الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكتب مروان لعبد الملك كتابا بالقدوم إلى مكة لإقامة الحج والناس؛ فسار في نفر قليل، فخرج عليه بعض العرب، فقتلوه بعد أن أظهر لهم كتاب مروان بتأميره على الحج؛ فلم يقبلوا ذلك منه، وقالوا له ولمن معه: إنما أنتم لصوص1.
وولي مكة لمروان: الوليد بن عروة السعدي ابن أخي عبد الملك على ما ذكر ابن جرير2، وذكر أنه كان على مكة في سنة إحدى وثلاثين ومائة، وعلى الطائف والمدينة من قبل عمه، وهذا لا يعارض ما سبق من أن عمه، قتل في سنة ثلاثين لإمكان أن يكون كتب إليه من اليمن بولاية ذلك، وأقره مروان على ذلك بعد قتل عمه، والله أعلم.
وذكر ابن الأثير ما يقتضي أن محمد بن عبد الملك بن مروان كان يلي مكة والمدينة والطائف في سنة ثلاثين ومائة، وأنه حج بالناس فيها3، ولم أر في مختصر تاريخ ابن جرير ولايته لذلك؛ وإنما فيه أنه حج بالناس في سنة ثلاثين ومائة4، على أن النسخة التي رأيت فيها ذلك من تاريخ ابن الأثير لا تخلو من سقم، والله أعلم بالصواب.
ورأيت في نسخة من تاريخ ابن الأثير اضطرابا في اسم ابن أخي عبد الملك الذي ولي مكة، كما سبق ذكره، هل هو الوليد بن عروة5 أو هو عروة بن الوليد؟ والصواب: الوليد، كما ذكر ابن جرير والعتيقي في "أمراء الموسم"، والله أعلم.
1 العقد الثمين 7/ 158، إتحاف الورى 2/ 163.
2 تاريخ الطبري 7/ 411، الكامل لابن الأثير 5/ 402، إتحاف الورى 2/ 165، العقد الثمين 5/ 512.
3 الكامل لابن الأثير 5/ 393.
4 تاريخ الطبري 7/ 410.
5 الكامل لابن الأثير 5/ 394، تاريخ خليفه "ص: 398".
الدولة العباسية:
ثم ولي مكة في خلافة أبي العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، أول خلفاء بني العباس: عمه داود بن علي بن عبد الله العباس، في سنة اثنين وثلاثين ومائة، وولاه مع مكة: المدينة واليمن، واليمامة1، ودامت ولايته حتى مات في سنة ثلاث وثلاثين في ربيع الأول بالمدينة، بعد أن قتل من ظفر به بني أمية بمكة والمدينة2.
1 اليمامة: منطقة في نجد بينها وبين البحرين عشرة أيام، وبها كانت منازل طسم، وجدس، وبها كانت دعوة مسيلة الكذب، وفتحها خالد بن الوليد في زمن أبي بكر الصديق، وبها قتل مسيلمة الكذاب، وعادت إلى الإسلام، ويقال: إنها كانت من مخاليف مكة -أي محلقاتها- وكان يضم إلى حكام مكة حكم اليمامة.
2 تاريخ خليفة "ص: 410"، الكامل لابن الأثير 5/ 445، إتحاف الورى 2/ 170.
ثم ولي مكة بعد داود: زياد بن عبد الله بن عبد المدان الحارثي، خال السفاح، مع الطائف، والمدينة، واليمامة، ودامت ولايته إلى سنة ست وثلاثين ومائة، على ما يقتضيه كلام ابن الأثير1.
ثم ولي مكة بعده: العباس بن عبد الله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، في سنة ست وثلاثين ومائة للسفاح، على ما ذكر ابن الأثير2، وذكر ما يقتضي أن ولايته دامت على مكة حتى مات السفاح، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- ذلك. وذكر ابن حزم أنه ولي مكة للسفاح وقال: كان رجلا صالحا3
…
انتهى.
وممن ولي مكة للسفاح: عمر بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوي4، على ما ذكر ابن حزم في "الجمهرة"؛ وذلك غير ملائم لما ذكره ابن الأثير5، من كون زياد بن عبيد الله الحارثي دامت ولايته على مكة إلى سنة ست وثلاثين، وأن العباس بن عبد الله بن معبد وليها بعده حتى مات السفاح، والله أعلم.
ثم ولي مكة في خلافة المنصور أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس أخي السفاح: العباس بن عبد الله بن معبد المذكور؛ لأن ابن الأثير قال في أخبار سنة سبع وثلاثين: وعلى مكة العباس بن عبد الله بن معبد، ومات العباس بعد انقضاء الموسم6.
ثم ولي مكة بعده زياد بن عبيد الله الحارث المقدم ذكره، على ما ذكر ابن الأثير وغيره، مع المدينة، والطائف، ودامت ولايته إلى سنة إحدى وأربعين ومائة7، وهو الذي تولى للمنصور عمارة ما زاده في المسجد الحرام8.
ثم ولي مكة بعد عزل زياد: الهيثم بن معاوية العتكي الخراساني مع الطائف، في سنة إحدى وأربعين، ودامت ولايته إلى سنة ثلاث وأربعين9.
1 الكامل لابن الأثير 5/ 448، 449، إتحاف الورى 2/ 171.
2 الكامل لابن الأثير 5/ 463، 483، إتحاف الورى 2/ 171.
3 جمهرة أنساب العرب "ص: 18".
4 ولي علي الكوفة في عهد مروان بن محمد الأموي، وولي على اليمن في عهد أبي العباس "تاريخ خليفة ص: 406، 413".
5 الكامل لابن الأثير 5/ 486.
6 الكامل لابن الأثير 5/ 483.
7 الكامل لابن الأثير 5/ 483-501، أخبار مكة للفاكهي 3/ 174.
8 أخبار مكة للأزرقي 1/ 313.
9 الكامل لابن الأثير 5/ 507، 512، إتحاف الورى 2/ 179، أخبار مكة للفاكهي 3/ 174، العقد الفريد 4/ 224.
ثم ولي مكة بعد عزله: السري بن عبد الله بن الحارث بن العباس بن عبد المطلب مع الطائف؛ فسار "السري" إلى مكة ودامت ولايته عليها إلى سنة خمس وأربعين ومائة.
ثم ولي مكة بعده بالتغلب محمد بن الحسن بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب القرشي الهاشمي الجعفري؛ لأن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الملقب بالنفس الزكية لما ثار في سنة خمسة وأربعين بالمدينة، وغلب عليها، استعمل محمدًا هذا على مكة، والقاسم بن إسحاق على اليمن، فسار إلى مكة، فخرج محمد إليها السري بن عبد الله المقدم ذكره، فلقيهما ببطن أذاخر1 فهزماه، ودخل محمد مكة وقام بها يسيرا، فأتاه كتاب محمد بن عبد الله بن الحسن يأمره بالمسير إليه فيمن معه، ويخبره بمسير عيسى بن موسى إليه لمحاربته، فسار إليه من مكة هو القاسم، فبلغه بنواحي "قديد" قتل محمد النفس الزكية، فهرب هو وأصحابه وتفرقوا، فلحق محمد بن الحسن بن إبراهيم بن عبد الله أخي محمد بن عبد الله، فأقام عنده حتى قتل إبراهيم، ذكر هذا بالمعنى ابن الأثير2.
ورأيت في كتاب "النسب" للزبير بن بكار ما يقتضي أن الذي ولاه محمد بن عبد الله بن الحسن على مكة: حسن بن معاوية والد محمد بن حسن المقدم ذكره، والله أعلم بالصواب.
ثم ولي السري مكة، ودامت ولايته عليها إلى سنة ست وأربعين ومائة3.
ثم ولي مكة بعده: عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن العباس العباسي، عم المنصور والسفاح، وولي مع ذلك الطائف، ودامت ولايته إلى سنة تسع واربعين ومائة4، وقيل: إلى سنة خمسين5، وقيل: إنه كان على مكة في سنة سبع وخمسين6، وهذا إن صح فهو ولاية ثانية لعبد الصمد على مكة، والله أعلم.
ثم ولي مكة بعد عبد الصمد: محمد بن إبراهيم الإمام ابن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس العباسي، ودامت ولايته في غالب الظن إلى سنة ثمان وخمسين7.
ثم ولي مكة في خلافة المهدي، محمد بن المنصور العباسي: إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، مع الطائف، بوصية من المنصور8.
1 أذاخر: الثنية العليا لمكة؛ ولا يزال معروفا بهذا الاسم.
2 الكامل لابن الأثير 5/ 542، إتحاف الورى 2/ 186.
3 الكامل لابن الأثير 5/ 572، 576، إتحاف الورى 2/ 187.
4 الكامل لابن الأثير 5/ 590، إتحاف الورى 2/ 187.
5 الكامل لابن الأثير 5/ 594.
6 الكامل لابن الأثير 6/ 13.
7 الكامل لابن الأثير 6/ 35، إتحاف الورى 2/ 190، مروج الذهب 4/ 402.
8 الكامل لابن الأثير 6/ 36، إتحاف الورى 2/ 193.
ثم ولي مكة: جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس العباس مع الطائف، وكان على ذلك في سنة إحدى وستين1، وفي سنة ثلاث وستين كان على المدينة2 في هذه السنة.
ثم ولي مكة عبيد الله3 بن قثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب مع الطائف، وكان واليا لذلك في سنة ست وستين، وفي سنة تسع وستين4.
وممن ولي مكة في خلافة المهدي: محمد بن إبراهيم الإمام العباسي المقدم ذكره، ذكر ولايته على مكة للمهدي: الفاكهي.
وممن ولي مكة في خلافة المهدي -فيما أظن والله أعلم: قثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، والد عبيد الله المذكور؛ لأن ابن حزم قال في "الجمهرة" لما ذكر أولاد عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب فمن ولده: قثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب ولي مكة واليمامة، وابنه عبيد الله5 بن قثم ولي مكة للرشيد6
…
انتهى.
وإنما ظننا أن ولاية "قثم" في خلافة المهدي؛ لأن ابن الأثير ذكر في كل سنة من خلافة السفاح والمنصور من كان والي مكة، ولم يذكر ولاية قثم هذا في سنة من سنتين خلافة العباس والمنصور.
وذكر ابن الأثير أيضا ولاة مكة في زمن الرشيد، في ترجمته ترجم عليها بقوله: ذكر ولاة مكة7، وسردهم كما سيأتي ذكره، ولم يذكر قثم المذكور، فغلب على الظن أنه ولي مكة في خلافة المهدي؛ لأنه لم يذكر في كل سنة من خلافته من ولي فيها مكة؛ وإنما ذكر ذلك في بعض السنين ولم يذكر ولاتها في خلافته جملة، كما ذكرها جملة في خلافة الرشيد، ويحتمل أن يكون وليها في خلافة المهدي قبل ابنه عبيد الله بن قثم أو بعده، والله أعلم.
ثم ولي مكة في خلافة الهادي موسى بن المهدي العباس: عبيد الله بن قثم بن العباس المقدم ذكره، على مقتضى ما ذكر ابن جرير؛ لأنه قال في أخبار سنة تسع
1 الكامل لابن الأثير 6/ 56، إتحاف الورى 2/ 206، تاريخ الطبري 9/ 341.
2 كان جعفر بن سليمان واليا على مكة والمدينة والطائف واليمامة، الكامل لابن الأثير 6/.
3 جمرة أنساب العرب لابن حزم "ص19"، الكامل لابن الأثير 6/ 73.
4 الكامل لابن الأثير 6/ 94، إتحاف الورى 2/ 216، تاريخ الطبري 8/ 10.
5 الرحلة الحجازية "ص: 83"، إتحاف الورى 2/ 216.
6 جمهرة أنساب العرب "ص: 19".
7 الكامل لابن الأثير 6/ 214.
وستين وهي السنة التي في أولها أفضت الخلافة إلى الهادي، بعد أن ذكر من كان فيها علي ولاية المدينة وعلى مكة، والطائف عبيد الله بن قثم1
…
انتهى.
وولي مكة في خلافة الهادي بالتغلب: الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الحسني؛ لأنه ثار بالمدينة، وفتك بهم فيها من جماعة الهادي، ونهبوا بيت المال بالمدينة، وبويع على كتاب الله -تعالى- وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وخرج هو وأصحابه إلى مكة لست بقين من ذي القعدة سنة تسع وستين.
ولما بلغوا مكة أمر الحسين فنودي فيها: أيما عبد أتانا فهو حر؛ فأتاه العبيد. وكان الهادي لما انتهى إليه خبره كتب إلى محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن رجال من أهل بيته، ومعه خيل وسلاح، فقدموا مكة وطافوا وسعوا وحلوا من العمرة، وعسكروا بذي طوى، وانضم إليهم من حج من شيعتهم ومواليهم وقوادهم، والتقوا مع الحسين وأصحابه؛ فقتل الحسين في أزيد من مائة من أصحابه، وانهزم بعضهم إلى مصر وغيرها، وكانت القتال في يوم التروية بفخ، ظاهر مكة2. وقبر الحسين هذا معروف إلى الآن في قبة تكون على يمين الداخل إلى مكة، ويسار الخارج منها، بقرب الموضع المعروف بالزاهر، وحمل رأسه بعد قتله إلى الهادي؛ فلم يعجبه ذلك وقال: كأنكم قد جئتم برأس طاغوت من الطواغيت، إن أقل ما أجزيكم أن أحرمكم جوائزكم، فلم يعطهم شيئا.
وكان الحسين شجاعا كريما، قدم على المهدي فأعطاه أربعين آلاف دينار، ففرقها في الناس ببغداد، والكوفة، وخرج من الكوفة لا يملك ما يلبسه إلا فروة ما تحتها قميص؛ فالله -تعالى- يرحمه ويغفر له.
وممن ولي مكة في خلافة الهادي أو الخلافة أخيه الرشيد: محمد بن عبد الرحمن السفياني، وولايته لأمر مكة ذكرها الفاكهي؛ لأنه قال: وكان ممن ولي مكة بعد ذلك محمد بن عبد الرحمن السفياني، كان على قضاء مكة وإمارتها
…
انتهى.
وذكر الزبير بن بكار أن الهادي استقصاه على مكة، وأن الرشيد أقره حتى صرفه المأمون، فولاه قضاء بغداد شهرا ثم صرفه3
…
انتهى. ولعل محمد بن عبد الرحمن السفياني هذا ولي إمرة مكة مع قضائها في زمن الأخوين: الهادي والرشيد، أو في زمن أحدهما، والله أعلم.
1 تاريخ الطبري 8/ 204.
2 تاريخ الطبري 8/ 192-203.
3 نسب قريش "ص: 338".
ثم ولي مكة في خلافة الرشيد هارون بن المهدي العباسي جماعة، ذكرهم ابن الأثير من غير ترتيب في الأسماء ولا في الولاية، ولا رفع في أنسابهم، ونحن نذكرهم مرتبين في الأسماء، ونوضح في أنسابهم ما لم يوضحه ابن الأثير وهم: أحمد بن إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس، وحماد البربري، وسليمان بن جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، والعباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، والعباس بن محمد بن إبراهيم الإمام، وعبد الله بن محمد بن عمران بن إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله التيمي، وعبيد الله بن قثم بن العباس المقدم ذكره، وعبيد الله بن محمد بن إبراهيم الإمام وعلي بن موسى بن عيسى أخو العباس، والفضل بن العباس بن محمد بن عبد الله بن عباس، ومحمد بن إبراهيم الإمام، ومحمد بن عبد اللهبن سعيد بن المغيرة بن عمرو بن عثمان بن عفان العثماني، وموسى بن عيسى بن موسى بن محمد بنعلي والد العباس وعلى المقدم ذكرهما1.
ولم يذكر ابن الأثير في تاريخه ولاية ولاة مكة الذين ذكرهم، إلا ولاية عبيد الله بن قثم؛ ذكر أنه كان على مكة سنة سبعين2؛ وإلا ولاية حماد البربري، والفضل بن العباس، وتاريخ ولاية حماد سنة أربع وثمانين3، وتاريخ ولاية الفضل سنة إحدى وتسعين4، وذكر أن الرشيد ولى حمادا اليمن مع مكة.
ورأيت في تاريخ ابن جرير5 وابن كثير6 ما يقتضي أن ولاية محمد بن إبراهيم الإمام في خلافة الرشيد سنة ثمان وسبعين ومائة.
ورأيت في "أخبار مكة" للفاكهي ما يقتضي أن العثماني كان واليا على مكة للرشيد سنة ست وثمانين، وأن ولاية سليمان بن جعفر بن سليمان لمكة في هذه السنة بعد عزل العثماني.
وولي مكة في خلافة الأمين محمد بن هارون الرشيد العباسي7: داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، العباسي، وكان على مكة في سنة ثلاث وتسعين8، ودامت ولايته إلى انقضاء خلافة الأمين.
1 الكامل لابن الأثير 6/ 214.
2 الكامل لابن الأثير 6/ 109.
3 الكامل لابن الأثير 6/ 166.
4 الكامل لابن الأثير 6/ 206، إتحاف الورى 2/ 247، درر الفرائد "ص 223"، المحبر "ص: 39".
5 تاريخ الطبري 8/ 260.
6 البداية والنهاية 10/ 173.
7 كانت خلافة خمسة أعوام، بدأت بوفاة والده عام 193هـ، وامتدت حتى مقتله عام 198هـ.
8 الكامل لابن الأثير 6/ 226، إتحاف الورى 2/ 248، المحبر "ص: 39"، درر الفرائد "ص: 223".
وولي للأمين المدينة أيضا، وهو الذي تولى خلع الأمين بمكة سنة ست وتسعين1.
وولي مكة في خلافة المأمون عبد الله بن هارون الرشيد العباسي2: داود بن عيسى المذكور؛ لأنه لما خلع الأمين في رجب سنة ست وتسعين لنقضه العهد الذي كان عهده الرشيد بينه وبينأخيه المأمون، بايع للمأمون بالحرمين، وسار إلى المأمون حتى أعلمه بذلك، وتبصر به المأمون وتيمن ببركة مكة والمدينة، واستعمل عليهما داود، وأضاف إليه ولاية عك، وأعطاه خمسمائة ألف درهم معونة له، وسار إلى مكة، ودامت ولايته عليها إلى أن كان وقت الوقوف من سنة تسع وتسعين ومائة، ثم فارق مكة متخوفا من الحسين بن الحسن بن علي بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف بالأفطس مع قدرة داود على الدفع والقتال3.
وولي مكة بعد خروج داود منها: الحسين الأفطس المذكور بالتغلب؛ لأن أبا السرايا السري بن منصور الشيباني داعية ابن طباطبا بعد استيلائه على الكوفة، وضربه بها الدراهم، وبعثه الجيوش إلى البصرة وواسط ونواحيها، ولي الحسين -المذكور- مكة وجعل إليه الموسم، ووجه أبو السرايا أيضا واليا على المدينة، وواليا على اليمن، ولما بلغ داود بن عيسى توجيه أبي السرايا للحسين فارق مكة هو ومن بها من شيعة بني العباس وقت الحج.
وكان الحسين حين بلغ سرف4 تخوف من دخول مكة، حتى بلغه خلوها من ابن العباس؛ فدخلها في عشرة أنفس، فطافوا بالبيت وسعوا بين الصفا والمروة، ومضوا إلى عرفة فوقفوا ليلا، ثم رجعوا إلى مزدلفة، فصلى حسين بالناس الصبح، وأقام بمنى أيام الحج، ثم صار إلى مكة.
فلما كان مستهل المحرم من سنة مائتين نزع الحسين كسوة الكعبة، وكساها الكسوة التي أنفذها معه أبو السرايا، وكانت كسوتين من قز رقيق، إحداهما صفراء، والأخرى بيضاء.
وأخذ ما في خزانة الكعبة، فقسمه مع كسوتها على أصحابه، وهرب الناس من مكة؛ لأن أصحاب الحسين كانوا يأخذون أموال الناس بحجة أنها ودائع لبني
1 الكامل لابن الأثير 6/ 226، إتحاف الورى 2/ 206.
2 امتدت خلافة المأمون عشرين عاما من عام 198هـ- وهو العام الذي قتل فيه أخوه- حتى عام 218هـ، وكان قائد الجيش للمأمون طارق بن الحسين، وهو الذي تولى قتل الأمين.
3 الكامل لابن الأثير 6/ 307، إتحاف الورى 2/ 257.
4 سرف: موضع معروف بقرب مكة، وفيه توفيت السيدة ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم.
العباس، ودامت ولاية الحسين على مكة إلى أن بلغه قتل أبي السرايا في سنة مائتين1.
وذكر العتيقي في "أمراء الموسم" ما يقتضي أن الحسن الأفطس ولي مكة قبل التروية؛ لأنه قال: وكان أمير الموسم سنة تسع وتسعين محمد بن داود بن عيسى بن موسى؛ فلما كان بمنى قبل التروية بيوم، وثب ابن الأفطس العلوي بمكة، وغلب عليها، وصار إلى منى؛ فتنحى عنه محمد بن داود، ولم يمض إلى عرفة، ومضى الناس أإلى عرفات بغير إمام، ودفعوا بغير إمام، وأقام الأفطس الموقف ليلا؛ فوقف، ثم صار إلى المزدلفة، فصلى بالناس صلاة الفجر، ووقف بهم عند المشعر، ودفع بهم غداة جمع، وصار إلى منى
…
انتهى.
وإنما ذكرنا ما ذكر العتيقي لمخالفته ما ذكرناه قبل في وقت استيلاء الحسين على مكة؛ فإن الذي ذكرناه قبل يقتضيانه لم يدخله مكة إلا ليلة عرفة، والله أعلم.
ثم ولي مكة بعد الأطلس: محمد بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الملقب بالديباجة، لجمال وجهه؛ وسبب ذلك: أن حسينا الأفطس لما بلغه قتل أبي السرايا، رأى أن الناس تغيروا عليه لقبح سيرته وسيرة أصحابه؛ فأتى هو وأصحابه إلى محمد بن جعفر المذكور، وسألوه في المبايعة به بالخلافة؛ فكره محمد ذلك، فاستعانوا عليه باتبنه علي، ولم يزالوا به حتى بايعوه بالخلافة في ربيع ألأول سنة مائتين، وجمعوا الناس على بيعته طوعا وكرها، وسموا أمير المؤمنين، فبقي شهورا ليس له من الأمر شي، وابنه علي وحسين الأفطس وجماعتهم على أقبح سيرة، ولم يلبثوا إلا يسيرا حتى قدم إسحاق بن موسى العباسي من اليمن فارا من إبراهيم بن موسى بن جعفر، فنزل المشاش، واجتمع إليه جماعة من أهل مكة هربوا من العلويين، واجتمع الطالبيون إلى محمد بن جعفرا، وجمعوا الناس من الأعراب وغيرهم، وحفروا خندقا؛ فقالتهم إسحاق، ثم كره القتال؛ فسار نحو العراق فلقيه الجند الذي أنفذهم هرثمة إلى مكة، وكان فيهم الجلودي، وورقاء بن جميل، فقال لإسحاق: ارجع معنا، ونحن نكفيك القتال، فرجع معهم ولقيهم الطالبيون ببئر ميمون، وكان قد اجتمع إلى محمد غوغاء أهل مكة وسودان البادية والأعراب، فالتقى الفريقان، فقتل جماع، ثم تحاجزوا، ثم التقوا من الغد، فانهزم العلويون ومن معهم، وطلب الديباجة الأمان، فأجلوه ثلاثا، ثم نزح عن مكة، وتفرق كل قوم من الطالبين من ناحية، ودخل العباسيون مكة في جمادى الآخرة سنة مائتين، وتوجه ممج بن جعفر نحو بلاد
1 الكامل لابن الأثير 6/ 306-311، إتحاف الورى 2/ 262.
جهينة، فجمع بها، وقاتل والي المدينة هارون بن المسيب عند الشجرة1 وغيرها مرات، وانهز محمد بن جعفر بعد أن فقئت عينه بنشابة، وقتل من أصحابه خلق كثير، ورجع إلى موضعه، ثم طلب الأمان من "الجلودي" ومن ورقاء؛ فأمناه، وضمن له ورقا عن المأمون وعن الفضل2 الأمان، فقبل والي مكة لعشر بقين من ذي الحجة سنة مائتين؛ فصعد به "الجلودي" المنبر بمكة والجلودي فوقه في المنبر، وعليه قباء أسود، فاعتذر من خروجه، بأنه بلغه موت المأمون، وقد صح عنده الآن حياته، وخلع نفسه واستغفر، ثم سار إلى العراق حتى بلغ المأمون بمرو، فعفا عنه، وبقي قليلا، ثم مات فجأة بجرجان؛ فصلى عليه المأمون، ونزل في لحده وقال: هذه رحم قطعت من سنين، وكان موته في شعبان سنة ثلاث ومائتين، وسبب موته -على ما قبل- أنه جامع ودخل الحمام وافتصد في يوم واحد3.
وولي مكة في خلافة المأمون بعد هزيمة الطالبيين: عيسى بن يزيد الجلودي؛ لأن في خبر الديباجة الذي حكاه الذهبي في "تاريخ الإسلام" أن عيسى الجلودي لما خرج بالديباجة إلى العراق استخلف على مكة ابنة محمدا
…
انتهى بالمعنى.
وذكر ابن حزم في "الجمهرة"4 ما يدل لولاية الجلودي على مكة؛ لأنه ذكر أن يزيد بن محمد بن حنظلة المخزومي، استخلفه عيسى بن يزيد الجلودي على مكة؛ فدخلها عنوة إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، وقتل يزيد بن محمد
…
انتهى.
فاستفدنا من هذا ولاية الجلودي على مكة، ونيابة ابن حنظلة له وقتله، وكان قتله في سنة اثنتين ومائتين، وإن كان إبراهيم بن موسى المذكور واليا على مكة في هذه السنة، كما سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى، والله أعلم5.
وولي مكة بعد عزل الجلودي: هارون بن المسيب؛ لأني نقلت من كتاب "مقاتل الطالبيين"، عن أبي العباس أحمد بن عبد الله بن عمار الثقفي، فيما رواه من كتاب هارون بن عبد الملك الزيات، قال: حدثني أبو جعفر محمد بن عبد الواحد بن
1 الشجرة: مكان قرب المدينة المنوة كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرم منه إذا أراد الحج أو العمرة، وهي غير شجرة البيعة المذكورة في القرآن الكريم؛ فإن هذه الشجرة في الحديبية قريبا من مكة المكرمة في الطريق إلى جدة.
2 هو الفضل بن سهل وزير الخليفة العباسي "المأمون بن هارون الرشيد".
3 تاريخ الطبري 8/ 539، الكامل لابن الأثير 6/ 312، 313، الوافي بالوفيات 2/ 191، شذرات الذهب 2/ 7، إتحاف الورى 2/ 266.
4 جمهرة أنساب العرب "ص: 143".
5 تاريخ الطبري.
النصر بن القاسم مولى عبد الصمد بن علي: أن عيسى بن يزيد الجلودي أقام بمكة وهي مستقيمة له والمدينة، حتى قدوم هارون بن المسيب واليا على الحرمين؛ فبدأ بمكة، فصرف الجلودي عنها، وحج بالناس وانصرف إلى المدينة فأقام سنة
…
انتهى.
وولي مكة للمأمون: حمدون بن علي بن عيسى بن ماهان، على ما ذكر الأزرقي1؛ لأنه في أخبار سيولة مكة: وجاء سيل في سنة اثنتين ومائتين، في خلافة المأمون، وعلى مكة يزيد بن محمد بن حنظلة2 خليفة لحمدون بن علي بن عيسى بن ماهان
…
انتهى.
ولا تعارض بين ما ذكره ابن حزم من ولاية حنظلة للجلودي، وبين ما ذكره الأزرقي من ولاية ابن حنظلة لابن ماهان؛ لإمكان أن يكون وليها للجلودي ولابن ماهان، الله أعلم.
ولا معارضة أيضا بين ما ذكره الذهبي من ولاية محمد بن الجلودي، على مكة لأبيه، وبين ما ذكره ابن حزم من ولاية حنظلة على مكة للجلودي؛ لإمكان أن يكون الجلودي ولي مكة لابنه ولابن حنظلة، والله أعلم.
وولي مكة للمأمون: إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، هكذا نسبه العتيقي، وذكر أنه حج بالناس سنة اثنتين ومائيتن، وهو أمير مكة للمأمون، وأخوه علي بن عيسى الرضا ولي عهد المأمون3
…
انتهى.
ولا معارضة بين ما ذكره العتيقي من أن إبراهيم من أن إبراهيم كان على مكة في سنة اثنتين ومائتين، وبين ما ذكره الأزرقي من أن ابن حنظلة كان على مكة في سنة اثنتين ومائتين خليفة لحمدون بن علي4، لإمكان أن يكون "حمدون" كان على مكة في أول سنة اثنتين ومائتين، وإبراهيم كان على مكة في آخر هذه السنة5، والله أعلم.
وولي مكة للمأمون: عبيد الله بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب، مع المدينة، في سنة أربع ومائتين، وكان على مكة والمدينة أيضا في سنة خمس، وسنة ست ومائتين6، ولعل ولايته دامت إلى سنة تسع.
1 أخبار مكة للأزرقي 1/ 226، إتحاف الورى 2/ 278.
2 أخبار مكة للأزرقي 2/ 170.
3 الكامل لابن الأثير 6/ 309-313.
4 أخبار مكة للأزرقي 1/ 226، إتحاف الورى 2/ 279.
5 أو أن إبراهيم كان متغلبا لا متوليا من قبل خليفة.
6 الكامل لابن الأثير 2/ 280، إتحاف الورى 2/ 280، البداية والنهاية 10/ 25.
ثم ولي مكة: صالح بن العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس العباسي في سنة عشرة ومائتين1، ودامت -ولايته -فيما أظن- إلى أن حج بالناس في سنة اثنتي عشرة ومائتين، والله أعلم.
ثم وليها بعده -فيما أظن- سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس العباسي؛ لأن يعقوب بن سفيان ذكر أنه ولي مكة والمدينة سنة أربع عشرة ومائتين، وكان ابنه علي مكة مرة، وعلى المدينة مرة، وكان هو وأبوه يتداولان العمل على المدينة ومكة2
…
انتهى.
وولي مكة في خلافة المأمون: محمد بن سليمان المذكور؛ لأن الأزرقي قال في الترجمة التي ترجم عليها بقوله: "ما جاء في أول من استصبح حول الكعبة": فلم يزل مصباح زمزم على عمود طويل مقابل الركن الأسود الذي وضعه خالد القسري؛ فلما كان محمد بن سليمان بن مكة في خلافة المأمون في سنة ست عشرة ومائتين وضع عمودا طويلا مقابله بحذاء الركن الغربي3
…
انتهى.
والظاهر أنه ابن سليمان بن المذكور لقرب ولايتهما، ولتأخر ولاية محمد بن سليمان الزيني على مكة؛ فإنه لم يليها إلا في آخر خلافة المتوكل فيما علمت، ولا هو محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس الذي أمره الهادي على حرب الحسين صاحب فخ؛ لكونه مات سنة ثلاث وسبعين ومائة، على ما ذكره المسيحي وغيره، والله أعلم.
وممن ولي مكة للمأمون: عبيد الله بن عبد الله بن حسن بن جعفر بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، ذكر ولايته عليها الزبير بن بكار، أفادني ذلك بعض أصحابنا المعتمدين.
وممن ولي مكة للمأمون: الحسن بن سهل أخو الفضل بن سهل؛ إلا أنه لم يباشر ذلك بنفسه، وإنما عقدت له عليها الولاية؛ لأن المأمون في سنة ثمان وتسعين بعد أن قتل الأمين استعمل الحسن بن سهل على كل ما افتتحه طاهر بن الحسين، من كور الجبال، والعراق، وفارس، والأهواز، والحجاز، واليمن، على ما ذكر ابن الأثير4 وغيره.
1 يجعل صاحب مرآة الحرمين، وصاحب الرحلة الحجازية "ص 83" أن بدء ولايته كان عام "218هـ"، وجعلها ابن فهد سنة "210هـ"، انظر إتحاف الورى 2/ 284.
2 المعرفة والتاريخ 1/ 199، 200، إتحاف الورى 2/ 287.
3 أخبار مكة للأزرقي 1/ 287، إتحاف الورى 2/ 288.
4 الكامل لابن الأثير 6/ 297.
وولي مكة في خلافة المعتصم محمد بن هارون الرشيد العباسي: صالح بن العباس المذكور، وكان على مكة في سنة تسع عشر ومائتين1، على ما ذكره الفاكهي.
ثم وليها: محمد بن داود عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس العباسي الملقب ترنجة، في سنة اثنين وعشرين ومائتين2، ولعل ولايته دامت إلى أثناء خلافة المتوكل، والله أعلم.
وممن ولي مكة في خلافة المعتصم: أشناس التركي أحد كبار قواد المعتصم؛ لأن ابن الأثير ذكر في أخبار سنة ست وعشرين ومائتين "أشناس" لما أراد الحج في هذه السنة جعل إليه المعتصم ولاية كل بلد يدخلها؛ فحج فيها، واستناب على الحج بالناس: محمد بن داود -يعني السابق ذكره- ودعى لأشناس على منابر الحرمين وغيرهما من البلاد التي اجتاز بها، حتى عاد إلى سامرا3
…
انتهى.
وذكر ابن الأثير أيضا أن "أشناس" هذا مات في سنة ثلاثين ومائتين4.
وولي مكة في خلافة المتوكل، أبي الفضل جعفر بن الواثق، هارون بن المعتصم: علي بن عيسى بن جعفر بن أبي جعفر المنصور العباسي سنة ثمان وثلاثين، ودامت ولايته إلى أن توفي سنة تسع وثلاثين؛ هكذا ذكر ابتداء ولايته وانتهاءها بوفاته: المسبحي في تاريخه، وذكر ابن الأثير ما يقتضي أنه لم يكن واليا على مكة سنة ثمان وثلاثين، والله أعلم.
وذكر ابن الأثير أيضا ولايته في سنة تسع وثلاثين5.
ثم ولي بعده عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى العباسي المقدم ذكر والده؛ وذلك في سنة تسع وثلاثين، على ما ذكر المسجي، وذكر أن عبد الله حج بالناس سنة تسع وثلاثين6، ودامت ولايته إلى آخر سنة إحدى وأربعين ومائتين، على متقضى ما ذكر ابن الأثير7.
1 تاريخ خليفة "ص: 476"، إتحاف الورى 2/ 289، المحبر "ص: 42"، درر الفرائد "ص: 226"، مروج الذهب 4/ 405.
2 تاريخ خليفة "ص: 476"، المحبر "ص: 42"، درر الفرائد "ص: 227".
3 الكامل لابن الأثير 6/ 521، المحبر "ص: 42"، مروج الذهب 4/ 405، إتحاف الورى 2/ 296.
4 الكامل لابن الأثير 7/ 18.
5 ذكر ابن الأثير 7/ 72 في سنة "237هـ" ولم يذكره في السنتين التاليتين، وذكره ابن فهد في سنة "237هـ" 8/ 313.
6 كلام ابن الأثير 7/ 72، وابن فهد 2/ 313، يفيد أنه كان واليا سنة "239هـ".
7 الكامل لابن الأثير 7/ 80.
وذكر ابن جرير ما يقتضي أنه كان على مكة في سنة اثنتين وأربعين ومائتين1.
ثم ولي مكة بعده عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام ابن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس العباسي سنة اثنتين وأربعين على ما ذكر ابن الأثير، وذكر ذلك ابن كثير، وذكر أنه حج بالناس سنة ثلاث وأربعين، وهو نائب مكة2 انتهى.
وولي مكة بعده محمد بن سليمان بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم الإمام المعروف بالزينبي، على ما ذكر ابن جرير؛ لأنه ذكر أنه حج بالناس سنة خمس وأربعين، وهو والي مكة3.
وولي مكة في خلافة المتوكي ابنه المنتصر محمد، الذي ولي الخلافة بعد أبيه؛ لأن أباه ولاه الحرمين، والطائف، واليمن، في رمضان ثلاث وثلاثين ومائتين، ثم عقد له على ذلك وغيره في سنة خمس وثلاثين4، وما أظنه باشر ولاية مكة، والله تعالى أعلم.
وممن ولي مكة في خلافة المتوكل: إيتاخ الخزري مولى المعتصم، وأحد كبار قواد المتوكل؛ لأن ابن الأثير ذكر في أخبار سنة أربع وثلاثين ومائتين: وضع على إيتاخ من حسن له الحج، فاستأذن فيه المتوكل، فأذن له وصيره أمير كل بلد يدخله، وخلع عليه، ثم قال: وقيل: إن هذه القضية كانت سنة ثلاث وثلاثين5.
ثم ذكر في أخبار سنة خمس وثلاثين، أنه لما عاد من الحج احتيل عليه حتى قبض عليه، ومات في جمادى الآخر من هذه السنة6.
وولي مكة في خلافة المنتصر محمد بن المتوكل المذكور: محمد بن سليمان الزينبي المقدم ذكره، فيما أظن، والله أعلم.
وولي مكة في خلافة المستعين أبي العباس أحمد بن المعتصم العباسي عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام -السابق ذكره- وكان على مكة في سنة تسع وأربعين، على ما ذكر ابن جرير وابن الأثير7.
1 لم يذكره الطبري في حوادي سنة "242هـ" وإنما ذكره في حوادث سنة "241هـ" وذكره ابن فهد 2/ 323 في حوادث سنة "242هـ".
2 البداية والنهاية 10/ 344، تاريخ الطبري 9/ 209.
3 الكامل لابن الأثير 7/ 43، إتحاف الورى 2/ 325، المحبر "ص: 43"، درر الفرائد "ص: 229".
4 الكامل لابن الأثير 7/ 47، إتحاف الورى 2/ 301.
5 الكامل لابن الأثير 7/ 43.
6 الكامل لابن الأثير 7/ 47.
7 تاريخ الطبري 9/ 265، الكامل لابن الأثير 7/ 125.
ثم وليها بعده: جعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى بن محمد وعلي بن عبد الله بن عباس العباسي المعروف بشاشان؛ وذلك في سنة خمسين ومائتين، ودامت ولايته إلى سنة إحدى وخمسين1.
ثم وليها بعده في هذه السنة بالتغلب: إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب؛ لأنه ظهر بمكة، وهرب منه عاملها جعفر المذكور، وقتل الجند وجماعة من أهل مكة ونهب منزل جعفر ومنازل أصحاب السلطان، وأخذ من الناس نحو مائتي ألف دينار، وأخذ كسوة الكعبة، وما في الكعبة، وخزائنها من الأموال، وما حمل من المال لإصلاح العين، ونهب مكة، وأحرق بعضها، ثم خرج منا بعد مقامه فيها خمسين يوما، في شهر ربيع الأول إلى المدينة؛ فتوارى عنه عاملها، ثم رجع إلى مكة في رجب، فحصرهم حتى مات أهلها جوعا وعطشا، وبلغ الخبر ثلاث أواق بدرهم، ولقي أهل مكة منه كل بلاء، ثم سار إلى جدة بعد أن أقام سبعة وخمسين يوما؛ فحبس عن الناس فأفسد فيه كثيرا، وكان من أمره بعرفة ما سنذكره بعد -إن شاء الله، وبعد انفصاله من الموقف بعرفة سار إلى جدة، وأفنى أموالها.
وما ذكرناه من خبره لخصناه بالمعنى من تاريخ ابن جرير وابن الأثير2، وفيه ما يقتضي أن ظهور إسماعيل بمكة كان في صفر من سنة إحدى وخمسين ومائتين؛ لأن فيه أنه خرج من مكة إلى المدينة في ربيع الأول بعد خمسين يوما، وذكر ابن حزم في "الجمهرة" ما يقتضي أنه ظهر بمكة في ربيع الأول، وذكر أنه مات في آخر سنة اثنتين وخمسين بالجدري، عن اثنين وعشرين سنة3.
وذكر المسعودي ما يقتضي أن ظهوره كان سنة اثنتين وخمسين4.
وولي مكة في خلافة المستعين: ابنه العباس؛ لأن المسعودي ذكر في أخبار سنة تسعه وأربعين ومائتين، أن المستعين: عقد لابنه العباس على مكة والمدينة والبصرة والكوفة، وعزم على البيعة له، فأخرها لصغر سنه
…
انتهى5 بالمعنى.
1 تاريخ الطبري 9/ 277، الكامل لابن الأثير 7/ 134، 165، إتحاف الورى 2/ 328، البداية والنهاية 11/ 6، مروج الذهب 4/ 406.
2 الكامل لابن الأثير 7/ 165، 166، تاريخ الطبري 9/ 346، 347، إتحاف الورى 2/ 1329، البداية والنهاية 11/ 9، العقد الفريد 3/ 312.
3 جمهرة أنساب العرب "ص: 46"، إتحاف الورى 2/ 331، العقد الفريد 3/ 313.
4 مروج الذهب 4/ 176، وفيه يسميه:"يوسف بن إسماعيل".
5 مروج الذهب 4/ 154.
وولي مكة في خلافة المستعين أيضا: محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين؛ لأن ابن الأثير ذكر في أخبار سنة ثمان وأربعين، أن المستعين عقد لمحمد بن عبد الله بن طاهر على العراق، وجعل إليه الحرمين، والشرطة، ومعادن السواد، وأفرده به1
…
انتهى.
وولي مكة في خلافة المعتز2 محمد، وقيل: طلحة، وقيل: الزبير بن المتوكل العباسي: عيسى بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الحميد بن عبد الله بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي، على ما ذكر ابن حزم3، وهكذا نسبه، وهو: عيسى بن محمد المخزومي الذي ذكر ابن الأثير أن المعتز أنفذه مع محمد بن العلوي، ولعل المعز ولي عيسى مكة في السنة التي بعثه فيها إلى مكة، وهي سنة إحدى وخمسين4 والله أعلم.
وما عرفت إلى متى دامت ولايته على مكة.
وذكر الفاكهي ولاية عيسى هذا لمكة، وأنه كان واليا عليها في سنة ثلاث وخمسين ومائتين، وفي سنة أربع وخمسين ومائتين، وذكر الفاكهي ما يقتضي أنه ولي مكة مرتين5.
وممن ولي مكة في خلافة المعتز، أو في خلافة المهتدي، محمد بن الواثق العباسي6 أو في خلافة المعتمد العباسي7: محمد بن أحمد المنصوري؛ هكذا رأيته مذكورا في كتاب الفاكهي؛ وذكر ما يدل لولايته على مكة؛ لأنه قال في الأوليات التي اتفقت بمكة: وأول من استصبح في المسجد الحرام في القناديل في الصحن: محمد بن أحمد المنصوري، جعل عمدا من خشب في وسط المسجد، وجعل بينهما جبالا، وجعل فيها قناديل يستصبح بها؛ فكان ذلك في ولايته، حتى عزل محمد بن أحمد، فعلقها عيسى بن محمد في إمارته الأخيرة
…
انتهى.
وذكر العتيقي: محمد بن أحمد هذا، ووقع خلاف في نسبه؛ لأنه قال: وحج بالناس سنة ثلاث وخمسين ومائتين: محمد بن أحمد بن عيسى بن المنصور يعرف
1 الكامل لابن الأثير 7/ 118.
2 كانت خلافة المعتز بن المتوكل ثلاث سنوات من "252-255 هـ".
3 جمهرة أنساب العرب "ص: 149".
4 أخبار مكة للفاكهي 3/ 240.
5 الكامل لابن الأثير 7/ 166، إتحاف الورى 2/ 330.
6 الكامل لابن الأثير، إتحاف الورى 2/ 330.
7 كانت خلافة المهتدي من "255 - 256 هـ".
بكعب البقر1، وقال بعد ذلك: وحج بالناس سنة ست وخمسين: محمد بن أحمد بن عيسى بن المنصور، وقال أيضا: وحج بالناس سنة سبع وخمسين ومائين: محمد بن أحمد بن عيسى بن المنصور كعب البقر
…
انتهى.
فاستفدنا مما ذكره العتيقي في نسبه وحجة بالناس في هذه السنين، ولعله كان في إحداها واليا على مكة، والله أعلم.
وما ذكرناه عن ابن الأثير من كون المعتز بعثه مع عيسى بن محمد المخزومي لحرب إسماعيل بن العلوي، يقتضي أنه محمد بن إسماعيل بن عيسى، ولعل إسماعيل تصحف بأحمد، فإن النسخة التي رأيت فيها ذلك من تاريخ ابن الأثير كثيرة السقم، والله أعلم.
وممن ولي مكة في خلافة المهتدي محمد بن الواثق العباسي: علي بن الحسن الهاشمي، على ما ذكر الفاكهي، ولم يزد في ذكره على اسمه واسم أبيه، وذكر في غير موضع أنه هاشمي؛ وذكر الفاكهي أنه ولي مكة في سنة ست وخمسين ومائتين، وذكر ما يقتضي أنه كان واليا على مكة في الحرم وصفر، وفي شهر ربيع الأول منها، وأنه في ولايته حلى المقام وزاد من عنده في حليته2.
وذكر في الأوليات بمكة أنه أول من فرق بين الرجال والنساء في جلوسهم في المسجد الحرام، أمر الجبال فربط بين الأساطين التي تقعد عندها النساء؛ فكن يقعدن دون الحبال، إذا جلس في المسجد الحرام، والرجال من وراء الحبال3
…
انتهى.
وولي مكة في خلافة المعتمد أحمد بن المتوكل العباسي جماعة؛ وهم: أخوه أبو أحمد الموفق، واسمه طلحة، وقيل: محمد بن المتوكل العباسي، وإبراهيم بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس العباسي الملقب برية، وأحمد بن طولون صاحب مصر، ومحمد بن أبي الساج، وأخوه يوسف بن أبي الساج، ومحمد بن عيسى بن محمد بن إسماعيل المخزومي أبو المغيرة ولد عيسى المقدم ذكره، وأبو عيسى محمد بن يحيى بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن عبد الوهاب بن إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس العباسي، والفضل بن العباسي بن الحسين بن إسماعيل بن محمد العباسي.
1 إتحاف الورى 4/ 334 و335، مروج الذهب 4/ 6، درر الفرائد "ص: 230، 231".؟
2 أخبار مكة للفاكهي 1/ 477، والعقد الفريد 6/ 152.
3 أخبار مكة للفاكهي 3/ 242.
فأما ولاية الموافق: فذكرها ابن الأثير؛ لأنه قال في أخبار سنة سبع وخمسين ومائيتن: لما اشتد أمر الزنج وعظم شرهم وأفسدوا في البلاد، أرسل "المعتمد على الله" مكة والحرمين واليمن1ض، انتهى باختصار لبعض ما ذكره من البلاد؛ وإنما ذكرنا كلامه بنصه؛ لإفادته ولاية الموفق للحرمين ولما فيه من إحضاره من مكة فإنه يبعد أن يكون فيها وولايتها لغيره، والله أعلم.
وأما ولاية إبراهيم الملقب برية فذكرها ابن الأثير، وذكر أنه كان على مكة في سنة ستين ومائتين2 ولعله كان عليها في التي قبلها، وذكر ابن الأثير أنه رحل من مكة للغلاء الذي كان بها في سنة إحدى وستين، لما جلا الناس عنها لغلائها.
وأما ولاية ابن طولون فذكر ابن جرير ما يدل لها، ولولاية هارون بن محمد المذكور؛ لأنه قال في أخبار سنة تسع وستين ومائتين: وفي ذي الحجة كانت وقعة بين قائدين، وجههما أحمد بن طولون في أربعمائة وسبعين فارسا وألفي راجل، فوافيا مكة لليلتين بقيتا من ذي القعدة؛ فأعطوا الجزارين والحناطين دينارين دينارين، والرؤساء سبعة، وهارون بن محمد عامل مكة، فوافاه جعفر بن الباغمردي3 لثلاث خلون من ذي الحجة في نحو مائتي فارس، وكان هارون في مائة وعشرين فارسا، ومائتي أسود، يقوى بهم، فالتقوا وأصحاب ابن طولون؛ فقتل من أصحاب ابن طولون ببطن مكة نحو مائتي رجل، وانهزم الباقون في الجبال، وأخذت دوابهم وأموالهم، وأمن جعفر المصريين والحناطين والجزارين، وقرئ كتاب في المسجد الحرام بلعن أحمد بن طولون، وسلم الناس أموال التجار4
…
انتهى.
وذكر ابن الأثير نحو ذلك مختصرا، وأفاد فيما ذكره أن هارون حين وافاه المصريون كان ببستان ابن عامر، قد فارق مكة خوفا من المصريين5
…
انتهى.
وبستان ابن عامر هو نخلة6 التي هي من عمل مكة؛ لأن أبا الفتح ابن سيد الناس قال في سيرته لما ذكر سرية عبد الله بن جحش: وذكر -يعني ابن سعد- أن النبي صلى الله عليه وسلم
1 الكامل لابن الأثير 7/ 241، وإتحاف الورى 2/ 335، البداية والنهاية 11/ 28، العقد الفريد 5/ 67.
2 الكامل لابن الأثير 7/ 272، إتحاف الورى 2/ 336.
3 في إتحاف الورى 2/ 336: "الباغمردي".
4 تاريخ الطبري 9/ 652، إتحاف الورى 3/ 343.
5 الكامل لابن الأثير 7/ 395.
6 نخلة: اسم لثلاثة مواضع: نخلة القصوى، ونخلة الشمالية، ونخلة اليمانية، والمقصود هنا: نخلة الشمالية، وهي قريبة من مر الظهران، وكلها قريبة من مكة.
بعث عبد الله بن جحش رضي الله عنه في اثنى عشر رجلا من المهاجرين، كل اثنين يعتقبان بعيرا إلى بطن نخلة. وهو بستان ابن عامر
…
انتهى. أخبرني بذلك عن ابن سيد الناس غير واحد من أشياخي عنه1.
وأما ولاية محمد بن أبي الساج: فذكرها ابن جرير؛ لأنه في أخبار سنة ست وستين ومائتين: وفي شهر ربيع الآخر أبو الساج بجنديسابور، وولي ابنه محمد الحرمين وطريق مكة
…
انتهى. وهكذا وجدته في مختصر تاريخ ابن جرير2.
وذكر ابن حمدون في "تذكرته" وابن الأثير3 في "كامله" ولاية محمد بن أبي الساج، كما ذكر في التاريخ المذكور، وذكر أن عمرو بن الليث الصفار ولاه ذلك، ولعل الصفار لم يفعل ذلك إلا بعد أن جعل إليه ذلك الخليفة المعتمد، أو أخوه أبو أحمد الموفق، والله أعلم.
وهذا يدل على ولاية عمرو بن الليث لمكة، والله أعلم.
وأما ولاية أخيه يوسف بن أبي الساج: فذكرها ابن الأثير؛ لأنه قال في أخبار سنة إحدى وسبعين ومائتين: وفيها عقد لأحمد بن محمد الطائي على المدينة، وطريق مكة؛ فوثب يوسف بن أبي الساج -وهو والي مكة- على بدر غلام الطائي، وكان أمير على الحجاج؛ فحاربه وأسره؛ فثار الجند والحاج بيوسف فقاتلوه، واستنقذوا بدرا، وأسروا يوسف وحملوه إلى بغداد، وكانت الموقعة بينهم على أبواب المسجد الحرام4
…
انتهى.
وأما ولاية أبي المغيرة، وأبي عيسى المخزوميين، فذكرهما ابن حزم؛ لأنه قال بعد أن ذكر نسب أبي المغيرة، وأبي عيسى: وكان المعتمد قد ولي أبا عيسى هذا مكة، ثم عزله بأبي المغيرة المذكور، فتحاربا فقتل أبو عيسى، ودخل أبو المغيرة مكة ورأس أبي عيسى بين يديه5
…
انتهى. ولم أدر متى كانت ولاية أبي عيسى؟
وذكر الفاكهي ما يقتضي أن أبا عيسى محمد بن يحيى المخزومي ولي مكة نيابة عن الفضل بن العباس؛ فقال شاعر من أهل مكة:
أتعجبون يا بني المغيرة فيه
…
فبنو حفص منكم أمراء
انتهى.
1 عيون الأثر 1/ 259.
2 تاريخ الطبري 9/ 549.
3 الكامل لابن الأثير 7/ 333.
4 الكامل لابن الأثير 7/ 417، إتحاف الورى 2/ 344.
5 جمهرة أنساب العرب "ص: 149".
لأنه قال: وكان محمد بن يحيى المخزومي واليها، واستخلفه عليها الفضل بن عباس.
ولا مانع من أن يكون أبو عيسى ولي مكة عن الفضل بن عباس نيابة، كما ذكر الفاكهي، وعن المعتمد استقلالا، كما ذكر ابن حزم، والله أعلم.
وأما ولاية أبي المغيرة؛ فرأيت في كتاب الفاكهي ما يقتضي أنه كان أميرا على مكة في سنة ثلاث وستين ومائتين؛ لأنه قال في الترجمة التي ترجم عليها بقوله: "تجريد الكعبة": فكانت الكسوة على الكعبة على ما وصفنا، حتى كانت سنة ثلاث وستين، فورد كتاب من أبي أحمد الموفق بالله على محمد بن عيسى وهو يومئذ على مكة، يأمره بتجريد الكعبة؛ فقرأ الكتاب في درا الإمارة لتسع ليال بقين من ذي الحجة1
…
انتهى.
وما ذكرناه من كلام الفاكهي يشعر بأن أبا المغيرة ولي مكة عن أبي أحمد الموفق، وذكر ابن الأثير ما يدل على أنه وليها بعد ذلك لصاحب الزنج؛ لأن ابن الأثير قال في أخبار سنة خمس وستين ومائتين: وفيها كانت موافاة أبي المغيرة عيسى بن محمد المخزومي إلى مكة لصاحب الزنج2
…
انتهى.
وما ذكر ابن الأثير في اسم أبي المغيرة وأبيه عكس ما ذكره ابن حزم في ذلك، ولعله سقط من كتاب ابن الأثير "ابن" بين أبو المغيرة وعيسى؛ وبذلك يتفق ما ذكره مع ما ذكره ابن حزم3، والله أعلم.
وصاحب الزنج هو علي بن أحمد العلوي -بزعمه- لأنه كان ينتمي إلى يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وهو ممن أكثر في الأرض الفساد، وأخباره في ذلك مشهورة.
وذكر ابن الأثير شيئا من حال أبي المغيرة؛ لأنه قال في أخبار سنة ست وستين وفيها قدم محمد بن أبي الساج مكة، فحاربه ابن المخزومي، فهزمه محمد، واستباح ماله؛ وذلك يوم الترويه4
…
انتهى.
وقال أيضا في أخبار سنة ثمان وستين: وفيها سار أبو المغيرة إلى مكة، وعاملها هارون بن محمد الهاشمي، فجمع هارون جمعا احتمى بهم؛ فصار المخزومي إلى مشاش فغور ماءها، وأتى جدة فنهب الطعام وأحرق بيوت أهلها، وصار الخبز في مكة
1 الكامل لابن الأثير 7/ 328، إتحاف الورى 2/ 340.
2 الكامل لابن الأثير 7/ 328، إتحاف الورى 2/ 240.
3 جمهرة أنساب العرب "ص: 149".
4 الكامل لابن الأثير 7/ 336، إتحاف الورى 2/ 341، البداية والنهاية 11/ 39.
أوقيتين بدرهم، ثم قال: وحج بالناس فيها هارون بن محمد بن إسحاق الهاشمي، وابن أبي الساج على الأحداث والطريق1: وقال في أخبار سنة تسع وستين: وفيها وجه ابن أبي الساج جيشا بعدما انصرف من مكة، فسيره إلى جدة، وأخذ المخزومي مركبين فيهما مال وسلاح2
…
انتهى.
وأما ولاية هارون بن محمد بن إسحاق العباسي فسبق ما يدل لها من كلام ابن جرير3 وابن الأثير، وذكرها ابن حزم4، وأفاد في ذلك مالم يفده غيره؛ لأنه قال بعد إن نسبه كما سبق ذكره: ولي المدينة ومكة، وحج بالناس من سنة ثلاث وستين ومائتين، إلى سنة ثمان وسبعين ولاء، ثم هرب من مكة عند الفتنة، فنزل مصر ومات به، وألف نسب العباسيين وغير ذلك
…
انتهى.
وما ذكره ابن حزم من أنه حج بالناس من سنة ثلاث وستين ومائتين، إلى سنة ثمان وسبعين ولاء ذكر مثله "العتيقي" في "أمراء الموسم"؛ إلا أنه ذكر أن أول حجاته سنة أربع وستين. وذكر ابن الأثير ما يوافق ما ذكره ابن حزم والعتيقي في بعض ذلك؛ لأنه ذكر أن هارون بن محمد بن إسحاق الهاشمي حج بالناس سنة ثمان وستين5.
وأما ولاية الفضل بن العباس فذكرها الفاكهي6، وذكر أنه كان واليا على مكة سنة ثلاث وستين ومائتين، واقتصر في نسبه على الفضل بن العباس، وما ذكرناه في نسبه ذكره العتيقي، وذكر أنه حج بالناس سنة ثمان وخمسين ومائتين، إلى آخر سنة ثلاث وستين ولاء؛ إلا سنة ستين فذكر فيها غيره.
ثم ولي مكة في خلافة المعتضد، أبي العباس أحمد بن أبي أحمد الموفق بن المتوكل العباسي7، وفي خلافة أولاده المكتفي أبي محمد علي8، والمقتدر أبي الفضل جعفر والقاهر أبي منصور محمد9، وفي خلافة الراضي أبي العباس أحمد بن المقتدر10 وفي خلافة المتقي11 أبي إسحاق إبراهيم بن المقتدر، وفي خلافة المستكفي عبد الله بن المكتفي على بن المعتضد12، وفي خلافة المطيع أبي القاسم الفضل بن
1 الكامل لابن الأثير 7/ 372، 373.
2 الكامل لابن الأثير 7/ 396.
3 تاريخ الطبري 9/ 541 و10/ 8-18، وفيه أنه حج بالناس 16سنة من "264 - 279 هـ"، الكامل لابن الأثير 7/ 321 و302، 337.
4 جمهرة أنساب العرب "ص: 33".
5 الكامل لابن الأثير 7/ 373.
6 أخبار مكة للفاكهي 3/ 184.
7 تولي الخلافة بعد موت المعتمد "279 - 289 هـ".
8 تولى الخلافة في الفترة "289-295هـ".
9 تولى الخلافة في الفترة "320 - 322 هـ".
10 تولى الخلافة في الفترة "322 - 328 هـ".
11 تولى الخلافة في الفترة "328 - 333 هـ".
12 تولى الخلافة في الفترة "333 - 334 هـ".
المقتدر العباسي جماعة، ما عرفت منهم غير عج بن حاج، ومؤنس المظفر، وابن ملاحظ. وما عرفته بغير هذا، وابن مخلبة أو ابن محارب على الشك مني، ومحمد بن طفج الأخشد صاحب مصر، وابنيه أبي القاسم أو نجور، ومعنى أونجور: محمود، وأبي الحسن علي، والقاضي أبي جعفر محمد بن الحسن عبد العزيز العباسي، قاضي مصر.
فأما ولاية عج بن حاج فذكرها إسحاق بن أحمد الخزاعي راوي تاريخ الأزرقي، في خبر زيادة دار الندوة، وترجم على ذلك بقوله:"باب ذكر بناء المسجد الجديد" الذي كان دار الندوة، وأضيف إلى المسجد الكبير: لأنه قال بعد أن ذكر أن المستعمل على بريد مكة في ذلك إلى الوزير عبيد الله بن سليمان في سنة إحدى وثمانين ومائتين: وسرح ذلك الأمير بمكة عج بن حاج، مولي أمير المؤمنين1
…
انتهى.
وذكر ابن الأثير ما يدل على أنه كان واليا على مكة في سنة خمس وتسعين ومائتين؛ لأنه قال في أخبار هذه السنة: وفي هذه السنة كانت وقعة بين "عج بن حاج" وبين الأجناد بمنى ثاني عشر ذي الحجة، فقتل منهم جماعة؛ لأنهم طلبوا جائزة بيعة المقتدر، وهرب الناس إلى بستان ابن عامر2
…
انتهى.
وأما ولاية "مؤنس"، فذكرها ابن الأثير؛ لأنه قال في أخبار سنة ثلاثمائة: وفيها قلد مؤنس المظفر الحرمين والثغور3.... انتهى.
وأما ولاية "ابن ملاحظ" فذكر النسابة أبو محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني في كتابه "الإكليل" ما يدل لها؛ لأنه قال: في أخبار بني حرب بالحجاز ما نصه: قال أبو جعفر بن المخائي: فمن أيام بني حرب في وقتنا وقبله بمديدة: "يوم الحرة"، ثم قال: ومنها "يوم شرف الإباية" يوم سار إليهم ابن ملاحظ وهو سلطان مكة؛ فقتلوا أصحابه وأسروه؛ فأقام عندهم وقتا، ثم منوا عليه وخلوا سبيله
…
انتهى.
وما عرفت اسم ابن ملاحظ المذكور، ولا متى كانت ولايته على مكة؛ غير أني أظن أنه كان على ولايتها بعد سنة ثلاثمائة، أو قبلها بقليل، ومؤلف هذا الكتاب الهمداني النسابة كان حيا فسن اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وعاش بعدها إلى سنةتسع وعشرين، فيما أحسب، والله أعلم.
1 أخبار مكة للأزرقي 2/ 111، إتحاف الورى 2/ 348.
2 الكامل لابن الأثير 8/ 11، 12، إتحاف الورى 2/ 360.
3 الكامل لابن الأثير 8/ 75.
وأما ولاية "ابن مخلف": فذكرها ابن الأثير؛ لأنه قال لما ذكر ما فعله أبو طاهر القرمطي من القبائح بمكة في سنة سبع عشرة وثلاثمائة: فخرج إليه ابن مخلب أمير مكة في جماعة من الأشراف، فسألوه في أموالهم؛ فلم يشفهم، فقاتلوه، فقتلهم أجمعين1.
وأما ولاية "ابن محارب": فذكرها الذهبي؛ لأنه قال لما ذكر خبر أبي طاهر وما فعل بمكة: وقتل ابن محارب أمير مكة
…
انتهى؛ هكذا قال: في "تاريخ الإسلام"2. وقال في "العبر"3: وقتل أمير مكة ابن محارب
…
انتهى.
وأظن -والله أعلم- أن ابن مخلب4 أصوب؛ لأني وجدت في "تاريخ المسبحي" ما نصه في أخبار سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة: وفيها التقى محمد بن إسماعيل بن مخلب متولي معونة الحجاز مع أحمد بن الحسين الحسني
…
انتهى. نقلت ذلك من خط الرشيد بن الزكي المنذري في اختصاره لتاريخ المسبحي، والظاهر أن أمير مكة الذي سماه ابن الأثير "ابن مخلب" من أقارب ابن مخلب هذا، والله أعلم.
وأما ولاية الأخشيدية فذكرها النويري في تاريخه5؛ لأنه ذكر أن "المتقي" الخليفة العباس ولي "محمج بن طغج" الحرمين، ومصر، والشام في سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، وعقد لولديه:"أبي القاسم أو نجور"، وأبي الحسن علي -المقدم ذكرهما- من بعده على ذلك؛ على أن يكفلهما خادمه كافرو الخصي المعروف بالإخشيدي.
وذكر المسبحي مايدل لذلك لأنه ذكر في أخبار سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة: أنه حج جماعة من أعيان المصريين في هذه السنة، ثم قال: ووقع الخلف بين المصريين والعراقيين في ذي الحجة منها بمكة، في إقامة الدعوة لمعز الدولة ولأخيه ركن الدولة، ولولده عز الدولة، بعد المطيع. ومنعه من ذلك المصريون، وتمسكوا بعقد المتقي للإخشيد، ولوده بعده، من غير واسطة بينه وبين المطيع، وكثر الحكايات في شرح ما جرى بينهم6
…
انتهى.
1 الكامل لابن الأثير 8/ 207، 208.
2 تاريخ الإسلام للذهبي 1/ 192، حوادث سنة "317هـ".
3 العبر 2/ 167.
4 في تجارب الأمم 1/ 201، "ابن مجلب" وفي دول الإسلام للذهبي 1/ 192:"ابن محارب" ولم يصرح الهمداني في تكملة تاريخ الطبري "ص: 62" باسمه، وفي إتحاف الورى 2/ 383:"ابن مجلب".
5 نهاية الإرب 23/ 88 وما بعدها.
6 إتحاف الورى 2/ 298، درر الفرائد "ص: 243"، حسن الصفا والابتهاج "ص: 109".
وذكر العتيقي في "أمراء الموسم" ما يدل لذلك؛ لأنه قال: وحج بالنسا سنة سبع وأربعين: محمد بن عبد الله بن العلوي، وعلى الصلاة: عمر بن الحسن بن عبد العزيز الهاشمي، ومضى إلى مصر في هذه السنة، ومات بالقرب منها ودفن بها، وقلده بعده الصلاة: عبد العزيز وعبد السميع ابنا عمر بن الحسن بن عبد العزيز مكان أبيهما بمصر، والحرمين1
…
انتهى.
ووجه الدلالة من هذا على ولاية الإخشيدية للحرمين أن تقليدهم الصلاة فيهما يقتضي أنهما في ولايتهم، وهو كذلك، بدليل ما حكي من عقد المتقي لهم الولاية على ذلك، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- ما يدل لولايتهم على مكة، وما عرفت من كان يباشر للإخشيدية ولاية مكة، ولا من باشر ذلك لمؤنس، والله -سبحانه- أعلم.
وأما ولاية القاضي أبي جعفر محمد بن الحسن بن عبد العزيز العباسي فذكرها بعض مؤرخي مصر في كتاب له ذكر فيه مصر وقضاتها2 ووزراءها وأخبار النيل، وغير ذلك، ورتبه على ترتيب السنين وجعل في كل سنة جداول تحتوي على المشار إليهم، فذكر في سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة: أن قاضي مصر في هذه السنة كان أبا جعفر محمد بن الحسن بن عبد العزيز العباسي، إلى أن عزل وولي إمارة مكة. وهذا يشعر بأن محمد بن الحسن المذكور باشر ولاية مكة لعلي بن الإخشيد، والله أعلم.
ثم ولي مكة في زمن الإخشيدية بالتغلب: جعفر بن محمد بن الحسن بن محمد بن موسى بن عبد الله بن موسى بن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الحسني، على ما ذكر بن حزم في "الجمهرة"؛ لأنه قال بعد أن نسبه "هكذا: الذي غلب على مكة أيام الإخشيدية وولده إلى اليوم ولاة مكة"3
…
انتهى.
ولعل ولاية جعفر هذا لمكة بعد موت كافور الإخشيدي قبل أخذ العبيديين لمصر من الإخشيدية؛ فإن دولتهم لم تتلاش إلا بعد موت كافور، وكان موت كافور في جمادى الأولى سنة ست وخمسين وثلاثمائة، وقيل: في سنة سبع وخمسين، فتكون ولاية جعفر في إحدى هاتين السنتين، أو في سنة ثمان وخمسين، فإن فيها: كان انقضاء دولة الإخشيدية على يد القائد "جوهر" مولى "المعز" العبيدي صاحب المغرب، ولا تخرج ولاية جعفر على أن تكون في هذه السنة، أو في إحدى السنتين قبلها، على تقدير موت كافور في سنة ست وخمسين، لقول ابن حزم: إن جعفرا غلب على مكة أيام الإخشدية،
1 إتحاف الورى 2/ 400.
2 يقصد بذلك كتاب "الولاة والقضاة" للمؤرخ المصري المشهور محمد بن يوسف الكندي "283 - 305هـ".
3 جمهرة أنساب العرب ص: 47.
وتصدق على ما بعد موت كافور، وحصول مصر للمغاربة في سنة ثمان وخمسين إنها: أيام الإخشيدية، ويبعد أن يلي جعفر مكة، في أيام كافور لعظم أمره، وقد رأيت في بعض التواريخ ما يدل على أنه كان يدعى له على المنابر بمكة، والله أعلم.
وذكر شيخنا ابن خلدون1 في نسب جعفر هذا ما ذكره ابن حزم في نسبه، وحكى في نسبه وجها آخر، وهو أنه من ولد "محمد" القائم بالمدينة أيام المأمون بن سليمان بن داود بن الحسن بن علي بن أبي طالب. وذكر نسب جعفر إلى محمد بن سليمان، فقال: جعفر بن أبي هاشم الحسن بن محمد بن سليمان، وذكر أن محمد بن سليمان من ولد محمد بن سليمان القائم بالمدينة أيام المأمون، وكلامه يقضي ترجيح هذه المقالة في نسب جعفر، وفي ذلك نظر، والله أعلم.
وذكر أن جعفر هذا: دعا للمعز العبيدي لما استولى له خادمه جوهر على مصر.
ثم ولي مكة بعد جعفر هذا: ابنه عيسى، على ما ذكر شيخنا ابن خلدون.
وذكر أن في أيامه حصر جيش العزيز بن المعز العبيدي مكة، وضيقوا على أهلها كثيرا لمالم يخطبوا للعزيز بعد موت أبيه، ودامت ولايته على مكة، إلى سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، على ما ذكر ابن خلدون؛ وذكر ابن حزم في "الجمهرة"2 ما يفهم أنه ولي مكمة في الجملة.
ثم ولي مكة بعده: أخوه أبو الفتوح الحسن بن جعفر الحسني، على ما ذكر شيخنا ابن خلدون، وذكر أنه ملك المدينة وأزال عنها إمرة بني المهنا الحسيني في سنة تسعين وثلاثمائة، بأمر الحاكم العبيدي: وولاية أبي الفتوح لمكة مشهورة؛ وإنما عزوناها لابن خلدون؛ لإفادته تاريخ ابتداء دولته لها بها بعد أخيه عيسى، ولم أر ذلك لغيره3 وكذا ما ذكره في ملكه للمدينة4، والله أعلم.
ودامت ولاية أبي الفتوح على مكة -فيما علمته- إلى أن مات في سنة ثلاثين وأربعمائة؛ إلا أن الحاكم العبيدي ولي ابن عم أبي الفتوح في المدة التي خرج فيها أبو الفتوح عن طاعة الحاكم، ثم أعاد أبو الفتوح إلى إمرة مكة لما رجع إلى طاعته. وكان سبب عصيانه أن الوزير "أبا القاسم بن المغرب" لما قتل الحاكم أباه، هرب من الحاكم واستجار ببعض آل الجراح؛ فبعث الحاكم إليهم من حاربهم، فكان الظفر لآل الجراح، فعند ذلك حسن لهم الوزير مبايعة أبي الفتوح بالخلافة، فمالوا إلى ذلك، فقصد
1 العبر وديوان المبتدأ والخبر - ابن خلدون 3/ 244.
2 جمهرة أنساب العرب ص: 47.
3 راجع الجمهرة ص: 47.
4 إتحاف الورى 2/ 423، العقد الثمين 4/ 69.
أبو القاسم أبا الفتوح، وحسن له طلب الخلافة؛ فاعتذر له أبو الفتوح بقلة ذات يده، فحسن أبو القاسم لأبي الفتوح أخذ ما في الكعبة المعظمة من المال؛ فأخذ أبو الفتوح ذلك مع مال عظيم لبعض التجار، مات بجدة، وخطب لنفسه، وبايعه بالخلافة شيوخ الحسينيين وغيرهم بالحرمين، وتلقب بالراشد، وخرج من مكة إلى الرملة قاصدا آل الجراح في جماعة من بني عمه، وألف عبد أسود -على ما قيل، ومعه سيفه، زعم أنه ذو الفقار، وقضيب زعم أنه قضيب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلما قرب من الرملة تلقاه العرب وقبلوا له الأرض، وسلموا إليه بالخلافة، ونزل الرملة، ونادى بالعدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فانزعج الحاكم لذلك، وما وسعه إلا الخضوع لآل الجراح، فاستمال حسان بن مفرج من آل الجراح، وبذل له ولإخوته أموال جزيلة جدا، فتخلوا عن أبي الفتوح، فعرف أبو الفتوح ذلك، فاستجار بمفرج -والد حسان- من الحاكم، فكتب "مفرج" إلى الحاكم فرده إلى مكة، وكان الحاكم قد ولي الحرمين لابن عم أبي الفتوح، وأنفذ له ولشيوخ بني حسن أموالا، وكان عصيان أبي الفتوح في سنة إحدى وأربعمائة1، على ما ذكر صاحب "المرآة" وغيره. ورأيت في تاريخ بعض شيوخنا أن ذلك في سنة اثنتين وأربعمائة، ورأيت في تاريخ النويري ما يشهد لذلك، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- قريبا؛ وإنما نبهنا على ذلك؛ لأن الذهبي ذكر في "تاريخ الإسلام"2 أن ذلك في سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وذلك وهم بلا ريب؛ لأن الحاكم لم يل الخلافة إلا في سنة ست وثمانين وثلاثمائة، كما ذكر الذهبي وغيره.
ووجدت في بعض التواريخ أن ابن عم أبي الفتوح الذي ولاه الحاكم الحرمين يقال له: أبو الطيب، ولعله والله أعلم: أبو الطيب بن عبد الرحمن بن قاسم بن أبي الفاتك بن داود بن سليمان بن عبيد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الحسني؛ هكذا رأيت أبا الطيب هذا منسوبا في حجر بالمعلاة، مكتوب فيه أنه قبر يحيى ابن الأمير المؤيد ابن الأمير قاسم بن غانم بن حمزة بن وهاس بن أبي الطيب، وساق بقية النسب كما سبق.
وذكر ابن حزم في "الجمهرة" أبا الطيب هذا، وساق نسبه كما ذكرناه؛ إلا أنه أسقط في النسخة التي رأيتها من "الجمهرة" قاسما بين عبد الرحمن وأبي الفاتك، وسمي أبا الفاتك عبد الله، وذكر فيها أن لعبد الرحمن هذا اثنين وعشرين ذكرا، فذكرهم، وذكر أبا الطيب فيهم، ثم قال: سكنوا كلهم أذنه3، حاشا نعمة، وعبد الحميد،
1 اتعاظ الحناف 2/ 87.
2 حوادث سنة 381 هـ ص 300.
3 أذنة: جبال شمالي شرقي الحجاز.
وعبد الحكيم؛ فإنهم سكنوا أمج1 بقرب مكة2
…
انتهى. ولعل سكناهم أذنه للخوف من أبي الفتوح، بسبب تأمر أبي الطيب بعده، وأستبعد -والله أعلم- أن يكون الذي ولاه الحاكم عوض أبي الفتوح: أبا الطيب بن عبد الرحمن، لكون ابن حزم لم يذكر لأبي الطيب بن عبد الرحمن ولايته، والله أعلم.
ورأيت في تاريخ النويري ما يقتضي أن أبا الفتوح لما عصى على الحاكم خرج عليه بمكة إخوة؛ لأنه حكى أن أبا الفتوح لما بلغه استمالة الحاكم لآل الجراح، قال لهم: إن أخي قد خرج بمكة، وأخاف أن يستأصل ملكي بها، فأعادوه إلى مكة في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعمائة
…
انتهى
…
وهذا هو الذي ذكرنا أنه يشهد لمن قال: إن تاريخ عصيان أبي الفتوح سنة اثنين، والله أعلم.
وولي مكة بعد أبي الفتوح ابنه شكر بن أبي الفتوح، ودامت ولايته فيما علمت إلى أن مات سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة. وذكر شيخنا ابن خلدون أنه حارب أهل المدينة وملكها في بعض حروبه، وجمع بين الحرمين. قال: وذكر البيهقي وغيره: أنه ملك الحجاز ثلاثا وعشرين سنة
…
انتهى.
وذكر ابن حزم في "الجمهرة" ما يفهم في الجملة ولاية أبي الفتوح، وابنه شكر مكة، وذكر ما يقتضي أن عقبهم انقرض، وأن مكة وليها بعد شكر عبد كان له؛ لأنه قال: وقد انقرض عقب جعفر المذكور؛ لأن أبا الفتوح لم يكن له ولد إلا شكر، ومات "شكر" ولم يولد له قط، وصار أمر مكة إلى عبد كان له3
…
انتهى.
وذكر صاحب "المرآة" عن محمد بن هلال الصابي ما يقتضي أن لشكر بنتا، وسيأتي ذلك قريبا، وهو يخالف ما ذكره ابن حزم، والله أعلم.
وولي مكة بعد "شكر" بنو أبي الطيب الحسنيون، ثم علي بن محمد الصليحي صاحب اليمن، ثم أبو هاشم محمد بن جعفر بن محمد بن عبد الله بن أبي هاشم محمد بن الحسن بن محمد بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسبن بن علي بن أبي طالب الحسني؛ لأن صاحب "المرآة" قال في أخبار سنة خمس وخمسين وأربعمائة: وفيها دخل الصليحي إلى مكة، واستعمل الجميل مع أهلها، وأظهر العدل والإحسان والأمن، وطابت قلوب الناس، ورخصت الأسعار، وكثرت له الأدعية.
1 أمج: بلد من أعراض المدينة "مراصد الاطلاع 1/ 115".
2 جمهرة أنساب العرب ص: 47.
3 الجمهرة ص47، إتحاف الورى 2/ 467، درر الفرائد "ص: 255".
ثم قال: وكسا البيت ثيابا بيضا، ورد بني شيبة عن قبيح أفاعلهم، ورد إلى البيت من الحلي ما كان بنو أبي الطيب الحسنيون أخذوه لما ملكوا بعد "شكر". وكانوا قد غيروا في البيت الميزاب.
ثم قال: بعد أن نقل عن محمد بن هلال الصابي بعض ما ذكره من دخول الصليحي إلى مكة، وما فعله من الجميل فيها: وأقام إلى يوم عاشوراء وراسله الحسنيون، وكانوا قد أنفذوا من مكة: أخرج من بلدنا ورتب منا من تختاره، فرتب محمد بن أبي هاشم في الإمارة، ورجع إلى اليمن1. ومحمد بن أبي هاشم صهر "شكر" على ابنته، وأمره على الجماعة وأصلح، بين العشائر، واستخدم له العساكر، وأعطاه مالا، وخمسين فرسا وسلاحا. ثم قال: وفي رواية: أنه أقام بمكة إلى ربيع الأول؛ فوقع في أصحابه الوباء، فمات منهم سبعمائة رجل. ثم عاد إلى اليمن؛ لأن العلويين جمعوا عليه، ولم يبق معه إلا نفر يسير، فسار إلى اليمن، وأقام محمد بن أبي هاشم بمكة نائبا عنه؛ فقصده الحسنيون بنو سليمان مع حمزة بن أبي وهاس؛ فلم يكن له بهم طاقة بحرهم وخرج من مكة فتبعو، فرجع فضرب واحدا منهم ضربة فقطع ذراعه وفرسه وجسده، ووصل إلى الأرض، فدهشوا ورجعوا عنه، وكان تحته فرس تسمى دنانير لا تكل ولا تمل، وليس له في الدنيا شبيه. ومضى إلى وادي الينبع، وقطع الطريق عن مكة والقافلة، ونهب بنو سليمان مكة، ومنع الصليحي الحج من اليمن، فغلت الأسعار وزادت البلية
…
انتهى2.
ولعل بني أبي الطيب -المشار إليه في هذا الخبر- من أولاد الطيب الذي ذكرنا نسبه، ولعله حمزة بن أبي وهاس -المذكور في هذا الخبر أيضا -حفيد أبي الطيب المشار إليه؛ لأن ذلك يوافق ما في الحجر الذي رأيته بالمعلاة، والله أعلم.
وهذا الذي ذكره صاحب "المرآة" يتضمن ولاية ابن أبي الطيب لمكة بعد "شكر"، ثم ولاية "الصليحي" لها، ثم ولاية ابن أبي وهاس.
وذكر شيخنا ابن خلدون ما يقتضي أن ابن أبي هاشم ولي مكة في سنة أربع وخمسين، بعد أن قاتل السليمانيين قوم شكر وغلبهم ونفاهم عن الحجاز3، والله أعلم بذلك.
وعاد إلى أبي هاشم بعد خروجه من مكة إلى إمرتها، ودامت ولايته عليها فيما أحسب إلى أن مات في سنة سبع وثمانين وأربعمائة4؛ إلا أنه خرج منها هاربا من
1 اتعاظ الحنفا 2/ 268، 269.
2 إتحاف الورى 2/ 468، العقد الثمين 6/ 238، النجوم الزاهرة 5/ 72، البداية والنهاية 12/ 89.
3 العبر 4/ 103.
4 إتحاف الورى 2/ 487، العقد الثمين 1/ 439.
التركمان الذين استولوا عليها في سنة أربع وثمانين وأربعمائة، كما ذكر ابن الأثير1 وغيره.
ورأيت في تاريخ ابن الأثير أن هؤلاء التركمان طلبوا من ابن أبي هاشم أموال الكعبة التي أخذها، وأنهم نهبوا مكة، وكانت فتنة عظيمة2
…
انتهى بالمعنى.
وهو أول من أعاد الخطبة العباسية بمكة، بعد قطعها من الحجاز نحو مائة سنة، ونال بسبب ذلك مالا عظيما من السلطان "ألب أرسلان" السلجوقي؛ فإنه خطب له بمكة بعد القائم الخليفة العباسي، وصار بعد ذلك يخطب حينا للمقتدي عبد الله بن محمد الذخيرة ابن القائم عبد الله العباسي، وحينا للمستنصر العبيدي صاحب مصر، ويقدم في ذلك من تكون صلته أعظم، ولعل ذلك من سبب إرسال التركمان إليه. وذكر شيخنا ابن خلدون أن مدة إمرته على مكة ثلاثون سنة، وأنه ملك المدينة، والله أعلم بذلك. وقد بالغ ابن الأثير في ذم ابن أبي هاشم هذا؛ لأنه قال -لما ذكر وفاته: ولم يكن له ما يمدح به
…
انتهى. ولعل ذلك لنهبه الحاج في سنة ست وثمانين، وقتله منهم خلقا كثيرا، على ما ذكر ابن الأثير، ولأخذه لحلي الكعبة في سنة اثنتين وستين3 والله أعلم.
وولي مكة بعده: ابنه قاسم بن محمد مدة يسيرة.
ثم وليها بعده، أصبهبذ بن سرتكين4؛ لأنه في هذه السنة استولى على مكة عنوة. وهرب منها قاسم المذكور، وأقام به أصبهبذ إلى شوال سنة سبع وثمانين، ثم إن قاسما جمع عسكرا، وكسر أصبهبذ بعسفان؛ فانهزم أصبهبذ ومضى إلى الشام، ودخل قاسم مكة5، ودامت ولايته عليها فيما علمت حتى مات سنة ثمان عشرة وخمسمائة، هكذا ذكر وفاته ابن الأثير وغيره. ووجدت بخطي فيما نقلته من "تاريخ الإسلام" للذهبي أنه توفي سنة ثمان عشرة، ووجدت ذلك بخطي أيضا فيما نقلته من تاريخ شيخنا ابن خلدون6. وقال شيخنا ابن خلدون: في ترجمته: واستمرت إمرته ثلاثين سنة على الاضطراب
…
انتهى.
1 الكامل لابن الأثير 10/ 200، إتحاف الورى 21/ 485، العقد الثمين 1/ 442.
2 الكامل لابن الأثير 10/ 225.
3 الكامل لابن الأثير 10/ 239، دول الإسلام 2/ 15، إتحاف الورى 2/ 486، النجوم الزاهرة 5/ 138.
4 هكذا في النجوم الزاهرة 2/ 487.
5 إتحاف الورى 2/ 487، الكامل لابن الأثير 10/ 329، العقد الثمين 1/ 439.
6 ذكر ابن الأثير 10/ 617، وفاته في سنة "517هـ" وقيل: فيها أو التي بعدها، إتحاف الورى 2/ 498.
وولي مكة بعده ابنه "فليته بن قاسم"؛ هكذا سماه ابن الأثير وغيره، وسماه الذهبي في "تاريخ الإسلام" أبوفليتة، في موضعين من تاريخه، ودامت حتى مات في سنة سبع وعشرين وخمسمائة1.
وولي مكة بعده هاشم بن فليتة، ودامت ولايته حتى مات في سنة تسع وأربعين وخمسمائة؛ لأن ابن خلكان ذكر أن الفقيه "عمارة" الشاعر اليمني حج في هذه السنة، فسيره قاسم بن هاشم بن فليتة صاحب مكة رسولا إلى الديار المصرية، فدخلها في شهر رضمان سنة خمسين2
…
انتهى.
وهذا يقتضي أن هاشما توفي في هذه السنة؛ لأن قاسما ابنه إنما ولي بعده، فوجدت بخط بعض فقهاء المكيين ما يقتضي أن هاشما مات في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، وأن قاسما ولي بعده، ولم يختلف عليه اثنان
…
انتهى.
ودامت ولاية قاسم بن هاشم بعد أبيه إلى سنة ست وخمسين؛ لأنه فارق مكة متخوفا من أمير الحاج العراقي وقت الموسم من هذه السنة لإساءة السيرة فيها.
وولي مكة بعد عمه عيسى بن فليته3.
ثم إن قاسما استولى على مكة في شهر رمضان سنة سبع وخمسين، وأقام بها أياما يسيرة، ثم قتل. ووجدت بخط بعض المكيين ما يقتضي أنه قتل سنة ست وخمسين، والله أعلم4.
واستقر الأمر لعمه عيسى، ودامت ولاية عيسى فيما علمت على مكة، إلى أن مات سنة سبعين وخمسمائة؛ إلا أن أخاه مالك بن فليته كان نازعه في الإمرة، واستولى على مكة نحو نصف يوم؛ لأنه دخل مكة في يوم عاشوراء من سنة ست وستين وخمسمائة، وجرى بين عسكره وعسكر أخيه فتنة إلى وقت الزوال، ثم خرج مالك واصطلحوا بعد ذلك.
فولي مكة بعد عيسى: ابنه داود بن عيسى بن فليته، بعهد من أبيه، ودامت ولايته إلى ليلة النصف من رجب سنة إحدى وسبعين5.
فوليها بعده أخوه مكثر بن عيسى، ثم عزل مكثر في موسم هذه السنة، وجرى بينه وبين "طاشتكين" أمير الركب العراقي حرب شديدة في موسم هذه السنة، كان الظفر فيها للأمير "طاشتكين"6.
1 الكامل لابن الأثير 10/ 617، إتحاف الورى 2/ 499.
2 وفيات الأعيان 3/ 432، إتحاف الورى 2/ 515، العقد الثمين 7/ 361.
3 الكامل لابن الأثير 1/ 279، إتحاف الورى 2/ 523، البداية والنهاية 12/ 242.
4 إتحاف الورى 2/ 524، العقد الثمين 7/ 35.
5 الكامل لابن الأثير 11/ 432، إتحاف الورى 2/ 536، العقد الثمين 7/ 275.
6 الكامل لابن الأثير 11/ 432، إتحاف الورى 2/ 536.
ثم ولي مكة الأمير قاسم بن مهنا الحسيني أمير المدينة، وكان الخليفة المستضيء قد عقد له عليها الولاية بعد عزله "مكثر"، وأقامت مكة في ولايته ثلاثة أيام، ثم إنه رأى من نفسه العجز عن القيام بإمرة مكة فولي أمير الحج فيها: داود بن عيسى، وشرط عليه أن يسقط جميع المكوس، وما عرفت إلى متى دامت ولاية داود هذا. وكان بعدها يتداول هو وأخوه "مكثر" إمرة مكة، ثم انفرد بها "مكثر" عشر سنين متوالية، آخرها سنة سبع وتسعين، على الخلاف في انقضاء دولة "مكثر"، وهو آخر أمراء مكة المعروفين بالهواشم ولاية.
وولي مكة في ولايته، أو في أخيه داود: سيف الإسلام طغتكين بن أيوب أخو السطان صلاح الدين يوسف بن أيوب؛ وذلك في سنة إحدى وثمانين وخمسمائة؛ لأنه في هذه السنة قدم مكة، ومنع من الأذان في الحرم بحي على خير العمل، وقتل جماعة من العبيد كانوا يفسدون، وهرب منه أمير مكة إلى قلعته بأبي قبيس، وشرط على العبيد أن لا يؤذوا الحاج، وضرب الدنانير والدراهم فيها اسم أخيه السلطان صلاح الدين1.
ثم وليها بعد "مكثر": أبو عزيز قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن حسين بن سليمان بن علي بن عبد الله بن محمد بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الحسني الينبوعي في سبع وتسعين وخمسمائة، وقيل: إن ولايته لمكة في سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وقيل: في نسة تسع وتسعين وخمسمائة2. ودامت ولايته إلى أن مات في سنة سبع عشرة، وقيل: وكانت ولايته ممتدة إلى ينبع3 وإلى "حلي"4، وكان يحارب صاحب المدينة، ويغلب كل منهما الآخر حينا.
وولي مكة في زمن ولاية قتادة: "أقباش الناصري" فتى الخليفة الناصر لدين الله العباسي؛ إلا أنه لم يباشر إمرتها؛ وإنما مولاه عقد له على الحرمين وإمرة الحج لعظم مكانته عنده، وقتل بمكة بالمعلاة في السنة التي مات فيها قتادة.
1 إتحاف الورى 2/ 553، العقد الثمين 5/ 62، الفرائد "ص: 265".
2 إتحاف الورى 2/ 566.
3 ينبع: بلد حجازي على ساحل البحر الأحمر من جهة الشمال الغربي لمكة المكرمة، ويقال لها: ينبع البحر، وقريب منها في الداخل بلد يقال لها: ينبع النخل، وهي قرية غناء ذات عيون ومزارع، وقد كانت عامرة. وقال ياقوت في معجمة "5/ 450": قال الشريف بن مسلمة بن عباس الينبغي: عددت بها مائة وسبعين عينا.
4 حلي: بلد حجازي على ساحل البحر الأحمر من جهة الجنوب الغربي لمكة.
وولي مكة بعد قتادة: ابنه حسن بن قتادة، وقتل أصحاب أقباش الناصري لاتهامهم له بأنه وطأ راجح بن قتادة على أن يوليه مكة عوض حسن، ودامت ولاية حسن إلى سنة تسع عشر، وقيل: إلى سنة عشرين وستمائة1.
ووليها بعده الملك المسعود، واسمه يوسف، ويلقب بأقشبيس ابن الملك الكامل محمد ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب صاحب اليمن؛ لأنه سار إليها وحارب هو وحسن بن قتادة بالمسعى؛ فانهزم حسن وفارق مكة فيمن معه، ونهبها عسكر الملك المسعود إلى العصر، ودامت ولايته عليها إلى أن مات في سنة ست وعشرين وستمائة.
ووليها نيابة عن الملك المسعود نور الدين عمر بن علي بن رسول الذي ولي السلطنة بعده ببلاد اليمن، وقصده حسن بن قتادة بجيش جاء به من ينبع؛ فخرج إليه نور الدين، وانكسر حسن.
وولي مكة للملك المسعود الأمير حسام الدين ياقوت بن عبد الله الملكي المسعودي؛ لأني وجدت مكتوبا ببيع دار بمكة بأمر ياقوت المذكور، وترجم فيه بأمير الحاج والحرمين ومتولي الحرب بمكة ومدبر أحوال الجند بها والرعية، بالتولية الصحيحة الملكية المسعودية المتصلة بالأوامر الملكية الكاملية، وتاريخ المبيع ثالث جمادى الآخرة سنة خمس وعشرين وستمائة، فاستفدنا من هذا ولاية ياقوت لمكة في هذا التاريخ2.
وولي مكة بعد الملك المسعود والده الملك الكامل، ودامت ولايته إلى شهر ربيع الآخر سنة تسع وعشرين.
ثم وليها نائب ابنه المسعود، ونائبه أيضا على اليمن: نور الدين بن عمر بن علي ابن رسول بعد أن بويع بالسلطنة في بلاد اليمن؛ لأنه بعث إلى مكة جيشا معهم راجح بن قتادة الحسني، فأخرجه من مكة متوليها للملك الكامل طغتكين، وهرب إلى ينبع، وعرف الملك الكامل بذلك، فجهز إليه جيشا كثيفا، مقدمهم الأمير فخر الدين ابن الشيخ علي -على ما قيل، ووصل طغتكين مع الجيش إلى مكة، فأخرجوا منها راجحا ومن معه من أهل اليمن، واستولى عليها طغتكين، وقيل: على الدرب كثيرا من أهل مكة؛ لخذلانهم له في النوبة الأولى، وكان استيلاؤه على مكة في رمضان من هذه السنة.
وذكر ابن محفوظ ما يوهم أن أمير مكة من قبل الكامل الذي أخرجه عسكر صاحب اليمن، وأخرجهم هو منها في السنة المذكورة غير طغتكين؛ لأنه قال: وفي سنة تسع وعشرين وستمائة جهز الملك المنصور في أولها جيشا إلى مكة "وراجح" معه،
1 إتحاف الورى 2/ 32، الذيل على الروضتين "ص: 123"، النجوم الزاهرة 6/ 251.
2 إتحاف الورى 3/ 44، العقد الثمين 7/ 425.
فأخذها، وكان فيها أمير الملك الكامل يسمى شجاع الدين الدغكيني1؛ فخرج هاربا إلى نخلة2، وتوجه منها إلى ينبع، وكان الملك الكامل توجه إليه بجيش، ثم جاء إلى مكة في رمضان؛ فأخذها من نواب الملك المنصور، وقتل من أهل مكة ناسا كثيرا على الدرب، وكانت الكسرة على من بمكة
…
انتهى.
وهذا الذي ذكره ابن محفوظ في تسمية أمير مكة الكامل في هذا التاريخ وهم لتفرده به فيما علمت، والقصة واحدة، والصواب أنه الأمير طغتكين، فقد سماه طغتكين غير واحد، والله أعلم.
وقيل: إن فخر الدين ابن الشيخ كان على مكة لما وصلها عسكر صاحب اليمن، في سنة تسع وعشرين، ثم وليها عسكر صاحب اليمن مع راجح بن قتادة بغير قتال في صفر سنة ثلاثين، ثم وليها في آخر هذه السنة عسكر الملك الكامل، وكان المقدم على عسكر الملك الكامل أميرا يقال له: الزاهد، وترك في مكة أميرا يقال له: ابن مجلي.
ثم وليها في سنة إحدى وثلاثين عسكر الملك المنصور صاحب اليمن، مع راجح بن قتادة.
ثم وليها عسكر الملك الكامل، وكان عسكرا كبيرا في ألف فارس، وقيل: سبعمائة، وقيل: خمسمائة فارس وخمسة من الأمراء، مقدمهم: الأمير جفريل، ودامت ولايته عليها للملك الكامل إلى سنة خمس وثلاثين.
ثم وليها الملك المنصور في هذه السنة، وكان سار إليها بنفسه، ودخلها بعد أن فارقها جفريل ومن معه. وكان دخول المنصور إلى مكة في رجب، وكان معه ألف فارس على ما قيل، ودامت ولايته عليها إلى سنة سبع وثلاثين، وقرر فيها رتبة مائة وخمسين فارسا، وقدم عليهم: ابن الوليدي وابن التغري.
ثم وليها الملك الصالح أيوب ابن الملك الكامل صاحب مصر؛ لأنه جهز إليها ألف فارس مع الشريف شيحة صاحب المدينة، واستولوا على مكة بغير قتال في سنة سبع وثلاثين3.
ثم وليها عسكر الملك المنصور، بعد أن هرب منها شيحة ومن معه، لما سمعوا بقدوم عسكر صاحب اليمن.
ثم وليها عسكر الملك الصالح في سنة ثمان وثلاثين4.
1 في إتحاف الورى 3/ 48: "الطغتكيني".
2 شفاء القلوب "ص: 365".
3 إتحاف الورى 3/ 56، العقد الثمين 6/ 346، غاية الأماني 1/ 242، العقود اللؤلؤية 1/ 64.
4 إتحاف الورى 3/ 57، العقود اللؤلؤية 1/ 69.
وممن وليها للملك الصالح: الأمير شهاب الدين أحمد التركماني.
ثم وليها المك المنصور في سنة تسع وثلاثين، وسار إليها في هذه السنة بنفسه، ودخلها في رمضان بعد أن فارقها المصريون خوفا منه، ودامت ولايته عليها حتى مات. وأمر على مكة في هذه السنة مملوكة الأمير فخر الدين الشلاح، وابن فيروز، وجعل الشريف أبا سعد بن علي بن قتادة الحسني بالوادي مساعدا لعسكره، وكان قد استدعاه من ينبع وأحسن إليه، واشترى منه قلعة ينبع، وأمره بخرابها حتى لا يبقى قرارا للمصريين، واستمر مملوكة "الشلاح" على نيابة مكة إلى سنة ست وأربعين وستمائة، على ما ذكر بعض مؤرخي اليمن في عصرنا1.
ووليها للمنصور في هذه السنة ابن المسيب، ووجدت بخط الميورقي أن ابن المسيب قدم مكة لعزل "الشلاح" في منتصف ربيع الأول سنة خمس وأربعين، وهذا يخالف ما سبق، والله أعلم2.
وولي مكة بعد أبي المسيب: أبو سعد حسن بن علي بن قتادة الحسني بعد قبضه على ابن المسيب في ذي القعدة، وقيل: في شوال سنة سبع وأربعين.
ودامت ولايته إلى أن قتل لثلاث خلون من شعبان سنة إحدى وخمسين وستمائة، وقيل: إنه قتل في رمضان منها3.
ثم ولي مكة بعده أحد قتلته جماز بن حسن بن قتادة الحسني، ودامت ولايته إلى آخر يوم من ذي الحجة سنة إحدى وخمسين4.
ثم وليها بعد جماز: عمه راجح بن قتادة الحسني الذي كان يليها مع عسكر صاحب اليمن، ودامت ولايته عليها إلى شهر ربيع الأول سنة اثنين وخمسين.
ثم وليها بعد جماز: عمه راجح بن قتادة الحسني الذي كان يليها مع عسكر صاحب اليمن، ودامت ولايته عليها إلى شهر ربيع الأول سنة اثنين وخمسين.
ثم وليها بعده: إدريس بن قتادة، وأبو نمي بن أبي سعد بن علي بن قتادة بعد قتال مات فيه ثلاثة نفر، ودامت ولايتهما عليها إلى الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة اثنتين وخمسين وستمائة5.
1 إتحاف الورى 2/ 58، درر الفرائد "ص: 227، السلوك 1/ 2:312.
2 إتحاف الورى 3/ 67، العقود اللؤلؤية 1/ 77.
3 إتحاف الورى 3/ 68، العقود اللؤلؤية 1/ 78.
4 إتحاف الورى 3/ 74، درر الفرائد "ص: 278".
5 إتحاف الورى 3/ 76، العقود اللؤلؤية 1/ 15.
ثم وليها: المبارز علي بن حسين بن برطاش؛ لأن الملك المظفر ابن الملك المنصور صاحب اليمن جهز بن برطاش إلى مكة في مائتي فارس، وتقاتل مع إدريس وأبي نمي ومن معهما؛ فكان الظفر لابن برطاش، ودامت ولايته عليها إلى يوم السبت لأربع ليال بقين من المحرم سنة ثلاث وخمسين وستمائة1.
ثم وليها إدريس، وابن أخيه أبو نمي؛ لأنهم قاتلوا ابن برطاش في هذا التاريخ، وسفكت الدماء بالحجز من المسجد الحرام، وأسر ابن برطاش، ففدا نفسه، وخرج ابن برطاش ومن معه من مكة2.
ثم وليها أبو نمي بمفرده في سنة أربع وخمسين، لما راح عمه إدريس إلى أخيه راجح بن قتادة.
ثم عاد إدريس لمشاركة أبي نمي في الإمرة؛ لأن راجح بن قتادة جاء مع عمه إدريس، وأصلح بينه وبين أبي نمي على ذلك.
ثم ولي مكة أولاد حسن بن قتادة، وأقاموا بها ستة أيام من سنة ست وخمسين، بعد أن لزموا إدريس بن قتادة3.
ثم جاء أبو نمي وأخرجهم منها، ولم يقتل منهم أحدا، ودامت ولاية إدريس، وأبي نمي على مكة إلى سنة سبع وستين وستمائة.
ثم انفرد فيها أبو نمي بالإمرة قليلا، ثم اصطلح مع إدريس، وعادا للإمرة في السنة المذكورة، ودامت ولايتهما إلى ربيع الأول سنة تسع وستين وستمائة.
ثم انفرد بها إدريس أربعين يوما، ثم قتل بعدها في هذه السنة بخليص4.
ووليها أبو نمي ودامت ولايته عليها إلى سنة سبعين وستمائة.
ثم وليها في صفر منها: جماز بن شيحة صاحب المدينة، وغانم بن إدريس بن حسن بن قتادة صاحب ينبع.
ثم وليها أبو نمي بعد أربعين يوما من سنة سبعين وستمائة، وأخرج منها المذكورين5 ودامت ولايته عليها إلى سنة سبع وثمانين وستمائة.
1 إتحاف الورى 3/ 77، العقد الثمين 6/ 152، غاية المرام 2/ 44.
2 إتحاف الورى 3/ 78، العقد الثمين 7/ 3، غاية المرام 2/ 47.
3 إتحاف الورى 3/ 80، السلوك 1/ 2:412.
4 خليص: قرية قريبة من مكة في طريق المدينة المنورة، وانظر: إتحاف الورى 3/ 99، العقد الثمين 1/ 460، درر الفرائد "ص: 83".
5 إتحاف الورى 3/ 101، العقد الثمين 1/ 461 و7/ 3.
ثم وليها جماز بن شيحة صاحب المدينة، وأقام بها إلى آخر السنة وذلك مدة يسيرة.
ثم وليها أبو نمي، ودامت ولايته عليها إلى قبل وفاته بيومين، وكانت وفاته يوم الأحد رابع صفر سنة إحدى وسبعمائة، وكانت إمرته على مكة خمسين سنة شريكا ومستقلا؛ وإمرته المستقلة تزيد على ثلاثين سنة يسيرا، وذكر صاحب "بهجة الزمن" أن إمرته أزيد من خمسين سنة، وفي ذلك نظر بيناه في ترجمته، ويظهر ذلك مما ذكرناه في تاريخ ابتداء ولايته.
وأما إمرة عمه إدريس التي اشترك فيها مع أبي نمي فنحو ثمانية عشرة عاما، وإمرة عمه المستقلة أربعون يوما.
وولي مكة في حال ولايتها للسلطان الملك الظاهر بيبرس صاحب مصر، أمير يقال له: شمس الدين مروان نائب الأمير عز الدين جاندار ولاه الملك الظاهر بسؤال إدريس، وأبي نمي له في ذلك، ليرجع أمرهما إليه، ويكون الحل والعقد على يديه، على ما ذكره مؤلف سيرة الملك الظاهر1؛ وذلك في السنة التي حج فيها الملك الظاهر سنة سبع وستين وستمائة، وخرج مروان هذا من مكة سنة ثمان وستين.
وولي مكة بعد أبي نمي ابناه: حميضة ورميثة ابنا أبي نمي في حياته، ودعي لهما على قبة زمزم يوم الجمعة ثاني صفر سنة إحدى وسبعمائة، قبل وفاة أبيهما بيومين، ودامت ولايتهما إلى موسم هذه السنة، ثم قبض عليهما2.
وولي عوضهما أخواهما أبو الغيث3 وعطيفة4، وقيل: أبو الغيث، ومحمد بن إدريس بن قتادة الحسني، وكان المتولي لذلك الأمير بيبرس الجاشنكير الذي كان أستاذا للملك الناصر محمد بن قلاوون، وصار سلطانا بعده في آخره سنة ثمان وسبعمائة، بموافقة من حج معه من الأمراء في هذه السنة، تأديبا لحميضة ورميثة على إساءتهما إلى أخويهما: أبي الغيث وعطيفة.
ثم عاد حميضة، ورميثة إلى إمرة مكة في سنة ثلاث وسبعمائة، وقيل: في سنة أربع وسبعمائة، بولاية من الملك الناصر صاحب مصر، ودامت ولايتهما إلى موسم سنة ثلاث عشر وسبعمائة، ثم وليها أبو الغيث بن أبي نمي بولاية من الملك الناصر، وجهز
1 الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر "ص: 351 و352".
2 الدرر الكامنة 3/ 188، رقم 11، غاية المرام 2/ 53 و78 إتحاف الورى 3/ 134.
3 الدرر الكامنة 3/ 218، رقم 529، غاية المرام 2/ 113، إتحاف الورى 3/ 137.
4 الدرر الكامنة 3/ 455، رقم 2628، غاية المرام 2/ 113، إتحاف الورى 3/ 137.
له عسكرا مصر والشام، بعد أن عزل حميضة ورميثة لكثرة الشكوى إليه منهما، ولم يصل أبو الغيث العسكر المجهز له إلى مكة إلى بعد أن فارقها "حميضة" و"رميثة" ولم تطل ولاية أبي الغيث على مكة؛ لأنه لسوء تدبيره قصر في حق من جهز معه من العسكر، وضاق بهم؛ فكتب لهم بخطه باستغنائه عنهم، ففارقوه بعد شهرين؛ فلم يملك بعد أن فارقوه إلا جمعة حتى وصل إليه حميضة وحاربه، فغلب حميضة أبا الغيث، ولجأ إلى هذيل بنخلة1 مكسورا، وأرسل حميضة إلى السلطان الملك الناصر ليستعطفه، فلم يرض عنه، وأرسل أبو الغيث يستنصر السلطان فوعده بالنصر، ثم التقى الأخوان في رابع ذي الحجة سنة أربع عشرة، فأسر حميضة أبا الغيث، ثم قتله2، ودامت وليته على مكة إلى شعبان سنة خمس عشرة وسبعمائة.
ثم وليها رميثة في هذه السنة3 بولاية من الملك الناصر وجهز معه عسكرا كثيرا، ولم يصلوا مكة إلا بعد أن فارقها حميض؛ فقصده إلى الخلف والخليف، وكان لجأ إليه يستحصن به؛ فلم يظفروا به، وانهزم إلى العراق، وقصد خربندا.
ودامت ولاية "رميثة" إلى انقضاء الحج من سنة سبع عشرة، أو أول سنة ثمان عشرة.
ثم وليها حميضة بعد رجوعه من العراق، وأخرج منها رميثة إلى نخلة بموافقة أهل مكة له على ذلك، ويقال: إن ذلك بموافقة "رميثة" أيضا، ويقال: إنه قطع خطبة الملك الناصر وخطب لصاحب العراق أبي سعيد خربندا، ولم تطل ولاية حميضة هذه؛ لأن الملك الناصر لما علم بفعله جهز إليه في ربيع الآخر سنة ثمان عشرة جيشا4. وأمرهم ألا يعودوا إلى بحميضة، فلم يظفروا به، ودام مهججا في البرية إلى أن قتل سنة عشرين وسبعمائة5، ولما انقضى الموسم من سنة ثمان عشرة قبض على مقدم العسكر الأمير بهادر الإبراهيمي لاتهامه بالتقصير في القبض على حميضة، وعلى رميثة، لاتهامه بأن ما يفعله أخوه من الشغب بموافقة، وحملهما إلى القاهرة.
وولي مكة: عطيفة بن أبي نمي بولاية من ملك الناصر: وجهز معه عسكرا؛ وذلك في المحرم سنة تسع عشرة وسبعمائة6. ولما وصلوا إلى مكة كثر بها الأمن
1 نخلة اليمانية: وهي جنوب مكة، وتمتد إلى الشامية، ونخلة اليمانية مشهورة عند أهل مكة، فيقولون: طريق اليمانية للذاهب إلى الطائف عن طريقها.
2 الدرر الكامنة 2/ 79، إتحاف الورى 3/ 153، درر الفرائد "ص: 294 و295".
3 الدرر الكامنة 2/ 111.
4 إتحاف الورى 3/ 159.
5 الدرر الكامنة 2/ 81، إتحاف الورى 3/ 168.
6 الدرر الكامنة 2/ 456، العقد الثمين 2/ 113، إتحاف الورى 3/ 163.
ودامت ولاية عجلان بمفرده إلى سنة ثمان وأربعين1.
ثم وليها معه أخوه ثقبة، ودامت ولايته إلى سنة خمسين وسبعمائة، ثم استقل ثقبة بالإمرة في هذه السنة لما توجه فيها عجلان إلى مصر، ثم استولى عجلان على مكة في خامس شوال من سنة خمسين، ودامت ولايته إلى موسم سنة اثنين وخمسين.
ثم وليها "ثقية" مع أخيه عجلان في موسم هذه السنة، بموافقة منهما على ذلك، وكان ثقبة قد وليها بمفرده في هذه السنة فلما وصلا إلى مكة في ذي القعدة من هذه السنة، لم يمكنه عجلان من البلاد؛ فأقام بخليص حتى جاء مع الحاج، وأصلح أمير الحاج بينه وبين أخيه على المشاركة في الإمرة2.
ثم استقل "ثقبة" بالإمرة في أثناء سنة ثلاث وخمسين، بعد قبضة على أخيه "عجلان"، واستمر:"ثقبة" إلى أن قبض عليه في موسم سنة أربع وخمسين3.
ووليها بعده أخوه عجلان، واستمر "عجلان" منفردا بالإمرة إلى أن اصطلح هو وأخوه "ثقبة" على الاشتراك فيها في تاسع عشر المحرم سنة سبع وخمسين4.
ثم وليها عجلان بمفرده في موسم هذه السنة.
ثم اشتركا في الإمراء في موسم سنة ثمان وخمسين، ودامت ولايتهما إلى أن عزلا في أثناء سنة ستين وسبعمائة بأخيهما "سند بن رميثة"، وابن عمهما "محم بن عطيفة ابن أبي نمي"، وجهز مع ابن عطيفة من مصر عسكرا فيه أربعة أمراء، مقدم الأمير جركتمر المارداني5 صاحب الحجاب بالقاهرة، وكان وصولهم مع ابن عطيفة إلى مكة في جمادى الآخر سنة ستين وسبعمائة، وكان سند باليمن مع إخوته؛ فوصل إلى مكة ولاءم الأمراء، ودامت ولايته وولايته ابن عطيفة إلى أن رحل الحاج من مكتة في سنة إحدى وستين وسبعمائة.
ثم زالت ولاية ابن عطيفة بأثر ذلك، وسبب زوالها أن بعض بني حسن جرح بعض الترك الذين جهزهم الملك الناصر حسن ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون للإقامة بمكة، عوض "جركتمر" ومن معه من الأحرار، لتأييد سند وابن عطيفة في إمرة مكة؛ فغضب للتركي الأتراك، وغضب للحسني بنو حسن، وتخلى محمد بن عطيفة عن
1 الدرر الكامنة 2/ 112، غاية المرام 2/ 137.
2 إتحاف الورى 3/ 253، السلوك للمقريزي 2/ 3:839.
3 إتحاف الورى 3/ 257، درر الفرائد "ص: 260".
4 إتحاف الورى 3/ 269.
5 الدرر الكامنة 1/ 534.
الفريقين، وظن أن أمره بمكة يكون مستقيما، وإن لم يكن العسكر بن مقيما؛ فقدر أن الترك انكسروا، وفي المسجد حصروا، وبما خف من أموالهم رحلوا، فرحل ابن عطيفة في إثرهم لتخوفه في المقام بعدهم، بسبب ما كان بين ذوي عطيفة والقواد والقتل، وهكذا ذكر لي رحيل ابن عطيفة بعد العسكر من يعتمد على خبره من أهل مكة، ووجدت بخط بعض أصحابنا، فيما نقله من خط ابن محفوظ، ما نصه بعد ذكره لهذه الحادثة: وراحوا1 الأمراء، وقعد محمد بن عطيفة، وسند في البلاد
…
انتهى، والله أعلم بصحة ذلك.
وكان "ثقبة" جاء إلى مكة بإثر هذه الفتنة، واشترك مع أخيه "سند" في هذه الإمراء، إلى أن مات في شوال سنة اثنين وستين وسبعمائة2.
وولي مكة في هذه السنة "عجلان"، وكان بمصر معتقلا؛ فأطلقه الأمير يلبغا المعروف بالخاسكي3، لما صار إليه تدبير المملكة، بعد قتل الملك الناصر حسن، وولي معه في الأمراء أخاه ثقبة، بسؤال عجلان، ووصل عجلان إلى مكة وثقبة عليل، ولم يدخل مكة حتى مات ثقبة؛ فولي معه في الإمراء ابنه أحمد بن عجلان4؛ وذلك في شوال سنة اثنتين وستين، وجعل له ربع المتحصل يصرفه في خاصة نفسه، وعلى عجلان كافية العسكر، ثم إن "سندا" استولى على "جده" ونازع في الإمراء، فلم يتم له أمر، واخترمته المنية، ودامت ولاية عجلان وابنه إلى سنة أربع وسبعين وسبعمائة، ثم انفرد أحمد بن عجلان بالإمرة بسؤال أبيه له في ذلك على شروط شرطها، منها: أن لا يقطع اسمه في الخطبة، والدعاء على زمزم، فوفى له ابنه بذلك.
واستمر أحمد منفردا بالإمرة، إلى أن وليها معه ابنه محمد بن أحمد بن عجلان في سنة ثمانين وسبعمائة بسؤال أبيه على ما بلغني؛ إلا أن أباه لم يظهر لولاية محمد أثرا لاستبداده بالإمرة؛ وذلك لصغر سن ابنه، ودامت ولايتهما إلى أن مات أحمد بن عجلان في حادي وعشرين شعبان سنة ثمان وثمانين.
ثم استقل محمد بن أحمد بالإمرة، حتى قتل في مستهل ذي الحجة من هذه السنة، وكان عمه كبيش يدبر له الأمر، ولما قتل هرب، وكان رأيه أن ابن أخيه لا يحضر لخدمة المحمل؛ فلم يسمع منه وحضر فقتل، ولكنه فاز بالشهادة،
1 هذه لغة ضعيفة، والصواب أن يقال: وراح الأمراء.
2 الدرر الكامنة 1/ 531.
3 في ترجمته في الدرر الكامنة 4/ 438 رقم 1218.
4 الدرر الكامنة 1/ 201، غاية المرام 2/ 181.
ثم وليها بعد قتل محمد: عنان بن مغامس بن مريثة بن أبي نمي1، واستولى على جدة أيضا، ثم استولى على جدة كبيش بمن معه من العرب وغيرهم، ونبهت الأموال التي بجدة للحضارم والغلال التي فيها لبعض الدولة بمصر، والتف عليهم لطمع بعض أصحاب عنان، ثم انتقلوا إلى الوادي، وعات العبيد في الطرقات، وعنان مقيم بمكة.
واشترك معه في الإمرة بنو عمه: أحمد بن ثقبة2، وعقيل بن مبارك بن رميتة3، ثم أشرك عنان في الأمرة: علي بن مبارك4، بعد مفارقته لكبيش ومن معه وملاءمته لعنان، وكان يدعى لهم معه على زمزم، ورأى أن ذلك تقوية لأمره؛ فكان الأمر بخلاف ذلك، لكثرة ماحصل عليه من الاختلاف، ونمى الخبر إلى السلطان بمصر، فعزل عنانا، وولي عوضة "علي بن عجلان بن رميثة"، ووصل الخبر بولايته في شعبان سنة تسع وثمانين، وتوجه "علي" مع "كبيش" وآل عجلان، ومن جمعوا إلى مكة؛ فلم يمكنهم منها عنان وأصحابه، واقتتلوا في التاسع والعشرين من شعبان سنة تسع وثمانين بأذاخر5. فتقل "كبيش" وغيره ممن معه، ورجع آل عجلان إلى الوادي، ودخل عنان وأصحابه مكة وأقاموا بها إلى أن كان الموسم من سنة تسع وثمانين، ثم فارقوها وقصدوا الزيمة6 من وادي نخلة، ودخل مكة "علي بن عجلان" وجماعته، وكان قد توجه بعد وقعة أذاخر إلى السلطان بمصر، فولاه نصف إمرة مكة، وولي عنانا النصف الآخر، بشرط حضور عنان إلى خدمة المحمل المصري، وبلغ عنان النصف الآخر؛ فلما كاد أن يصل إليه خوف من آل عجلان عنان، ففر وتبعه أصحابه إلى الزيمة، وبعد رحيل الحاج من مكة نزلوا الوادي وشاركوا "علي بن عجلان" في إمرة جدة، ثم سافر عنان إلى مصر في أثناء سنة تسعين، واعتقل بها في السنة التي بعدها واصطلح "علي بن عجلان" والأشراف، واستمر منفردا بالإمرة إلى أن شاركه فيها عنان في أثناء سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة، بولاية من الملك الظاهر7 في ابتداء دولته الثانية، ووصل إلى مكة من القاهرة في نصف شعبان من السنة المذكورة، واصطلح مع آل عجلان، وكان معه القواد، ومع "علي" الشرفاء، وكانوا غير متمكنين من القيام بمصالح البلد كما ينبغي؛ لمعارضة بني حسن لهما في ذلك، ودامت ولايتهما8 على هذه الصفة إلى الرابع والعشرين من صفر سنة أربعة وتسعين وسبعمائة.
1 ترجمته في الضوء اللامع 6/ 147، غاية المرام 2/ 200.
2 الضوء اللامع 1/ 266، غاية المرام 2/ 223.
3 الضوء اللامع 5/ 1049، غاية المرام 2/ 224.
4 الضوء اللامع 5/ 149، غاية المرام 2/ 225.
5 أذاخر اسم للجبل الذي بشرقي مكة، وخلف واد أذاخر.
6 الزيمة معروفة في طريق الطائف وبها بساتين ومزارع.
7 هو الظاهر برقوق أول المماليك في مصر.
8 غاية المرام 2/ 227.
ثم انفرد بها علي بن عجلان، وسبب ذلك أن بعض جماعته1 هم بالفتك بعنان في السمعي؛ فلم يظفروا به لفراره منهم، ولم يدخل مكة إلا أن استدعى هو، وعلي بن عجلان للحضور إلى السلطان بمصر، ودخلها ليتجهز منها بعد أن أخليت له من العبيد، وأقام بها مدة قصيرة، ثم خرج فتوجه إلى مصر، ولحقه علي بن عجلان، وترك بمكة أخاه محمد بن عجلان مع العبيد، وتخلف عنان بمصر، وجاء "علي" إلى مكة في موسم سنة أربع وتسعين منفردا بولاية مكة، ودامت ولايته عليها إلى أن استشهد في تاسع شوال سنة سبع وتسعين.
وكان في غالب ولايته مغلوبا مع الأشراف، وسبب ذلك أنه بعد شهر من وصوله من مصر قبض على جماعة من أعيان الأشراف والقواد، ثم خودع فيهم؛ فأطلقهم، وصاروا يشوشون عليه، ويكلفون ما لا تصل قدرته إليه، وأفضى الحال من تشويشهم عليه إلى أن قل الزمان بمكة، "وجدة"، فقصد التجار "ينبع"، ولحق أهل مكة من ذلك شدة.
ولما قتل بأمر مكة أخوه "محمد بن عجلان" مع العبيد، إلى أن وصل أخوه السيد الشريف حسن بن عجلان2 من الديار المصرية، بولاية مكة عوض أخيه، وكان قدم مصر في سنة سبع وتسعين مغاضبا لأخيه، فاعتقله السلطان، ثم رضي عنه وولاه مكة بعد قتل أخيه، ودخل مكة في الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين، وضبط أحوال البلاد وحسم مواد الفساد، وأخذ بثأر أخيه من الأشراف في حرب كانت بينه وبينهم، بمكان من وادي مر، يقال له الزبادة، في يوم الثلاثاء خامس عشر من شوال من السنة المذكورة، وكان المقتولون من الأشراف وجماعتهم نحو أربعين نفرا، ولم يقتل من عسكر السيد حسن إلا واحدًا أو اثنان. واستمر مفردا بالولاية إلى أن اشترك معه فيها ابنه السيد بركات3؛ وذلك في سنة تسع وثمانمائة، ووصل توقيعه بذلك في موسم هذه السنة، وهو مؤرخ بشعبان منها.
ثم سعي لابنه السيد شهاب الدين أحمد بن حسن4 في نصف الإمرة التي كانت معه، فأجيب إلى سؤاله، وولي نصف الإمرة شريكا لأخيه، وولي أبوهما نيابة السلطنة لجميع بلاد الحجاز؛ وذلك في ربيع الأول سنة إحدى عشر وثمانمائة، وجرى توقيعهم بذلك في أوائل النصف الثاني من شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة، وصار يدعى له
1 غاية المرام 2/ 227.
2 الضوء اللامع 3/ 103- 105 رقم 417، غاية المرام 2/ 246.
3 الضوء اللامع 3/ 13، 14 رقم 50، غاية المرام 2/ 392.
4 الضوء اللامع 1/ 274، غاية المرام 2/ 467.
ولولديه في الخطبة بمكة، وعلى قبة زمزم، ويدعى للسيد حسن بمفرده في الخطبة بالمدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام. وسبب ذلك: أنه كان ولي المدينة عجلان بن نعير بن منصور بن جماز بن شيحة الحسني1، عوض أخيه ثابت بن نعير2؛ فإنه كان ولي إمرتها في هذه السنة، ومات ثابت في صفر من هذه السنة قبل وصوله توقيعه، واسشتمرت الخطبة باسم الشريفة حسن بالمدينة النبوية إلى أن عزل عنها "عجلان" بابن عمهم سليمان بن هبة الله بن جماز بن منصور3، في موسم سنة اثني عشرة وثمانمائة، وكان يقدم في الخطبة على عجلان.
وفي هذه السنة أيضا عزل الشريف حسن وابناه عن ولايتهم، ولم يظهر لذلك أثر بمكة؛ لأن السلطان الملك الناصر4 فرج ابن الملك الظاهر برقوق أسرّ أمر عزلهم، ثم رضي عليهم بعد توجه الحجاج من القاهرة في هذه السنة؛ فأعادهم إلى ولايتهم، وبعث إليهم بتقليد وخلع بصحبة خادمه الحاج فيروز الشاقي5، وكتب إلى أمير الحج المصري يأمره بالكف عن محاربتهم؛ فأحمد الله -تعالى- الفتنة بذلك، وبدا من الشريف حسن بعد دخول الحجاج إلى مكة أمور محمودة، من حرصه على الكف عن إذاية الحجيج، ولولا ذلك لعظم عليهم البكاء والضجيج، والله يزيده توفيقا ويسهل له إلى كل خير طريقا. وتاريخ ولايتهم في هذه السنة: الثاني عشر من ذي القعدة الحرام، ووصل الخبر بها في آخر يوم من ذي القعدة، وولي السيد حسن المذكور تدبير الأمور والقيام بمصالح العسكر والبلاد، ودامت ولايته على ذلك إلى أثناء صفر سنة ثمان عشرة وثمانمائة.
ثم ولي مكة بعد ذلك: السيد رميثة بن محمد بن عجلان بن رميثة6، وما دخل مكة ولا دعي له في الخطبة ولا على زمزم إلا في العشر الأول من ذي الحجة من السنة المذكورة، وكانت قراءة توقيعه في يوم دخوله إلى مكة، وهو مستهل ذي الحجة من السنة المذكورة، وتاريخه رابعه عشر من صفر؛ وصرح فيه بأنه ولي نيابة السلطنة بالحجاز
1 الضوء اللامع 5/ 145 رقم 497.
2 الضوء اللامع 3/ 50، رقم 194.
3 الضوء اللامع 3/ 270 رقم 1022.
4 وفي عهد فرج وقع الحريق في المسجد الحرام في ليلة السبت لليلتين بقيتا من شوال عام 802هـ، وسببه ظهور نار من رباط رامشت الملاصق لباب الحزورة من أبواب المسجد من الجانب الغربي، ورامشت: هو الشيخ الصوفي الفارسي ابو القاسم إبراهيم بن الحسين، وقفه على الصوفية عام 529هـ، ولما احترق رباط رامشت عام 802هـ أعيد بناؤه وسمي رباط الخاص، وصار ما اختنق من المسجد، وقد أتى هذا الحريق على ثلث المسجد الحرام. ثم قدر الله تعالى عمارته.
5 الضوء اللامع 6/ 175 رقم 595.
6 الضوء اللامع 3/ 230 رقم 868، غاية المرام 2/ 374.
عوضا عن عمه، وإمرة مكة عوضا عن ابن عمه، والله -تعالى- يسدده وإلى الخير يرشده.
ثم عزل عن ذلك في ثامن عشرين من رمضان من سنة تسع عشرة وثمانمائة، وولي عمه السيد الشريف حسن بن عجلان1 دون ولديه إمره مكة، ودخلها لابسا خلعة السلطان الملك المؤيد نصرة الله تعالى بالولاية، في بكرة يوم الأربعاء السادس والعشرين من شوال من هذه السنة، وبإثر طوافه بالبيت قرئ توقيعه، وكان يوما مشهودا، وفي ليلة يوم الأربعاء المذكور فارق مكة السيد رميثة ومن معه بعد حرب شديدة كانت بينهم وبين عسكر السدي حسن بن عجلان بالمعلاة في يوم الثلاثاء خامس عشر من شوال ظهرت فيه عسكر السيد حسن بن عجلان بالمعلاة في يوم الثلاثاء خامس عشر من شوال، ظهرت فيه عسكر السيد حسن علي من عاداهم؛ لأنهم لما أقبلوا من الأبطح ودنوا من باب المعلاة أزالوا من كان على الباب وقربه من أصحاب رميثة بالرمي بالنشاب والأحجاب، وعمد بعضهم إلى باب المعلاة فدهنه وأوقد تحته النار، فاحترق حتى سقط إلى الأرض، وقصد بعضم طرف السور الذي يلي الجبل الشامي مما يلي المقبرة، فدخل منه جماعة من الترك وغيرهم، ورقوا موضعا مرتفعا من الجبل، ورموا منه بالنشاب وبالأحجار من كان داخل الدرب من أصحاب رميثة، فتعبوا لذلك كثيرا، ونقب بعضهم ما يلي الجبل الذي هم فيه من السور نقبا متسعا حتى اتصل بالأرض، ودخل منه جدماعة من الفرسان من عسكر السيد حسن إلى مكة، ولقيهم جماعة من أصحاب رميثة وقاتلوهم حتى أخرجوهم من السور، وقد حصل في الفريقين جراحات، وهي في أصحاب رميثة وقاتلوهم حتى أخرجوهم من السور، وقد حصل في الفريقين جراحات، وهي في أصحاب رميثة أكثر، وقصد بعض أصحاب حسن أصغر من القتال، وكان السيد حسن كارها للقتال رحمة منه لمن مع رميثة من القواد العجزة، ولو أرادوا الدخول إلى مكة بكل عسكره من الموضع الذي دخل منه بعض عسكره لقدر على ذلك، وأمضى الخيرة بترك القتال، وبإثر ذلك وصل إليه جماعة من الفقهاء والصالحين بمكة، ومعهم ربعات شريفة، وسألوه في كف عسكره عن القتال؛ فأجاب إلى ذلك على أن يخرج من عانده من مكة؛ فمضى الفقهاء إليهم وأخبروهم بذلك، فتأخروا عنه إلى جوف مكة بعد أن توثقوا ممن أضار من القتال، ودخل السيد حسن من السور بجميع عسكره، وخيم حول بركتي المعلاة، وأقام هناك حتى أصبح، وأمن المعاندين له خمسة أيام وتوجهوا في أثنائهم إلى جهة اليمن.
وفي صغر من سنة عشرين وثمانمائة أتى السيد رميثة خاضعا لعمه واجتمعا بالشرف؛ فأكرم عمه وفادته، وتآلفا على الكرامة، فلله الحمد.
1 الضوء اللامع 3/ 103 - 105 رقم 417.
ثم في أول سنة أربع وعشرين وثمانمائة فوضت إمرة مكة للسيد حسن بن عجلان وابنه السيد زين الدين بركات1، في أول دولة الملك المظفر أحمد ابن الملك المؤيد، وكتب عنه بذلك عهد شريف مؤرخ بمستهل صفر سنة أربع وعشرين وثمانمائة، وجهز لهما تشريفتين من خزانته الشريفة، ووصل ذلك مع العهد لمكة في ثاني عشر ربيع الأول، وقرئ العهد بالمسجد الحرام بظل زمزم في الحطيم، بحضور القضاة والأعيان في بكرة يوم الأربعاء رابع عشر ربيع الأول، وقرئ بعد ذلك كتاب السلطان الملك المظفر، وهو يتضمن الأخبار بوفاة والده وعهد إليه بالسلطنة ومبايعة أهل الحل والعقد له بذلك، بعد وفاة أبيه وجلوسه على تخت المملكة، وغير ذلك من الأمور التي تصنع للملوك، وتفويضه إمرة مكة للسيد حسن بن عجلان وابنه السيد بركات وبحثهما على مصالح الرعية والتجار، وغير ذلك من مصالح المسلمين بمكة، وتاريخه الرابع عشر من صفر، وفيه أن وفاة الملك المؤيد في يوم الاثنين ثاني المحرم، ولبس السيد بركات تشريفته، وطاف عقب ذلك بالكعبة الشريفة والمؤذن يدعو له على حسب العادة فوق زمزم، وخرج من باب الصفا فركب ودار في شوارع مكة، وكان أبوه إذ ذاك غائبا بناحية الواديين من اليمن، ودامت ولاية السيد حسن بن عجلان وابنه السيد بركات إلى أوائل سنة سبع وعشرين وثمانمائة.
ثم ولي إمرة مكة السيد علي بن عنان بن مغامس بن رميثة الحسني2 بمفرده، وتوجه إليها من مصر صحبة اتلعسكر المنصور الأشرفي، واستولى على مكة بغير قتال؛ لأن السيد حسن وابنه وجماعتهم فارقوها، ودخل السيد علي بن عنان إلى مكة لابسا خلعه الولاية، ضحوة يوم الخميس سادس جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وثمانمائة، وطاف بالكعبة المعظمة سبعا، والمؤذن يدعو له على زمزم، وبعد فراغه من صلاة الطواف قرئ توقيعه بالولاية بظل زمزم، وفيه أنه ولي إمرة مكة عوض السيد حسن بن عجلان، وركب بعد ذلك من باب الصفا، ودار في شوارع مكة والخلعة عليه؛ ثم مضى في ثالث يوم إلى جدة لتنجيل3 ما وصل إليهما من الهند وغير ذلك، ورفق بالقادمين، ودعا بالعسكر المنصور إلى مكة في سابع جمادى الآخرة، وضربت باسمه السكة، وابتدأت الخطبة باسمه السكة، وابتدأت الخطبة باسمه في سابع جمادى الأولى.
واستمر ابن عنان متوليا إلى أول ذي الحجة سنة ثمان وعشرين، وهي هذا التاريخ وصل السيد حسن بن عجلان إلى مكة المشرفة بأمان من صاحب مصر السلطان الأشرف برسباي، ودخل مكة لابسا خلعة الولاية في يوم الأربعاء ذي الحجة من السنة،
1 الضوء اللامع 3/ 13 و14 رقم 50.
2 الضوء اللامع 5/ 272 و273 رقم 914.
3 التنجيل: إنزال التجارة من السفن إلى البر، وهي كلمة شائعة على ألسنة سكان جدة.
وفوضت إليه إمرة مكة، وخطبت له، وتوجه بعد الحج إلى مصر؛ فنال إكراما كثيرا، وقفرر في إمرة مكة في العشرين من جمادى الأولى سنة تسع وعشرين، وهو عليل، واستمر كذلك حتى وفي في سادس عشر جمادى الآخر من السنة المذكورة بالقاهرة بعد أن تجهز للسفر إلى مكة.
ثم إن السلطان استدعى ولده السيد بركات بن حسن بن عجلان إلى مصر؛ فقدمها في ثالث عشرين من رمضان، فوصى إليه إمرة مكة عوضا عن أبيه في سادس وعشرين من رمضان من السنة، واستقر إخوة السيد إبراهيم1 نائبا عنه، وخلع عليهما تشريفتين، وتوجها إلى مكة في عاشر شوال من السنة؛ فوصلوا إليها في أوائل العشر الأوسط من ذي القعدة منها، وقرئ عهد الشريف بركات بالولاية وليس الخلعة.
هذا ما علمناه من خبر ولاة مكة في الإسلام، وقد أوعينا في تحصيل ذلك الاجتهاد، وما ذكرناه من ذلك غير واف بكل المراد؛ لأنه خفي علينا جماعة من ولاة مكة، وخصوصًا ولاتها من زمن المعتمد وإلى ابتداء ولاية الأشراف في آخر خلافة المطيع العباسي، وخفي علينا كثير من تاريخ ابتداء ولاية كثير منهم وتاريخ انتهائها، ومع ذلك فهذا الذي ذكرناه من ولاة مكة ليس له في كتاب نظير والذي لم نذكره من الولاة هو اليسير، وسبب الإقلال في ذلك والتقصير ما ذكرناه من أنا لم نر مؤلفا في هذا المعنى نستضيء به، وذلك مع المقدور لعدم العناية بتدوين كل قضية من أحوال الولاة عند وقوعها. وقد شرحنا كثيرا من أحوالهم، وما أجملناه من أخبارهم في كتابنا المسمى "بالعقد الثمين في تاريخ البلد الأمين"، وفي مختصره المسمى:"عجالة القرى للراغب في تاريخ أم القرى"؛ فمن أراد معرفة ذلك فليراجع أحد الكتابين؛ فإنه يعلم من حالهم أمورا كثيرا، وفي هذين الكتابين فوائد كثيرة مستغرفبة وأخبار مستعذبة.
والحمد لله على التوفيق، ونسأله الهداية إلى أحسن طريق.
1 الضوء اللامع 1/ 41.