثمان، فهؤلاء الأربعة من المهاجرين، ومن الأنصار: عمر بن معاذ بن النعمان، والحارث بن أنس بن رافع، وعمارة بن زياد بن السكن، وسلمة بن ثابت بن قيس، وعمرو بن ثابت بن وقش، وأبو قيس ثابت، ورفاعة بن وقش، وحسيل بن ثابت، وهو اليمان أبو حذيفة، وصيفي بن قبطي، وعباد بن سهل، وخباب بن قبطي، والحارث بن أوس بن هانئ، وإياس بن أوس بن عتيك، وعبيد بن التيهان، ويقال: عتيك وحبيب بن زيد بن قتم، وزيد بن حاطب بن أمية بن رافع، وأبو سفيان بن الحارث بن قيس بن زيد، وأنيس بن قتادة، وحنظلة بن أبي عامر بن صيفي، وأبو حبة بن عمرو بن ثابت أخو سعيد بن حثمة لأمه، وعبيد الله بن جبير بن النعمان، وخيثمة أبو سعد بن خيثمة، وعبد الله بن سلمة، وسبيع بن حاطب بن الحارث، وعمرو بن قيس بن زيد وابنه قيس، وثابت بن عمرو بن زيد، وعامر بن مخلد، وأبو هبيرة بن الحارث بن علقمة، وعمرو بن مطرف بن علقمة، وأوس بن ثابت بن المنذر أخو حسان بن ثابت، وأنس بن النضر، وقيس بن مجلد، وكيسان عبد لبني النجار، وسليم بن الحارث، ونعمان بن عبد عمرو، وخارجة بن زيد، وسعد بن الربيع، وأنس بن الأرقم بن زيد، ومالك بن سنان أبو أبي سعيد الخدري، وسعيد بن سويد بن قيس وعتبة بن ربيع بن رافع، وثعلبة بن سعد بن مالك، وثقيف بن قرة، وعبد الله بن عمرو بن وهب، وضمرة حليف لبني طريف من جهينة، ونوفل بن عبد الله، وعباس بن عبادة، ونعمان بن مالك بن ثعلبة، والمجذر بن زياد، وعبادة بن الحسحاس، ورفاعة بن عمرو وعبد الله بن عمرو بن حرام وعمرو بن الجموح، وابنه خلاد، وأبو أيمن مولاه وعنترة بن عمرو بن حديدة ومولاة عنيزة، وسهل بن قيس بن أبي كعب، وذكوان بن عبد قيس وعبيد بن المعلى بن لوذان ومالك بن نميلة، والحارث بن عدي بن خرشة، ومالك بن إياس، وإياس بن عدي، وعمرو بن إياس.
فهؤلاء الذين استشهدوا بين يديه صلى الله عليه وسلم وقاتلوا وقتلوا رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين:
فأما حمزة رضي الله عنه فإن النبي صلى الله عليه وسلم وقف عليه، وقد مثل به جدع أنفه وأذناه وبقر بطنه عن كبده؛ فقال صلى الله عليه وسلم:"لولا أن تحزن صفية وتكون سنة من بعدي لتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير لن أصاب بمثلك أبدا، ما وقفت موقفا قط أغيظ لي من هذا"، ثم قال: "جاءني جبريل وأخبرني أن حمزة مكتوب في السموات السبع: حمزة بن
عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله"؛ فأقبلت صفية بنت عبد المطلب أخت حمزة لأبيه ولأمه؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنها الزبير بن العوام: "القها فأرجِعْها لا ترى ما بأخيها"؛ فقال: يا أمه؛ رسول الله يأمرك أن ترجعي، قالت: ولم؟ وقد بلغني أنه مُثِّل بأخي وذلك في الله فما أرضانا بما كان من ذلك، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله، فجاء الزبير، فأخبره بذلك، فقال: "خل سبيلها"، فأتته، فنظرت إليه، وصلت عليه، واسترجعت واستغفرت له، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فسجي ببردة ثم صلى عليه فكبر عليه سبعين ودفنه، ولما رجع إلى المدينة سمع البكاء والنواح على القتلى، فذرفت عيناه صلى الله عليه وسلم وبكى؛ ثم قال: "لكن حمزة لا بواكي له"، فجاء نساء بني عبد الأشهل لما سمعوا ذلك، فبكين على عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن على باب المسجد؛ فلما سمعهن خرج إليهن فقال: "ارجعن يرحمكن الله؛ فقد آسيتن بأنفسكن".
وأما عمر بن زياد بن السكن فإنه قاتل حتى أثبتته الجراحة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أدنوه مني"، فأدنوه منه، فوسده قدمه، فمات وخده على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنه.
وأما عمرو بن ثابت بن وقش فإنه كان يأبى الإسلام فلما كان يوم أحدا بدا له في الإسلام فأسلم وأخذ سيفه فغدا حتى دخل في عرض المسلمين فقاتل حتى أثبتته الجراحة فرآه المسلمون بين القتلى، فقالوا: ما جاء بك يا عمرو أحرب على قومك أم رغبة في الإسلام؟ قال: بل رغبة في الإسلام آمنت بالله ورسوله وأسلمت ثم أخذت سيفي فغدوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتلت حتى أصابني ما أصابني ثم مات في أيديهم فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إنه لمن أهل الجنة"، وكان أبو هريرة يقول: حدثوني عن رجل دخل الجنة ولم يصل قط، فإذا لم تعرفه الناس قال: هو عمرو بن ثابت.
وأما أبو ثابت بن وقش والحسيل وهو اليمان أبو حذيفة فإنهما كانا شيخين كبيرين ارتفعا في الآطام مع النساء والصبيان لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد، فقال أحدهما لصاحبه: لا أبا لك ما تنتظر؟ فوالله إنما نحن عامة اليوم أو غد أفلا نحني أسيافنا ونلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم لعل الله يزرقنا الشهادة معه؟ فأخذا أسيافهما وخرجا حتى دخلا في الناس فقاتلا حتى قتلا.
وأما حنظلة ابن أبي عامر فإنه لما قتله المشركون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن صاحبكم لتغسله الملائكة فسألوا أهله: ما شأنه؟ " فسئلت صاحبته عنه فقالت: خرج وهو جنب حين سمع النداء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لذلك غسلته الملائكة".
وأما أنس بن النضر فإنه جاء إلى المهاجرين والأنصار وقد ألقوا ما بأيديهم فقال: ما يجلسكم؟، قالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الشيطان قد نادي بذلك، وفقده المسلمون؛ لاختلاطهم فلم يعرفوه فقال لهم أنس: فما تصنعون بالحياة بعده؛ قوموا فموتوا على ما
مات عليه ثم قال: إني أجد ريح الجنة دون أحد، فمضى فاستقبل المشركين وقاتل حتى قتل، ولما وجدوه في القتلى ما عرفوه حتى عرفته أخته بشامة أو بنانة وفيه بضع وثمانون طعنة وضربة ورمية بسهم.
وأما سعد بن الربيع فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هل من رجل ينظر إلى ما فعل سعد بن الربيع في الأحياء هو أم الأموات؟ " فقال رجل من الأنصار: أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل، فنظر فوجده جريحا في القتلى وبه رمق قال: فقلت له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أنظر في الأحياء أنت أم الأموات، قال: أنا في الأموات، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عني السلام، وقل: إن سعد بن الربيع يقول له: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: لا عذر لكم عند الله أن يخلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف، قال: لم أبرح حتى مات، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته.
وأما عبد الله بن عمرو بن حرام فإنه روى البخاري في الصحيح أن ابنه جابرا قال: لما قتل أبي جعلت أبكي وأكشف الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينهوني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تبكه ما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها حتى رفعتموه".
وأما عمرو بن الجموح فإنه كان أعرج شديد العرج، وكان له بنون أربعة مثل الأسد يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه، وقالوا: إن الله قد عذرك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه؛ فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك"، وقال لبنيه:"ما عليكم ألا تمنعوه لعل الله يرزقه الشهادة"، فخرج معه فقتل بأحد، وروى البخاري في الصحيح أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد: أرأيت إن قتلت أين أنا؟ قال: "في الجنة" فألقى تمرات في يده ثم قاتل حتى قتل، وروى البخاري أيضا من حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجمع بني الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول:"أيهم أكثر أخذًا للقرآن" فإذا أشير له إلى أحد قدمه في اللحد، وقال:"أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة" وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلوا. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من جريح يجرح في الله إلا والله يبعثه يوم القيامة وجرحه يدمى، اللون لون دم والريح ريح مسك"، وروى البخاري في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أريت في رؤياي أني هززت سيفي فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان فإذا هو ما جاء الله به يوم الفتح واجتماع المؤمنين"، قال ابن إسحاق: وأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم من القرآن في يوم أحد ستين آية، من آل عمران فيها صفة
ما كان من يومهم ذلك، وهي من قوله تعالى:{وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} إلى قوله: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ} [آل عمران: 121-179] إلى آخر الآية.
وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لما أصيب أخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طيور خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأتي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا؛ لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا يلتووا عن الحرب، فقال الله تبارك وتعالى: فأنا أبلغهم"، فأنزل الله على رسوله:{وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} [آل عمران: 169]
…
الآيات.
وروى البخاري في الصحيح عن عقبة بن عامر: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات ثم طلع المنبر، فقال:"إني بين أيديكم فرط وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها"، قال: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروى أبو داود في سننه من حديث طلحة بن عبيد الله قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نريد قبور الشهداء حتى إذا أشرفنا على حرة واقم1 فلما تدلينا منها فإذا قبور، فقلنا: يا رسول الله، أقبور إخواننا هذه؟ قال:"قبور أصحابنا"، فلما جئنا قبور الشهداء قال:"هذه قبور إخواننا".
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قتلى أحد: "هؤلاء شهداء؛ فأتوهم وسلموا عليهم ولن يسلم عليهم أحد ما قامت السموات والأرض إلا ردوا عليه".
وروى جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جده: أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تختلف بين اليومين والثلاثة إلى قبور الشهداء بأحد، فتصلي هناك وتدعو وتبكي حتى ماتت رضي الله عنها.
وروى العطاف بن خالد قال: حدثتني خالة لي وكانت من العوابد قالت: ركبت يوما حتى جئت قبر حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، فصليت ما شاء الله، والله ما في الوادي داعٍ ولا مجيب وغلامي آخذ برأس دابتي، فلما فرغت من صلاتي قمت فقلت: السلام عليكم، وأشرت بيدي فسمعت رد السلام من تحت الأرض أعرفه كما أعرف أن الله سبحانه خلقني، فاقشعر جلدي وكل شعرة مني، فدعوت الغلام وركبت.
1 هي حرة مشهورة من حرار المدينة.