الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب السابع: في ذكر آبار المدينة وفضلها
اعلم أنه قد نقل أهل السير أسماء آبار بالمدينة شرب منها النبي صلى الله عليه وسلم وبصق فيها إلا أن أكثرها لا يعرف اليوم فلا حاجة في ذكرها، ونحن نذكر الآبار التي هي اليوم موجودة معروفة على ما يذكر أهل المدينة والعهدة عليهم في ذلك، ونذكر ما جاء في فضلها.
فأول ذلك بئر حا 1:
روى البخاري في الصحيح من حديث أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة أكثر أنصار المدينة مالًا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بئر حا، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها، ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إن الله عز وجل يقول: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} ، وإن أحب أموالي إلي بئر حا وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بخ بخ ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين" فقال أبو طلحة: أَفعَلُ يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه.
قلت: وهذه البئر اليوم وسط حديثة صغيرة جدا وعندها نخلات ويزرع حولها، وعندها بيت مبني على علو من الأرض وهي قريبة من سور المدينة وهي ملك لبعض أهل المدينة وماؤها عذب حلو، وذرعتها فكان طولها عشرة أذرع ونصف ماء، والباقي بنيان، وعرضها ثلاثة أذرع وشبر، وهي مقابلة المسجد كما ذكرت في الحديث.
ثم بئر أريس:
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري أنه توضَّأ في بيته ثم خرج فقال: لألزمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأكونن معه يومي هذا، قال: فجاء المسجد فسأل عن النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: خرج وجه ههنا، فخرجت على أثره أسأل عنه حتى دخل بئر أريس2، قال: فجلست عند الباب وبابها من جريد حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجته وتوضأ، فقمت إليه فإذا هو قد جلس على بئر أريس وتوسط قُفَّها3 وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر،
1 هي في شمال شرقي المدينة ولا يفصلها عنها إلا مسافة قليلة جدًّا.
2 هي في غرب المدينة، وسميت باسم صاحبها، وهي مشهورة ببئر الخاتم، لسقوط خاتم الرسول فيها من يد عثمان بن عفان.
3 هو ما ارتفع من فم البئر على وجه الأرض.
قال: فسلمت عليه، ثم انصرفت، فجلست عند الباب، فقلت: لأكونن بواب رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم، فجاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه فدفع الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر، فقلت: يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن، فقال:"ائذن له وبشره بالجنة"، قال: فأقبلت حتى قلت لأبي بكر: ادخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبشرك بالجنة، قال: فدخل أبو بكر، فجلس عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم معه في القف، ودلى رجليه في البئر كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكشف عن ساقيه، ثم رجعت فجلست، وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني، فقلت: إن يرد الله بفلان خيرا -يريد أخاه- يأتِ به فإذا إنسان يحرك الباب فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب، فقلت: على رسلك ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه وقلت: هذا عمر بن الخطاب يستأذن، فقال:"ائذن له وبشره بالجنة" فجئت عمر فقلت: ادخل ويبشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، قال: فدخل فجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في القف ثم رجعت فجلست، فقلت: إن يرد الله بفلان خيرا -يعني أخاه- يأت به، فجاء إنسان فحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان فقلت: على رسلك قال: وجئت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: "ائذن له وبشره بالجنة مع بلوى تصيبه"، قال: فجئت وقلت: ادخل ويبشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة مع بلوى تصيبك، قال: فدخل فوجد القف قد ملئ فجلس وجاههم من الشق الآخر.
وقد أخرج البخاري في صحيحه هذا الحديث فزاد فيه ألفاظا ونقص، وقال: فدخل عثمان فلم يجد معهم مجلسا، فتحول حتى جاء مقابلهم عن شقة البئر فكشف عن ساقيه ثم دلاهما في البئر؛ وقال البخاري: قال سعيد بن المسيب: فتأولت ذلك قبورهم اجتمعت ههنا وانفرد عثمان.
وروى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ورق، أي فضة، وكان في يده ثم كان في يد أبي بكر ثم كان بعد في يد عمر ثم كان في يد عثمان حتى وقع منه في بئر أريس.
وروى البخاري في الصحيح من حديث أنس قال: كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم في يده وفي يد أبي بكر وبعده وفي يد عمر بعد أبي بكر فلما كان عثمان جلس على بئر أريس فأخرج الخاتم فجعل يعبث به فسقط، قال: فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان ننزح البئر فلم نجده.
قلت: وهذه البئر مقابلة مسجد قباء وعندها مزارع ويستقى منها، وماؤها عذب، وذرعتها فكان طولها أربعة عشر ذراعا وشبرا، منها ذراعان ونصف ماء، وعرضها خمسة أذرع وطول قُفِّها الذي جلس عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وصاحباه ثلاثة أذرع تشف كفًّا، والبئر تحت أطم عالٍ خراب من حجارة.
ثم بئر بضاعة:
روى أبو داود في السنن من حديث أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقال له: إنه يسقى لك من بئر بضاعة1 وهي بئر يلقى فيها لحوم الكلاب والمحايض وعذر الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الماء طهور لا ينجسه شيء"2.
أنبأنا أبو القاسم الصموت عن الحسن بن أحمد بن عبد الله عن جعفر بن محمد، قال: أنبأنا أبو يزيد المخزومي حدثنا الزبير بن بكار حدثنا محمد بن الحسن عن حاتم بن إسماعيل عن محمد بن أبي يحيى عن أمه قالت: دخلنا على سهل بن سعد في نسوة فقال: لو أني سقيتكن من بئر بضاعة لكرهتن ذلك، وقد -والله- سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي منها.
وحدثنا محمد بن الحسن عن عبد المهمين بن عباس بن سهل عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق في بئر بضاعة، وحدثنا محمد بن الحسن عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى عن مالك بن حمزة بن أبي السيد عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لبئر بضاعة، قال أبو داود السجستاني في السنن: سمعت -والله- قتيبة بن سعيد يقول: سألت قيِّم بئر بضاعة عن عمقها فقلت: أكثر ما يكون فيها الماء؟ قال: إلى العانة، قلت: فإذا نقص قال: دون العورة، قال أبو داود: قدرت بئر بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع، وسألت الذي فتح باب البستان فأدخلني إليه: هل غير بناؤه عما كان عليه؟ فقال: لا، ورأيت فيها ماءً متغير اللون. قلت: وهذه البئر اليوم في بستان وماؤها عذب طيب ولونه صافٍ أبيض، وريحه كذلك ويستقي منها كثيرا، وذرعتها فكان طولها أحد عشر ذراعا وشبرا، منها: ذراعان راجحة ماء والباقي بناء وعرضها ستة أذرع كما ذكر أبو داود في السنن.
ثم بئر غرس:
أخبرنا يحيى بن أسعد بخطه قال: أنبأنا أبو علي الحداد عن أبي نعيم الأصبهاني قال: كُتِب إلى أبي محمد الخواص أن محمد بن عبد الرحمن أخبره قال: أخبرنا الزبير بن بكار حدثنا محمد بن الحسن عن عبد العزيز بن محمد عن سعيد بن عبد الرحمن بن قيس، قال: جاءنا أنس بن مالك بقباء فقال: أين بئركم هذه؟ يعني بئر غرس3 فدللناه
1 هي بالقرب من سقيفة بني ساعدة.
2 هو لأحد في مسنده ولمسلم والترمذي والنسائي والدارقطني وللبيهقي في السنن عن أبي سعيد وهو صحيح.
3 هو في الشمال الغربي للمدينة.
عليها قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم جاءها بسحر، فدعا بدلو من مائه فتوضأ منه ثم سكبه فيها فما نزفت بعد.
وحدثنا محمد بن الحسن عن القاسم بن محمد عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأيت الليلة أني أصبحت على بئر من الجنة"، فأصبح على بئر غرس، فتوضأ منها، وبصق فيها، وغسل منها حين توفي صلى الله عليه وسلم".
وحدثنا محمد بن الحسن عن سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم من بئر يقال لها غرس، وكان يشرب منها.
قلت: وهذه البئر بينهما وبين مسجد قباء نحو نصف ميل، وهي في وسط الشجر وقد خربها السيل وطمها، وفيها ماء أخضر إلا أنه عذب طيب وريحه الغالب عليه الأجون1، وذرعتها فكان طولها سبعة أذرع شافة، منها ذراعان ماء، وعرضها عشرة أذرع.
ثم بئر البصة:
أنبأنا ذاكر الحذاء عن الحسن بن أحمد الأصبهاني عن أحمد بن عبد الله الحافظ عن جعفر بن محمد قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن حدثنا الزبير بن بكار حدثنا محمد بن الحسن عن محمد بن موسى عن سعيد بن أبي زيد عن ابن عبد الرحمن أن أبا سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي الشهداء وأبناءهم ويتعاهد عيالهم، قال: فجاء يوما أبا سعيد الخدري، فقال:"هل عندك من سدر أغسل به رأسي؛ فإن اليوم الجمعة". قال: نعم، فأخرج له سدرًا وخرج معه إلى البصة، فغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه وصب غسالة رأسه ومزاقة شعره في البصة.
قلت: وهذه البئر قريبة من البقيع على طريق المارِّ إلى قباء وهي بين نخل، وقد هدمها السيل وطمها، وفيها ماء أخضر ووقفت على قفها وذرعت طولها فكان أحد عشر ذراعا منها ذراعان ماء، وعرضها تسعة أذرع وهي مبنية بالحجارة ولون مائها إذا انفصل منها أبيض وطعمه حلو إلا أن الأجون غلب عليه، وذكر لي الثقة أن أهل المدينة كانوا يستقون منها قبل أن يطمها السيل.
ثم بئر رومة:
روى أهل السير: أن تُبَّعًا لما قدم المدينة نزل بقباء واحتفر البئر الذي يقال لها: بئر الملك، وبه سميت، فاستوبئ ماؤها، فدخلت عليه امرأة من بني زريق من اليهود اسمها
1 أي الملوحة.
فكيهة، فشكا إليها وباء بئره، فانطلقت فأخذت حمارين واستقت له من ماء رومة1 ثم جاءته فشربه، فقال: زيدينا من هذا الماء.
وكتبت إلي عفيفة الأصبهانية أن أبا علي الحداد أخبرها بخطه عن أبي نعيم قال: كتب إلى جعفر الملدي أن أبا يزيد المخزومي أخبره عن الزبير بن بكار عن محمد بن الحسن عن محمد بن طلحة عن إسحاق بن يحيى عن موسى بن طلحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "نعم الحفيرة حفيرة المدني"؛ يعني رومة، فلما سمع بذلك عثمان بن عفان ابتاع نصفها بمائة بكرة، وتصدق بها فجعل الناس يستقون منها فلما رأى صاحبها أن قد امتنع منه ما كان يصيب عليها باع من عثمان النصف الثاني بشيء يسير فتصدق بها كلها.
وروى البخاري في الصحيح من حديث أبي عبد الرحمن السلمي أن عثمان حيث حوصر أشرف عليهم، وقال: أنشدكم الله ولا أنشد إلا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من حفر رومة فله الجنة؟ " فحفرتها، ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من جهز جيش العسرة فله الجنة؟ " فجهزتهم، قال: فصدقوه.
قلت: وهذه البئر اليوم بعيدة عن المدينة جدًّا في براح واسع من الأرض وطيء، وعندها بناء من حجارة خراب قيل إنه كان ديرا ليهود والله أعلم، وحولها مزارع وآبار وأرضها رملة، وقد انتقضت خرزتها وأعلامها إلا أنها بئر مليحة جدًّا مبنية بالحجارة الموجهة، وذرعتها فكان طولها ثمانية عشر ذراعا، منها ذراعان ماء وباقيها مطموم بالرمل الذي تسفيه الرياح فيها، وعرضها ثمانية أذرع وماؤها صاف وطمه حلو إلا أن الأجون غلب عليه، قلت: واعلم أن هذه الآبار قد يزيد وماؤها في الأزمان عما ذكرنا وقد ينقص وربما بقي منها ما كان مطموما2.
1 هي في وادي العقيق في الشمال الغربي للمدينة.
2 ومن عيون المدينة المشهورة: العين الزرقاء أو عن الأزرق، وهو مروان بن الحكم وكان قد أجراها بأمر معاوية حين كان واليًا على المدينة وأصلها من قباء معروف من بئر كبيرة غربي مسجد قباء في حديثة نخل تعرف بالجعفرية. وقد أخذ الأمير سيف الدين الحسين بن أبي الهيجاء في حدود عام 560هـ منها شعبة عند مخرجها من القبة، فساقها إلى باب المدينة باب المصلى، ثم أوصلها إلى باب الرحبة التي عند مسجد النبي من جهة باب السلام، المعروف قديمًا بباب مروان وبنى لها منهلًا بدرج من تحت الدور يستسقي منه أهل المدينة وينتفعون بها، وجعل لها مصرفا من تحت الأرض يشق وسط المدينة على البلاط ثم يخرج إلى ظاهر المدينة من جهة الشمال شرقي الحصن الذي يسكنه أمير المدينة وتسمى بئر السوق، وقد أقام الملك سعود خزانات على مياه عين الزرقاء تتسع لأكثر من 1500 متر مكعب من المياه تجري في أنابيب من الصلب إلى المدينة لسقيا الناس.