الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثالث والثلاثون:
في ذكر شيء من خبر بني قصي بن كلاب:
وتوليتهم لما كان بيده من الحجابة، والسقاية، والرفادة، والندوة، واللواء، والقيادة، وتفسير ذلك.
قال ابن إسحاق1: فلما كبر قصي ورق عظمه، وكان عبد الدار بكره، وكان عبد مناف قد شرف في زمان أبيه، وذهب كل مذهب، وعبد العزي، وعبد قصي، قال قصي لعبد الدار: أما والله يا بني لألحقنك بالقوم، وإن كانوا قد شرفوا عليك، لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تقوم أنت بفتحها لهم، ولا يعقد لقريش لواء لحربها إلا أنت بيدك، ولا يشرب رجل بمكة إلا من سقايتك، ولا يأكل أحد من أهل الموسم طعاما إلا من طعامك، ولا تقطع قريش أمرا من أمورها إلا في دارك.
فأعطاه دار الندوة التي لا تقضي قريش أمرا إلا فيها، وأعطاه أيضا الحجابة، واللواء، والسقاية، والرفادة.
وكانت الرفادة خرجا تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى قصي بن كلاب، فيصنع به طعاما للحاج، فيأكله من لم يكن له سعة ولا زاد؛ وذلك أن قصيا فرضه على قريش، فقال لهم حين أمرهم به: يا معشر قريش، إنكم جيران الله -تعالى- وأهل بيته، وأهل الحرم، وإن الحاج ضيف الله وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج حتى يصدروا عنكم؛ ففعلوا، وكانوا يخرجون لذلك كل عام من أموالهم خرجا، فيدفعونه إليه، فيصنع به طعاما للناس أيام منى، فجرى ذلك من أمره في الجاهلية على قومه حتى قام الإسلام، ثم جرى في الإسلام إلا يومنا هذا؛ فهو الطعام الذي يصنعه السلطان كل عام بمنى للناس، حتى ينقضي الحج.
1 السيرة لابن هشام 1/ 119.
قال ابن أسحاق، حدثني بهذا من أمر قصي بن كلاب، وما قال لعبد الدار فيما دفعه إليه مما كان بيده أبو إسحاق بن يسار عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، قال: سمعته يقول ذلك لرجل من بني عبد الدار يقال له: نبيه بن وهب بن عارم بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.
قال الحسن: فجعل إليه قصي كل ما كان بيده من أمر قومه، وكان قصي لا يخالف ولا يرد عليه شيء صنعه.
قال ابن إسحاق: ثم إن قصي بن كلاب هلك؛ فأقام أمره في قومه من بعده بنوه، فاختطوا مكة رابعا بعد الذي كان قطع لقومه بها؛ فكانوا يقطعونها في قومهم وفي غيرهم من حلفائهم، ويبيعونها، فأقامت على ذلك قريش معهم ليس بينهم اختلاف ولا تنازع، ثم إن بني عبد مناف بن قصي، وبني عبد شمس وهاشما، والمطلب، ونوفلا، أجمعوا على أن يأخذوا ما في أيدي عبد الدار بن قصي مما كان قصي جعل إلى عبد الدار من الحجابة، واللواء، والسقاية، والرفادة، ورأوا أنهم أولى بذلك منهم لشرفهم عليهم وفضلهم في قومهم؛ فترفقت عند ذلك قريش؛ فكانت طائفة من بني عبد مناف على رأيهم يرون أنهم أحق به من بني عبد الدار لمكانهم في قومهم، وكانت طائفة مع بني عبد الدار يرون أن لا ينزع منهم ما كان قصي جعل إليهم.
فكان صاحب أمر بني عبد مناف: عبد شمس بن عبد مناف؛ وذلك أنه كان أسن بني عبد مناف، وكان صاحب أمر بني عبد الدار: عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وكان بنو أسد بن العزي بن قصي، وبنو زهرة بن كلاب، وبنو تيم بن مرة بن كعب، وبنو الحرث بن فهر بن مالك بن النضر، مع بني عبد مناف.
وكان بنو مخزوم بن يقظة بن مرة، وبنو سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب وبنو كعب بن عمرو بن هصيص، وبنو عدي بن كعب مع بني عبد الدار.
وخرجت عامر بن لؤي، ومحارب بن فهر؛ فلم يكونوا مع واحد من الفريقين.
فعقد كل قوم على أمرهم حلفا مؤكدا على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضا ما بل بحر صوفة1؛ فأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا، فيزعمون أن نساء بني عبد مناف أخرجنها لهم؛ فوضعوها لأحلافهم في المسجد عند الكعبة، ثم غمس القوم أيديهم فيها، فتعاقدوا وتعاهدوا هم وحلفاؤهم، ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيدا على أنفسم، فسموا المطيبين.
1 من عادة قريش إذا أرادت عقد عهد بينها أن تقول: "ما أقام ثبير، وما بل بحر صوفه" وهذا من الأبدايات.
وتعاقد بنو عبدج لدار وتعاهدوا هم وحلفاؤهم عند الكعبة حلفا؛ على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضا، فسموا الأحلاف.
ثم سوند1 بين القبائل ولز2 بعضها ببعض، فعبأت بنو عبد مناف لبني سهم، وعبأت بنو أسد لبني عبد الدار، وعبأت زهرة لبني جمح، وعبأت بنو تيم لبني لمخزوم، وعبأت بنوا الحارث بن فهر لبني عدي بن كعب، ثم قالوا: لتعن كل قبيلة فيما أسند إليها.
فبينا للناس على ذلك قد أجمعوا للحرب؛ إذ تدعو للصلح على أن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة، وأن تكون الحجابة، واللواء والندوة لبني عبد الدار كما كانت؛ ففعلوا، ورضي كل واحد من الفريقين بذلك، وتحاجز الناس علن الحرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة"3.
ثم قال ابن إسحاق، فولي السقاية والرفادة هاشم بن عبد مناف؛ وذلك أن عبد شمس كان رجلا سفارا، قل ما يقيم بمكة، وكان مقلا ذا ولد، وكان هاشم موسرا، وكان -فيما يزعمون- إذا حضر الحج قام في قريش، فقال: يا معشر قريش؛ إنكم جيران الله وأهل بيته، وإنه يأتيكم في هذا الموسم زوار الله وحجاج بيته، وهم ضيف الله، وأحق الضيف بالكرامة ضيفه؛ فأجمعوا له ما تصنعون لهم به طعاما أيامهم هذه التي لا بد لهم من الإقامة بها؛ فإنه والله لو كان مالي يسع ذلك ما كلفتموه؛ فيخرجون لذلك خرجا من أموالهم، كل امرئ بقدر ما عنده، فيصنع به للحاج طعاما حتى يصدروا منها.
وكان هاشم -فيما يزعمون- أول من سن الرحلتين لقريش: رحلة الشتاء والصيف، وأول من أطعم الثريد بمكة؛ وإنما كان اسمه عمرا فما سمي هاشما إلا لهشمه الخبز بمكة لقومه.
وقال شاعر من قريش، أو من بعض العرب:
عمرو الذي هشم الثريد لقومه
…
قوم بمكة مسنتين عجاف
سنت إليه الرحلتان كلاهما
…
سفر الشتاء ورحلة الأصياف
قال ابن هشام: أنشدني بعض أهل العلم بالشعر من أهل الحجاز قوله:
قوم بمكة مسنتين عجاف
1 السيرة لابن هشام 1/ 154.
2 لز: أي شدة وألصقه.
3 السيرة لابن هشام 1/ 111-122، والحديث أخرجه الترمذي 1585، وأبو داود 5925، والدارمي 2526.
قال ابن إسحاق، ثم هلك هاشم بن عبد مناف بغزة من أرض الشام تاجرا؛ فولي السقاية والرفادة من بعد المطلب بن عبد مناف، وكان أصغر من عبد شمس وهاشم، وكان ذا شرف في القوم وفضل، وكانت قريش إنما تسميه الفيض لسماحته وفضله1.
ثم قال ابن إسحاق: ثم هلك المطلب بردمان2 من أرض اليمن؛ فقال رجل من العرب يبكيه:
قد طمئ3 الحجيج بعد المطلب
…
بعد الجفان والشراب المنثغب
ليت قريشا بعده على نصب
وقال مطرود بن كعب الخزاعي يبكي المطلب وبني عبد مناف جميعا حين أتاه نعي نوفل بن عبد مناف، وكان نوفل آخرهم هلكا، فذكر أبياتا4.
ثم قال ابن إسحاق: وكان أول بني عبد مناف هلكا هاشما بغزة من أرض الشام، ثم عبد شمس بمكة، ثم المطلب بردمان من أرض اليمن، ثم نوفلا بسلمان من ناحية العراق؛ فقيل لمطرود -فيما يزعمون: لقد قلت فأحسنت، ولو كان أفحل ما هو لكان أحسن، فقال: أنظروني ليالي، فمكث أياما. قم قال:
عصيت ربي باختيار
…
أم بحكم الإله فينا
فبسط اليدين إلى القفا
…
خير فخر السابقينا
وهذا قول السابق ذكره:
يا عين جودي وادرالدمع وانهمري
…
وأبكي على السر من كعب المغيرات
وأبكي على كل فياض أخي ثقة
…
ضخم الدسيعة وهام الجزيلات
صعب الدسيعة لا نكس ولا
…
وكل ماض العزيمة متلاف الكريمات
1 سيرة ابن هشام 1/ 142، 125.
2 ردمان: مكان باليمن كما في معجم البلدان، ولم يزد مؤلف المعجم شيئا على ذلك؛ غير أنه أورد أبياتا تدل على أن موت المطلب بن عبد مناف كان بها "معجم البلدان 3/ 40".
3 في سيرة ابن هشام 1/ 162: "ظمئ".
4 بياض في الأصل، وهذه الأبيات هي:
أخلصهم عبد مناف فهم
…
من لوم من لام بمنجاة
قبر بردمان وقبر بسل
…
مان وقبر عند غزاة
وميت مات قريبا بمن الـ
…
حجون من شرق البنيات
ثم قال ياقوت الحموي: فالذي بردمان: المطلب بن مناف، والذي بسلمان: نوفل بن عبد مناف، والقبر الذي عند غزة لهاشم بن عبد مناف، والذي يقرب الحجون: عبد شمس بن عبد مناف "معجم البلدان 3/ 40".
صقر توسط من كعب إذا نسبوا
…
بحبوبة المجد والشيم الرفيعات
ثم اندبني الفيض الفياض مطلبا
…
واستحرصي عبد فيضات بحمسات1
أمسى بردمان عنا اليوم مغتربا
…
يا لهف نفسي عليه بين أموات
وأبكي لك الويل ما كنت باكية
…
لعبد شمس سرفي الثنيات
وهاشم في ضريح وسط بلقعة
…
تسفي الرياح عليه بين غزات
ونوفل كان دون القوم خالصتي
…
أمسى بسلمان في رمس بموماة
لم ألق مثلهم عجما ولا عربا
…
إذا استقلت بهم أدم المطيات
أمست ديارهم منهم معطلة
…
وقد يكونون نورا في الملمات2
ثم قال:
يا عين وابكي أبا الشعث الشجيات
…
تبيكه حسرا مثل البليات
تبكين أكرم من يمشي على قدم
…
بغولنه بدموع بعد عبرات
ومنها:
تبكين عمرو العلا إذا حان مصرعه
…
سمح السجية بسام العشيات
ومنها:
ما في القروم لهم عدل ولا خطر
…
ولا لمن تركوا سروا بقيعات
ومنها:
أبناؤهم خير أبناء وأنفسهم
…
خير النفوس لذي جهد الأليات
ومنها:
زين البيوت التي حلوا مساكنها
…
فأصبحت منهم وحشا خليات
أقول والعين لا ترقا مدامعها
…
لا يبعد الله أصحاب الرزيات3
ثم قال ابن إسحاق: ثم ولي عبد المطملب بن هاشم السقاية والرفادة بعد عمه المطلب، فأقامها للناس، وأقام لقومه ما كان آباءه يقيمون قبله لقومهم من أمرهم، وشرف في قومه شرفا لم يبلغه أحد من آبائه، وعظم خطر فيهم4
…
انتهى.
1 في السيرة لابن هشام 1/ 126: "واستخرطي بعد فيضات بجمات".
2 في السيرة لابن هشام 1/ 136: "زينا في السريات".
3 السيرة لابن هشام 1/ 126-128.
4 السيرة لابن هشام 1/ 126-129.
وذكر الفاكهي أخبارا تتلعق ببني قصي بن كلاب، وبني عبد مناف بن قصي، وبني عبد الدار بن قصي، وأفاد في ذلك غير ما سبق، فاقتضى ذلك ذكر ما ذكره من ذلك، لما فيه من الفائدة.
قال الفاكهي: حدثنا عبد الملك بن محمد، عن زياد بن عبد الله، عن ابن إسحاق، قال: ثم إن بني عبد مناف، وعيد شمس، وهاشم، والمطلب
…
" ثم قال بعد أن ذكر أمهم وأم نوفل فبن عبد مناف: أجمعوا على أن يأخذوا منا بأيدي بني عبد الدار بن قصي من الحجاجة، والسقاية، والرفادة، فتفرقت عند ذلك قريش، فكانت طائفة مع بني عبد مناف في رأيهم، يرون أنهم أحق بذلك من بنيعبد الدار، وكانت طائفة مع بني عبد الدار، لا يرون أن يغير عنهم ما كان قصي جعل إليهم.
وذكر نحو ما سبق؛ إلا أنه قال بعد أن ذكر تعاقد كل من الفريقين: فأخرجت عاتكة بنت عبد المطلب طيبا، فوضعته لأحلافهم، ثم غمس القوم أيديهم فيه حين تعاقدوا وتهاهدوا، ثم مسحوا بها الكعبة، فسموا: حلف المطيبين1.
وفي هذا الخبر من الفائدة غير ما سبق: كون عاتكة بنت عبد المطلب هي المخرجة لقومها جفنة الطيب، وفي ذلك نظر لتأخرت زمنها عن زمن عم أبيها عبد شمس القائم بأمر بني عبد مناف في هذه القصة، وكذلك في كون عامر بن هاشم، بن عبد مناف بن عبد الدار القائم بأمر بني عبد الدار حين نازعهم بنو عبد مناف نظر؛ لتأخر زمن عامر بن هاشم بن زمن عبد شمس
…
انتهى، والله أعلم.
وقال الفاكهي: وحدثنا الزبير بن أبي بكر قال: حدثني محمد بن فضالة، عن عبد الله بن زياد بن سمعان، قال: حدثني ابن شهاب، قال: كانت السقاية في بني المطلب، وكانت الرئاسة فيبني عبد مناف كلهم، وكانت الرفادة في بني أسد بن عبد العزى، واللواء والحجابة في بني عبد الدار؛ فمشوا إلى سهم فحالفوهم، وقالوا لهم: امنعونا من بني عبد مناف؛ فلما رأت ذلك البيضاء التي يقال لها: أم حكيم بنت عبد المطلب، أخذت جفنة فملأتها خلوقا، ثم وضعتها في الحجر؛ فقالت: من تطيب بهذا الطيب فهو منا. فتطيب بنو عبد مناف، وأسد وزهرة، وبنو تيم، وبنو الحرث بن فهر؛ فسموا: المطيبين؛ فلما سمعت بذلك بنو سهم نحروا جزورا، وقالوا: من تطيب بهذا الطيب فهو منا. فتطيب بنو عبد مناف، وأسد، وزهرة، وبنو تيم، وبنو الحرث بن فهر، فسموا: المطيبين؛ فلما سمعت بذلك بنو سهم نحروا جزورا، وقالوا: من أدخل يده فيدمها فلعق منها فهو منها. فأدخلت أيديها: بنو سهم، وبنو عدب الدار، وبنو جمح، وبنو عدي، وبنو مخزوم؛ فلما فعلوا ذلك وقع الشر بينهم، فتزاجعوا وقالوا: والله لئن اقتتلنا لتدخلن العرب علينا، فأقروهم على حالهم، فسمى هؤلاء. المطيبين
1 أخبار مكة للفاكهي 5/ 76.
وهؤلاء: الأحلاق؛ فقال أبو طلحة عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار:
أتاني أن عمرو بن هصيص
…
أقام وأنني بهم حليف
وأنهم إذا حدثوا لأمر
…
فلا إلف أكون ولا ضعيف1
…
انتهى.
وفي هذا الخبر من الفائدة على ما سبق بيان ما جاء بالجفنة التي فيها الطيب، وهي أنها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب. وفيه من النظر ما سبق في أخيها، والله أعلم.
وفي هذا الخبر ما يشعر بأن القائم بأمر بني عبد الدار حين نازعهم بنو عبد مناف: أبو طلحة عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار. ويتأيد ذلك بما في الخبر الآتي ذكره، إن شاء الله تعالى.
قال الفاكهي: حدثنا حسن بن الحسن الأزدي، حدثنا محمد بن حبيب، عن ابن الكلبي قال: وإن بني عبد مناف لما زاد شرفهم وكثرتهم، أراداوا أخذ البيت من بني عبد الدار؛ فأرسلوا إلى أبي طلحة وهو عبد الله بنعبد العزى بن عثمان بن عبد الدار أن أرسل إلينا بمفتاح عبد الدار بن قصي، فعادتهم من بني عبد مناف
…
وذكر نحو حديث ابن شهاب؛ إلا أنه قال: لما غمسوا أيديهم قالوا: والله لا يسلم أحدا منا أحدا، وخلطوا نعالهم بفناء الكعبة، فسموا: الأحلاف لخلطهم نعالهم، وتحالفهم في البيت
…
انتهى،.
ثم قال: وقال أبو طلحة عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار شعرا ذكره، وهما البيتان في حديث ابن شهاب، قال:
بنو سهم نحن نكفيكموهم
…
إن قاتلوا قاتلنا
وإن رفدوا رفدنا
…
وإن فعلوا فعلنا1
…
انتهى.
فصرح في هذا الخبر بما يقتضي أن القائم بأمر عبد الدار: أبو طلحة؛ وذلك يخالف الخبر الذي ذكره الفاكهي عن ابن إسحاق؛ فإنه يقتضي إن القائم بأمر بني عبد الدار: حينئذ: عارم بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، والله أعلم.
وقال الفاكهي: وحدثنا عبد الله بن أبي سلمة، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا عمر بن أبي بكر الموصلي، عن بني عدي بن كعب، قال: حدثني
1 أخبار مكة للفاكهي 5/ 177.
الضحاك بن عثمان الحرامي، قال: حدثني ابن عروة بن الزبير، عن أبيه، عن عروة، عن حكيم بن حزام، قال: لما حضر عبد الدار الموت جعل الندوة، واللواء، والرفادة، إلى ابنه عثمان بن عبد الدار؛ فقال أمية بن عبد شمس لعثمان بن عبد الدار: طب لي نفسا عن واحدة من هذه الثلاث، فأبى، فقال: إذا، لا أدعيك، فأستخرج عثمان بن عبد الدار قريشا؛ فقالت له بنو مخزوم، وجمح، وسهم، وعدي: نحن معك، وتقع لك هذه الخصال، ونحالفك. قال: نعم، فتحالفوا، فمنعوها له
…
انتهى.
وفي هذا الخبر من الفائدة أن القائم بأمر بني عبد الدار حينئذ: عثمان بن عبد الدار وأن القائم بأمر بني عبد مناف حينئذ: أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.
وقال الفاكهي: وحدثني عبد الله بن سلمة قال: حدثنا عبد الله بن يزيد، قال: حدثني ابن لهيعة، قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن الأسود، قال: يذكر أنه لما توفي عبد بن قصي، وكان اللواء بيده، أخذه عبد الدار؛ لأنه أكبر إخواته، فحسده إخواته، فذهب فخالف بني مخزوم، وعدي1
…
انتهى.
وهذا يقتضي أن التنازع وقع بين عبد الدار وإخوته، وهذا لا يفهم مما سبق، والله أعلم.
ويتحصل من مجموع هذه الأخبار في القائم بأمر بني عبد الدار، حين نازعهم بنو عبد مناف، ثلاثة أقوال:
أولها: أنه عامر بن هاشم عبد مناف بن عبد الدار بن قصي.
وثانيها: أنه أبو طلحة بن عبد العزى بن عدب الدار بن قصي.
وثالثها: أنه عثمان بن عبد الدار
…
والله أعلم.
ويتحصل في القائم بالأمر حين نازعه عبد الدار قولان: أحدهما: أنه عبد شمس بن عبد مناف. والآخر: أنه أمية بن عبد شمس.
ويتحصل في القائم بالأمر حين نازعه عبد الدار قولان: أحدهما: أحدهما: أنه عبد شمس بن عبد مناف. والآخر: أنه أمية بن عبد شمس.
ويتحصل في التي أخرجت الجفنة التي فيها الطيب لقومها وحلفائهم قولان:
أحدهما: أنها عاتكة بنت عبد المطلب.
والآخر: أنها أم حكيم؛ البيضاء بنت عبد المطلب، والله أعلم.
قال الفاكهي: وحدثني عبد الملك بن محمد، عن زياد بن عبد الله، عن ابن إسحاق قال: ثم هلكت أعيان بني عبد مناف، فأقام عبد شمس بن عبد مناف على ما
1 أخبار مكة للفاكهي 5/ 178 قال محقق أخبار مكة: وفي سنده اضطراب شديد.
كان بيد عبد مناف، وكان أكبر ولده؛ فأقام أمر بني عبد مناف؛ فلما انتشرت قريش -سكان مكة، قلت عليهم المياه، واشتدت عليهم المؤونة1
…
انتهى.
وهذا يفهم أن عبد شمس بن عبد مناف ولي شيئا من مآثر قصي. وفيما سبق ذكره عن ابن إسحاق في سيرته ما يشعر بأنه لم يل شيئا، والله أعلم.
ولعل الصواب: فأقام هاشم بن عبد مناف، فتصفحت في كتاب الفاكهي بعبد شمس، وبذلك يتفق ما نقله الفاكهي عن ابن إسحاق مع ما نقلناه عن ابن إسحاق من سيرته، والله أعلم.
وقال الفاكهي: وحدثنا الزبير بن أبي بكر، قال: حدثني عمر بن أبي بكر الموصلي، عن زكريا بن عيسى، عن ابن شهاب أنهما كانا حلفين اثنين: فأما حلف قريش الأول فإن بني كلاب تكثروا على بطون بني كعب بن لؤي، فتحالف عليهم تلك الأحلاف: مخزوم، وعدي، وسهم، وجمح؛ فانطلق المطيبون، وكان حلفهم أن جعلوا جفنه من طيب، فتطيبوا بها، فسموا المطيبين بذلك الطيب في الجفنة، وسميت الأحلاف بتحالفهم عليه، أن جعلوا جفنه دم، فغمسوا أيديهم فيها2.
زاد الزبير بن أبي بكر في حديثه: وأن الأحلاف عبوا لكل قبيلة قبيلة، وأنكروا شأن بني عبد الدار وولايتهم الكعبة، واللواء، والندوة: فقالوا: ما شأن هؤلاء إخواننا يلون علينا هذا وهم قليل؟ لننزعنه من أيديهم. وأنهم عمدوا إلى مفتاح الكعبة؛ فأخذوه من عثمان بن عبد الدار وبنيه، وأن بني بعد الدار أطافوا إلى الأحلاف لكل قبيلة، فعبت بنو سهم لبني عبد مناف3
…
انتهى باختصار.
وفي هذا الخبر من الفائدة غير ما سبق، أن الحلف الذي يقال له حلف المطيبين كان قبل منازعة بني عبد مناف لبني عبد الدار فيما كان بيد الدار، والله أعلم.
قال الفاكهي: وحدثني عبد الله بن أبي سلمة، قال: حدثني عبد الجبار بن سعيد المساحقي، قال: حدثني محمد بن فضالة الثمري، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عمر بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: كانت الرفادة إلى عبد العزى بن قصي، وكانت الحجابة، واللواء والندوة إلى إلى عبد الدار بن قصي، وولد عبد مناف بن قصي خمسة نفر: عمرا، وهاشما، وعبد شمس، والمطلب، ونوفل4
…
انتهى.
1 أخبار مكة للفاكهي 5/ 178.
2 الروض الأنف 1/ 153، أخبار مكة للفاكهي 5/ 179.؟
3 أخبار مكة للفاكهي 5/ 179.
4 أخبار مكة للفاكهي 5/ 183.
وهذا الخبر يقتضي أن عبد العزى بن قصي ولي الرفادة، وما ذكرناه عن ابن إسحاق في سيرته يقتضي خلاف ذلك، والله أعلم.
وقال الفاكهي: وحدثني عبد الملك بن محمد، عن زياد بن عبد الله، عن ابن إسحاق قال: فلما هلك قصي أقام عبد مناف أمر قريش، وهو أقام أمرهم بعده، واختط بمكة رباعا بعد الذي كان قصي قطع لقومه؛ فكان يعطيها في قريش وفي غيرهم، وهو عقد حلق الأحابيش، والأحابيش: عضل، والقارة، ودوس، ورعل رهط سفيان بن عوف، والحليس بن زيد، وخالد بن عبد بن أبي فايض بن خالد1
…
انتهى.
وقال الفاكهي: وحدثني عبد الله بن أبي سلمة، قال: حدثنا عبد الله بن زيد، قال حدثني ابن لهيعة، قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن الأسود، قال: يذكر أنه لما توفي عبد بن قصي، وكان اللواء بيده، بأخذه عبد الدار؛ لأنه أكبر إخوته، فحسده إخوته، فذهب فحالف بني مخزوم، وعدي، وتوفي عبد مناف، فأخذ السقاية هاشم؛ لأنه كان أكبر ولده. وتوفي أسد، فأخذ الندوة المطلب؛ لأنه أكبر ولده، فلم يزل بأيديهم حتى باعها زمعة بن الأسود لمعاوية، فلذلك يقول الشاعر:
بعتم سناكم ومجدكم
…
ولم تبقوا بمكة دارا2
وهذا الخبر يشعر بأن عبد بن قصي كان إليه الندوة، وأن عبد مناف بن قصي كانت إليه السقاية؛ وذلك يخالف ما ذكرناه عن ابن إسحاق من سيرته، والله أعلم.
وقال الفاكهي: حدثنا عبد الله بن أبي سلمة، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن محمد بن عبد الرحمن بن الأسود، أن يعقوب بن عبد الله بن وهب حدثه، عن أبيه قال: إن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم -وهي جدته- حدثته فقالت: قدم قصي بن كلاب -يعني مكة- فقطع غيضة كانت، ثم ابتنى حول البيت دارا، ونكح حبي بنت حليل الخزاعي؛ فولدت له عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزى بن قصي، بفأول ما ولد لهخ سماه عدب الدار بداره تلك، ثم سمي عبد مناف بمناف، ثم سمي عبد العزى، وكانت أم حبي الخزاعية جرهمية عجوزا قديمة؛ فقال لها: إنما يلي سمي عبد العزى، وكانت أم حبي الخزاعية جرهمية عجوزا قديمة، فقال لها: إنما يلي البيت بنوك، وجعل الحجابة إلى عبد الدار؛ لأنه أكبرهم، والسقاية لعبد مناف، واللواء لعبد بن قصي، والرفادة -وهي دار الندوة- لعبد العزى
…
انتهى باختصار.
1 أخبار مكة للفاكهي 5/ 182.
2 أخبار مكة للفاكهي 5/ 183.
وهذا صريح في أن قصي بن كلاب قسم مآثره بين بنيه الأربعة؛ وذلك يخالف ما ذكره ابن إسحاق في سيرته، والله أعلم.
وقال الفاكهي: وحدثنا حسن بن حسين الأزدي، قال: حدثنا محمد بن حبيب، قال: كانت الرياسة أيام بني عبد مناف بن قصي، وكان القائم بأمور قريش والمنظور إليه فيها، ثم أفضى ذلك بعده إلى هاشم؛ ابنه، فرب ذلك بحسن القيام؛ فلم يكن له نظير من قريش ولا مساو، ثم صارت الرياسة لعبد المطلب، وفي كل قريش رؤساء؛ غير أنهم كانوا يعرفون لعبد المطلب فضله وتقدمه وشرفه؛ فلما مات عبد المطلب، صارت الرياسة لحرب بن أمية؛ فلما مات حرب بن أمية، تفرقت الرياسة والشرف ببني عبد مناف وغيرهم من قريش.
وقال الفاكهي: قال: حدثنا الزبير، قال محمد بن الحسن: كان هؤلاء الأربعة من بني عبد مناف: هاشم، والمطلب، وعبد شمس، ونوفل، أول من رفع الله تعالى بهم قريشا، إنما كانت تتجر بمكة، وتبضع مع من يخرج من الأعاجم، فركب هاشم فأخذ له خيلا من قيصر، فتجروا إلى الشام، وركب المطلب فأخذ له خيلا من ملوك اليمن، فتجروا إلى اليمن بذلك الخيل، وركب نوفل فأخذ لهم خيلا من النجاشي، فتجروا بذلك الخيل إلى أرض الحبشة.
وقال الفاكهي: قال: حدثنا الزبير، وحدثنا محمد بن الحسن، عن العلاء بن حسين، عن أفلح بن عبد الله بن المعلي عن أبيه وغيره من أهل العلم قالوا: هاشم، وعبد شمس، والمطلب، ونوفل، هم: الزنبور، وبنو هاشم يدان، وبنو المطلب يد، فإن دهمهم غيرهم صاروا يدا واحدة. على ذلك كانوا في الجاهلية دون بني عبد مناف، وبنو عبد مناف يدان: هاشم والمطلب، وهم البدران، وعبد شمس ونوفل يد، وهم الأبهران.
قال: وكانت العرب تسمي هاشما والمطلب وعبد شمس ونوفلا: أقداح النظار، فإن دهمهم غيرهم اجتمعوا فصاروا يدا واحدة1.
وقال الفاكهي: وحدثني الزبير بن أبي بكر قال: حدثني أبو الحسن الأثرم عن أبي عبيدة، قال: كان يقال لهاشم وعبد شمس والمطلب بني عبد مناف: المحيزون.
وقال الفاكهي: وحدثني الزبير بن أبي بكر، قال: حدثني محمد بن الحسن قال: كان هاشم رئيس بني عبد مناف: وعبد شمس رئيس بني أمية.
قال الزبير: وذلك الثبت عندنا. قال أخبرني عبد العزى:
اللهم إني قائل قو
…
ل ذي دين وبر وحسب
1 أخبار مكة للفاكهي 5/ 179 وسمط النجوم العوالي 1/ 214.
عبد شمس لا تهنها إنما
…
عبد شمس عم عبد المطلب
عبد شمس كان يتلو هاشما
…
وهما بعد لأم وأب
وقال الفاكهي: وحدثنا حسن بن حسين، قال: حدثنا أبو جعفر بن حبيب، عن أبي الكلبي، قال: فلما مات هاشم بخرج المطلب بن عبد مناف إلى اليمن؛ فأخذ من ملوكهم عهدا لمن نفر قبلهم من قريش قبل أن يأخذ الإيلاف ممن مر به من العرب؛ حتى على مثل ما كان هاشم أخذ، وكان المطلب أكبر ولد عبد مناف1
…
انتهى.
وهذا الخبر يخالف الذي قبل؛ إلا أن يكون قوله في حق المطلب، وكان المطلب أكبر، والله أعلم.
وقد طال الكلام في أخبار بني عبد مناف، وأخبار عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، مما له تعلق فيما ذكره ابن إسحاق من خبر المشار إليهم، ومما ليس له تعلق بذلك، وفيما ذكرناه منه كفاية، ونتبع ذلك بفوائد، ذكرها هو وغيره، تتعلق بما ذكرناه من خبر المشار إليهم.
منها: أن الفاكهي لما ذكر أخبار بني قصي بن كلاب، ترجم عليها بما نصه:"ذكر تولية قصي بن كلاب بنيه أمر مكة بعده، وقسمته إياها بينهم، وقيامهم بذلك بعده".
ومنها: أنه قال لما ذكر أخبار بني عبد مناف: ذكر ولاية المطلب بن عبد مناف أمر مكة بعد أخيه وتفسير ذلك؛ وذلك إشارة إلى أن المشار إليهم كانوا ولاة مكة.
ومنها: أنه قال لما ذكر ولاية عبد المطلب: حدثنا عبد الملك بن محمد عن زياد بن عبد الله، عن ابن إسحاق، قال: ولي السقاية والرفادة بعد المطلب بن عبد مناف: عبد المطلب بن هاشم، وتزعم بنو أسد أن الحويرث بن أسد قد ولي الرفادة في بعض الزمان، وقد كانت بنو أسد تقول ذلك، ولم يسمع ذلك بتاتا2
…
انتهى.
وفي هذا ما يشعر بأن الحويرث بن أسد ولي الرفادة في زمن عبد المطلب، على ما قيل؛ وذلك لا يفهم من الأخبار السابقة عن ابن إسحاق، والله أعلم بصحة ذلك.
ومنها: أن صاحب "المورد العذب الهني" نقل عن الرشاطي خبرا في خروج هاشم بن عبد مناف إلى الشام، وأخذه من قيصر الإيلام لقريش، ثم قال: وخرج عبد شمس إلى النجاشي بالحبشة، وأخذ كذلك وخرج نوفل إلى الأكاسرة بالعراق، وأخذ كذلك. وخرج المطلب إلى حمير وأخذ لهم كذلك
…
انتهى.
1 أخبار مكة للفاكهي 5/ 181.
2 أخبار مكة للفاكهي 5/ 182.
وفي هذا الخبر من الفائدة على ماسبق، كون عبد شمس خرج إلى النجاشي بالحبشة، وأخذ منه لقومه الإيلاف؛ وذلك يخالف ما سبق من أن نوفل بن عبد مناف هو الذي أخذ لقومه الإيلام من النجاشي، والله أعلم.
ومنها: أن هاشم وعبد شمس توأمان على ما قيل؛ ذكر ذلك صاحب "المورد العذب الهني"؛ لأنه قال: وقيل: إن هاشما وعبد شمس توأمان، وأن أحدهما ولد قبل الآخر. قيل: إن الأول هاشم، وأن إصبع أحدهما ملتصقة بجبهة، فنحيت، فسال دم، فقيل: يكون بينهما دم.
ومنها: أنه اختلف في سن هاشم حين مات، فقيل: عشرون سنة، وقيل: خمس وعشرون سنة، ذكر هذه الفائدة صاحب "المورد".
ومنها: أنه اختلف في سن عبد المطلب حين مات؛ فقال ابن حبيب في كتابه "المحبر"، إن عمر عبد المطلب خمسة وتسعون سنة، وأنه توفي سنة تسع من عام الفيل، وقال السهيلي: إن عبد المطلب مات وعمره مائة وعشرون سنة1
…
انتهى.
وقيل: مائة وعشر سنين: وقيل: مائة وأربعون سنة، وقيل: اثنتان وثمانون سنة. ذكره هذه الأقوال الثلاثة: الحافظ مغلطاي في سريته. ودفن عبد المطلب على ما ذكره ابن عساكر بالحجون2.
قال السهيلي: وظاهر حديث أبي طالب فثي قول النبي صلى الله عليه وسلم: "قل لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها"؛ فكان آخر كلامه: على ملة عبد المطلب، يقتضي أن عبد المطلب مات على الشرك.
ووجدت في بعض كتب المسعودي اختلافا في عبد المطلب، وأنه قد قيل فيه: مات مسلما لما رأى من الدلالات على نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلم أنه لا يبعث إلا بالتوحيد3 والله أعلم.
غير أنه في "مسند البزار"، وفي كتاب النسائي من حديث عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة وقد عزت قوما من الأنصار:"لعلك بلغت معهم الكدي" -قال: ويروي الكرى بالراء يعني القبور- فقالت: لا؛ فقال: "لو بلغت معهم ذلك ما رأيت الجنة، حتى يراها جد أبيك"4.
1 في الروض الأنف 1/ 7: "وعاش عبد المطلب مائة وأربعين سنة".
2 هذا القول هو القول الذي يتلاءم مع المعروف عند أهل مكة حتى عصرنا الحاضر.
3 مروج الذهب 2/ 131.
4 أخرجه النسائي في كتاب الجنائز، باب النعي -4/ 26-28.
وقال السهيلي: إنه أول من خضب بالسواد من العرب1
…
انتهى.
وقال ابن الأثير: وهو أول من تحنت بحراء، وكان إذا دخل شهر رمضان صعد حراء وأطعم المساكين2.
وقال ابن قتيبة: وكان يرفع من مائدة عبد المطلب للطير والوحوش في رؤوس الجبال، فيقال له: الفياض لجوده، ومطعم طير السماء
…
انتهى.
وكان مجاب الدعوة، يقال: أصاب الناس شدة؛ فاستسقى عبد المطلب على جبل أبي قبيس، فسقي، والنبي صلى الله عليه وسلم يومئذ غلام بين يدي عبد المطلب، وببركته صلى الله عليه وسلم سقوا. ذكر هذا الخير هشام بن الكلبي وأبو عبيدة معمر بن المثنى وغيرهما. وذكر ابن قتيبة أن عبد المطلب عمي قبل موته.
وقيل: إن قصي بن كلاب قسم هذه الأمور بين أولاده كلهم، ذكره الزبير بن بكار؛ لأنه قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن المرواني قال: قسم قصي مكارمه بين ولده؛ فأعطى عبد مناف واسمه المغيرة: السقاية، والندوة، وفيه النبوة والثروة، وأعطى عبد الدار واسمه عبد الرحمن: الحجابة واللواء، وأعطى عبد العزى: الرفادة وأيام منى. قال: والرفادة الضيافة. وأيام منى كان الناس لا يجوزون إلا بأمره، ولم أسمع أيام منى إلا منه. قال: وأعطى عبد قصي جهتي الوادي، ولم أسمع في جهتي الوادي شيئا
…
انتهى.
وقيل: إن قصيا أعطى عبد مناف السقاية، والرفادة، والقيادة، وأعطى عبد الدار السدانة وهي الحجابة، ودار الندوة واللواء. ذكر ذلك الأزرقي في الخبر الطويل الذي رواه عن ابن جريج وابن إسحاق في ولاية قصي الكعبة وأمر مكة، وفيه شيء من خبر هذه الأمور، ولنذكر ذلك للفائدة.
روينا عن الأزرقي بالسند المتقدم إليه قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمنا بن ساج عن أبيه جريج، وابن إسحاق -يزيد أحدهما على صاحبه- قالا بعد ذكر ما سبق من خبر قصي بن كلاب: فحاز قصي شرف مكة، وابتنى دار الندوة، وفيها كانت قريش تقضي بعض أمورها. ولم يكن يدخلها من قريش من غير قصي إلا أبن أربعين سنة للمشورة، وكان يداخلها ولد قصي كلهم أجمعون وحلفائهم؛ فلما كبر قصي ورق، وكان عبد الدار أكبر ولده وبكره، وكان عبد مناف قد شرف في زمان أبيه، وذهب شرفه كل مذهب، وعبد الدار، وعبد العزى، وعبد بن قصي بها، لم
1 الروض الأنف 7/ 1، الكامل لابن الأثير 2/ 14، المعارف لابن قتيبة "ص: 553".
2 الكامل لابن الأثير 2/ 15.
يبلغوا ولا أحد من قومهم من قريش، ما بلغ عبد مناف من الذكر والشرف والعز، وكان قصي وحبي ابنه حليل يحبان عبد الدار ويرأفان عليه، لما يريان عليه من شرف عبد مناف عليه، وهو أصغر منه، وقالت حبي: والله لا أرضي حتى يخص عهبد الدار بشيء يحلقه بأخيه. فقال قصي: والله لالحقنه به ولأحبونه بذروة الشرف، حتى لا يدخل أحد من قريش ولا غيرها الكعبة إلا بإذنه، ولا يقضون أمرا ولا يعقدون لواء إلا عنده، وكان ينظر في العواقب، فأجمع قصي على أن يقسم أمور مكة الست التي فيها الذكر والشرف والعز بين بنيه، فأعطى عبد الدار: السدانة وهي الحجابة، ودار الندوة، واللواء، وأعطى عبد مناف: السقاية، والرفادة، والقيادة.
فأما السقاية: فهي حياض من أدم، كانت على عهد قصي توضع بفناء الكعبة، ويستقي فيها الماء العذب من الآبار على الإبل، ويسقي الحاج.
وأما الرفادة: فخرج كانت قريش تخرجه من أقواتها في كل موسم فتدفعه إلى قصي يصنع به طعاما للحاج، يأكله من لم يكن معه سعة ولا زاد؛ فلما هلك قصي أقيم أمره في قومه بعد وفاته على ما كان عليه في حياته، وولى عبد الدار حجابة البيت، وولاية دار الندوة، واللواء؛ فلم يزل يليه حتى هلك، وجعل عبد الدار الجابة بعده إلى ابنه عثمان بن عبد الدار، وجعل دار الندوة إلى ابنه عبد مناف بن عبد الدار؛ فلم يزل بنو عبد مناف بن عبد الدار يلون دار الندوة، دون ولد عبد الدار؛ فكانت قريش إذا أرادات أن تتشاور في أمر فتحها لهم عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، أو بعض ولده أو ولد أخيه، وكانت الجارية إذا حاضت أدخلت دار الندوة ثم شق عليها بعض ولد عبد مناف بن عبد الدار درعها ثم درعها إياه. وانقلب بها أهلها فحجبوها، فكان عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار يسمى محيضا.
وإنما سميت دار الندوة لاجتماع النداة فيها بندوتها فيجلسون فيها لإبرام أمرهم وتشاورهم.
ولم يزل بنو عثمان بن عبد الدار يلون الحجابة دون ولد عبد الدار، ثم وليها عبد العزي بن عثمان
بن عبد الدار، ثم وليها ولده أبو طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، ثم وليها ولده من بعده، حتى كان فتح مكة؛ فقبضها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أيديهم، وفتح الكعبة ودخلها، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكعبة مشتملا على المفتاح؛ فقال له العباس بن عبد المطلب: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أعطنا الحجابة مع السقاية؛ فأنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58] قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: فما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلتلك الساعة، فتلاها. ثم دعي عثمان بن طلحة فدفع إليه المفتاح وقال:
"غيبوه"، ثم قال:"خذوها يا بني أبي طلحة بأمانة الله سبحانه وتعالى؛ فأعلموا فيها بالمعروف خالدة تالدة، ولا ينزعها منكم أو من أيديكم إلا ظالم".
فخرج عثمان بن أبي طلحة إلى المدينة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة مقامه؛ فلم يزل يحجب هو وولده وولد أخيه وهب بن عثمان، حتى قدم وفد عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، وولده مسافع بن طلحة بن أبي طلحة من المدينة، وكانوا بها دهرا طويلا؛ فلما قدموا حجبوا مع بني عمهم، فولد أبي طلحة جميعا يحجبون.
وأما اللواء: فكان في أيدي بني عبد الدار كلهم، يليه منهم ذو السن والشرف في الجاهلية، حتى كان يوم أحد فقتل عليه من قتل منهم.
وأما السقاية والرفادة والقيادة: فلم تزل لعبد مناف بن قصي يقوم بها حتى توفي؛ فولي بعده ابنه هاشم بن عبد مناف السقاية، والرفادة وولي عبد شمس بن عبد مناف القيادة؛ فكان هاشم بن عبد مناف يطعم الناس في كل موسم ما يجتمع عنده من ترافد قريش، كان يشتري بما يجتمع عنده دقيقا، ويأخذ من ذبيحة من دينه أو بقرة شيئا -فخذه أو غيره- فيجتمع ذلك كله، ثم تحرز به الدقيق ويطعمه الحاج؛ فلم يزل على ذلك من أمره حتى أصاب الناس في سنة جدب شديد، فخرج هاشم بن عبد مناف إلى الشام، فاشترى بما اجتمع عنده من ماله دقيقا وكعكا، فقدم به مكة في الموسم، فهشم ذلك الكعك، ونحر الجزور وطبخها، وجعله ثريدا، وأطعم الناس -وكانوا في مجاعة شديدة- حتى أشبعهم؛ فسمي بذلك: هاشما، وكان اسمه عمرو، وفي ذلك يقول ابن الزبعرى السهمي:
كانت قريش بيضة فتفلقت
…
فالمح خالصها لعبد مناف
الرائسين وليس يوجد رائس
…
والقائلين هلم للأضياف
والخالطين غنيهم بفقيرهم
…
حتى يعود فقيرهم كالكافي
والضاربين الكبش يبرق بيضه
…
واللازمين1 البيض بالأسياف
عمرو العلا هشم الثريد لمعشر
…
كانوا بمكة مسنتين عجاف
يعني بعمرو العلا: هاشما.
فلم يزل هاشم على ذلك حتى توفي؛ فكان عبد المطلب يفعل ذلك؛ فلما توفي عبد المطلب قام بذلك أبو طالب في كل موسم، حتى جاء الإسلام وهو على ذلك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أرسل بمال يعمل به الطعام مع أبي بكر رضي الله عنه حين حج
1 في أخبار للأزرقي 1/ 112 "والمانعين".
أبو بكر بالناس سنة تسع، ثم عمل في حجة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع. ثم أقامه أبو بكر رضي الله عنه في خلافته، ثم عمر رضي الله عنه في خلافته، ثم الخلفاء هلم جرا، إلى الآن. وهو طعام الموسم الي يطعمه الخلفاء اليوم في أيام الحج بمكة ومنى، حتى تنقضي أيام الموسم.
وأما السقاية: فلم تزل بيد عبد مناف؛ فكان يسقي الناس الماء من بئر رم، وبئر خم1 على الإبل في المزاد2 والقرب، ثم يسكب ذلك الماء في حياض من أدم بفناء الكعبة، فيرده الحاج حتى يتفرقوا؛ فكان يستعذب ذلك الماء. وقد كان قصي حفر بمكة آبارا، وكان الماء بمكة غزيرا؛ إنما يشرب الناس من آبار خارجة من الحرم، فأول ما حفر قصي بمكة حفر بئرا يقال لها: العجول وكان موضعها في رام أم هانئ ابنة أبي طالب بالحزورة، وكانت العرب إذا قدمت مكة يردونها فيسقون منها ويتزاحخمون عليها، فقال قائل فيها:
أروى من العجول ثمت انطلق
…
إن قصبا قد وفى وقد صدق
بالسمع واللحي ورى المعتبق3
وحفر قصي أيضا بئرا عند الردم الأعلى، عند دار أبان بن عثمان التي كانت لآل جحش، بن رياب، ثم دثرت، فنثلها جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف وأحياها، ثم حفر هاشم بن عبد مناف بئر بذر4، وقال: حين حفرها: لأجعلنها للناس زبيدة5 بالبطحاء في أصل المستندر، وهي التي يقول فيها بعض ولد هاشم:
نحن حفرنا بذر بجانب المستندر
نسقي بمائها الحجيج الأكبر6
وحفر قصي أيضا هاشم سجلة، وهي البئر التي يقال لها بئر جبير بن مطعم، دخلت في دار القوارير فكانت سجلة لهاشم بن عبد مناف؛ فلم يزل لولده حتى وهبها أسد ابن هاشم لمطعم بن عدي، حين حفر عبد المطلب زمزم، واستغنوا عنها، ويقال: وهبها له عبد المطلب حين حفر زمزم واستغنى عنها، وسأله المطعم بن عدي، أن يضع
1 خم: بئر في ضواحي مكة، وكذلك رم: بئران حفرهما عبد شمس بن عبد مناف "معجم البلدان 2/ 389، 3/ 70".
2 اسم جنس مفرده مزاده، وهي: الجلود التي يضم بعضها إلى البعض ويوضع فيها الماء.
3 راجع أخبار مكة للأزرقي 1/ 112 ومعجم البلدان 4/ 87، وفتوح البلدان للبلاذري 1/ 65.
4 معجم البلدان 1/ 361.
5 زبيدة بنت المنصورة وزوج الرشيد. توفيت سنة 216هـ.
6 هكذا ورد البيت في جميع النسخ، وهو غير مستقيم الوزن، وفي أخبار مكة للأزرقي:"نسقي الحجيج الأكبر".
حوضا من أدم إلى جنب زمزم يسقي فيه من ماء بئره؛ فأذن له في ذلك، فكان يفعل؛ فلم يزل هاشم بن عبد مناف يسقي الحاج حتى توفي، فقام بأمر السقاية بعده عبد المطلب بن هاشم، فلم يزل على ذلك حتى حفر زمزم، فعفت على آبار مكة، فكان منها مشرب الحاج، قال: وكانت لعبد المطلب إبل كثيرة؛ فإذا كان الموسم جمعها، ثم يسقى لبنها بالعسل في حوض من أدم عند زمزم: ويشتي الزبيب في نبذه بماء زمزم ويسقيه الحاج؛ لأنه يكسر غلظ ماء زمزم. وكانت -إذ ذاك- غليظة جدا، وكان الناس -إذ ذاك- لهم في بيوتهم أسقية فيها الماء منهذه الآبار، ثم ينبذون فيها القبضان من الزبيب والتمر؛ لأنه يكسر عنهم من غلظ ماء آبار مكة. وكان الماء العذب بمكة عزيزا لا يوجد إلا لأناس يستعذب له من بئر ميمون في خارج مكة، فلبث عبد المطلب يسقي النماس حتى توفي. فقام بأمر السقاية بعده العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه فلم يزل في يده، وكان للعباس كرم بالطائف، وكان يحمل زبيبه إليها، وكان يداين أهل الطائف، ويقتضي منهم الزبيب، فينبذ ذلك كله ويسقيه الحاج في أيام الموسم حتى تنقضي، في الجاهلية، وصدر الإسلام، حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح، فقبض السقاية؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أعطيكم ما ترزون فيه ولا يرزون منه"؛ فقام النبي صلى الله عليه وسلم بين عضادتي الباب -أي باب الكعبة- فقال: "ألا إن كل دم أومال أو مأثرة كانت في الجاهلية فهي تحت قدمي هاتين، إلا سقاية الحاج وسدانة الكعبة فإني قد أمضيتها لأهلها على ما كانت عليه في الجاهلية"؛ فقبضها العباس رضي الله عنهما، وكان يفعل فيها كفعله دون بني عبد المطلب، وكان محمد ابن الحنفية رضي الله عنه قد كلم فيها ابن عباس؛ فقال له ابن عباس رضي الله عنه: ما لك ولها، نحن أولى بها في الجاهلية والإسلام. قد كان أبوك تكلم فيها فأقمت البينة، وشهد لي طلحة بن عبد الله، وعامر بن ربيعة، وأزهر بن عوف ومخرمة بن نوفل، وأن العباس بن عبد المطلب كطان يليها في الجاهلية بعد عبد المطلب، وجدك أبو طالب في إبله في باديته بعرفة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها العباس يوم الفتح0 دون بني عبد المطلب؛ فعرف ذل من حضر؛ فكانت بيد عبد الله بن عباس بعد أبيه لا ينازعه فيها منازع، ولا يتكلم فيها متكلم حتى توفي. فكانت في يد علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم يفعل فيها كفعل أبيه وحفيده، يأتيه الزبيب من ماله بالطائف وينبذه، حتى توفي؛ فكانت بيد ولده حتى الآن.
1 يعني السقاية، لأن سدانة الكعبة أعادها صلى الله عليه وسلم لبني عبد الدار.
وأما القيادة: فوليها من بني عبد مناف: عبد شمس بن عبد مناف، ثم وليها من بعده أمية بن عبد شمس، ثم من بعده حرب بن أمية؛ فقاد بالناس يوم عكاظ في حرب قريش وقيس بن عيلان. وفي الفجارين: الفجار الأول، والفجار الثاني، وقاد الناس قبل ذلك في حرب قريش، وبني بكر بن عبد مناة بن كنانة، والأحابيش يومئذ مع بني بكر تحالفوا على جبل يقال له: الحبش، على قريش فسموا: الأحابيش، بذلك، ثم كان أبو سفيان بن حرب يقود قريشا بعد أبيه حتى كان يوم بدر؛ فقاد الناس عتبة بن ربيعة بن عبد شمس. وكان أبو سفيان بن حرب في العير يقود الناس؛ فلما أن كان يوم أحد، قاد الناس أبو سفيان بن حرب، وقاد الناس يوم الأحزاب، وكانت آخر وقعة لقريش، حتى جاء الله تعالى بالإسلام وفتح مكة1
…
انتهى، والله أعلم.
1 أخبار مكة للأزرقي 1/ 109- 115.