الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر شيء من أخبار الغلاء والرخص والوباء بمكة المشرفة على ترتيب ذلك في السنين:
فمن ذلك: أنه في سنة ثلاث وسبعين من الهجرة، وقع بمكة غلاء، وأصاب الناس مجاعة شديدة، وبيعت الدجاجة بعشرة دراهم، والمد الذرة بعشرين درهما؛ ذكر ذلك صاحب الكامل1 ولم يبين مقدار المد، والله أعلم بذلك.
ومن ذلك: أنه في سنة إحدى وخمسين ومائتين بلغ الخبز بمكة ثلاث أواق برهم، واللحم رطل بأربعة دراهم، وشربة ماء بثلاثة دراهم؛ ذكر ذلك صاحب الكامل أيضا2.
ومن ذلك: أنه في سنة ستين ومائتين -على ما قال صاحب "الكامل" أيضا- اشتد الغلاء في عامة بلاد الإسلام، فانجلى من أهل مكة الكثير، ورحل عنه عاملها3.
ومن ذلك: أنه في سنة ست وستين ومائتين -على ما قال صاحب "الكامل" أيضا- عم الغلاء سائر بلاد الإسلام من الحجاز، والعراق، والموصل، والجزيرة، والشام، وغير ذلك؛ إلا أنه لم يبلغ الشدة التي بالمدينة4.
ومن ذلك: أنه في سنة ثمان وستين ومائتين -على ما قال صاحب "الكامل" أيضا- صار الخبز بمكة أوقيتين بدرهم، وذكر أن سبب ذلك أن أبا المغيرة المخزومي صار إلى مكة؛ فجمع عاملها جمعا احتمى بهم، فصار أبو المغيرة إلى المشاش -عين مكة- فغورها، وإلى جدة فنهب الطعام وأحرق بيوت أهلها، ثم ذكر ما سبق من سعر الخبز5.
ومن ذلك: أنه في سنة أربعين وأربعمائة -على ما ذكر صاحب "الكامل"- كان الغلاء والوباء عاما في جميع البلاد، بمكة، والعراق، والموصل، والجزيرة، والشام، ومصر، وغيرها من البلاد6.
ومن ذلك: أنه في سنة سبع وأربعين وأربعمائة -على ما قال صاحب "الكامل" أيضا- كان بمكة غلاء شديد، بلغ الخبز عشرة أرطال بدينار مغربي، ثم تعذر وجوده،
1 الكامل لابن الأثير 4/ 352، إتحاف الورى 2/ 91.
2 الكامل لابن الأثير 7/ 166، إتحاف الورى 2/ 330.
3 الكامل لابن الأثير 7/ 272، إتحاف الورى 2/ 336، وكان عامل مكة: إبراهيم بن محمد بن إسماعيل الهاشمي المعروف ببرية.
4 الكامل لابن الأثير 7/ 336، إتحاف الورى 2/ 341.
5 الكامل لابن الأثير 7/ 372، إتحاف الورى 2/ 342.
6 الكامل لابن الأثير 8/ 552، إتحاف الورى 2/ 412.
فأشرف الناس والحجاج على الهلاك؛ فأرسل الله عز وجل عليهم من الجراد ما ملأ الأرض فتعوض الناس به، ثم عاد الحجاج فسهل الأمر على أهل مكة، قال: وكان سبب هذا الغلاء عدم زيادة النيل بمصر -على العادة- فلم يحمل منها الطعام إلى مكة1
…
انتهى.
ومن ذلك: أنه في سنة ثمان وأربعين وأربعمائة -على ما ذكر صاحب "الكامل"- عم الوباء والغلاء سائر البلدان من الشام، والجزيرة، والموصل، والحجاز، واليمن، وغيرها2.
ومن ذلك: أنه في سنة سبع وستين وخمسمائة -على ما وجدت بخط جمال الدين بن البرهان الطبري- بلغ الحب بمكة خمسة أمداد بدينار، ولم يجئ مير، لا في رجل، ولا في شعبان، إلى أن وصلت جلبتان صدقة مشحونتان من عند صلاح الدين رحمه الله فأحيت المسلمين وفرجت عنهم3
…
انتهى.
وما عرفت مقدار المد المشار إليه، هل هو مد الطائف، أو مد أهل بجيلة وما والاها، الذي يقال له الزبيدي، وهو الأقرب، لأنه مد المير المشار إليهم، وهم الجالبون للميرة إلى مكة، والله أعلم.
ومقدار هذا المد: ربعية، وهي ربع الربع المكي الذي يكتال الناس به بمكة الآن، ويبعد كل البعد أن يكون المد المشار إليه في هذه الحادثة -وفيما يذكر من الحوادث- المد المكي لكثرته ويسارة الثمن عنه؛ إلا أن يكون المشار إليه ذهبا، وهو بعيد، والله أعلم.
ومن ذلك: أنه في سبع تسع وستين وخمسمائة -على ما وجدت بخط ابن البرهان أيضا- بلغ الحب فيها صاعا بدينار، وصاعا إلا ربع، وأكل الناس الدم والجلود والعظام، ومات أكثر الناس؛ فلما كان الثامن والعشرون من جماد الآخرة، وجه الخليفة المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين بالصدقات لأهل مكة والمجاورين، وفرج عنهم، فرج الله عنه.
ثم قال بعد أن ذكر المطر الذي كان بمكة في هذه السنة -وقد تقدم ذكره: وجاء شهر رجب الميرة، وابتاعوا الحب ثلاثة أصوع ومدين بدينار4
…
انتهى.
1 الكامل لابن الأثير 9/ 614، إتحاف الورى 2/ 464، در الفرائد "ص: 254".
2 الكامل لابن الأثير 9/ 631، إتحاف الورى 2/ 464، البداية والنهاية 12/ 68، در الفرائد "ص255".
3 إتحاف الورى 2/ 533.
4 إتحاف الورى 2/ 534، در الفرائد "ص: 263".
والصاع هو الزبيدي -فيما أحسب- وهو ربع المد المكي. أو صاع طائفي؛ وهو نحو نصف المد المكي، وفيه بعد، وليس هو الصاع المكي بلا ريب؛ لكثرته ويسارة الثمن، والله أعلم.
ومن ذلك: أنه على رأس سنة ستمائة، كان بمكة غلاء شديد ووباء، ذكر ذلك الشيخ أبو العباس الميورقي؛ لأني وجدت بخطه: أن القاضي عثمان بن عبد الواحد العسقلاني المكي، أخبره أنه ولد سنة سبع وتسعين وخمسمائة، قال: وهذا تاريخ غلاء مصر الكبير، بقي نحو سنتين، ثم كان بأثره غلاء الحجاز المعروف بحوطته نحو سنتين، ثم أمطر الله البلاد؛ فوقع وباء الميلة سنين أيضا على رأس الستمائة
…
انتهى.
ومن ذلك: أنه في سنة ثلاثين وستمائة، أو في التي بعدها كان بمكة غلاء يقال له:"غلاء ابن مجلى"؛ لأن الميورقي قال -فيما وجدت بخطه، بعد أن ذكر فتنة كانت بمكة في سنة تسع وعشرين وستمائة: ثم جاء غلاء ابن مجلى بأثر ذلك
…
انتهى، ولم يبين الميورقي ابن مجلى هذا، وهو أمير كان بمكة من جهة الملك الكامل.
ومن ذلك على ما قال ابن محفوظ: في سنة تسع وأربعين وستمائة: وقع بمكة غلاء عظيم، وأقام الغلاء سنة1
…
انتهى.
ومن ذلك: أنه في عشر السبعين وستمائة، كان بمكة غلاء شديد، ذكر الميورقي؛ لأني وجد بخطه: فاشتد العلاء من آخر سنة ثلاث في الموسم، واستمر سنة أربع وستين، وتمادى إلى سنة خمس وستين ما لم يسمع بمثله في هذا العصر قط. قال: وسمعت علي بن الحسين يتذاكر مع مسعود بن جميل؛ فقالا: إن سنة الغلاء الكبير بالحجاز المعروفة بسنة حوطة، ما دامت، وذكر أن فوقها كان الميلة بالطائف والحجاز، على رأس الستمائة؛ فوجدت الغلاء الكبير؛ فلما فرغ كانت حوطة، وذكر لفي في هذا الغلاء سنة أربع وستين شيخ مصري أن هذا الغلاء اليوم في الحجاز مضاعف على الغلاء الذي الكبير الذي كان بمصر على قرب رأس الستمائة، أباد عالما من المصريين، وأكلوا فيه بعضهم بعضا.
وكان يعجب من صبر أهل الحجاز، وعدم افتضاحهم وكثرة مروءتهم في هذه الشدة، فصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الإيمان في أهل الحجاز".
ووجدت بخطه: وفي أواخر جمادى الآخرة سنة خمس وستين وستمائة في شهر تماز لطلوع الفجر بالفزع اشتد الخوف على البادية لتمام قحط السنين عليهم، وغلاء السعر بالطائف، وبلغ السعر في مكة: الشعير: ربع وثلثيه بدينار، وكان في رمضان.
1 إتحاف الورى 3/ 70، السلوك للمقريزي 1/ 2:382.
وبخطه أيضا: الغلاء الدائم بالحجاز سنة ست وستين وستمائة.
ووجدت بخطه: سنة سبع وستين وستمائة: رابع سنة من سنين جدب قحط الحجاز، وذكر حادثة في هذه السنة.
ووجدت بخطه: وقعت زلزلة على نحو ثلث الليل بالطائف، وبغتهم غرة ربيع الأول سنة خامس قحط الحجاز سنة ثمان وستين وستمائة، ثم جاءت الميرة سنة تسع وستين في ليلة، وسنة سبعين.
ومن ذلك: أنه في إحدى وسبعين وستمائة، كان بمكة فناء عظيم. قال الميورقي: وسمعت الفقيه جمال الدين محمد بن أبي بكر التونسي إمام بني عوف يقول: في آخر رجب سنة إحدى وسبعين وستمائة قال الزوار: خرج من مكة -شرفها الله تعالى- في يوم واحد اثنان وعشرون جنازة، وفي يوم خمسون جنازة، وعد أهل مكة ما بين العمرتين من أول رجب إلى سبع وعشرين من رجب نحو ألف جنازة1.
ومن ذلك: أنه في سنة ست وسبعين وستمائة، كان الغلاء بمكة مستمرا2؛ لأجل الفتنة التي كانت بين صاحب مكة وصاحب المدينة، مع اتصال الجلاب من سواحل اليمن وعيذاب وسواكن؛ ذكر ذلك: زيد بن هاشم الحسني وزير المدينة النبوية في كتاب كتبه للميورقي، على ما وجدت بخطه فيه.
ومن ذلك: أنه في سنة إحدى وتسعين وستمائة، على ما وجدت بخط ابن محفوظ: وكانت الحنطة ربعا بدينار
…
انتهى. والربع المشار إليه هو الربع المد المكي في غالب الظن، والله أعلم3.
ومن ذلك: أنه في سنة خمس وتسعين وستمائة -على ما وجدت بخط ابن الجزري الدمشقي في "تاريخه"- وصلت الأخبار بأن الغلاء كان بمكة والحجاز، وأن غرارة القمح بيعت بألف ومائتين درهما
…
انتهى بالمعنى باختصار.
ولم يبين ابن الجزري الغرارة المشارة إليها، ويحتمل أن تكون الغرارة الشامية، ومقدارها، غرارتان مكيتان، ونحو نصف غرارة، ويحتمل أن تكون الغرارة المكية، والأول أقرب، والله أعلم4.
1 در الفرائد "ص: 284"، وإتحاف الورى 3/ 102.
2 إتحاف الورى 3/ 108.
3 إتحاف الورى 3/ 102، ودر الفرائد "ص: 287".
4 إتحاف الورى 3/ 128، والسلوك للمقريزي 1/ 3:815.
ومن ذلك: أنه في سنة سبع وسبعمائة -على ما قال البرزالي في تاريخه: كان في وسط هذه السنة بمكة غلاء شديد بيعت غرارة الحنطة بألف وخمسمائة درهم، والذرة بأكثر من تسعمائة، وكان سبب الغلاء أن صاحب اليمن الملك المؤيد قطع الميرة عن مكة، لما بينه وبين صاحب مكة حميضة1 وميثة2 ابني أبي نمي، ولم يزل الحال شديدا إلى أن وصل الركب الرجبي؛ فنزل السعر، ثم ورد من اليمن السبلات بعد منعها، فعاش الناس، وكان وصول الركب الرجبي مكة في رمضان، وتوجهوا من القاهرة في سابع عشر من رجب، فكان فيه فوق ألفي جمل وراحلة، وكان الماء في هذه السنة يسيرا يحمل إليها من بطن مر، ومن أبي عروة وغيره، وسبب ذلك: قلة المطر بمكة سنين متوالية
…
انتهى بالمعنى.
والغرارة المشار إليها هي الغرارة الشامية في غالب ظني، والله أعلم3.
ومن ذلك: أنه في سنة إحدى وعشرين وسبعمائة -على ما قال البرزالي في "تاريخه": اشتد الغلاء بالحجاز وبمكة وما حولها؛ فبلغ القمح الأردب المصري مائتين وأربعين درهما، وأما التمر فعدم بالكلية، والأسمان تلاشت؛ حتى قيل إن السمن بلغت منهم كل أوقية خمسة دراهم، واللحم كذلك، المن بخمسه دراهم
…
انتهى بالمعنى4.
والوقية المشار إليها هي في غالب ظني الوقية المكية، ومقدارها رطلان مصريان ونصف رطل، ويقال: رطلان وثلث، والأول هو الذي عليه عمل الناس اليوم، والمن المشار إليه سبعة أرطال مصرية إلا ثلث، ويحتمل أن يكون المراد بالوقية الوقية الشامية، وهي خمسون درهما وفيه بعد، والله أعلم.
والرطل المصري مائة وأربعة وأربعون درهما.
ومن ذلك: أنه في سنة خمس وعشرين وسبعمائة بيع القمح الأردب في جدة ساحل مكة، بمبلغ ثمانية عشر وسبعة عشر درهما كاملية، والشعير بمبلغ اثني عشر، نقلت ذلك من خط ابن الجزري في "تاريخه"، وذكر أن المحدث شهاب الدين المعروف بابن القدسية أخبره بذلك، لما عاد من مجاورته بمكة في هذه السنة5.
ومنها: أنه في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة -على ما قال البرزالي في "تاريخه" نقلا عن كتاب عفيف الدين المطري- كانت مكة في غاية الطيبة والأمن والرخاء، القمح
1 الدر الكامنة 2/ 78-81 ترجمة رقم 1627.
2 الدر الكامنة 2/ 111-112 ترجمة رقم 1728.
3 إتحاف الورى 3/ 144.
4 إتحاف الورى 3/ 173، ودرر الفرائد "ص: 299، 300"، والسلوك للمقريزي "2/ 1: 238".
5 إتحاف الورى 3/ 180.
الأردب بأربعين درهما، والدقيق بثمانية، واللحم كل من بأربعة دراهم مسعودية، والعسل الهاجر المليح كل من بدرهمين، والسمن الوقية بثلاثة دراهم، والجبن كل من بدرهمين، وبها من الخير، وكثرة المجاورين ما لا يسمع بمثله
…
انتهى1.
والمن المشار إليه هنا في العسل والجبن ثلاثة أرطال مصرية.
ومن ذلك: أنه في سبع وأربعين وسبعمائة، على ما قال ابن محفوظ، حصل على الناس غلاء عظيم في أيام الموسم والحج، ابتيعت الغرارة الذرة بمائة وأربعين، والحنطة بمائة وسبعين، والتمر بثلاثة دراهم المن، والملح سدسية بدرهم كاملي، ثم قال: ودام الغلاء في الناس شهرين بعد الحج2
…
انتهى.
ومن التمر المشار إليه، هو ثلاثة أرطال مصرية.
ومن ذلك: أنه في سنة ثمان وأربعين وسبعمائة -على ما قال ابن محفوظ- وقع الغلاء في الموسم، ولم يبين ابن محفوظ مقدار هذا الغلاء، والله سبحانه وتعالى أعلم بحقيقة ذلك3.
ومن ذلك: أنه في سنة تسع وأربعين وسبعمائة، كان الوباء الكبير بمكة وغيرها، وسائر الأقطار، وعظم أمره بديار مصر4.
ومن ذلك: أنه في سنة تسع وخمسين وسبعمائة -على ما قال ابن محفوظ- حصل على الناس الغلاء في المأكول جميعه، ولم يبين ابن محفوظ مقدار هذا الغلاء، ثم قال: ورحلت الحواج جميعها في اليوم الثالث وقت الظهر من منى5
…
انتهى.
ومن ذلك: أنه في سنة ستين وسبعمائة -على ما ذكر ابن محفوظ- كان الغلاء مع الناس من أول السنة وخلت مكة خلوا عظيما، وتفرق الناس في سائر الأقطار لأجل الغلاء وجور الحكام بها
…
انتهى ملخصا بالمعنى.
ومن ذلك: أنه في آخر السنة -على ما أخبرني به من اعتمده من الفقهاء المكيين- أن الغرارة الحنطة بيعت بمكة بستين درهما كاملية، بعد وصول العسكر من مصر إلى مكة في هذه السنة.
وذكر ابن محفوظ: أنه بعد وصول هذا العسكر إلى مكة أسقط المكس في سائر المأكولات، وارتفع من مكة الظلم، وانتشر العدل والأمان، وذلك ما أظهر مقدم
1 إتحاف الورى 3/ 187، والعقود اللؤلؤية 2/ 51، والسلوك للمقريزي 2/ 1:303.
2 إتحاف الورى 3/ 232، ودر الفرائد "ص: 308".
3 إتحاف الورى 3/ 225.
4 إتحاف الورى 3/ 238.
5 إتحاف الورى 3/ 274، ودرر الفرائد "ص: 310".
العسكر الأمير "جركتم المارديني" من الأمور المقتضيى لذلك، وقد ذكرنا شيئا من خبر هذا العسكر في ترجمة محمد بن عطيفة الحسني، الذي قدم مع هذا العسكر من مصر إلى مكة متوليا أمرها.
ومن ذلك: أنه في سنة ست وستين وسبعمائة، كان بمكة غلاء عظيم، حصل للناس منه مشقة عظيمة؛ بحيث أكل الناس الميتة -على ما قيل- وذلك أنه وجد بمكة حمار ميت، وفيه أثر السكاكين، وأصيبت المواضي بالجرب، وتعرف هذه السنة بسنة أم الجرب، واستسقى الناس بالمسجد الحرام، فلم يسقوا، وأحضرت المواشي إلى المسجد للاستسقاء، وأدخلت فيه، ووقفت في جهة باب العمرة إلى مقام المالكية، ثم فرج الله عز وجل هذه الشدة عن الناس بالأمير يلبغا العمري المعروف بالخاصكي مدبر المملكة الشريفة بالديار المصرية، تغمده الله برحمته؛ لأنه أرسل بقمح فرق على المجاورين بمكة؛ وذلك أن بعض خواصه ممن أرسله لعمارة المسجد الحرام عرفه بما الناس فيثه من الشدة بمكة؛ فلما بلغه الخبر أمر من فوره بألف أردب قمح طيب، فجهزت إلى مكة في البر، غير ما أمر بتجهيزه في البحر، وفرقت على من بها من الناس أحسن تفرقة، وما شعر الناس بها إلا وهي معهم1.
ومن ذلك: غلاء شديد وقع في سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة بيعت فيه الحنطة: الغرارة بمكة بخمسمائة درهم كاملية وأربعين درهما، وأكل الناس سائر الحبوب واختبزوها، ثم فرج الله تبارك وتعالى على الناس بصدقة قمح، أنفذها الملك الظاهر برقوق، رحمه الله2.
وحصل في هذه السنة أيضا بمكة وباء، وبلغ الموتى فيه في بعض الأيام أربعين، على ما قيل3.
ومن ذلك: رخاء في سنة ست وتسعين وسبعمائة بيعت فيه الغرارة الحنطة بسبعين درهما كاملية في زمن الموسم4.
ومن ذلك: غلاء كان بمكة في آخر سنة سبع وتسعين وسبعمائة بعد الحج، ولم يبلغ مقدار الغلاء الذي كان في سنة ثلاث وتسعين، وإنما بلغت فيه الغرارة الحنطة ثلاثمائة درهم وثلاثين درهما5.
1 إتحاف الورى 3/ 302، والبداية والنهاية 14/ 309، والسلوك للمقريزي 3/ 97.
2 إتحاف الورى 3/ 379، والعقد الثمين 1/ 210.
3 إتحاف الورى 3/ 379، والعقد الثمن 1/ 210، ودرر الفرائد "ص: 315".
4 إتحاف الورى 3/ 391، ودرر الفرائد "ص: 315"، والسلوك للمقريزي 3/ 2:819.
5 إتحاف الورى 3/ 196.
ومن ذلك: غلاء كان في أثناء خمس وثمانمائة بيعت فيه الغرارة الحنطة بنحو خمسمائة درهما كاملية، والذرة بنحو ثلاثمائة وخمسين درهما كاملية، ودام ذلك أياما يسيرة1، ثم فرج الله علي بالناس قريبا بجلاب وصلت من سواكن، وبلغ المن السمن في هذه السنة مائة وخمسين درهما كاملية، والمن المشار إليه اثنتي عشرة أوقية، وقد تقدر مقدار الأوقية، وهذا أغلا قدر بلغ إليه سعر السمن فيما رأينا، وأرخص شيء بلغ إليه السمن فيما رأيناه، أن بيع المن السمن بنحو ثلاثين درهما كاملية، وخزنه الناس كثيرا بهذا المقدار، وبلغ في بعض السنين أيام الحج بمنى دون ذلك، وبلغني عن بعض المشايخ أنه رأى السمن يباع بمكة، كل من سمن باثني عشر درهما كاملية، كل أوقية بدرهم، قال: وخزنه الناس كثيرا بهذا السعر، وأما القمح فلم نره بلغ في الرخص ما بلغ في سنة ست وتسعين وسبعمائة، بيعت الغرارة الحنطة بسبعين درهما كاملية.
وبلغني عن بعض المشايخ، أن رآها بيع بمكة بأربعين درهما كاملية، وهذا يقرب من الرخص الذي نقله ابن الجزري عن ابن القدسية، وأما الذرة فرأيناها بيعت بمكة بأربعين درهما كاملية، وربما بيعت كل ثلاث غراير ذرة بمائة درهم كاملية وتسعين درهما، بتقديم التاء؛ وذلك بعد التسعين وسبعمائة، وهذا أرخص شيء رأيناه في سعر الذرة بمكة، ثم بلغت بعد ذلك بنحو الستين والسبعين في أوائل هذا القرن، ثم ارتفعت عن ذلك في آخر سنة إحدى عشرة وثمانمائة، وبلغت قريبا من مائة وخمسين ثم ارتفع سعرها وسعر الدخن، والحنطة، والشعير، والدقة، وسائر المأكولات في آخر سنة خمس عشرة وثمانمائة.
وفي سنة ست عشرة وثمانمائة ارتفع ارتفاعا لم يعهد مثله؛ لأن الغرارة الحنطة بكيل مكة قد بيعت في الجملة بعشرين إفرنتيا، وبيعت بعرفة بأزيد من عشرين كما سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى.
وكان ابتداء مشقة هذا الغلاء على الناس في آخر شهر رمضان، عن استقبال عيد الفطر المبارك من سنة خمس وعشرة ثمانمائة2، بلغ ربع الحب الحنطة في هذا التاريخ اثني عشر مسعوديا، بعد أن كان بثمانية ونحوها، ثم صار يرتفع قليلا قليلا؛ حتى بلغ الربع: ثمانية عشر مسعوديا، ودام على ذلك إلى الموسم من سنة خمس عشرة وثمانمائة، وربما بلغ في ذي القعدة من هذه السنة سبعة وعشرين مسعوديا، وعند وصول المراكب إلى مكة من اليمن، ولم يكن ذلك إلا أياما قليلة، ثم عاد السعر إلى
1 إتحاف الورى 3/ 432.
2 إتحاف الورى 3/ 498، ونزهة النفوس 2/ 319، والسلوك 4/ 1:253.
الثمانية عشر وأزيد، وسبب ذلك: أن متولي أمر المراكب اليمانية القاضي أمي الدين مفلح التركي الملكي الناصري -أعزه الله- أمر ببيع بعض ما معه من الطعام، وأرخص في البيع، وتصدق أيضا ببعضه، ثم ترك لاحتياجه إلى ما معه، وعندما حصل هذا النقص في السعر، ترك الإمام القنوت في الصلاة، وكانت قد قنت فيها شهرا أو نحوه، وكان ابتداء القنوت في يوم الجمعة عاشر شوال سنة خمس عشر -وثمانمائة، ولما وصل الحجاج في هذه السنة تهافتوا على جميع المأكولات، فارتفعت الأسعار في جميعها ارتفاعا لم يعهد مثله في زمن الموسم، وأرخص ما بيع الحب به بعد تكامل وصول الأعراب من بجيلة وغيرها؛ الجالبين للأطعمة إلى مكة، كل غرارة مكسية بعشرة إفرنتية؛ وذلك في اليوم السادس من ذي الحجة الحرام من هذه السنة. ثم ارتفعت الأسعار بعرفة ومنى؛ فببيع الدقيق كل ويبة مصرية بإفرنتيتين وعشرين درهما، والشعير كل ويبة بإفرنتيتين، والحب كل ربع مد مكي بسبعة وعشرين درهما مسعودية، وتسقيم الغرارة من هذا السعر بتسعة عشر إفرنتية ونحوها؛ لأن الإفرنتي كان يباع في زمن الموسم بمنى بسبعة وخمسين مسعوديا ونحوها، والغرارة هي أربعون ربعا مكيا، ونزل الإفرنتي إلى خمسين مسعوديا ونحوها.
فلما توجه الحاج من مكة بيع الحب الحنطة كل ربع مد مكي بسبعة وعشرين مسعوديا، ونزل الإفرنتي إلى خمسين مسعوديا أو نحوها، والمثقال الذهب الهبرجي إلى ستين مسعوديا أو نحوها، وتستقيم الغرارة على ما ذكرناه من سعر الحب بإحدى وعشرين إفرنتيا وأزيد، وبالمثاقيل بثمانية عشر مثقالا، وبيع الغرارة في أثر سفر الحجاج في السوق بالمسعى بعشرين إفرنتيا، ودام سعر الحب كل ربع بسبعة وعشرين مسعوديا، والذهب على ما ذكرناه من السعر، إلى أثناء المحرم من سنة ست عشرة وثمانمائة ثم صار ينقص درهما ودرهمين، وشبه ذلك في بقية المحرم وصفر، ثم نقص أكثر من ذلك عند طيب النخل وقت الصيف، من سنة ستة عشرة وثمانمائة، وبيع الرع في هذا التاريخ بنحو عشرين مسعوديا؛ لاكتفاء كثير من الناس بالبلح، ثم نزل بعد ذلك إلى ستة عشر مسعوديا ونحوها، ورأى الناس ذلك رخيصا بالنسبة إلى ما كان عليه في الموسم سنة خمس عشرة وثمانمائة وبعده، وهو غلاء بالنسبة إلى ما كانوا يعهدونه من السعر في الحنطة وغيرها، في أول سنة خمس عشرة، والغرارة من حساب ستة عشر، بنحو من عشرة إفرنتية؛ لأن صرف الإفرنتي في شهر رمضان سنة ست عشرة: ستون مسعوديا ونحوها، وهي على ذلك في شهر رمضان في سنة ست عشرة، وبيعت الدقسة بأثر الموسم، كل ربع باثني عشر مسعوديا، والشعير بمثل ذلك، الذرة والدخن سعرهما يقارب سعر الحنطة من ابتداء الغلاء، وإلى تاريخه، وبيع التمر بأثر الموسم كل من بتسعة مسعودية، وربما بيع بأكثر
من ذلك في الموسم، وبيع فيه الأرزد بأربعة إفرنتية، الويبة والنوى لعلف الجمال، كل ويبة مصرية بإفرنتي وربع.
ووقع الغلاء في الموسم في الخضر أيضا، حتى بيعت البطيخة الكبيرة بإفرنتي وأزيد، بعرفة ومنى، وهذا شيء لم يسمع به، وسبب هذا الغلاء مع المقدور: قلة الغيث بمكة في سنة خمس عشرة وثمانمائة عما يعهد، ولم يصل إلى مكة مما كان يصل إليها من الذرة من بلاد سواكن، ومن اليمن، لغلاء وقع فيهما، ولا سيما بسواكن؛ فسبب الغلاء فيها: أكل الجراد لزرع بلاد الداع التي يحمل منها الذرة إلى سواكن؛ فبلغ السعر فيها في هذه السنة ست عشرة وثمانمائة، كل غرارة مكية ذرة بثلاثين مثقالا ذهبا، وهذا شيء لم يعد فيها مثله من دهر طويل.
وسبب الغلاء ببلاد اليمن: قلة الزرع بها لقلة المطر، وصار أهل اليمن وأهل سواكن يجلبون الذرة إليها من قرية يقال لها فنونا، بقرب حلي، ومنها أيضا يجلب ذلك إلى مكة، وما عرفت أن مثل هذه القرية الصغيرة تمير أهل اليمن وسواكن؛ فسبحان القادر على كل شيء، وهو المسئول في اللطف وكشف البلاء.
ووقع بعد ذلك بمكة غلاء كثير ورخص كثير.
فمن ذلك: أنه في سنة تسع عشرة -بتقديم التاء- وثمانمائة، كانت الغرارة الحنطة اللقيمة المليحة بخمسة إفرنتية، والغرارة المابية، وهي نوع دنيء من الحنطة بأربعة إفرنتية، وربع الغرارة الذرة بثلاثة إفرنتية، وبيعت في وادي مر بإفرنتيتين وستة دنانير مسعودية، وصرف الإفرنتي خمسة عشر دينار مسعوديا بالوادي، والسمن كل وقية بسبعة مسعودية، ويستقيم المن بإفرنتي وثلث ونحو ذلك، واللحم كل من بستة مسعودية، والتمر كل من بدرهمين مسعوديين. وكان صرف الإفرنتي بمكة بأربعة وخمسين مسعوديا، وربما زاد قليلا.
ومن ذلك غلاء وقع بعد الموسم من هذه السنة، وامتد إلى أوائل سنة عشرين وثمانمائة، ولم تطل مدته، وبلغت فيه الغرارة الذرة ثلاثة عشرة إفرنتيا.
ومن ذلك رخاء في سنة إحدى وعشرين وثمانمائة في الذرة، بيعت الغرارة بمكة بثلاثة إفرنتية، وبجدة بإفرينيتين وربع وبإفرينيتين ونصف، وبيع في هذه السنة العسل كل سبعة أمنان بإفرنتي، ولم يعهد مثل ذلك قبله في العسل، من مدة سنين1، ثم غلا سعره وسعر الذرة في بقية سنة إحدى وعشرين، وفي سنة اثنين وعشرين وثمانمائة، وبلغت فيه
1 إتحاف الورى 2/ 561، واستبدل بالإفرنتي لفظ "الأفلوري".
الغرارة الذرة بمكة ثمانية إفرنتيا، وكذلك الغرارة الدخن وبلغت فيه الغرارة الحنطة: اثني عشرة إفرنتيا إلا ربع إفرنتي، ثم نزلت إلى عشرة إفرنتية ودون ذلك، والذرة والدخن لم ينقص سعرهما عن الثمانية الإفرنتية، إلى جمادى الأولى من سنة اثنين وعشرين وثمانمائة، ونسأل الله اللطف.
وفيما أشرنا إليه من هذا المعنى كفاية من أمر الغلاء والرخص والوباء بمكة المشرفة، وقد خفي علينا كثير من ذلك لعدم العناية في كل عصر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.